النكبة .. 62 عاماً شهود أحياء ...
(1)
60...5/14/98573.jpg
وأبطاله وحكاياته التي تحكي الوجع والشتات . لا عودة عن حق العودة، سنظل منزرعين في الأرض كأشجار الزيتون، وسيبقى المفتاح و”طابو” الأرض في القلب ينتظران بشوق وحنين يوم العودة الذي لابد سيأتي . اثنان وستون عاماً هي عمر النكبة لم تجعل الفلسطيني ينسى، ففي كل يوم يتجدد الأمل في العودة إلى
الوطن السليب . إنها فلسطين القابعة في أعماق الوجدان وقعر القلب وتلافيف الذاكرة . إنها عصية على النسيان والتحريف والتزوير . هي فلسطين غير القابلة للحذف أو التقسيم، هي فلسطين من البحر إلى النهر المزهوة بعاصمتها القدس الشريف الوارفة الظلال الحاضنة لمسرى الرسول ومحمد ومهد عيسى . في الذكرى ال 62 للنكبة تفتح “الخليج” الجرح القومي المفتوح الذي ينزف دماً وألماً .
وحشية العصابات الصهيونية قتلت البشر ودمرت الحجر والشجر
يحضرك الزمن . يبتعلك من رأسك حتى أخمص قدميك، ويفتح لك ذراعيه على وسعهما لتحضنك يافا وحيفا وعكا وصفد والناصرة في وجوه تألقت فيها بامتياز . هنا التاريخ عصي على التحريف والتزوير . هنا الصورة أصيلة وبلا رتوش وحقيقية حتى الصدمة والوجع .
اثنان وستون عاماً والنبض لا يهدأ ولا يتراجع . من قال ان الوطن حروف وكلمات؟ ومن قال إن الزمن عدو الذاكرة أو إنه دواء للنسيان؟
هنا فلسطين ذاكرة عصيّة على الزمن . متوهجة . حاضرة وفياضة يختلط فيها الحنين مع الأمل والعتب مع الوجع، واليأس مع الأمل .
أجيال ترحل وأجيال تولد . والقبضة على مفتاح البيت في حيفا لا تتراخى . كما هي حفنة الرمال من على شاطىء يافا أو هي تلك الصور النابضة لحفلات الزفاف ودبكات الأعراس في الجليل .
اثنان وستون عاما والسؤال نفسه: أين نحن من فلسطين اليوم وأين هي فلسطين منّا؟
في أزقة مخيم شاتيلا والبرج في لبنان لا نحتاج لطرح السؤال . تحضرنا فلسطين بكامل زهوها وبكل محطات الوجع والانتظار فيها وذلك الطوفان الهادر من الذاكرة المفتوحة على بوّاباتها أبداً .
أبو مجاهد مدير مركز الاطفال والفتوّة في مخيم شاتيلا يعتبر أن الحفاظ على هذه الذاكرة مهمة انسانية ووطنية معا . يتطرق الى الواقع المأساوي الذي يعيشه شيوخ فلسطين وحيث لا يجد معظمهم اليوم ثمن الدواء ولا ما يحفظ لهم كرامتهم وانسانيتهم . الكثير منهم ناضل من أجل فلسطين ونذر حياته لها . ويتساءل إن كان ثمة من فكّر في ايجاد مشروع لدعم اولئك الشيوخ واحتضانهم في بادرة وفاء لفلسطين التي تحتضنها عيونهم وقلوبهم وتمتلىء بها ذاكرتهم؟
عبدالله طالب صالحاني يرفض ما يقال عن الهجرة . هو كما أهل فلسطين انتُزعوا من أراضيهم ولم يهاجروا . يقول ابو صالح بنخوة الشباب وهو قرب التسعين من عمره إنه “من الظلم ألا تذكر الحقائق كما هي . شعب فلسطين تعرّض ليس فقط للارهاب ومجازر الصهاينة، انما لحرب اقتصادية الحصار والتجويع والمطاردة” . يضيف وهو يستعرض صوراً من قبل التهجير “لماذا لا أحد يشير الى دور جيش الانقاذ السلبي في اخلاء مدن وقرى فلسطين؟ هناك شريط كامل لوقائع ومعارك نجح فيها الثوار بالاحتفاظ بأرضهم رغم عدم تكافؤ الأسلحة ومعدات القتال والتآمر والحصار . لكنهم اضطروا لإخلائها تحت وعود وعناوين مختلفة تؤكد على الحفاظ عليها ليفاجأ الجميع بأن تلك الوعود كانت كما البالونات في الهواء . يضيف: “انا من مواليد البصّة سنة 1932 كنت وما زلت شاهداً على جريمة احتلال فلسطين . كان ابي يمتلك مزارع شاسعة للقمح، وكمزارعين كان اعتمادنا على الأرض الاّ أن الاحتلال البريطاني في اضراب سنة 1936 مارس حصاراً اقتصادياً رهيبا ضد المزارعين والاهالي حتى اضطررنا لتناول خبر النخالة . منعوا تسويق مزروعاتنا واغلقوا الطرق على تسهيل بيعها، طاردوا الثوار وصادروا السلاح وفي الوقت نفسه بادر الثوار الى مطاردة العملاء في ظاهرة عرفت انذاك ب”الكف الاسود” فإن وجد العميل كفاً اسود على بابه، يعني انكشاف أمره ونهايته وفعلا كان يتم اعدامه .
