البثنة.. موئل حضارات تنشد مزيداً من الخدمات (صور)
قلعتها زيّنت أول عملة ورقية في الدولة
البثنة.. موئل حضارات تنشد مزيداً من الخدمات
*جريدة الخليج
88...b6f6e0/460/355
88...f710b8/460/355
88...a17d80/460/355
تحقيق/ وليـد الشيـخ:
للتاريخ عبق وشواهد تبقى حية، مهما طال الزمن. فما بالنا إذا ما قلنا إنها موطئ حضارات ما قبل التاريخ. يؤكد ذلك ما تزخر به من حفر ومكتشفات أثرية وثُقت دولياً، عبر كتاب كامل باللغة الفرنسية عن كنوزها المجهولة.
منطقة «البثنة» لها من تاريخ الفجيرة والدولة عامة نصيب وافر، ففضلاً عن أن تاريخها يمتد إلى العصرين البرونزي والحديدي، ومثلت نقطة عبور استراتيجية بين شطري شبه الجزيرة العربية منذ قرون ماضية، نظراً لموقعها الجغرافي المتفرد، فتشتهر القرية بقلعتها الأثرية التي زيّنت أول عملة ورقية (فئة 5 دراهم) للإمارات في بدايات الاتحاد، ويتجاوز عمر القلعة التاريخية 270 عاماً، حيث شيدت عام 1735م تقريباً.
تقع «البثنة» في منتصف أحد من أشهر أودية المناطق الشرقية في الدولة، وهو وادي «حام»، وتبعد عن مدينة الفجيرة بنحو 14 كيلو متراً، ويقطنها قرابة الألفي نسمة من المواطنين، وتجاورها مناطق عدة من بينها «البليدة»، و«الغزيمري» و«الفرفار». وهي تنشد تقديم المزيد من الخدمات تليق بعمقها التاريخي.
تتميز «البثنة» منذ القدم بتضاريسها المتنوعة، وطبيعتها الخلابة التي تزينها شامخات النخيل بين أحضان الجبال، حتى أطلق عليها البعض «جنة نخيل وادي حام»، وتكثر فيها الوديان والأفلاج المائية وعيون الماء العذبة، بما عزز من اعتمادها على الزراعة في الماضي والحاضر، فتنتشر بها أشجار السمر والسدر والغاف، وتكثر بها زراعات المانغو والليمون والبصل.
فوارق مشهودة، لا تخطئها الأعين عند الحديث عن ماضي وحاضر المنطقة، فشواهد الماضي ومعالمه ما زالت قائمة في قلب القرية، كاشفة عن طبيعة الحياة قديماً وما اتسمت من بساطة وقسوة في آن. بصمات التطوير أيضاً بازغة على أطراف القرية، لتؤكد للزائر كم المنجزات، في لوحة فنية بديعة ربما لا توصفها الكلمات.
* * *
الزراعة مصدر الحياة
يقول المواطن راشد عبيد من أهالي المنطقة، إن المعيشة قديماً كانت صعبة للغاية حيث كانت البثنة قرية بدائية لا تتسم بالحداثة كما هي الحال الآن، وكنا نعتمد على زراعة أشجار النخيل والمحاصيل الزراعية المتنوعة، فضلاً عن رعي وتربية الماشية والأبقار، وتجارة محاصيل التمور والعسل البري والحطب والفحم والأغنام، وكان البيع غالباً من خلال المقايضة باحتياجات أخرى أساسية مثل القهوة والرز والسكر والقماش وغيرها.
ويوضح: إن البثنة تتمتع منذ أزمنة سحيقة بتوافر الأفلاج وعيون المياه العذبة، وهو ما عزز من انتشار الزراعة حتى اليوم، باعتبارها مصدراً أساسياً للعيش نظراً لوقوع المنطقة في أحضان الجبال بعيداً عن البحر، على خلاف أهل المناطق الساحلية الذين كانوا يعتمدون في حياتهم على مهنة الصيد واستخراج اللؤلؤ من أعماق البحار.
ويضيف: كانت البيوت تبنى من الطين والحصى والحجارة وجريد النخيل وسعفه، على خلاف بيوت اليوم الحديثة والمتطورة، موضحاً أن التنقل من القرية وإليها، كان غاية في الصعوبة حتى عقود قريبة تخطت سنوات الاتحاد، ويرجع ذلك للطبيعة الجبلية الوعرة، وعدم تعبيد الطرقات وتوافر وسائل النقل الحديثة كالسيارات والحافلات.
* * *
تقاليد راسخة
تتمتع قرية البثنة بتمسك أهاليها بالقيم العربية الأصيلة من النواحي الاجتماعية والدينية، يشير المواطن سعيد الكعبي، مؤكداً أنه رغم مرور الزمن والتغيرات التي لحقت بالمجتمع، فإن أهل المنطقة ما زالوا قابضين على تلك العادات.
