.
في الكتابة بوح وشفاء
*جريدة الخليج
نور المحمود:
الكتابة اختبار يومي بل أبدي. يرافق قلمك دائماً، ويمتحن إرادتك، ويعري نفسك، ويكشف كل الأقنعة عن ثقافتك، وقدراتك اللغوية، والبعد الذي يمكن أن يصل إليه فكرك.
مهما حاولت الخداع، وتقمّص أقلام كتّاب آخرين، إلا أن الاستمرارية كفيلة بالإيقاع بك عند مطبات حرجة، وفي أي لحظة لم تكن تعمل حسابها. عندها تكون أمام ذاتك، وعليك المواجهة والكتابة بقلمك الحقيقي، والقلم كالمرآة يعكس صورة حامله.
التزييف وارد، وهناك فئة ممن يكتبون بأقلام مزوّرة، وآخرون يشترون أقلاماً لها باع في الكتابة، سواء كانت جيدة أم رديئة. وهناك من يصاب بالغرور لأن الكتابة تملك كل مواصفات الإغراء، وتعرف كيف تتحكم بها وتمارسها بإتقان. ترقص على أوتار المشاعر، تدغدغ الخيال، تدعو كل إنسان إلى الإمساك بالقلم والسير معه فوق الورق، وكأنه عصا سحرية تستطيع أن تجمّل الكلام وتحوّله في لمح البصر من مرحلة الابتدائية إلى منزلة الأدب والشعر والنثر..
الأوراق البيضاء تنادي الإنسان ليرسم فوقها أحلامه ويفضفض قليلاً بما يجول في خاطره. وكل مستجيب للنداء يعبر عن ذاته، ففي الكتابة بوح وشفاء للنفس. والحياة تتسع للجميع، والحقول واسعة بإمكانها أن تضم كل ما ينبت فيها. إنما المهم أن يصدق الإنسان الصوت الداخلي الذي يحدثه بالحقيقة. المهم ألا يجامل نفسه ليقنعها بما ليس فيها، لأنه من المستحيل أن نولد كلنا شعراء وأدباء.
الكتابة موهبة، يمكنك أن تتدرب عليها، وتحاول إتقانها والالتزام بقواعدها، لكنك لن تتميز ما لم تملك سحرها المسكون في سرها الأول، الموهبة. هي التي تحرك فيك مشاعر معينة، تصيبك بحالة من «الانعزال»، تسرقك من محيطك، تصير أنت والفكرة التي تكتب عنها توأماً، ترحل معها وكأنك تلبس شخصية أخرى، تؤدي أدواراً متنوعة، تشبه الممثلين حين يعيشون شخصياتهم بإتقان.
الكتابة متعة، مساحة حرة تنتعش فيها الأفكار، تنشر عطرها في كل مكان. حين تكتب، فأنت تمارس حريتك وتعبّر عن نفسك. لست بحاجة للادعاء، ولست بحاجة لارتداء زي لا يليق بك، فقط كن كما أنت، بسيطاً، متعمقاً في الفكر، مدركاً أبعاد كلماتك، وإلى أين ترسلها ومن سيقرأها.. ودع الآخر يراك بعينيه وقلبه، فالأقلام دائماً تنضح بما في نفوس أصحابها.
الكتابة الجميلة والراقية والمنسوجة بموهبة كاتبها، تتسلل إلينا نحن القراء فتجذبنا رغماً عنا، تأسرنا، نحفظ اسم صاحبها، نتتبع أعماله، نبحث عن كلماته ولا نمل أو نكتفي.
