عن الوحدة والاغتراب ومدائن التيه
قراءة في مجموعة "نحو الأبد" لظبية خميس
ترجماتها العديدة حيث بات في رصيدها ما يزيد على ثلاثين كتاباً، أكثر من نصفها دواوين شعرية أصدرتها على التوالي بدءاً من عام 1981 مع مجموعة “خطوة فوق الأرض” ثم مجموعات “أنا المرأة الأرض كل الضلوع”، “صبابات المهرة العمانية”، “قصائد حب”، “السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر”، “انتحار هادئ جداً”، “جنة الجنرالات”، “موت العائلة”، “روح الشاعرة”، “شغف” وغيرها . حصلت ظبية خميس على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة إنديانا، وأتمت دراساتها العليا في جامعتي إكستر ولندن والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم انتقلت للعيش في القاهرة مع بداية عام 1989للعمل في السلك الدبلوماسي بجامعة الدول العربية، وأمضت نحو عامين في الهند كسفيرة . وقد أتاحت لها كل هذه المهام والأسفار الاطلاع على ثقافة العالم، والاستفادة من المنجز الحضاري والإنساني، فأدى كل ذلك إلى التنويع في كتاباتها بما يمنحه ذلك البعد التأملي الإنساني الذي نتلمسه في مجموعة “نحو الأبد” .
إن مفردة الأبد والأبدية بحمولاتها الرمزية المتعددة تذهب بنا بداية إلى ما هو قار في الذات الإنسانية وفي شكل من النزوع الحنيني إلى تلك اللحظة الفردوسية التي كان يعيش فيها الإنسان خالداً وهانئاً ومطمئن البال . . فيتطلع دائماً للعودة إليها متطهّراً من كل الأوشاب التي طاولته في رحلة نزوله إلى الأرض .
وبذلك فإنه يمكننا القول أن ثمة نزعة تأملية تحاول تأكيد ما ذهبنا إليه أعلاه، وأن ثمة انفتاحاً إنسانياً يبشّر بالعودة إلى صياغة “مشترك إنساني” خال من الإثم والأنانية والعدوان، بل من كلّ شيء يفسد حياة المشترك، على نحو قريب من أطروحة الشيخ ابن عربي، حول مسألة انمحاء الهويات في الذات الطامحة إلى الاستقرار الأبدي .
“أعرف أنهم إخوتي في كل مكان
وان النبتة الخضراء التي تنبت لديهم
ولا أعرف لها اسماً
هي نبتتي التي تسحرني بروعتها
لن أسمح لكل تلك الأعلام أن تخدعني
فأنا وهم واحد كالماء والهواء والسماء
. . . . . . . . . . . . .
كلهم كلهم إخوتي كالماء والهواء والسماء”
إن رحلة الشاعرة في الحياة وشعورها الدائم بالاغتراب، هي في المحصلة العامة رحلة الإنسان الطويلة واغترابه عن المشترك القار في ذاكرته البعيدة، وسيتجلى ذلك في نصوص كثيرة عبّرت عن اغتراب روحي واغتراب “زمكاني” ناضح بممكن العودة إلى الجذور حيث نبتت وتبرعمت زهور مختلفة، عن نباتات مختلفة أيضاً، إذ في نصّها المعنون ب “بضاعة النفس” نقرأ شيئاً عن الرغبة في هذه العودة التي يمكن للمرء أن ينعتق فيها من أسر مكان الاغتراب الضاغط:
“أتراها الأمكنة
تلك التي تفضح شحوبنا
ورغبتنا في الإياب
. . . . .
الأمكنة تصنع أشواقنا، تكشف خبايانا
تعرفنا على من نحن بقسريتنا
المفاجئة، وميولنا التي لم نعترف بها،
انتماءنا المحدد للأشياء، والأماكن،
والأصدقاء .
بضاعتنا القديمة التي ردت لنا عبر
الرحيل” .
الوحدة والاغتراب في ما أسمته بمدائن التيه، أو قفار الممالك، سوف تخلّف أحزاناً جمّة في الذات الشاعرة وهو أمر يستدعي مخاطبة الغريب بلغة العرافات وعلى نحو أوديبي:
“قل للغريب في جوف أرضه
تموت بين غدين وبين زمنين
وتأكلك الأرض ولا تأكلها .” .