تجارب ومآس كثيرة عايشتها قبل النكبة، يقول عبدالله صالحاني . وما حدث في بلدة البروة قضاء عكا والتي استعيدت من قبل الاهالي لثلاث مرات من عصابات الصهيونية يؤكد ما أسوقه . كان ممثلو جيش الانقاذ يطلبون اخلاءها وتسليمها لهم بحجة التمترس فيها وحمايتها لنفاجأ لاحقاً باخلائها واحتلال اليهود لها . وهكذا حدث معنا ايضاً اذ ارغمنا على مغادرة البلدة بوعد العودة اليها بعد اسبوع على الاكثر . فاذا بالاسبوع يمتد شهوراً وسنوات تجاوزت الستين عاما . حين غادرت بلدتي كنت خاطباً بانتظار فُسحة من الهدوء ليتم الزفاف فيها، الأمر الذي لم يحصل الا خارجها . غادرت وفي قلبي غصّة أنا الذي قاوم العصابات الصهيونية وتصدى لها وصار شاهداً على جرائمها قديمها وجديدها، وما سوف يستجد اعظم لأن الصهاينة يريدون أرضاً بلا شعب . وهذا ما يعملون على تحقيقه .
تتذكر فطّوم العلي من بلدة فرادة في الجليل الأعلى مشهد المجزرة التي ارتكبها الصهاينة بحق بلدتها . تلملم دموعها بطرف منديلها الفلسطيني الرائحة والتطريز تقول تلك العجوز الطيّبة والوحيدة التي بقيت من عائلتها على قيد الحياة: “لم أكن صغيرة حين حدثت المجزرة سنة 1948 في بلدتي فرادة . كنت واخي واختي بين الناس المحاصرين . عمي كان مختار البلدة والذي تولى رعايتنا بعد استشهاد والدي . كانت مجزرتا دير ياسين وكفر قاسم قد وصلت اصداؤهما الينا ولم نغادر بلدتنا حتى اقتحمتها عصابات الصهاينة وراحت تنكل فيها ذبحاً وعبر زخات الرصاص، ولم تكتف بذلك بل طلبت ممن تبقى على قيد الحياة الخروج والتجمع فوق التلة لتبدأ حفلة اطلاق الرصاص علينا . كنت امسك ببنطال عمي المختار وارتجف ركضت خلف حجر كبير احتمي به، شاهدت زوجة عمي تسقط مضرجة بدمائها، كانت صبية رائعة الجمال لم تتجاوز السابعة عشرة وقد تزوجها عمي المختار لتنجب له كون زوجته الأولى لم تنجب، اصيب عمي بالذهول وهو يشاهد استشهاد عروسه . أما انا ومن شدة الذعر قبضت على يد اختي واخي ورحنا نركض باتجاه الجنوب ورصاص الصهاينة يطاردنا . اصيب اخي واسشهد ولم يبق سوى شقيقتي ومعها وصلت الى بلدة رميش في جنوب لبنان، جلسنا تحت شجرة تين وقد انهكنا الرعب والتعب . وضعنا حجرين تحت راسينا وحاولنا عبثاً ان نغفو في العراء . كان العطش والجوع قد هدّ قوانا . شربنا مياها قذرة في خلال ثلاثة ايام امضيناها في العراء الى ان اخذتنا زهرة علي موسى وكانت متزوجة فلسطينياً استشهد في تلك المجزرة الى بلدتها حيث رحنا نعمل في تكسير الحجارة وبيعها بعشرة قروش لكل حجر، الامر الذي مكننا من استئجار غرفة صغيرة اقمنا فيها . كانت شقيقتي صغيرة فتوليت إعالتها وتربيتها حتى كبرت وتزوجت وانجبت ثلاثة ذكور . لكنها قتلت لاحقاً في مجزرة تل الزعتر مع كل عائلتها وهكذا بقيت وحدي بلا أرض ولا أهل ولا سند .
