من يعرف "أبو حصان"؟- مقال للكاتب/ أحمد أميري
بسم الله الرحمن الرحيم
من يعرف "أبو حصان"؟
92...8A%D8%A9/2.jpg
*الكاتب/ أحمد أميري:
سيعرف أحفادنا عن أجدادنا، لكنهم لن يعرفوا عنا، فكل ما هو متعلّق بجيل ما قبل النفط، وتحديداً أجواء خمسينيات القرن الماضي وما قبلها، نعرف ملامحه ونشعر به من خلال المسلسلات والبرامج والمتاحف والكتب التي أرّخت لتلك الفترة. ويكفي أن تتابع بعض مسلسلات رمضان لتعود إلى مرحلة ما قبل النفط بتفاصيلها الصغيرة.
نعرف كيف كانوا يعيشون ويأكلون ويتكلمون ويتعلمون ويتزوجون، وملابسهم وزينتهم وأثاث بيوتهم وأدوات صيدهم وقنصهم واستخراجهم اللؤلؤ وتجارتهم، وأنا أعرف لون السروال الذي كان يرتديه جدي.
لكن سيأتي على الدنيا يوم نكون فيه نحن جزءاً من تاريخ الناس، ففي سنة 2050م مثلاً، ربما لن يكون أحد منا على وجه الأرض وإنما تحت الثرى، وهناك بشر يهمهم أن يعرفوا تفاصيل حياة من مضوا، أي نحن: كيف كانت طفولتنا، وكيف كبرنا، وماذا تعلمنا، وأين ومتى وكيف ولماذا؟
هناك فترة ضائعة أو ستضيع مع الأيام، وهي تقريباً الفترة من عام 1950م إلى عام 2000م. نصف قرن ضائع، كنا مشغولين فيه بالتأريخ لمن كانوا قبلنا، ولا بد أن من سيأتون بعدنا، سيؤرّخون لنا، لكنهم لن يجدوا شيئاً، لأننا لم نحفظ لهم ما طواه الزمن وداسته الحضارة وضاع مع التقدم التكنولوجي السريع.
ربما يخطر بالبال أن أيامنا اليوم لا تختلف كثيراً عن أيام ما قبل الألفية ولن تختلف في شيء بعد خمسين سنة، لأننا وصلنا الذروة وأصبحت الدنيا "Game Over" وانتهت لعبة التطور والتحديث. لكن كل يوم هناك شيء جديد يقوم على أنقاض آخر قديم، في كلامنا، وملابسنا، وعلاقاتنا، ومدننا، وأكلاتنا، وأسعارنا، وأدواتنا، وسوالفنا، وبيوتنا، وسياراتنا.. ولا أحد يعلم ماذا سيبقى من أوجه حياتنا الحالية بعد التوسّع في علم "النانو".
من سيعرف بعد 50 سنة شيئاً عن كمبيوتر "صخر"، ومكيف "أبو حصان"، وسيارة "GT" آسرة قلوب شباب تلك الأيام، ومن قضوا نحبهم على شارع دبي- العين حين كان بمسرب واحد، والبائع الذي كان يعد مطعماً متحركاً يضع على رأسه كرتون به سمبوسة يصنع من سندوتشات لذيذة، والملاعب الترابية التي كانت تقام في الأحياء الشعبية، وملاحقة سيارة تعقيم الأحياء الشعبية التي كانت تطلق الدخان الأبيض، وقطف ثمار بعض الأشجار كشجرة اللوز بواسطة قذف الثمار الحمراء والخضراء بالنعال.
وإذا جاء يوم وكانت مدننا مرتعاً للقطارات السريعة، فمن سيخطر بباله أننا اليوم نعاني من الازدحام الخانق في شوارعنا، ومن سيتذكر كيف نسينا إغلاق أفواهنا في اليوم الأول من دخولنا عالم الإنترنت، وطريقة الدروس في مدارسنا وجامعاتنا، وبيئات عملنا ومكاتبنا، ووجهتنا السياحية المفضّلة. ومن سيتذكر الطريق إلى بيت الله الذي يستغرق الآن نصف نهار حين يكون على ظهر كل واحد من أبناء أحفادنا صاروخ يحمله إلى أي مكان في العالم في دقائق.
هذه التفاصيل وغيرها معرّضة للاندثار والضياع، ربما لأننا نزهد فيها الآن ونعدها أشياء غير مهمة لأننا عاصرناها وكانت جزءاً من حياتنا ويومياتنا، لكن كما نهتم نحن الآن بمن مضوا، فيفترض أن من سيأتون بعدنا سيعنيهم أمرنا، لذلك لا بد للمهتمين بالتاريخ والتراث والفن والثقافة أن يبدؤوا في جمع وتوثيق تفاصيل حياتنا، لتكون متوافرة بين يدي الأجيال القادمة.
رد: من يعرف "أبو حصان"؟- مقال للكاتب/ أحمد أميري
شكرا مختفى ذكرتني بالي مضى