يوسف أبو لوز (2) ( فخري صالح )
يوسف أبو لوز (2)
للكاتب فخري صالح
* الدستور الأردنية
إذا كان يوسف أبو لوز يعود على الدوام إلى عالم الذكرى، إلى العناصر البكر، الرعويّة ـ الصحراويّة والحلميّة الأموميّة الطقسيّة، ليشكّل منها مادة قصيدته، فإن حسّ النهاية، الذي يبدو ملازماً لقصائد هذه المجموعة، هو القرينُ المتوقّع للذكرى الفردوسيّة المبتعدة في غبار النقع الذي خلّفته الأيام. وهو ما يجعل التأمّل في الماضي يفضي إلى القبض على حكمة العيش بأثر رجعيّ. ويمكن القول إن قصيدة «الحياة» تلخّص معنى الوقوع على الحكمة، حيث لا تنفع الذكرى، ممزوجاً بحسّ المنفى والبلاد الغائبة المأخوذة التي سبق الغزاةُ الشاعرَ إليها، وكذلك بالإدراك المتأخّر أن حياةَ الشخص هي ما خلّفه وراءه لا ما يسعى محموماً إلى ملاقاته في مستقبل غامض منشود.
كلما أتقدم في العمر
أعرف أن بلادي أمامي
فأحث الخطى
وأخفف أمتعتي لأطير إليها
وأنظر خلفي لئلا يكون الغزاة ورائي.
أتلفت ثانية وأحث الخطى صائحاً
يا بلادي «انطريني» قليلاً
بلادي «انطريني».
إنني الآن في آخر القرن
مازلت أركض
والعمر يركض بي
والغزاة ورائي
ولكنهم سبقوني إليها.
كلما أتقدم في العمر
أعرف أن حياتي ورائي
فأبكي عليها. (ص: 22- 23)
لكن هذا الاكتشاف المتأخّر لا يمنع الشاعر من النظر إلى حياته الماضية بوصفها مزيجاً من المتعة والكرْب، السعادة المؤقتّة والشقاء المستمر. في قصيدة تالية، يضع لها الشاعر عنواناً مماثلاً لعنوان القصيدة السابقة «حياة»، نقع على حكمة العيش نفسها، على خلاصة تجربة العصور.
كيف كانت حياتك؟
سوداء بيضاء.
دارَ التذاذ بما لذ من حجر أو مياه
وقرنَ حديد محمّى
تدلّيتُ من طرفيه
ـ أين حبك؟
ـ ضاع وضيعني معه.
كالأمير الذي ارتد حارسه في القتال عليه.
ـ أين موتك؟
ـ ها أنذا في الطريق إليه. (ص: 24)
تبدو القصيدتان وكأنهما تقدمان تنويعاً على اللحن نفسه، نوعاً من تقليب المعنى وعرضه على أكثر من دلالة. إنهما، بتتابعهما في صفحات هذه المجموعة الشعرية، تؤكدان على عدميّة العيش ومؤقتيّته، على عدم التحقق، فلا الماضي كان فردوسيّاً في حقيقته، ولا المستقبل واعدٌ بالجنة المنشودة. وهو استنتاجٌ شعريّ يقوّض عالم يوسف أبو لوز الذي انبنى كلّه على هذا الحلم الفردوسي الذي أقامه من حجرٍ وماءٍ وكتابة. لكن هاتين القصيدتين، اللتين تشكّلان نقضاً للحلم التعويضيّ الذي يبنيه الشاعر في قصيدته عن حاضرٍ مُتوَهّم يقود إلى الخسارة، لا تهجران اللغة الفردوسيّة الحلميّة ذاتها التي نعثر عليها في معظم كتابة أبو لوز الشعريّة، فهما كلاهما ترجّعان صدى الإحساس بخسارة ذلك العالم الذي مضى ولن يعود؛ ثمّة بلاد ضائعة وغزاةٌ يزحمون الأفق، وعمرٌ خلفّه المرء وراءه، وطيرانٌ لا يقود إلى فردوس محلومٍ به، وحجرٌ ومياهٌ هما أصل الكون والوجود (أي أنهما مادة العالم الفردوسيّ نفسها)، وعذاباتٌ، وحبٌّ مفتقد، وحارسٌ خائن، وموتٌ نحثّ الخطى إليه.
ما أقصد قولَه هو أن يوسف أبو لوز يسعى في شعره كلّه إلى الدوران حول موضوع واحد لا ثانيَ له: الذكرى والخسارة. وهو يعبّر عن تجربة الخسارة والفقدان بالعودة إلى الطفولة والصبا، والبلاد الضائعة، والبيوت التي رحلَ عنها، والنساء اللواتي تركهن أو تركنه (أمس، ضيعت بيتاً/ فمن «شاف» بيتاً يشابهني/ من رآه؟/ أمس،/ أحببت أحلى فتاة،/ وضيعتها مثل بيتي الذي/ لن أحب سواه، ص: 66). وليست كتابة الشعر، في هذه الحالة، سوى محاولة مستميتة لرأب صدع الذكرى والخسارة، لترميم حائط النسيان. إنه، كما يقول، يكتب شعراً، لكي يتذكّر، «بين ملحٍ وسكّر» (ص: 67).
رد: يوسف أبو لوز (2) ( فخري صالح )