حافظ علي عثمان (ابو هشام) من مجد الكروم قضاء عكار ومواليد 1929 استذكر متكئاً على على عصاه ليقول: هكذا انتهيت عاجراً بعد ان كنت شاباً مقاوماً وناجحاً في عملي، اذكر عن فلسطين الكثير وهل يمكن للمرء الذي عاش فيها وشرب مياهها وتنفس هواءها ان ينسى لحظة واحدة من لحظات حياته فوق ترابها؟ ابي كان ضابطاً لأحد سجون عكا، وفي الوقت نفسه كان يدير بساتين الزيتون التي نملكها في مجد الكروم، كنت قد تعلمت مهنة تصليح السيارات الى جانب تدربي على السلاح والمقاومة، إذ إن العصابات الصهيونية كانت في الاربعينات في اوج نشاطها الارهابي وكانت فلسطين لا تزال تحت الحكم البريطاني وبالتالي لم يتحرك البريطانيون قيد أنملة امام عصابات الصهاينة، ولم يردعوهم بل سهلوا لهم عمليات القتل عن طريق امدادهم بالاسلحة وتسهيل دخولهم فلسطين . وفي المقابل مطاردة الثوار وملاحقتهم لقد امدوهم بكل اشكال الدعم وربما ليسوا وحدهم من قام بذلك فالمؤامرة ضد فلسطين وشعبها شاركت فيها اطراف عربية كثيرة . شاهدت بنفسي مجازر العدو في عكا وحيفا وكيف اندثرت على اثرها عائلات بأكملها، كانوا يلغمون المنزل ويزنروه بالمتفجيرات ليلاً وأهله نيام لينفجر بهم فتتطاير الجثث وتحترق وعلى غفلة من الجميع هذه المباغتة دفع ثمنها عائلات كثيرة اطفالاً ونساء وشيوخاً وشباباً، ومع هذا لم يكن الاستسلام واراداً امام احد، بل كان الشباب يطاردون هذه العصابات حتى اوكارها ولطالما نجحوا في مواجهتها وردها على اعقابها . كان مشهد الرعب يمتد من عكا لمجد الكروم ولانه لم يكن آنذاك من وسائل نقل سريعة كالسيارات كان الناس يقضون ضحايا إصاباتهم ونزفهم ما اضطرنا احياناً لنقلهم على البغال وعلاجهم بوسائل بدائية .
وها هي الأيام تمتد سنوات وسنوات لأتزوج في الغربة وأعيش في الغربة وانجب اربعة ابناء وليستشهد بعضهم وليغترب الآخر مرة أخرى ولتستشهد زوجتي وابقى وحدي بانتظار ان يتحقق الحلم . فهل سيتحقق؟
هذه هي اوراق ملكيتي لأرضي وبيتي احتفظ بها حتى اليوم كأنني اعزّي نفسي بها بان فلسطين حقيقة هي وطني، وانني أنا حافظ علي عثمان كان لي في يوم من الايام وطن وبيت وارض وان لي فيه جذوراً ورائحة جذور وعبق وتاريخ . . انا حقيقة ولست وهماً كما هي عروبة فلسطين حقيقة وليست وهماً كما يريدون ان يقنعونا بعد اثنين وستين عاماً على نكبة التهجير .
70.../363image.jpeg
تمام محمود سحويل من سعسع قضاء حيفا تقول وهي تتأمل البوم صورها طفلة في فلسطين “كنت حينها طفلة في الرابعة لكني أعي تماماً ما كان يتردد على السنة أهل بلدتنا وأدرك ما اسمعه جيداً . كان أهلي يحرصون على التناوب ليلياً لحراسة منزلنا وارضنا بعد ان توقفوا عن الذهاب الى حيفا للتسوق ولبيع الألبان والأجبان والخضار في اسواقها . لقد فهمت يومها ان الصهاينة كانو يضعون المتفجرات في براميل الزفت في الاسواق في حيفا وفي وقت الذروة حيث تشهد هذه الاسواق حركة بيع وشراء ولتستقبل الفلاحين المقاومين من البلدات المجاورة لبيع الخضار والبيض والالبان فتنفجر بهم تلك البراميل . وشاهدت كيف كانت تلك العصابات تتسلل الى القرى لتحرق البساتين “وبراكيات” الدواب فتقتل الابقار والاغنام وحتى اخشاش الدجاج والطيور . هذا ما رأيته طفلة وما زلت اشاهده اليوم يحدث في فلسطين وعلى مرأى العالم ومسمعه وموثقاً بالصور وتبثه القنوات كافة . الا يقتل العدو الفلسطينيين في الضفة والقطاع؟ الا يحرق البساتين؟ ويفجر المنازل ويلغم الطرقات والسيارات؟ الا يذبح الاطفال والنساء . . انها المجازر ذاتها تمتد عبر السنوات وتتسع دائرتها ولا من احد يجرؤ على قطع تلك اليد الغادرة التي لا تتوقف عن سفك دماء شعب فلسطين وانتهاك ارضه وحقوقه ماذا اقول؟
وهل ثمة فائدة ما من الكلام؟ اننا نتكلم منذ اكثر من ستين عاماً ما الذي تغير؟
محمود خضر داود من الياجور قضاء حيفا يتحدث عن سلسلة المجازر التي ارتكبها العدو 1949 في البلدات المحيطة بحيفا قبل دخوله لحيفا وهي باجور والشيخ وحواسا . تلك المدن التي تشكل سلسلة محيطة بحيفا . يقول محمود ان مجزرة العنيزي كانت هي الأبشع وقد جرت بالسلاح الابيض بالسكاكين التي كان يحملها العمال اليهود والذين كانوا قد اعدوا العدة لها في الوقت الذي لم يكن العمال العرب يملكون أي سلاح ولا فكرة لهم عن نية العدو بارتكابه للمجزرة البشعة تلك والتي حصدت مئات العمال، ويتابع محمود كانت تلك المجزرة قبل عام 1948 وبعدها دخلت العصابات الصهيونية الى حواسا وعملت تذبيحاً وتنكيلاً بسكانها . كان دخولها للبلدة من الجبل حيث تجمعات قطعانهم وبحماية من الاحتلال البريطاني وبتغطية منه . يقول محتدا من قال ان البريطانيين لم يسهلوا للعدو ارتكابه لتلك الفظاعات ولم يضعوا بين يديه امكاناتهم العسكرية واللوجستية؟
ويختم بالقول: انا قرفان من الحكي . . انظروا مجازر صبرا وشاتيلا والبلطات التي استعملت فيها انها غيض من فيض لجرائم مستمرة يرتكبها هذا العدو بحق فلسطين ارضاً وشعباً .
