.
أمام شاشة البناية
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
كنتُ في زيارة لصديق انتقل للتو للعيش في شقة ببناية جديدة، بالكاد ابتدأ السكان ينتقلون إليها. كان باب البناية مغلقاً، ولا يمكن أن يفتح تلقائياً، إلا بإدخال رقم الشقة التي تقصدها ليفتح لك من فيها الباب، وهذا ما فعلته، ولكن يبدو أنني أتيت قبل موعدي، أو أن ظرفاً ما حصل لصديقي اضطره إلى مغادرة شقته، أو التأخر في العودة إليها، لأنني لم أجد من يجيب عليّ وأنا أضغط على الجرس وأدخل رقم الشقة.
المناوب من حراس البناية لاحظ وقوفي ومحاولاتي الدخول دون نجاح، فقصدني بعد أن فتح الباب مستفسراً عن أي شقة أقصد، فقلت له رقمها مسمياً اسم صديقي الذي أصبح يعيش فيها، فأجابني أنه خرج قبل فترة، ولكن إذا كان لديك موعد معه، فبإمكانك الانتظار في مدخل البناية، ودعاني للدخول.
لم يكن هناك من كرسي أجلس عليه، فدعاني للجلوس بجانبه، على كرسي يجاور كرسيه، ولم يكن هناك مفر من رؤية الشاشات المقابلة التي تظهر فيها كافة ممرات طوابق العمارة، فضلاً عن مواقف السيارات في طوابقها الدنيا.
كان الرجل صامتاً، ولم يكن لديّ ما أتحدث حوله معه، فراحت عيني تطوف في الشاشات، لأرى أناساً يخرجون من شققهم قاصدين المصعد للنزول، أو أرى بعضهم يفتح أبواب شقق أخرى قاصدين الدخول إليها. شخص في طابق آخر يحمل كيس القمامة، قاصداً الفتحة التي يرمي داخلها ذلك الكيس في ممر الطابق نفسه.
في طابق آخر أبصرت رجلاً وطفله خارجين من باب شقتهما، يقابلان امرأة خرجت للتو من الشقة التي تقيم فيها، يتجمع الثلاثة عند المصعد، لنرى على الشاشة المرأة تبادر الرجل بالحديث، فيما عينها على الطفل الذي يرافقه. طبعاً ليس بالوسع سماع ما تقوله له.
لو دنوتَ بنظرك للشاشات التي تُظهر الطوابق الثلاثة أو الأربعة الأولى، حيث مواقف السيارات، ستشاهد ركاباً يهبطون من سياراتهم، بعد أن يصفّوها في المواقف المخصصة لهم. بيد بعضهم أكياس أحضروها معهم، لعلها مشتريات من المتجر، فيما البعض الآخر يغادرون المصعد متجهين نحو سياراتهم، استعداداً لمغادرة البناية.
لحظتها خطرت في ذهني فكرة عن عدد المشاهد المتكررة، وغير المتكررة، التي يراها الحارس الجالس على هذا الكرسي طوال ساعات عمله الطويلة، ولأنه يرى المشاهد ولا يسمع الحوارات، بدا لي أن فضولاً ما ينتابه لمعرفة عمّ يتحدث سكان العمارة حين يلتقون في الممرات، أو يقفون منتظرين عند المصعد في كل طابق.
ذهب خيالي أبعد: ماذا لو أن المخيلة ذهبت بهذا الحارس أبعد، فاقترح حوارات متخيلة تطابق ما يراه من مشاهد. وسألت نفسي: لو أن لهذا الحارس مخيلة وموهبة كاتب، أما كان أتحفنا برواية أو مجموعة قصص عن حيوات السكان، مستوحاة مما يشاهده طوال اليوم على الشاشات المنصوبة أمامه.