ويوضح أنه رغم تعدد القبائل التي تقطن القرية، فإن تماسك النسيج الاجتماعي صفة ظاهرة وثابتة لدى الأهالي، فغالباً ما يتشاركون في المناسبات الاجتماعية كالأعراس وغيرها، كما هي الحال في المناسبات الدينية ومنها شهر رمضان الذي يحرص الأهالي خلاله على تنظيم إفطار جماعي يجمع أهالي القرية كافة على مائدة واحدة.
وعن مناسبة العيد يقول: «كان في الماضي يتم الإعلان عنه عن طريق إطلاق النار، وفي صباح العيد يجتمع الأهالي بعد صلاة الفجر في مصلى العيد، وبعد الصلاة يوزع القهوة والتمور أحد أهالي المنطقة، وبعدها يجتمعون على الغداء في بيت أحدهم، والعشاء في بيت آخر، وهكذا يتبادل الناس العزائم على مدار أيام العيد، ولكن في وقتنا الحاضر لم يتبق إلا القليل من تلك العادات».
* * *
فخر الماضي ومنجزات الحاضر
محمد خليفة الزيودي، مدير دائرة الموارد البشرية بحكومة الفجيرة، وأحد أهالي القرية، يوضح أن البثنة تتمتع بتاريخ طويل وتعد إحدى أهم مناطق الإمارة، ففضلاً عن تاريخها الممتد، تتمتع بموقع استراتيجي مهم وحيوي كونها أحد المداخل الرئيسية للفجيرة.
ويشير الزيودي إلى أن اسم البثنة لغوياً يعني المكان المنخفض الصالح للزراعة، وكانت ولا تزال الزراعة مورداً رئيسياً للأهالي، ويعتمدون فيها على مياه الأفلاج و«البرخية» وهو اسم يطلق على عيون المياه العذبة المنتشرة في المنطقة، ورغم أنها منطقة صغيرة في المساحة وعدد سكانها لا يتجاوز ألفي نسمة، فإن بها من الشواهد التاريخية ما يؤكد أنها كانت بقعة استيطان بشري للكثير من الحضارات في عصور ما قبل التاريخ، وهذا ما أكدته البحوث والدراسات التخصصية.
يضيــــــف: «إن أهــــــــالي المنطقـــــة يفخرون بماضيهم العريق، فالبثنة تضم واحدة من أهم القلاع وأعرقها في الدولة. وسبــق في بدايـــات الاتحاد المجيد أن طبعت صورة القلعة على أول عملة ورقية للدولة، وكانت من فئة 5 دراهم، كما تزخر القرية بكثير من الكنوز التاريخية، وفيها رسمياً 3 مناطــــق مصنفــــة مواقــــع أثريــــة».
عن واقع الحياة في القرية وما شهدته من متغيرات، أكد الزيودي أن القرية يوماً بعد يوم تعرف طريقها إلى الحداثة، موضحاً أن الأمر بدأ في عام 1976م وبعد قيام الاتحاد، حيث أنشئ 50 بيتاً شعبياً لأهالي المنطقة، وخلال السنوات القليلة الماضية، وضمن مبادرات صاحب السموّ رئيس الدولة، أنشئت عشرات المساكن الحديثة، في تكتل عمراني يطلق عليه الآن مسمى: «الشعبية الجديدة»، وكان آخرها في العامين الماضيين، حيث أنشئ 52 مسكناً جديداً.
وبجهود محلية واتحادية حظيت القرية بإنشاء بعض المؤسسات الرسمية اللازمة، ومنها مركز للشرطة، ومدرستان للتعليم الأساسي للبنين والبنات، وحدثت طفرة تعليمية بالمنطقة، فبات أبناء القرية يتبوأون عدداً من المناصب العليا ويمتهنون المهن المرموقة، فمن بينهم المحامون والطيارون والقضاة والمهندسون.
وأضاف أن أهالي البثنة، منذ القدم، يحرصون على طرق أبواب العلم، ومن المتعارف عليه أن أهالي القرى يتميزون بهذا الأمر، ويحرصون على غرسه في أبنائهم منذ الصغر.
ويختتم الزيودي حديثه، بأن المنطقة تشهد تطوراً لافتاً لا يخفى على أحد إذا ما قمنا بمقارنة سريعة بين ماضيها وحاضرها.
* * *
احتياجات أساسية
المواطن علي محمد الكعبي لا يختلف عمن سبقوه في تأكيد أن المنطقة شهدت قفزات نوعية في نواحي الحياة، خاصة فيما يتعلق بالتمدد العمراني وتشييد المساكن الحديثة؛ إلا أنه يؤكد حاجة القرية الماسة لإنشاء مركز صحي للرعاية الأولية، موضحاً أن المركز سيوفر الخدمة لكثير من المناطق المتجاورة وليس البثنة فحسب. فهناك قرى أخرى مثل الفرفار والغزيمري والبليدة قد يكون المركز الصحي ملاذاً لهم، عوضاً عن اللجوء للتداوي بمشافي الفجيرة أو مسافي.