أوراقنا الثبوتية جذورنا وهويتنا
قاسم محمد قاسم جاموس من عمقه قضاء عكا فلسطين لا يزال يحتفظ بهويته الفلسطينية القديمة وأوراق الطابو لأرضه ومنزله وبالمفاتيح الخاصة ببوابة بيته الكبير . قاسم تجاوز التسعين من عمره يذكر الكثير عن بلده وعن عمله كموظف احصاءات في مطار عكا منذ 1938 وحتى ،1947 ويؤكد ان مجزرة دير ياسين على بشاعتها لم تكن الوحيدة وانما هنالك مجازر اخرى كثيرة فاقتها بشاعة ارتكبتها عصابات الهاغاناه القادمة من الشومرية والهارباج، وهي مستعمرات صهيونية كانت قرب الناصرة وتحيط بها ومنها كانوا يتناوبون عمليات الذبح والتنكيل في بلدة الشيخ وحواسا، ولطالما اقتحموا تلك البلدات على غفلة من أهلها أو وهم نيام وعملوا ذبحاً وتقطيعاً وتنكيلاً . لم يترددوا في تحطيم الابواب او نسفها للوصول الى اسرة الاطفال وذبحهم على فراشهم، كان الهدف تفريغ فلسطين من اهلها اما قتلاً او تشريداً ولم يترددوا باستعمال ابشع وسائل الارهاب والقتل سواء بالذبح او بالرصاص او نسف البيوت واحراقها وتدميرها، ولم تنج من جرائمهم حتى زرائب الحيوانات ولا اعشاش الطيور ولا حقول الزرع والبساتين . انا مازلت رغم كل تلك السنين احتفظ بأوراقي الثبوتية والتي تشكل لي حصن امان الوذ به كلما اوشكت الغربة تسحق عظامي . تذكرني بطاقة الهوية بجذوري العميقة الضاربة في ارض فلسطين الطيبة وتعيدني الى حضنها الدافئ الذي اشتاقه بجنون . . هي الوجه الاخر للوطن والذي لا يفارقني ابداً والذي سأحمله حتى القبر .
ووصيتي لأولادي ألا يضيعوا هذا الوجه الذي يعكس تاريخي وتاريخهم ويحدد ملامح تاريخ ابنائهم ويشكل جسر عبورهم للوطن . . لفلسطين .
أمينة بكار من لوبيا قضاء طبريا شهدت في الاربعينات ابادة خمسة وعشرين فرداً من عائلتها في مجزرة رهيبة ارتكبتها عصابات العدو في حارة البلدة . تقول امينة التي لا تزال تحمل في وجهها علامات المجزرة والتي نجت منها بمعجزة: لقد دخلوا البيوت واطلقوا الرصاص في الشوارع وحطموا الابواب وفجروها وجمعوا الناس في الحارة وراحوا يطلقون الرصاص عليهم بغزارة . بعد تلك المجزرة كانت مجازر بلدات كثيرة مشابهة كبلدة الشجرة وترعان وحطين والشركس، لقد احرقوا حطين باكملها اشعلوا النار فيها وبناسها وببساتينها . . ما ابشع ذلك المشهد الذي لن يغيب عن ذاكرتي ولا حتى بعد الموت . لقد اضطررنا بعدها للهرب حفاة تحت ازيز الرصاص ومطاردة تلك العصابات ومشينا على اقدامنا تحت وهج الشمس . واحدة من نسائنا أخذها الرعب على احد اطفالها فنسيته وحين عادت لتحضره لم تجده فذهب الحزن بعقلها .
كثيرات فقدن بعض ابنائهن وقلة منهن من اسعفهن الحظ بايجادهم لاحقاً . انا شخصياً نسيت ابني مرتين اثناء فراري ولكن الله تلطف بي ولم يحرمني منه .
واخيراً سلوى ناصر من يافا، تتحدث عن آخر مشهد التقطته عيناها لمدينتها قبل الرحيل، كانت لا تزال في المدرسة تلهو مع صديقاتها حين شاهدن النيران تتصاعد من بساتين البرتقال المحيطة بيافا . كان الدخان كثيفاً ومخيفاً في آن، لم تفهم سلوى حينها لماذا قررت مديرة المدرسة ان تعيد الطالبات الى منازلهن: اخرجونا يومها من المدرسة حين وصلت البيت سمعت أمي ترسل بطلب شقيقتي الثانية من المدرسة . كان جو المنزل مشحونا والقلق يحتل الوجه، طلبت أمي ان نتحضر لأننا سنسافر الى منزل خالنا في سوريا فجدتي لأمي من سوريا . قالت لنا الجدة مازحة لا تأخذوا معكم العابكم حتى لا يصادرها منكم ابناء خالكم . كذلك اذكر ان أمي رفضت ان تحضر معها ماكينة الخياطة، كما اصدرت تعليماتها بان يتم مسح البيت وتنظيفه واغلاقه جيداً حتى اذا عدنا نجده نظيفاً .
