طهران ترحّل "الكعكة الصفراء" إلى إسطنبول
خليل حسين / دار الخليج
لم تتأخر طهران بالرد على الاعتداء الذي تعرّض له عالماها النوويان ومقتل أحدهما، بالإعلان عن تمكنها من إنتاج الكعكة الصفراء، وبالتالي تحكمها بكامل دورة الإنتاج النووي لتشغيل مفاعلاتها . وبصرف النظر عن التوقيت الذي سبق بدء مفاوضات جنيف، فإن الإعلان في الزمان والمكان له من الدلالات الرمزية في سير المفاوضات ما يكفي طهران لإمكانية فرض أجندة متنوعة في جولة إسطنبول القادمة أواخر الشهر المقبل .
لقد استهلك الغرب وإيران معاً، سنة من الوقت المستقطع من عمر الهواجس المتبادلة، للتوصل إلى جولتي مفاوضات جنيف بأقل سقف من التوقعات والآمال، حتى بات الطرفان يبحثان عن مخارج لتوصيف نتائجها والبناء عليها للجولة القادمة . فالتدقيق في ما جرى لا يعدو كونها جولة من جس النبض السياسي بعد أحداث إقليمية ذات دلالات مهمة لأمريكا وغيرها في المنطقة، بدءاً من لبنان مروراً بالعراق وصولاً إلى أفغانستان، بما تختزنه من ملفات معتبرة لجهة الاستثمار عالي الجودة للأمريكيين والإيرانيين على حد سواء، فجاءت الجولتان بمثابة منح الفرص للتفكير بإعادة جدولة الربح والخسارة في هذه الملفات، بكلام آخر إن فرصة الشهرين لمفاوضات إسطنبول القادمة كافية لإعادة النظر في الكثير من الملفات القابلة للصرف السياسي .
وإذا كان المبتغى من إعادة إطلاق المفاوضات له خلفياته وأبعاده الإقليمية، فإن ما يقلق الغرب بشكل عام، عدم تمكنه حتى الآن من إجبار طهران على سلوك محدد في برنامجها النووي، بل وجد نفسه في كل مرة أمام معطيات جديدة تعطي إيران مزيداً من فرص المناورات التفاوضية القابلة للاستخدام، أقله التقني الذي يحتاج مزيداً من الوقت لبلوغه أوضاعاً غير قابلة للتراجع عنها . وعليه فأياً تكن نتائج جولات التفاوض تعتبر نصراً إضافياً لطهران، وهذا ما درجت عليه طهران في جولاتها السابقة .
ففي جنيف، تمكن المفاوض الإيراني من جدولة مواضيع التفاوض، بحيث لم يكن البرنامج النووي بحد ذاته ملفاً وحيداً، بل أضيف عليه مواضيع أخرى ذات صلة سياسية وأمنية إقليمية متعلقة مثلاً بالاعتداء على العالمين النوويين الإيرانيين واتهام “إسرائيل” بذلك واعتراف هذه الأخيرة بذلك لاحقاً، علاوة على موضوع نزع الأسلحة غير التقليدية في منطقة الشرق الأوسط والمعني به “إسرائيل” تحديداً .
كما تمخضت جولتا جنيف عن نتائج متواضعة جداً بالنسبة للدول الست، واكتفت بقبول إشارات إيجابية مفادها إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بعد صولات وجولات التهديد والوعيد التي استمرت سنة كاملة، واضطرت هذه الدول كما في السابق التراجع عن تصوراتها واكتفت بعقوبات مجلس الأمن التي وصفها وزير الخارجية منوشهر متكي، بأنها غير مجدية لثني بلاده عن مشروعها، وأن على الغرب أن ينتظر طويلاً ليرى نتائجها .
في مقابل التعثر الغربي، تمكنت طهران أيضاً من نقل المفاوضات إلى إسطنبول ذات الدلالات الدبلوماسية والسياسية بالنسبة لطهران، فتركيا إضافة إلى البرازيل هي إحدى المراكز التي تتطلع إليها لجهة إشراكها في آليات إيجاد حل للبرنامج النووي الإيراني، على قاعدة تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية . فماذا بعد إعلان طهران عن نضوج كعكتها الصفراء؟
في منطق التفاوض وجداول أعمالها وأساليبها، يعني أن إيران تجاوزت أيضاً مقترح التخصيب خارج أراضيها، وباتت تبحث عن رفع سقف التفاوض القادم في إسطنبول . فإنتاج الكعكة الصفراء يعني في ما يعنيه أنها لم تعد بحاجة للتخصيب الخارجي طالما أنها تمكنت بمفردها من الوصول إليه، وبالتالي من وجهة نظر إيرانية ينبغي البحث عن الوضع الناشئ عن هذا الإنتاج، أقله محاولة الضغط على الغرب للاعتراف بشكل أو بآخر بإيران النووية ولو ضمن ضوابط وشروط مقبولة إيرانياً، فهل ستتمكن من ذلك؟
إن الاستعراض الدقيق لمسار المفاوضات وطرائقها التي دخلت فيها طهران، يثبت قدرتها على التفلّت من أي ضغوط كانت تمارس عليها بفعل العديد من الوسائل، تارة بالاتفاقيات التجارية والمالية مع شبكة واسعة من الدول، وتارة أخرى بوسائل أذرع السياسية الخارجية في غير قضية من قضايا المنطقة، ما مكّنها من بلع وهضم الكثير من مشروعات وقرارات العقوبات التي بدأت مع قانون داماتو الأمريكي في عام 1996 وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الأخير الذي طاول عقوباته مروحة واسعة هدفت المسّ بقدرة النظام على الاستمرار .
في مطلق الأحوال، لا إيران قادرة على الابتعاد عن طاولة المفاوضات، ولو لفترات طويلة، ولا الغرب قادر على ولوج خيارات بعيدة عن المفاوضات، وفي أحسن الأحوال مزيداً من الوقت المستقطع في عمر أزمات المنطقة، فهل ستأتي جولة إسطنبول القادمة مساراً في هذا السياق؟
في الواقع يشكّل التقارب التركي الإيراني في قراءة العديد من ملفات المنطقة، فرصة إضافية لإيران لدفع سلفة قابلة للصرف السياسي إقليمياً ودولياً، إلا أن السؤال الملح يكمن في قدرة الطرفين الإيراني والغربي على المضي لعقد آخر في هذه السياقات . لقد تمكنت إيران الانتقال من حياكة السجاد النووي إلى صناعة الكعك الأصفر، علها في ذلك تروي غليلها من الضحكة الصفراء التي أطلقتها “إسرائيل” باغتيال أحد علمائها النوويين .
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية