-
أعلنتُ عليكم الدوران
منذ فترة وهي تدور بدون توقف، لا تتعب، تطير في كل الاتجاهات، ورؤوس الموظفين المنثورة بالغرفة تسبح في فلكها، كانت مُعَلّقة هي ورئيس القسم فوق الطاولة، لأنّ هذه هي عادته عندما يريد أن ينظر من الشباك ليتأكد من قدوم سيارة المدير العام وهو يقول لاهثاً : لقد وصل. ويبدو أنّها لم تصبه وحده بمرض اللهاث، بل أصابتنا جميعاً، والأسوأ أنّها جعلتنا نشبهها تماماً، دقّقتُ في الوجوه، فوجدتُ الجميع يملكون وجهاً واحداً بأنفاس متقطّعة، حَوَّلته السرعة لإنسان فَقَدَ التوازن مذ جلس على هذا الكرسي، ونال لقب موظّف.
واليوم ولسبب لن تستطيع أن تخفيه، أعلنتْ علينا الدوران، فمن الواضح أنّها تريد فضح أسرارنا :
لذلك اختارت أكبر طاولة، كانت سعاد تتحصن بها، وتخفي حياتها بين أدراجها الكثيرة، لتبقى صامتة أبداً وضحكة مالحة مستلقية على فمها راحت تعصف بها، فتطايرت الأوراق من فوقها، وتفاجأنا بسعاد تقول :
أنا مطلّقة، طَلّقني بعد زواجنا بسنة لأن والدته لم تحبني، وها أنا أعمل لأعيل نفسي وولدي بهذا المعاش الشحيح.
ثم سحبت مع خيط الصوف الذي كانت تحيك به سترة صوفية أملاً أخذ يدور في مكانه، وندور جميعنا معه.
ولم نكد نلتقط أنفاسنا، حتى جاء دور هيام التي لم تستطع أن تتوقف عن البكاء، لقد كنتُ أظنها حاسوبا فقط، يؤدي عمله بمنتهى الدقة، لكن هذه الإنسانة العادية في كل شيء، أثبتت أن الوجود بأسره يتحرك في داخلها، صحيح أنها لا تملك شيئا استثنائيا، لكنّها تخلق التميّز من البساطة، فهي تعمل، وتعمل، وتحب، ولقد عرفتُ ذلك عندما سألتها عما يبكيها، فأجابتني: إنه لم يعد يحبني.
قلت : لمَ.
قالت :إن الذي أحبه يلفظ الراء بطريقة غريبة، ويعتذر بالفرنسية إن أخطأ، ويتصرف بشكل مزخرف لم أجد وقتا لأتعلمه، ولكوني واقعية قررت أن أنساه.
وهنا غصّت هيام، وشردت في ذكريات راحت تدور، وتدور معها أيامها، لتحكي كيف أنها خُطبت للعذاب، وارتبطت بشخص مجرد مقارنته بالأول تعني قذفها عانسا طول العمر.
ومنذ ذلك اليوم، يوم الدوران المجنون، وأنا أخجل من نفسي لأنني لا أملك مشكلة أُهوِّن بها عليها وعلى سلوى، وكأنني المسؤولة، لستُ أدري لماذا ؟ ولكن الأكيد أنني لا أملك حلّاً لهما، لذلك كلما التقت عيوننا أهرب من نظراتهن، لأهرول بين السقف والأرض.
استمرّ الدوران، واستمرَّتْ معه بالتمتع بمنظرنا ونحن نتعثر، ونواصل وعندما تعبتُ، وتوقّفتُ لآخذ قسطاً من الراحة، رأيتُ علامات التعب أيضا على وجه غسان، فسألته لكنه لم يجبني، بل لفّ أصبعه في حركة دائرية، وعرفتُ حالاً أنه يفكر بمستقبله وكم سنة عليه أن ينتظر قبل أن يكون له بيتٌ وزوجة وأولاد، لقد رفض الكثير من عقود العمل في الخارج، لأنه متمسك ببلده، لكنه أكدّ لي أيضا عندما خرج عن صمته بأنه يرفض أن يموت راهباً بين صكوك الغفران التي تعلو طاولته، أو مُمَزقا بأجنحة لا أحد يعرف متى تقرر أن تتوقف لتهوي فوق رأسه ورؤوسنا جميعا.
وفي كل مرة حاولت فيها أن أَنْفَلِتْ من نطاق تأثيرها، وأن أختبئ في زاوية لا تطالني فيها، كنتُ أُحس بأن المخ ليس أكثر من نقطة ارتكاز يدور حولها الرأس، ويدور لكن دون جدوى ...
وأخيراً اكتشفتُ كم أنا محظوظة، فأنا في بعض الأحيان أستطيع التوقف أمّا غيري فلا يملك أن يتوقف ليستجمع أنفاسه ولو للحظات يكتشف فيها سر جاذبية تلك المروحة.