حنين إلى الأرض وإيمان لا يتزعزع بالعودة
غزة - رائد لافي ومحمد عدوان:
من قرية “كرتيا” المدمرة شمال شرقي مدينة غزة، تنحدر أصول أم حسن التي تسكن اليوم في مخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة . . مسافة طويلة تفصل بين ذكريات الطفولة وأمنيات الشيخوخة، لطفلة كانت تلهو في فناء منزلها وتشترك في أحلامها مع كل فتيات جيلها، وبين امرأة عجوز نال منها الزمن وكل أملها في الحياة أن تعود ذات يوم إلى مسقط رأسها، أو يتحقق حلم العودة لأبنائها وأحفادها .
تتحدث مريم المغاري “أم حسن” (77 عاما) عن قريتها بكل فخر وبساطة، وتقول: “كرتيا” في عيني أحلى مكان بالدنيا، فيها ولدنا وتربينا . كنا نلعب صغاراً حول الأشجار . كانت أجمل سنين عمري، لأن كل السنوات بعدها تعني باختصار ألماً وتشريداً وعذاباً . ما زلت اذكر زواجي وكان عمري وقتها 14 عاماً . كنت سعيدة باحتفال أهل القرية بزواجي رغم صغر عمري وعدم ادراكي معنى الزواج ومسؤولياته .
لم يمر وقت طويل على زواجي حتى حضر زوجي ذات يوم وأخذ يجمع ما في المنزل من متاع بسيط وأخبرني بضرورة الرحيل عن القرية . . لم أدرك وقتها حقيقة الأمر . كل ما سمعته وقتها أن العصابات الصهيونية تهاجم المدن والقرى وترتكب المجازر، لم أكن أعلم أن الهدف هو سلبنا منازلنا وأراضينا وممتلكاتنا .
وتتذكر “أم حسن” بكثير من الألم والمرارة تلك الليلة التي قطعت فيها برفقة زوجها وأهالي القرية مسافات طويلة بمحاذاة ساحل البحر للنجاة بأنفسهم من عصابات القتل الصهيونية، وتقول: قضيت مع زوجي عدة ليال على شاطئ البحر . كانت رحلة طويلة وشاقة أدمت أقدامنا ونحن نسير على أرض ملتهبة والفزع يتملكنا .
وكاد الخوف يقتلني على طفلي الرضيع “حسن” الذي لم يتجاوز وقتها أربعة أشهر . كان يبكي طوال الطريق من دون أن تكون هناك فرصة للتوقف حتى لأرضعه، وصلنا بعد أيام إلى دير البلح وسط قطاع غزة، وهناك التقينا بأهالي من القرى المجاورة لكرتيا، لكن لم تكن فرصة مواتية كي نتعرف إلى بعضنا البعض . كان الكل منشغلاً في الهرب لمسافات طويلة عن القرى التي هاجمتها العصابات الصهيونية . القصص كانت كثيرة ومرعبة عن قرى هاجمها اليهود وسرقوا منازلها وقتلوا رجالها واغتصبوا نساءها وأشاعوا الرعب والارهاب في كل مكان . . .
أغاني وأهازيج للأفراح ولكثير من المناسبات غنتها أم حسن في ثنايا حديثها عن النكبة، وكأنها جزء من الرواية، تذكرها وتغنيها وتعلمها لبناتها وزوجات أبنائها . . وتحتفظ بثوب عرسها ونذرت أن تلبسه يوم عودتها إلى “كرتيا” لأنه سيكون بالنسبة لها أجمل عرس في حياتها، آمال تتناقلها أم حسن وصديقاتها ممن عاصروا النكبة والهجرة، وهنا تتذكر أم حسن بحسرة كبيرة صديقاتها اللواتي بدأت تفقدهن واحدة بعد الأخرى، وتقول: لقد غيب الموت في السنوات الماضية صديقات ورفيقات درب شهدن معي النكبة في العام 1948 .
الزمن لم ينل من ذاكرة أم حسن ولا تزال تذكر جيداً تفاصيل هجرتها، لكنها ربما لا تعلم أن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” أقامت على أنقاض قريتها وقرى صغيرة مجاورة ثلاث مستعمرات هي (كوميوت ورفاحا ونهورا) . . تغيرت معالم المكان ويبقى حلم العودة راسخاً ثابتاً لدى أم حسن والأجيال الفلسطينية المتعاقبة .
بلحية غزاها الشيب وبتجاعيد وجهه التي عكست معاناة السنين، يروي أبو نهاد ذكريات طفولته التي تعلقت بالهجرة . . سنين طويلة مضت ولم تنسه الأيام كيف كان يجري حافي القدمين هرباً من خطر الموت، على ارض جرداء يملؤها الشوك، وكيف كانت قدماه تدمي لكن شعور الخوف كان أقوى من إحساسه بالألم، رحل مع عائلته في العام 1948 من قرية “عراق سويدان” قضاء مدينة المجدل، وكان وقتها طفلاً بعمر 11 عاماً .
