انتظار
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
عندما يتسلل النوم الوقح إلى أجفاننا إغماضة إغماضة، ورنيناً خفيفاً على أعصاب الروح بفعل مكيف الهواء، يحاول السرير تجميع أجزائه تحت سقف الفضة، ومن بين أحلامنا الناقصة المنتشرة في الأقاليم كالطرقات تطل صباحات نعسانة مشغولة عنا وعن تقاويمنا الزجاجية بكسلها اللذيذ.
فهل يعود الماضي في المستقبل؟.. هل يعود الحاضر إلى الحاضر؟.. هل يأتي المستقبل في موعده تماماً بوجهه الكالح أبداً، ومن دون أجنحة أو مساحيق؟
الطوابير الطويلة مازالت هناك، تؤجل أحلامها، وتمسح الغبار عن حقائبها المدرسية، وتنتظر.
خارج تلك الطوابير المملة، كان الشاعر الوحيد يباغت حلمه حتى يحققه أو يتحقق، ولم يكن ينقصه في القرن الماضي الا ثلاثة كيلومترات من الأحلام، ومثلها من الرايات، وكانت رموشه الطويلة كليالي الشتاء تحول بينه وبين ملامحه، وسنة بعد سنة، أدمن المكوث في السنين القديمة والنوم على الشطآن الحدباء.
كان واقفاً وحده عند الفجر والبحر يبتعد. النهايات بلا معنى ولا شكل، النهايات كالبدايات، وبالرغم من تساقط رموشه في السنوات الأخيرة بفعل الأتربة الكثيرة والمطر القليل، فقد قرر الا يفتح عينيه.
كان سؤاله الذي يتمسك به، ولا يتخلى عنه: قبري الكهل.. هل يساعدني على النهوض؟
وكان ينتظر.
كما ينتظر المهد خطوات الكائن.
وكما ينتظر المساء توهج الشفاه.
وكما ينتظر اللحن اختلال الذوق.
وكما ينتظر الرمل عناق الفيروز.
وكما تنتظر النخلة رحيل الشتاء.
وكما تنتظر الطائرة محطتها الأخيرة.
وكما ينتظر القطار محطته الأولى.
وكما تنتظر النجمة وجه الليل.
وكما تنتظر الصرخة لحظة التحولات.
وكما تنتظر الوردة تحولات اللحظة
وكما تنتظر الحكاية زواج بنت السلطان.
وكما ينتظر الكتاب معناه في العيون.
وكما ينتظر الثعلب أرجوحة الحيل.
وكما تنتظر النهاية حنين البداية.
وكما ينتظر المطلق انتماء المقيد.
بين إشراقة تاريخي وشمس الله ما بين التفاصيل من المعنى وما بين الفصول.
من طلوع وطلول ذلك الفضح، وأما ما يحاذي قبريَ المرسوم في حاشية النار، فتفسير خيالات، وتفسير خيول.
