-
خيوط اللغة والفكر
-
خيوط اللغة والفكر
*جريدة الخليج
عبداللطيف الزبيدي:
قدماؤنا على حق حين قالوا إن اللغة حوامل. أي وسائط نقل. المهمّ الحمولة. لكن، سيسمحون لنا بإضافة لمسة. فالمعاجم التراثيّة فيها من الألغام ما يُزري بألغام العلميْن. وأهل اللغة ظرفاء أطلقوا على المعجم اسم القاموس، وهي كلمة آراميّة تعني البحر المحيط.
ثمّة إشكاليّات تتعلّق بالمنهجيّة في تأليف المعاجم لدى القدامى، تناولها القلم بطرائق شتّى، غير أن خيل الحادثات التي لعبت البولو بالعالم العربيّ، استدعت النظر إلى تلك المسائل بالزوم وعين السمكة معاً. وما على أصحاب الفكر وضعه في الحسبان، هو أننا لا نستخدم اللغة ومفرداتها لصياغة الأفكار والمعاني فحسب، فالأهمّ من ذلك هو أن اللغة ومفرداتها تقود عمليّة تفكيرنا من حيث لا ندري. بالمثال يتضح لك مكمن الخطر، حين يكون الموضوع أو الميدان ذا علاقة بمصائر الناس. فكم هي المنهجيّة العلميّة في التفكير مسؤولة عن حياة الشعوب قبل ضمان القوت.
تبلورَ الاستعداد لصناعة المعاجم بعد قرن ونيّف من بداية العصر الإسلاميّ. وكان جمع مكوّنات اللغة على طريقة حاطب ليل، من دون تمييز ولا تصنيف ولا دراية بالأصول والجذور، وتفاقم الخلط بجهود غير العرب، الذين أبدعوا ولكنهم أدخلوا ألف شعبان في ألف رمضان. فجاءت في تفسير الألفاظ آلاف مؤلّفة من الإشكاليّات والمشكلات. ثمّة أشياء لها صلة بالتلقين الكارثيّ بدعوى أنه بديهيّات ومسلّمات. وهنا يصبح القاموس السلطة التشريعيّة ودار القضاء. في لسان العرب (القرن الثامن الهجري)، جاء في مادة بعل: "سمّي زوج المرأة بعلاً، لأنه سيّدها ومالكها". القارئ يعلم أن قاسم أمين المصريّ والطاهر الحدّاد التونسيّ، ليسا خؤولة ولا عمومة لي. نحن عشقنا التراث إلى أن صرنا تراثاً.
نأتي إلى مسألة الآلاف المؤلّفة من: "وقيل كذا وقيل كذا". عدم توخّي الدقّة العلميّة، يجعل الذهن يدمن هذه الأساليب في كل جوانب حياته ومسؤولياته. في لسان العرب: "الركبتان مَوْصل ما بين أسافل أطراف الفخذين وأعالي الساقين، وقيل الركبة موصل الوظيف والذراع". نعم يا أستاذ؟ القُلّة: "قيل الجرّة العظيمة، وقيل الجرّة عامّة وقيل الكوز الصغير". سبحان الله، تتمدّد وتنقبض. تخيّل كارثة انتقال هذا المنهج إلى الاقتصاد والماليّة: احتياطيّ الحبوب يكفي لشهرين وقيل لعام وقيل لعشرين شهراً.
لزوم ما يلزم: المساحة انتهت، وإلاّ فإن الموضوع قاموس محيط. البركة في القارئ.