-
لمن يكتب الكاتب؟
-
لمن يكتب الكاتب؟
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
ما من كاتب يكتب لنفسه، رغم أننا نسمع بين الحين والآخر من يتحدث عن كتابات غير منشورة كتبها لنفسه فقط لا للآخرين. ربما يصح هذا على أي فرد يجد نفسه في لحظة من اللحظات راغباً في التعبير عما يجيش به صدره، بإفراغه على الورق أو على سطح مكتب الحاسوب، كنوع من الرياضة للتخلص من الضغوط، أو التعبير عن فكرة مؤرقة، كأننا بذلك نقوم، عبر الكتابة، بعصف ذهني، ولكن بيننا وبين ذواتنا فقط.
لكن حين يدور الحديث عن الكاتب المحترف فمن العبث القول إنه يكتب لنفسه. إنه يكتب وفي ذهنه القارئ. يكتب وهو يرغب في أن يقرأ آخرون ما كتبه، حتى لو كان هؤلاء الآخرون مجرد شخص واحد.
لا نعني هنا ما يعرف بالكتابة الملتزمة، أي أن يتبنى الكاتب القضايا العامة فيما يعبر عنه، وأن يكون شريكاً في خلق الرأي العام وتوجيهه، فذاك مبحث آخر، وإنما نعني التفكير في القراء من حيث هم أفراد، وبهذا المعنى فإن القارئ يشارك الكاتب في كتابته، فأن يكون الكاتب موقناً بأنه يكتب ليُقرأ من آخرين، آجلاً أو عاجلاً، ليس بوسعه الفكاك من سطوة القارئ، شاء ذلك أم أبى. إن استنفر وعيه ليتحرر من هذه السطوة، فإن وعيه الباطن سيقاوم ذلك.
لا يجعل ذلك القارئ شريكاً في الكتابة، وإنما، أيضاً، يجعل من الكاتب نفسه قارئاً لنصه، ليتيقن أنه بلغ هدف الوصول إلى القارئ المنشود. إنه لا يكتب فقط، وإنما يقرأ بعين بصيرة ما كتبه، بل لعله "يقرأه" وهو لما يزل فكرة في ذهنه، للتحقق من أن الشراكة بين ما كتبه وبين القارئ محققة أو ممكنة.
إن فهم من هذا القول أن الكاتب أسير القارئ، فعلينا المسارعة إلى التخفيف من وطأة هذا الاعتقاد، لا بل وتبديده أيضاً، لأن الكتابة، من حيث هي نشاط ذهني إبداعي، أعقد من ذلك بكثير. فالكاتب وهو يكتب، يستنفر، إضافة إلى ما ذكر، حزمة من الأدوات والمعارف والمهارات: الموهبة، مخزون الذاكرة الآتية من طبقات الذهن والروح المختلفة، والخبرة الفردية والجمعية الملموسة من حيث هي حصيلة معايشات، والمعارف المكتسبة من خلال التعلم والقراءة.
صحيح أن سطوة القارئ كونه مستهدفاً بالكتابة تحضر، ولكن إن افتقر المرء للموهبة والمعارف والمهارات والخبرات اللازمة، فلن يكون بوسعه أن يكون كاتباً.