ليوناردو دافنشي.. الفيلسوف
.
ليوناردو دافنشي.. الفيلسوف
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
إلى جانب كونه رسّاماً، ونحّاتاً، ومخترعاً، ومهندساً، ومصمم أسلحة، وشاعراً.. فإن ليوناردو دافنشي ذو قلب ممتلئ بالإيمان، إيمانه أو روحانيته إن أردت القول جاءت إليه من تأمّلاته في خلائق وأخلاق الحيوان والنبات والنّاس. كان على نحو ما فيلسوفاً، وأديباً، وصاحب لغة مثقفة تليق بكبار الحكماء «إقرأ الأعمال الأدبية - ليوناردو دافنشي: ترجمة: أمارجي عن الإيطالية مباشرة = الطبعة العربية 2013 (دار التكوين).
لدافنشي 128 شذرة فكرية تدور حول: .. الروح، الأكل، الطبيعة، العلم، التجربة، العاشق، الحواسّ، الإنسان، الجسد، الذاكرة، الصيت، الألم، الحسد، الشهرة.. وإلى آخره، وتستطيع القول، ومن دون أن تبالغ، إن صاحب «الجيوكندا» لم يترك طبيعة أو خليقة أو نزوعاً أو فطرة أو نفسية، إلاّ وكتب عنها بل وكتب منها.. كتب من قلب نصوص الخرافات واستقطر منها الحكمة، كتب من شجرة الأرز وأفاض على نفسه روح التأمل، كتب من روح الجوز، والتين، ثم من روح النار والنور والنسر والحمامة والغراب وَفَرَدَ لنفسه، ولجيله فلسفة صافية من الروح والقلب والعقل والوجدان والنفس والذّات.
ماذا قال ليوناردو دافنشي عن الشهرة؟
«..الشهرة تُحَلّق وتصعد إلى السماء، لأن الأشياء العفيفة يحبها الله، أما السمعة السيئة فمقلوبة رأساً على عقب، لأن أعمالها نقيض الله، ونحو الأسافل يكون اتجاهها..
توقف دافنشي كثيراً عند السمعة والصّيت، ربما، كما يقال لأنهما تسبقان المرء إلى حيث هو ذاهب، حتى لو كان عائداً، إلى أهله ودياره، فالمرء المدموغ بسمعة سوداء وله صيت يسوّد وجهه، فإنه لا أهله ولا دياره يشفعان له، والسمعة الرديئة عند العرب وفي ثقافتهم الشعبية مثل كأس الزجاج أو مثل الزجاج.. إذا انكسر لا يلتحم، ولا يستقيم كما كان..
يقول دافنشي: «لا شيء أكثر إثارة للخوف من صيت قذر..»، ويقول: «..ما أشقى الهروب مع سمعة بالكاد تبطنها» ويقول «..لا شيء يثير الخوف كما الصّيت القذر، هذا الصّيت هو مولود الرذيلة..»، ويا للمقاربة هنا إنْ كان ذلك مقبولاً تأويلياً ولغوياً.
فما أقرب كلمة (صيت) من كلمة (صوت) كأن الواحدة منهما قد اشتقت من الأخرى.
من كان صيته رديئاً يُنكّس الوجه والرأس فهو كمن صوته مرتفع مأخوذاً بالإعلان والإشهار، كما الفضيحةْ.
و«الصّيت» صوتٌ ناقلٌ ومنقولٌ بين الناس، كما أن الصّيت هو بمثابة دعاية، أو رواية متداولة، أو خبر سائرٌ.. دوّارْ.
بعيداً عن اللغة وتأويلها واشتقاقها كان ليوناردو دافنشي أخلاقياً كبيراً في مرتبة معلمّ، لكن بلا مريدين وبلا تلاميذ. كان يعرف أن جملته الفكرية لن تذهب رماداً في هواء، وأن ثمة قلباً يشعر، وعيناً ترى، وعقلاً يفكر في هذه الأرض التي لا تتوقف عن الدورانْ.