نحت منفرد مقال حبيب الصايغ
نحت منفرد
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
بين الجبل والبحر، ما زلت منذ ألف سنة، أبحث عن شاعر كتبني وضيعني، قرأته وضيعته . كلما استيقظ الشاعر في صدري وشراييني ونبضات الساعد تحول إلى نار من الغموض والأسئلة: في اتحادك بي نولد اثنين: غداً وغداً في اتحادي .
في اتحادك بي نولد اثنين: واحداً يستطيل، وواحدة ترتدي جسمها، وتجذر في وعيها خيمة فكرة . واحداً يتشظى، وواحدة تكتب النار . واحداً ينتمي، وواحدة تقرأ الكف والوجه تمحوها فجأة، لتكتب غيرهما، أو لتبكي دون سبب .
اشتاق الشاعر النائم في صدري إلى صحوة حقيقية في بلاد مغمورة بنور الشمس . قال لي أريد أن أنتفض، وأرسم في الطرقات طريقي الخاص . قال لي لا أريد أن أنام بعد اليوم . يكفي سباتاً!
وقال إن الفلاح يدخل في بذرته أحياناً .
قلت متى؟
قال عندما تستسلم القطة لليل وتنسى .
وقال الشاعر داخلي كلانا قديماً وجديداً معظمه مفهوم، وبعضه غارق في رمزية الشعاع الوليد .
ومما قال: فتح الطفل عينيه والنهر يجري إلى قلبه والقمر . . ضاحك في سماء الإله . وعلى صفحة النهر كان القمر . . راكضاً بين عينيه والقلب . ظنهما واحداً . ما درى الطفل أنهما قمران: واحدٌ ضاحك في سماء الإله . . واحد غارق في المياه .
لا يعرف الشاعر داخلي من أين يبدأ . وقال لي أبدأ من حيث تنتهي . قلت لا أعرف معنى نهاية ولا موعدها . قال فتش عن معناك في الرسائل التي ضيعها سعاة البريد . فتش عن موعدك في السطور القليلة التي يكتب القمر ليلة اكتماله، قبل أن يبدأ رحلته المعهودة إلى الهلال والمحاق .
فكرت، غير مرة، في إطلاق الشاعر الذي في داخلي، واتضح لي بعد محاولاتي تلك، أن الأمر ليس في يدي .
ذهبت إلى جهة البحر، وبدأت في الغناء .
أنا والبحر بحران في واحد، ومكانان في واحد .
ضجة الموج في الروح، كل ارتطام .
بين كل اختتام وكل اختتام .
كنت والبحر أنحت أشكاله بأظافر روحي قبل الولادة، ثم تحولت عنه إلى نحت روحي بعد الفطام .