تنهد محمد حماد “أبو نهاد” تنهيدة طويلة وشرد بذهنه للحظات يبدو أنها عادت به إلى “عراق سويدان”، وقال: مضى وقت طويل كنت طفلا من مواليد عام ،1937 بدأ القصف الجوي “الإسرائيلي” على القرية والقرى المجاورة، فزع الجميع، بينما والدي ومعه مجموعة من الشبان الشجعان، طلبوا منا جميعا الخروج وصمدوا هم في القرية، وأوصانا والدي بعدم اصطحاب أي شيء غير الطعام والشراب وترك كل شيء في مكانه . كان أمله أن تمر الأيام الطارئة وتعود الحياة كالمعتاد . . رحلنا إلى قرية “الفالوجة” القريبة حيث كان للجيش المصري معسكر في هذه القرية فأقمنا على مقربة منه لفترة بسيطة، وبعد اشتداد المعارك وزحف القوات الصهيونية نحو “الفالوجة” غادرنا القرية مرة أخرى وهذه المرة كان معنا أهالي من قرى مجاورة أخرى . . . فرادا ومجموعات كانت الهجرة من جديد موعدنا نحو المجهول، حيث لا ندري إلى أين المسير .
بزاد بسيط وماء لا يكاد يكفي لتبتل منه عروقنا، وصلنا إلى مخيم البريج وسط قطاع غزة، وهناك توزع الجميع بين الأحراش واتخذ كل منا مكانه رغم صعوبة الاقامة، اختار لنا احد أعمامي شجرة لنستظل تحتها وتكون مكان اقامتنا المؤقت . . كانت تمر علينا قوافل إغاثة توزع الطعام، والكل يأخذ حاجته من الطعام، وبعدها وزعت الأمم المتحدة خياما على المشردين . .
يتذكر الحاج اسماعيل الجعبري “أبو عطا” قريته “جورة عسقلان”، التي هاجر منها وهو في الثامنة عشرة من عمره هرباً من الموت الذي كانت تبثه العصابات الصهيونية في كل قرية ومدينة، ليقطن مع أسرته وأهل قريته من ذلك الحين في مخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة، ويقول: دخل اليهود بلدتنا واضطررنا إلى الهجرة حفاظا على حياتنا، لقد ذكرتموني بما لا أنساه أبدا فقريتي تسكن قلبي وتسري في شراييني مع دمي الذي به أحيا، فذكريات هوائها العليل تعيش في رئتي حتى اليوم . .
ويحفظ الحاج الجعبري قريته عن ظهر قلب بمكانها وموقعها وتفاصيل الحياة فيها قبل النكبة، ويقول: تقع قرية “جورة عسقلان” على الشريط الساحلي للبحر المتوسط ملاصقة لمدينة المجدل ويشتهر سكانها بالصيد وتكثر فيها السياحة، وتعد واحدة من أهم الوجهات التي كان يقصدها الزوار الأجانب، كانوا يحضرون ليستمتعوا بأجوائها الساحلية الجميلة، ويجلسون في مقاهيها وأشهرها “مقهى البردويل” .
وبلهجة حادة ممسكا بمفتاح بيته القديم يستكمل أبو العطا حديثه، ويقول: اذا اعتقد الاحتلال أننا سننسى بلادنا فهذا “حلم إبليس بالجنة”، فانا أحاول دائما أن ازرع في أبنائي وحتى في أحفادي حب فلسطين . . أجمعهم حولي باستمرار أحدثهم عن قريتنا وعن ذكرياتي فيها واشعر بشغفهم الدائم رغم أن كلامي في كل مرة يعاد والمواقف هي ذاتها تتكرر، إلا أن تعلقهم باد في نظرات عيونهم ويكفيك أن تسأل احدهم ليجيب بصوت مرتفع أنا من قرية “جورة عسقلان” لتجده يعرفها اسمًا وتفصيلاً .
ذكريات النكبة وأحلام العودة
بكل أمل وبابتسامة ارتسمت على وجهها المجعد تحدثت الحاجة أم تيسير الحنفي عن حلمها بالعودة إلى مدينة “اسدود” التي هاجرت منها صغيرة، إلا أن ما علق بذاكرتها بقي حاضرا في مخيلتها وكبر معها . . مضت السنون والحلم يكبر ويتوارثه أبناء وأحفاد أم تيسير .
من “اسدود” كانت بداية قصة التشرد التي ارتبطت بحرقة ظهرت مع آهاتها بالقول: كان عمري خمسة عشر عاما، عندما هاجرت برفقة زوجي وأسرتي إلى مدينة غزة . كنت وقتها حاملا في شهري السابع في اكبر أبنائي . كانت أيام الهجرة صعبة وآلام الحمل تزيد من ثقل تلك الأيام في ذاكرتي، فجاءتني آلام المخاض في الطريق، لكن الخوف كان أكبر من شعور الألم . ولما حانت اللحظة ساعدتني امرأة عجوز كانت برفقتنا على وضع طفلي الأول “تيسير” في شهره السابع، ليرتبط مولده بوقوع النكبة وينمو معه الألم والأمل معاً . . .