مطلب آخر أجمع عليه الأهالي، وهو ضرورة إنشاء ملعب رياضي وحديقة عامة لخدمة المواطنين، خاصة الأطفال، فضلاً عن ضرورة رصف الطرق الداخلية بالبؤر السكنية وإنارتها، وإنشاء جامع لأهالي الشعبية الجديدة، حيث لا يتوافر فيها مساجد، خلافاً للشعبية القديمة التي تضم أكثر من مسجد.
وعن التوسع العمراني في المنطقة قال المواطن ع.أ.أ «إن المنطقة تشهد زيادة كبيرة في الكثافة السكانية، إلا أن خطى التعمير فيها بطيئة، وتوقفت منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن آخر مجمع سكني بني كان منذ ما يزيد على 5 سنوات وضم 31 مسكناً وكان مخصصاً للمتضررين من زلزال عام 2002م، موضحاً أن القرية اليوم شهدت نمواً مطرداً في عدد السكان، خاصة فئة الشباب المقبلين على الزواج، وهو ما يتطلب توفير مساكن لهم».
* * *
سد البثنة
من المعالم التي تلفت الانتباه في منطقة البثنة السد الكبير، الذي أمر بتشييده المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، الذي اهتم ببناء السدود والبحيرات في مختلف إمارات الدولة، ويعدّ السد من المشاريع المهمة التي يعتمد عليها أهالي المنطقة.
* * *
قبور ما قبل التاريخ
صدر عن هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، كتاب «قبور ما قبل التاريخ في البثنة»، للمؤلف والعالم في الآثار، «بيير كوربود» والكتاب باللغة الفرنسية، وترجمه للغة العربية، بدر الدين محمود. يحتوي على 10 فصول دارت محاورها حول الإطار العام للدراسة والقبور والخزف والحجارة والأدوات المعدنية والحلي وأدوات الزينة والانتماء النوعي والزمني للقبر وملخص حول الدراسة.
وتمتد قرية البثنة التي تشملها الدراسة بين المنحنيات بمستوى 170 إلى 190 متراً. وكان الدافع لاختيار منطقة البثنة كنقطة بداية لأعمال البحث والتنقيب بسبب الوضع الجغرافي لسهل البثنة الذي جعل منها معبراً إجبارياً للناس والبضائع بين شطري شبه الجزيرة العربية ووجود المياه المجمعة أسفل الوادي، ما جعل منها منطقة صالحة للأنشطة الزراعية وبالتالي منطقة جاذبة لإنسان ما قبل التاريخ، والسبب الأخير كان المصادفة المحضة للاكتشافات الأولى التي أكدت ثراء المنطقة بالمستوطنات ومدافن ما قبل التاريخ. ووصف الكتاب القبور بشكل مفصل ودقيق من حيث الشكل والعمق والممرات والموجودات الأثرية بالقبور والمدافن والآثار العالقة بها، مثل شظايا العظام البشرية ونسبها إلى فترتها الزمنية، حيث يعود بعضها إلى العصر الحجري.
تعرض الكتاب في فصل كامل للخزف، إذ تم تجميع ما يقارب 5000 قطعة بما يعادل 50 كلغ، من قبر واحد تمت دراسته. وبعد تحليل هذه المواد نسبها الخبراء إلى العصر الحديدي مع وجود بعض القطع الحديثة التي يعود تاريخها إلى أواخر ما قبل الإسلام.
* * *
قلعة البثنة شيدت عام 1735م وسط النخيل
تقع قلعة البثنة وسط أشجار النخيل بين سلسلة من الجبال على طرفي وادي حام والحيل، وتطل على عدد كبير من الواحات الزراعية، وتم تشييدها بحسب الدراسات في عام 1735م، وتتكون من مبنى رئيسي مخروطي الشكل من ثلاثة طوابق تعلوها أجزاء هرمية الشكل لأغراض دفاعية. تتميز القلعة بتصميمها المعماري المميز.
يحيط بالقلعة برجان كبيران يزيدان من جمال شكلها الخارجي، أما جدرانها فمملوءة بالفتحات التي كانت تستخدم من قبل المدافعين عنها لصد أي هجوم خارجي.
في مايو عام 1973م صدرت أول عملة وطنية ورقية من فئة الدراهم الخمسة، وحملت صورة لقلعة البثنة، تلك القلعة التي حملت اسم قرية نائية في إمارة الفجيرة آنذاك، وكانت هذه العملة الوطنية بداية لشهرة قلعة البثنة العريقة ويرد في تاريخها أن آخر شخص عمل حارساً لها كان المرحوم سعيد الحمر اليماحي.