"تياترو بيروت" وذاكرة المسرح الملتزم
"تياترو بيروت" وذاكرة المسرح الملتزم
أن غيبته سنوات طويلة عن الساحة، وافتقد خلالها القدرات المالية حيناً، وميليشيات الأمر الواقع أثناء الحرب الأهلية أغلب الأحيان . لكنه ظلّ صامداً طيلة هذه السنوات منذ تأسيسه عام ،1965 حيث تم إغلاقه المرة تلو الأخرى، وصولاً الى بدايات الشهر الحالي .
“تياترو بيروت” يحمل ذاكرة عاصمة مسرحية معاصرة، لم تنتج شكسبير ولا راسين ولا برنارد شو ولا ستانيسلافسكي، لكنها، حسب تاريخها القصير في ممارسة أقدم الفنون المشهدية، أعطت الخشبة كباراً رحل قليلهم، ومازال كثيرهم على أهبة العطاء، لتجديد الخشبة اللبنانية ورفدها بشتى أنواع المواهب والعطاءات . عملية صعبة لكنها غير مستحيلة، ذلك أن بدايات “تياترو بيروت” بدت معقدة، لكنها انطلقت، أنجزت ونجحت وكادت تصبح من مفردات الثقافة العربية والعالمية، ودليلاً على انفتاح اللبنانيين وإبداعهم في كل المجالات الحضارية .
في العام ،1965 كان لبنان يعيش أيامه الذهبية ثقافياً واقتصادياً، عجز المخرج الطليعي الشاب غبريال بستاني عن إيجاد خشبة يعرض عليها مسرحيته الجديدة، كانت الصالات المتوفرة مشغولة بعروضها وجمهورها، وكاد البستاني يعلق مشروعه، لكن تدخل زميله محمد سنو في اللحظة الأخيرة أنقد الموقف، ومن مبادرته ولد “تياترو بيروت” . ذلك ان سنو كان يملك قاعة واسعة سبق أن استخدمتها شركة “الفا روميو” لعرض سياراتها وتصليحها لثلاث سنوات (1956-1954)، ثم استثمرتها “مجموعة ماميش وعيتاني” لعرض أفلامها باسم “سينما هيلتون” وفشلت في جذب المشاهدين إليها، ما دفع الشركة الى إغلاقها بعد فترة قصيرة، يقول “سنو”: “في هذه الفترة ولدت فكرة تأسيس المسرح ليكون الثاني في بيروت بعد “مسرح بعلبك” . أردناه “مسرحاً ثقافياً” متفرداً في عروضه وأهدافه، خصوصاً أن غالبية المسرحيات كانت تعرض في صالات السينما .
وبالفعل عملنا وفق خطة مدروسة من جميع النواحي لتأسيس مسرح وفق الهندسة اللبنانية المميزة بحجارتها وقناطرها، ظهر المسرح الى الوجود بالحلة التي أردناها فبدا لؤلؤة الحضور الثقافي اللبناني، وإليه توجهت أنظار بعض كبار الكتاب والأدباء والفنانين اللبنانيين والعرب، شاركوا في افتتاح العرض الأول لمسرحية “عودة أدونيس على خشبة “تياترو بيروت”، وحيث اكتشف هؤلاء وللمرة الأولى، والكلام لمدير المسرح الحالي الفنان عصام بو خالد، “تحولاً حقيقياً في بنية وتوجهات وأشكال المسرح اللبناني، واهتماماً مركزاً على مختلف القضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، المتحولة هي الأخرى من مرحلة الى أخرى” . ولفت بوخالد الى أن العديد من هذه المسرحيات حملت توقيع كتاب لبنانيين ومن خلالها حققوا خطواتهم الأولى .
الاختلاف شكلاً ومضموناً ما سعى إليه مؤسس “تياترو بيروت”، اردناه مسرحاً ملتزماً، يوضح بوخالد، وهذا ما انتهجه منذ بداياته في عام ،1968 واثناء عرض مسرحية “مجدلون” مع نضال الأشقر، وقد تناولت فصولها القضية الفلسطينية، فبادرت الشرطة أيامها الى تعليق العروض واغلاق المسرح . “هربنا من بوابات الخروج الجانبية”، يتذكر بو خالد” ويضيف: “لكن الفنانين اصروا على متابعة العرض في الشارع أولاً قبل أن ينتقل العرض الى مقهى “الهورس شو” في الحمراء، وينتهي الجميع في دائرة الشرطة” .
وفي عام ،1982 شهد لبنان فترة استقرار نسبية، فقررت نورا سكاف إعادة الحركة الى المسرح بالتعاون مع الكاتب والمخرج الآن بليسون، واستعادت الخشبة بعض عروضها قبل أن تستعيد الحرب أوزارها . وبعد عشر سنوات على وقف المعارك، عادت جمعية “فنون” بإدارة هدى سنو وإلياس خوري إلى إضاءة شعلة “تياترو بيروت” مجدداً حتى عام 1998 .
وحسب حنان الحاج علي، انبعث المسرح من جديد . تظاهرة شبابية أتت مراراً وتكراراً لتكتشف الوجه الآخر لبيروت، وهذا ما دونته في كتابي، وفي هذه اللحظات بالذات، اكتشفت ان بيروت مدينة على شاطئ البحر .
اليوم كما الأمس، يعاني المسرح مشاكل تسرب المياه إليه، وهذا ما يكتشفه الجمهور أثناء العروض . لكن ذلك وغيره من الإشكاليات لم يمنع عصام بو خالد من محاولة أولى للإصلاح من خلال مساعدات وتبرعات من بعض المؤسسات والشخصيات، مع إصرار على ضرورة المحافظة على ديكورات الصالة الداخلية ومقاعدها باللونين الأحمر والأبيض .