موضوع الغربة عريق في الشعر العربي، على الأقل منذ قصيدة مالك ابن الريب الشهيرة:
تذكرت من يبكي علي فلم أجد
سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا
يقولون لا تَبْعُد وهم يدفنونني
وأين مكان البعد إلا مكانيا
الحالتان متشابهتان من حيث ثيمة الاغتراب غير أن الشاعرة ستذهب عميقاً للكشف عن ذاتية المغترب بما أتاحته لها البنية النثرية غير المحكومة لشرطي الوزن والقافية؛ بمتابعة الفكرة، أوالكشف عن خبايا مشاعرها تجاه الطبيعة والإنسان والأشياء:
“متأنية في ألمي
أسعى إلى كشف أغوار ذلك
العمق الذي لا أعرف له قاعاً
كي أواري بعيداً . . بعيداً ظل الكائن
في وحدته
تدرك أنك تصنع أصواتا
كلمات
لهاثا
تدرك أنك تصنع احتكاكا ما
خفيفا، وسطحيا
سرعان ما تتوارى حرارته” .
الاغتراب سوف يتجلى روحياً في نصوص كثيرة من المجموعة، لكنه على كل حال لايدفع نحو “نوستالجيا” مرضية بقدر ما يؤسس لممكن التعايش مع الآخر، لأنه باختصار ليس ذلك الآخر الذي واظبنا على الخوف منه، فهو مثلنا في سيرورته الإنسانية، يعاني من الواقع السياسي والاجتماعي، ويعاني من العنف والتسلط على مجمل حيواتنا وأنشطتنا الإنسانية، مما يدفع إلى انكساراتنا، حيث مازال العنف يسود العلاقات، والحريات مفقودة، بل كأن العلاقة قد تأسّست بين غالب ومغلوب، أو حاكم ومحكوم، وكل إشكال يقتضي مزيداً من الدماء والعنف، ستعبر الشاعرة عن كل ذلك بناتج هذه العلاقة ألا وهو ديمومة الخوف:
“لا شهوة لي في البوح
فالخوف من الآخر صار رفيقي
لا شهوة لي في النضال
ولا التحدث باسم الشعب
ولا الارتماء في أحضان الرفاق
فالشبهة صارت تطول الجميع”
وسوف تعزز وجهة نظرها هذه بتناول أنماط العنف: فهو “مقصلة التاريخ” وهو “غذاء الكراسي”، وبالتالي فإنه كتب على الإنسان أن يكون مهزوماً وخائفاً، ملاذه الطبيعة يبوح لها معاناته، ويستقي منها مسوّغات وجوده، نظراً لأن الطبيعة منذ أيام الرومانسيين الأوائل، ومع أطروحات الإحيائيين الجدد كانت النموذج الأنثوي الأمثل لتعديات الذكورة، “إنها أمنا التي منها أتينا وإليها نعود”، وبالتالي يمكن للطبيعة أن تكون معادلاً للأنوثة في محتواها الخيّر وملاذاً آمناً للمغرّبين قسراً من الشعراء والمبدعين يلونون نصوصهم وإبداعاتهم بشتى الصور التي تتماهى بها، حيث تتعدد الفصول وتتغاير تماماً كما تتغيّر طبائع الإنسان من طور إلى طور، وهو الأمر الذي سنلتمسه في نصوص ظبية وسعيها إلى التماهي بمفرداتها وحالاتها، وهي في كل الأحوال صدر حنون وأم رؤوم:
“أفرد ما في جعبتي
كما يفرد المساء ظلاله
أتكئ على فيء المخيلة
يا لها الأرواح . . كم هي صاخبة
في حياتها، وفي مماتها، أيضاً .
أرتاح لغربتي . . .
لضمير الأنا الضارب في تيهه .
أملأ كفي بالينبوع
وأغمس نوري في عين الماء” .
حلم طفولي
النور كمعطى رمزي له حضور مكثّف في النص الشعري، وهو إلى ذلك يشي بدلالات: فكرية وفلسفية، ببعديهما: الرمزي والإشراقي، ومثالها نصّها المعنون ب “حدائق دلهي” حيث تتكاثف العناصر مع الضياء في المكان، لترسم مشهداً أخّاذاً أشبه ب “الحلم الطفولي” لعالم الحديقة المتخيّل، وهو أشبه بالعالم السحري، حيث نثارات الضوء والخضرة والموسيقا والتماثيل؛ بالإضافة إلى كائنات غير مرئية تتجاوب مع لحظة الأنوثة الفائضة بشفافيتها ونورانيتها، وبذلك فإن الرمز ما بين الخضرة والنور سوف يشي بأبعاد دلالية عدة، تنطلق من المقدّس كبداية أو كأساس رمزي .