لم نكن نحمل سوى بعض الزاد . حفاة وشبه عراة في موسم الخريف . نركض مجتمعين حول بعضنا وأحد أعمامي خلفنا يعدنا كل دقيقة كي لا ننقص واحدا، نلتحف السماء ونفترش الأرض إلى أن وصلنا إلى مدينة غزة التي أصبحت في ما بعد مستقرنا ومحل اقامتنا . هنا في غزة وفي خيمة صغيرة وزعت علينا من هيئة الأمم المتحدة وسط معسكر الشاطئ كانت بداية رحلتنا مع اللجوء، بحسب أم تيسير .
آخر حديث أم تيسير كان أمنية بأن تعود إلى اسدود لتقضي ما تبقى لها من عمر وتموت وتدفن في ترابها . . .
في الشارع المقابل لمنزل “أم تيسير” يقطن الحاج أبو وليد مختار عائلة غانم . في ديوان العائلة كان أبو وليد يجلس وآثار الزمن بادية في تجاعيد وجهه تحكي رحلة العمر المريرة ما بين الهجرة واللجوء، وتبدو من خلفه صورة كبيرة رسمت باليد للمسجد الأقصى .
أبو وليد هاجر مع عائلته من قرية “حتا” المدمرة، استهل حديثه عن النكبة وضياع فلسطين بقوله: “الانجليز باعوا أرضنا لليهود” . . كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي اشترك بشكل مباشر في بيع الأرض لليهود، وحتى تلك الأراضي التي لم يستطع نقل ملكيتها بالبيع ساهم في تشريد أهلها بالقوة حيث دعم العصابات الصهيونية بالسلاح والعتاد ووفر لها الأجواء المناسبة لسلب فلسطين غصبا، وهذه خطة تطلب انجازها وقتا منذ وعد بلفور عام 1917 وحتى النكبة التي بدأت فصولها في العام ،1947 حيث كان الفلسطينيون مستعمرين وممنوعين طوال تلك الفترة من امتلاك السلاح بالمقابل كان تسليح اليهود يجرى على قدم وساق فكان هناك 700 ألف يهودي مسلحين واخذوا بمهاجمة القرى تحت سمع وبصر الجيش البريطاني .
ويتذكر أبو وليد تلك الأيام وهو يقلب في أوراق “الطابو” الخاصة بأراضي عائلته في “حتا”، ويقول: كنت واحداً ممن هاجروا من هناك، بعد ما سمعنا عن سكان القرى المجاورة قد تركوا بيوتهم وخرجوا إلى الساحل، كانت أنباء مجزرة دير ياسين حاضرة في كل المجالس والأحاديث، خوفا من مجازر أخرى وإشاعة بأن اليهود لم يدخلوا قرية أو مدينة إلا وعاثوا فيها فسادا، هاجرت وعائلتي الكبيرة من قريتنا وتبعنا الناس إلى حيث لا ندري، كان صوت الطائرات كفيلا أن يدب الرعب في قلوب الجميع كباراً وصغاراً ويزيد من سرعة الخطى أثناء المشي مبتعدين في كل خطوة عن أرضنا .
“حتما سنعود” عبارة حفظها الفلسطينيون عن ظهر قلب، أيقنوا أن طيورهم سترجع يوما إلى أعشاشها، وستحلق في آفاق سمائهم وعلى شواطئ بحرهم ستلتقي أمالهم . . “حتما سنعود” رددوها بإيمان لأن الحلم لابد أن يتحقق والمحتل إلى زوال .
جيل يموت وآخر يحمل الراية، يتعاقبون على حفظ حقوقهم وفهمها في تحد لكل محاولات الطمس والتزوير . .
أدركت عائلة المدلل والجد أبو العبد مبكراً أهمية توريث حفيدها الأول “أسامة” حب الوطن وحلم العودة منذ نعومة أظفاره، لأن لدى أبو العبد واللاجئين كافة خشية من ضياع أمانة القضية، وقناعات بأن الراية يجب أن يحملها الأحفاد بعد الأبناء والأجداد، ويقول أبو العبد: “لا يضيع حق وراءه مطالب” .
حظي أسامة (12 عاماً) باهتمام على نحو خاص، فكان نصيبه أن ولد في عائلة اعتنت بتعليمه كل شيء عن وطنه وقريته . . عائلة أخذت على عاتقها توريثه راية الحفاظ على الحق وحمل لواء العودة الى أرضها التي سلبت منها .
بكل فخر يتحدث أسامة عن قريته الأصلية “البطاني الغربي”، ويقول: هاجر أجدادي وأهلي وكل أفراد عائلتي من قرية “البطاني الغربي”، ومن أحاديث جدي وأبي عنها وذكريات أهلي فيها تشبعت بحبها، وأصبح اسمها نغما أتغنى بألحانه للغد المقبل الذي سنعود فيه إلى هذه الجنة التي تتوق نفسي شوقا إليها حتى ولو لم أرها من قبل .
