«الكرخانة» أثمن جليس للمرأة قديماً: حاكت الثياب وغمرت البيوت بهجة
-
66...a2afd7d0cc.gif
حاكت الثياب وغمرت البيوت بهجة
«الكرخانة» أثمن جليس للمرأة قديماً
57...7559974771.jpg
قطع متهالكة كل ما تبقى من «الكرخانة»
دبي - بشاير النعيمي:
بكل وضوح؛ تفصح المشغولات اليدوية والأعمال التقليدية عن قدرة الإنسان على الإبداع المقترن بروح البساطة وفطرة التذوق. والمرأة التي اعتادت أن تكون بؤرة الجمال ومركزه، لم تعدم السبل لتؤكد حضورها الجمالي بقوة، فتفننت في تزيين ملابسها والحفاظ على أناقتها منذ القدم، بالاستعانة ببعض الأدوات والآلات البسيطة.
«الكرخانة» واحدة من هذه الآلات، وفي الماضي غير البعيد، لم يكد بيت يخلو منها، إذ كان وجودها للاستخدام الشخصي وبعض النسوة يستخدمنها كمهنة. «الكرخانة» وهي ماكينة الخياطة في زمن مضى، كانت ذات قيمة كبيرة عند النساء في الماضي، فهي أداة مساعدة في خياطة الملابس والتطريز.
ارتبطت المرأة الإماراتية بهذه الآلة كثيراً؛ واستعانت بها لخياطة ملابسها وملابس أفراد أسرتها بنفسها، فلم تكن هناك محال خياطة أو خياطون تستعين بهم فتختار ما تريد تفصيله.
66...bb0b3620df.gif
أنواع القماش
في تلك السنوات ظلت المرأة تهتم فقط بشراء أنواع من الأقمشة لتخيط منها ما يحلو لها، ومن هذه الأنواع: «النفانيف الكيمري والشربت والكورة والحشيش» وغيرها من الأقمشة الموجودة في ذلك الوقت.
وكانت المرأة تستغل وقت فراغها لصناعة «التلي» الذي تضعه على أكمام الثوب أو الرقبة أو أطراف السروال، ولا تزال كثير من الأمهات يفضلن حياكة «التلي» التي توارثنها من أمهاتهن. وقد تميزت المرأة الإماراتية قديماً ببصمتها الواضحة في اختياراتها الجمالية، ونجد إبداعاً في «التلي»، وهو فن التطريز الإماراتي بجدارة، إذ كانت الملابس النسائية تزين بهذا الفن الجميل لتظهر بأبهى شكل.
66...bb0b3620df.gif
يوم التوصيل
تقول أم سلطان: لم أكن سعيدة يوماً مثل ذلك اليوم الذي علمت فيه أن «الكرخانة» سوف تصل إلى البيت بعدما دفعت تحويشة العمر لشرائها. قبلها كنت أخيط الثياب يدوياً، فأقوم بالتقطيع والتفصيل وخياطة الحواف بالإبرة والخيط فقط. وذلك العمل كان متعباً ويأخذ الكثير من الوقت؛ اليوم «يوم مضى» هو يوم السعد لي، لأني سأحصل على ماكينة تساعدني في عملي، وتمكنني من إنجاز أعمال أصعب وأكثر.
قديماً أيضاً؛ تضيف الوالدة أم سلطان، كنت الوحيدة في «الفريج» التي تمتلك تلك الماكينة، حيث أعددت لها زاوية خاصة في المبرز؛ المكان الذي توضع فيه قطع ثياب مرصوصة فوق بعضها، إلى جانب أنواع الخيوط والإبر المتجانسة في صندوق خشبي صغير مزينة حوافه بـ«الكراكيش» خضراء اللون؛ تشتم منه رائحة زيت النارجيل بمجرد فتحه؛ وذلك لأن زيت النارجيل، كما قيل، عامل مهم في ترطيب حلقات الدوران في «الكرخانة».
66...bb0b3620df.gif
فرحة الوصول
وتابعت: وصلت الكرخانة قبل صلاة المغرب، وكاد المنزل يطير من الفرحة، من أصواتنا أنا وأطفالي، على الرغم من أننا سبق أن رأينا مكائن الخياطة في الأسواق، ولكن عندما رأيت هذه الماكينة بالذات في منزلنا الصغير، شعرت بنوع استثنائي من المتعة والفرح. وقد ساعدني أطفالي لكي نحمل الكرخانة إلى مكانها المحدد مسبقاً، وكأننا نزف عروساً.
وقالت: حظيت بشرف الإيذان بالاحتفال بالكرخانة، فأنا من فتحت الصندوق الكرتوني المغلف للماكينة، وسريعاً بدا لنا نورها يشع رغم لونها الأسود الداكن وخطوطها الصفراء التي تنعكس مع نور السراج الموضوع إلى جنبها.. نكهة جميلة مختلطة بين رائحة الزيت وقطع التصنيع، لها عبير في الأنف لا يزول.
وتطرقت الوالدة أم سلطان إلى سنوات سريعة ما بعد «الكرخانة» أذهبت على الناس فرحتهم وبددت لمتهم وأخفت متعتهم بما تنتجه هذه الآلة الفريدة، وذلك حين افتتحت محال الخياطة والتطريز السريعة والمحترفة. واختتمت: هنا ضاعت الأحلام، وضاقت لقمة العيش، وخفت صوت «كرخانتي»، واختفت رائحة النارجيل، وأصبحت «الكرخانة» مجرد قطعة منسية.
* * *
*المصدر: جريدة البيان، نُشر بتاريخ 07 نوفمبر 2015م.