ومن هنا فإن اللون بدوره سيعزز هذه الدلالات برمزياته المعروفة كونياً: كالخضرة الدالة دائماً على ديمومة الحياة وانتصارها على الموت وسِيَره: “تسلل إلى أخضرها، وغموضها المجهول،/ عبر حدائقها التي تغطي شيخوختها بإتقان المحترفين” وإلى ذلك سوف تعزز رؤيتها بالعناصر الأساسية: الماء والنار والهواء والتراب، ومن ذلك “نيل الفراعنة ونسائمه التي ترطب الروح” و”المطر” المجدد للسيرورة الحياتية الإحيائية التي يمكن لإنسان اليوم الاتعاظ منها ويتدارك ما تبقّى من سيرة الروح والأرواح، وعلى كلّ حال يمكن له أن يتّعظ بسير من سبقه من الفاتحين البانين لأمجاد العنف:
“عثت فساداً بنا أيها التاريخ
مهرجون يخرجون من دهاليزك
ممثلون، إلياذة، وحروب إلهية،
أحجار مقدسة وجماجم ترفسها أقدام
السادة المتكالبين على مصداقية التاريخ، والوثن .
من رعب إلى رعب نحيا” .
إنها “أوبرا الحياة” كما تقول في نصّها “نحو الأبد”، حيث تجتمع الأضداد وتتزاحم: الوعي واللاوعي، الخيالي والمحسوس، الذات الفردية والاجتماعية، الضوء والعتمة: “نورنا السابح في سمائه/ ضوءنا وضياؤنا” وفي المقابل “ضوضاؤنا التي أنهكت نفسها/ قبل أن تصل إلى أسماع الآخرين” . وهو أمر يدعو للاستغراب حقاً، إذ بإمكان الإنسان أن يستعيد سيرة النور أو الهداية فهما متاحان له، وفي الوقت نفسه منقذان .
بشيء من التكثيف المجازي المعتمد على تقنيات عديدة تسعى الشاعرة إلى بناء نصوصها، وتناول صيغ الخطاب في مجموعة شعرية قد يأخذ مساحة كبيرة وقد يتطلّب دراسة خاصة، ولذلك فإننا آثرنا التركيز على بعض الصيغ الأكثر شيوعاً في المجموعة، وهي على النحو التالي:
المخاطب المفرد/الجماعة، ويتمثّل في متلقّ افتراضي تخاطبه بصيغة الخطاب المباشر: “تواضع قليلاً لأرتفع في سماك /أخلع عنك زركشة الخيول/وخفف من زينة الإخفاق هذه” . وسيلحظ القارئ هنا تكرار صيغ الأمر الزجرية: تواضع أيها المتعالي، وتخلّص من حياة المظاهر التي تغطي جوهرك الإنساني، مما يذكّر بدعوة إيليا أبي ماضي الإنسان المتعالي إلى التواضع بعدما نسي جوهره:
نسي الطّين ساعة أنه طين
حقير فصال تيهاً وعربد
وكسا الخزّ جسمه فتباهى
وحوى المال كيسه فتمرّد
يا أخي لا تمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت في البردة الموشاة مثلي
في كسائي الرديم تشقى وتسعد
المحتوى في النصّين المتناصّين إنساني يتكاثف حول الغرور والغطرسة بتبيان النقيض أو الجوهر الذي هو التواضع والتخلي عن ملحقات الغرور والغطرسة من ثياب ومال وسلوكات متعالية، وبذلك فإن الخطاب سوف يتّجه إلى مزيد من التوتر، تبعاً لحالة المرسل النفسية وموقفه الفكري، وهذا ما سنلحظه في تتمة النصّ حيث يتّضح للمتلقّي أن حالة المرسل النفسية بلغت مداها من اليأس والتوتر فجاءت خاتمة النصّ على غير المتوقّع نحو “تواضع قليلاً كي لا أراك”:
“ساررت خطوك كي أرى
كيف للريح أن تحاصر خطاك
فمن الخطى ولدت خطايا
وها أنا ملء فمي صرخة المسيح
فثمار الشوك قد ازدهرت في حلوق
الباعة والمشترين .
والمدينة خلت من الأكفان
في حين أن الموتى ما زالوا يدفنون
قتلاهم!
تواضع قليلاً كي لا أراك” .
أما الصيغ السردية الإخبارية فتؤسس لها ساردة متماهية بمرويها، ساردة تتكلّم بإيجاز متّخذة من الحذف وسيلة تقنية بغرض إشراك قارئها في إعادة إنتاج وتأويل النصّ وتأتي هذه التقنية على نحو خاص في المقدّمات ومثالها النص المعنون ب “أعانق أشباح الكلام”:
“تلك العالقة في البئر السحيق
نحن أشباهها التائهة
الحاملين لأبجدية ماضيها
المسرفين على أنفسنا في شتات
الشرايين والأوردة” .
