تلك الاطلال مقال خيري منصور
تلك الأطلال
مقال الاستاذ خيري منصـور
دار الخليج
عندما لا يتبقى من قرية فلسطينية غير مقبرة دارسة، وأشجار صبير ترتعش أهدابها الصفراء تحت شمس تخجل مما يجري تحتها وفي عزّ ظهيرة التاريخ؛ فإن الجريمة لن تكون كاملة، كما راهن على ذلك من هدموا وترجموا أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية، كانت تضم ثلث عدد الفلسطينيين عام 1948 . وكلما عرض علينا طلل من تلك الأطلال في صحيفة أو على شاشة، نتذكر ما قاله الفرنسي الذي شب عن طوق الخديعة بعد أول زيارة لفلسطين، وهو أنه رأى من يستوطنون تلك القرى يمشون مسرعين، وكأن الأرض تحت أقدامهم تميد وترتعش، وهذا ليس مجازاً أو ضرباً من الخيال الشعري، فتلك الأرض مسكونة منذ آلاف السنين بمن انتهوا في باطنها إلى رميم، لكن كل ما يخرج من الأرض سواء كان عشباً أو شوكاً أو زفيراً هو من ذلك الرّميم، لهذا يحاول المستوطن الطارئ أن يبتكر تاريخاً، تارة من الأسطورة، وتارة من تزاوج الدبابة والجرافة، وفي كل المرات يعود خالي الوفاض، فيضطر إلى نبش قبر أو هدم مسجد أو تمزيق كتاب كي يبرهن لنفسه أنه موجود . هكذا بدل الاحتلال مقولة ديكارت الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، بحيث أصبحت أنا أقتل وأدمّر إذن أنا موجود، وهذا ما بدأ الأوروبيون من المثقفين والناشطين ملاحظته كلما أتيح لهم أن يزوروا تلك الجغرافيا الرسولية الجريح . نقرأ تباعاً ما يكتبون فور عودتهم إلى بلادهم، فنشعر بأن الفطام قد أعلن عن ذلك الحليب السَّام، فالهولوكوست له وجه آخر أشد مرارة وقتامة، والضحية التي حاولت احتكار الأنين فشلت وسقط عنها القناع، واتضح ما كان خافياً على الأوروبيين وراء الأكمة .
من عادوا من غزة بعد اختراق الحصار كتبوا بست لغات على الأقل اسم فلسطين بحروفها العربية وبالأبجدية الخالصة غير المشوبة بدخان العَبْرنة والتهويد، وبدأ يلوح في الآفاق أنّ من ابتزوا لعدة عقود صحوا على الحقيقة كما هي، ويحاولون الآن الاعتذار . ما نحتاج إليه هو رصد ما يصدر عن هؤلاء بلغاتهم، فمن المحزن ألا يترجم ما يكتبون بحيث لا يصل إلى القارئ العربي ما يشدّ من أزْره وما يقلل من إحباطه، فالعربي أوشك على اليأس من إنصاف العالم له، خصوصاً عندما رأى شهود الزور يبرئون القتلة من دم البشر والشّجر . الآن اختلف المشهد وتشاء المصادفة، بل المفارقة، أن يرتفع صوت هؤلاء في الوقت الذي خفتت فيه أصواتنا!
إن القرائن كثيرة . . وهي تحتشد الآن لتوضح للعالم بأن السّردية الصهيونية ملفّقة، وأن السّردية الوطنية الفلسطينية محاصرة، ومصطلح السّردية هذا كان قد استخدمه الراحل الكبير إدوارد سعيد كترجمة لمصطلح “ناراتيف” أو الأطروحة الوطنية التي يتبناها كل شعب حول نفسه وسيرته وتاريخه .
قبور دارسة، وأزهار صفراء تتلألأ على أشجار الصّبير التي ما كان لها أن تكون بكل هذا الشوك وهذه القسوة كالمحارة، لولا أنها تخبئ في داخلها الشّهد، فلا حاجة إلى متحف ما دامت كل عناصره ماثلة للعيان، فهو مبثوث في كل شبر من تلك الأرض، والشاعر الذي قال للسجان لو عصرت رغيف خبزك في يدي، لرأيت منه دمي يسيل على يدي، لم يكن إلا الناطق الوطني لا الرسمي، باسم الزيتون والسّرو والصفصاف .
تلك الأطلال التي تعرض علينا بين مناسبة وأخرى، أبلغ في خطابها من كل السّاسة والجنرالات ومتعهدي المؤتمرات الأشبه بحفلات تنكّرية .