لقد اعتمد جدي معي أسلوب التشويق وعرف أن ما تسمعه الأذن تطرب له النفس ويذوب فيه القلب، فكان يشرح لي تفاصيل أكبر من سني، يناديني وأنا ألعب مع الأطفال لأنه تذكر شيئا لم يحدثني به من قبل حول الحياة في “البطاني الغربي”، وكان دوماً يكرر على مسامعي: عندما تعود إلى قريتنا سيكفيك أن تعيش في ملك هو لك وارض لا تعرف إلا أنت، ولا سلطان لإنسان عليك فالحكم فيها لله والانتماء للوطن والتراب .
ويضيف اسامة بحماس شديد وهو يشير بيده الصغيرة إلى موقع قريته على الخريطة التي تتوسط منزله: “هنا تقع قريتي، التي احمل لها أمانة من جدي ليست بالهينة وأدرك أنها ثقيلة لأني حريص ألا أضيعها، ولدي اصرار على أن تبقى عظيمة شامخة في نفسي، بالعودة إلى هذا المكان”، ويبرز هنا في ذهن أسامة الصغير سؤال كبير: كيف تضيع القضية؟ وهي آية في كتاب الله ووعد منه لا بد أن يوفى . كيف يظن المحتل وإن مضت عشرات السنوات أن حرارة الانتماء إلى فلسطين يمكن أن تخفت أو أن جذوة اللقاء يمكنها التلاشي؟، كيف ذلك وهي دائمة التوهج في القلوب بالعهد الذي أودعه الرجال إلى الرجال؟ .
كان يتمنى محمد عاشور أن تتوفر له ظروف أسرية تشابه ظروف أسامة، من اهتمام أسرته بتاريخ بلدتهم الأصلية ودوام الحديث عنها، فهو بالكاد يعرف اسمها وبعض التفاصيل العامة التي قد يعرفها من هم أصغر منه سنا، فيفتتح محمد (11 عاماً) حديثه وشيء من الخجل يعتريه: أنا من مواليد مخيم رفح، إلا أن بلدتي الأصلية هي “يبنا” داخل فلسطين المحتلة، وكلما أردت أن اسأل عن معلومات جديدة لا أجد تجاوب من والدي الذي أشغلته هموم الحياة ومتاعب لقمة العيش . لا أعرف من اسأل وقد توفي جدي وجدتي وأنا صغير، وإن سالت أمي فهي الأخرى لم تعاصر النكبة ولم تسمع عنها الكثير ولا تعرف سوى بعض المعلومات التي تعتبر عامة حول البلدة التي تنحدر منها أصولنا وفيها عاش أجدادنا وأهلنا، غير أني اعرف أن المحتل هجرنا من أرضنا وأخذها غصبا وأن مخيم رفح ليس موطننا الأصلي، استمع إلى هذا من زملائي الذين يمتلكون بعض المعلومات عن بلداتهم الأصلية ولا شك أن قريتي تشترك معهم في هذه الظروف . وبلهجة جادة يتابع الحديث: أحمد الله أنني اعرف اسم بلدتي فهذا يعطيني فرصة للتعرف إليها عندما اكبر من خلال القراءة والمطالعة، وبطرق مختلفة أخرى، الأهم أني دائما مهتم بمعرفة المزيد عن فلسطين .
ويتابع محمد قائلا: لن أقف مكتوف الأيدي وسأبحث عن معلومات عن هذه البلدة العريقة وأتعرف إلى ماضي أجدادي وأهلي حتى وإن انشغل أهلي في حياتهم سأظل على العهد حتى أعود إليها . أنا ألعب مع أولاد من حارتي وكل منهم من بلد مختلفة إلا أن الجميع يحب فلسطين، ونحن نشتاق للعودة ونشارك في احتفالات المدرسة بذكرى النكبة .
سامر أبو الخير طفل في عامه الثالث عشر، يدرس في إحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في مخيم دير البلح للاجئين . سامر طالب مجتهد في دراسته، مثابر وفضولي بطبعه، يسأل في كل الأمور ويحب التعرف إلى الجديد، لاحظ فيه والداه اهتمامه السياسي من خلال متابعاته لنشرات الأخبار ومتابعة الأحداث من حوله، كونه فلسطيني يعيش في ارض محتلة وقد عايش الحرب الأخيرة بكل تفاصيلها حاله كحال بقية أطفال فلسطين الذين كبروا قبل أوانهم وتفتحت مفاهيمهم على أمور تفوق أعمارهم الصغيرة .
حب سامر لقريته لا يختلف عن حب بقية أطفال فلسطين لمدنهم وقراهم، لأنه يدرك بعقله الصغير أن هناك أرضا سلبها المحتل يملك فيها هو وأهله كل حبة تراب على الأرض وكل قطرة ماء في بحيرة أو واد .
سيظل هذا حالهم وديدنهم، سيورثون قضيتهم وحلمهم لأجيال لاحقة . سيموت الآباء لينتقل حلمهم إلى الأبناء، لأنه بتمسكهم بهذا الحق ستبقى رؤوسهم عالية، وسيكتب التاريخ عنهم بصفحات ناصعة، أن قوما ذبحوا وشردوا من وطنهم عاشوا وماتوا على أمل عودتهم ذات يوم، بل سيكتب أن عدوا مغتصبا اندحر كما اندحر غيره من الجبابرة، وسيطوي صفحة احتلالهم ويستبدل بها صفحة عودة مظفرة لأصحاب الأرض . . .
* دار الخليج،،