قهوة أبو خلدون مقال ميسون الخالدي
“أحن إلى قهوة أمي”، هكذا قال محمود درويش، ونحنُ نحِن إلى قهوة أبو خلدون، إلى رجل غادر الحياة بين قلم وورقة، وصارع سكرات الموت بين فكر ومبدأ، وتحمل آلام اللحظات الأخيرة وهو يختار حرفاً ومعنى، هناك جالس ينبش في الشبكة العنكبوتية عن حقيقة ينقلها وفكرة يبلورها ورسالة ينقشها، وعنكبوت الموت يغزل من وراء ظهره كفنه .
مات أبو خلدون، وسقط الفنجان من يده، وانسكبت القهوة، وبقيت آخر فكرة حبيسة عقله، لم نعرفها، لكن هذا الجميل الراحل أصر ككل يوم على أن يمتعنا بفنجان قهوته، ورغم النعي الذي سبق مقالته يوم الجمعة التاسع والعشرين من يناير، إلا أن جماله بقي يزخرف الصفحة الاقتصادية الأخيرة ككل يوم بفنجان قهوته، حتى بعد مغادرته الحياة، ورغم سواد النعي، إلا أن المقالة أتت تحت عنوان “لون العقل” .
ولو أردت أن ألون عقل “أبو خلدون” من خلال مقالاته، لما بقي لون لم يترك أثره على خارطة عقله الجميل، وخارج قائمة الألوان، كانت لأبي خلدون ألوانه الخاصة، كلون الصوت، ولون اللحن، ولون الصدى، ولون الفكر، ولون الحرف، ولون المعنى، ولون المبنى، ولون المعرفة، ولون الفلسفة، ولون الحقيقة، ولون الصدق، ولون الشعر، ولون الرقص، ولون الإيقاع .
كان أبو خلدون يمزج ألوانه في كل يوم ليدهشنا بلوحات تعكس جميع الأبعاد، وتخترقنا لنرى أنفسنا في مقالته حرفاً وكلمة، وبين سطوره قيماً نبيلة، ونصبح في آخر قطرة من فنجانه أرقى وأجمل، لنعي في آخر المطاف أن الصفحات الاقتصادية، وإن حملت في طياتها خسائر فادحة أحياناً، وقضايا مالية فاضحة أحياناً أخرى، ما زالت تحتفظ في آخر صفحة منها بما يجلي الروح والعقل، وارتفاع البورصة لا يعلو على المعرفة الواعية، ونزول البورصة سيلتقطه فنجان قهوته في آخر صفحة ليوقظنا على وعي معرفي يغسل عن أرواحنا أدران المادة .
ثقيلة الصفحات الاقتصادية، وكان أبو خلدون يخفف من ثقلها بفنجان قهوة الصباح، وإذا كان العالم يهرول إلى الصفحة الاقتصادية لمعرفة أسواق البورصة وما آلت إليه الأسهم من أرباح أو خسائر، وإن كان مؤشر سوق الأسهم يتأرجح ويتلون بين الأحمر والأخضر، صعوداً أو هبوطاً في الصفحات الاقتصادية، إلا أن أخيرة “الخليج” الاقتصادي تبشرنا ببورصة أبو خلدون التي كانت في صعود مستمر حتى الرمق الأخير، فتوقفت بتوقف قلبه .
أبو خلدون، لو قرأ لك أهل الاقتصاد، والمال، والأعمال، والأسهم، والبورصة، والسياسة، كما قرأنا لك، وتعلموا كما تعلمنا من قلمك الشريف، لعرفوا أن رحيلك وغيابك أكبر خسارة، وأن فنجان قهوتك الصباحي كل يوم له يقظة فريدة في العقل والروح .
أبو خلدون، نحنّ لفنجان قهوتك، ويحنّ الفنجان لك .
رد: قهوة أبو خلدون مقال ميسون الخالدي
يظل حنيننا يتوق لذلك الفنجان ،،
انسكبت قهوة أبو خلدون الأخيرة،،
ولن نرتشفها للأسف،،،
شاكرة لك المقال الجميل عن الراحل،،،
دمت بود،،
رد: قهوة أبو خلدون مقال ميسون الخالدي
يسلمو ع النقل خيوتي دمتي بود