مقالات سياسية
ننقلها لكم من بين الصحف المحلية والعربية والعالمية
كتاب يتنفسون حريتهم عبر مدادهم
لنتذوق معكم طعم هذه الحرية من خلال قرائتنا لمقالاتهم السياسية،،
في انتظار مشاركاتكم،،
* يرجى وضع مقالات لا تسئ للأديان وتتعرض للساسة ،،
عرض للطباعة
مقالات سياسية
ننقلها لكم من بين الصحف المحلية والعربية والعالمية
كتاب يتنفسون حريتهم عبر مدادهم
لنتذوق معكم طعم هذه الحرية من خلال قرائتنا لمقالاتهم السياسية،،
في انتظار مشاركاتكم،،
* يرجى وضع مقالات لا تسئ للأديان وتتعرض للساسة ،،
دروس للصين من فيتنام
يوريكو كويكي
* دار الخليج
كانت فيتنام محط أنظار العالم طيلة ثلاثين عاماً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية . فكان انتصارها على فرنسا والولايات المتحدة رمزاً لحروب الاستقلال في عصر ما بعد الاستعمار . ولكن منذ ظهرت تلك المشاهد الخالدة لمروحيات الجيش الأمريكي وهي تحوم فوق السفارة الأمريكية المهجورة في سايغون في عام ،1975 بدا الأمر وكأن فيتنام أصبحت خارج نطاق الوعي العالمي .
بيد أن الحال تبدلت اليوم . ذلك أن الموقع الاستراتيجي الذي تحتله فيتنام كجارة للصين، وبمحاذاة الطرق البحرية التجارية الكبرى في آسيا أكسب هذا البلد أهمية بالغة، ولعل هذا هو السبب الذي جعل حروبها ضد الاستعمار تستمر لفترة طويلة . ولكن في الأعوام الأخيرة تزايدت أهمية فيتنام الاستراتيجية إلى حد كبير، وكان ذلك راجعاً إلى التحولات الضخمة غير المعترف بها على نطاق واسع دوماً في أدائها الاقتصادي وتوجهاتها في تناول السياسة الخارجية .
فبفضل عشرين عاماً من النمو الاقتصادي السريع والانفتاح على نطاق واسع على العالم الخارجي، أصبحت فيتنام الآن لاعباً ناشئاً في الشؤون الاقتصادية والأمنية الإقليمية . بل لقد لعبت فيتنام دوراً محورياً بالغ الأهمية في تأسيس النظام الأمني الناشئ في آسيا .
ففي أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول، استضافت هانوي قمة شرق آسيا، وهو الاجتماع الذي شهد الاعتراف بالولايات المتحدة وروسيا بوصفهما قوتين آسيويتين لهما مصالح وطنية حيوية في المنطقة . وفي وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول، في إطار القمة الافتتاحية لوزراء دفاع رابطة دول جنوب شرق آسيا في هانوي، اعتبر وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس الولايات المتحدة “قوة مقيمة” في آسيا . وفي وقت سابق من هذا الصيف، وأثناء استضافتها لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، شجعتها فيتنام على التدخل في النزاعات البحرية المتنامية بين الصين وماليزيا والفلبين واليابان، وفيتنام ذاتها .
وليس من المستغرب أن تظهر فيتنام باعتبارها لاعباً رئيسياً في الشؤون الآسيوية، وذلك لأن البلاد كانت بمثابة المحفز لنقطة تحول رئيسية في التاريخ الآسيوي الحديث . ففي شهر فبراير/شباط من عام ،1979 أمر زعيم الصين دنغ شياو بينغ جيش التحرير الشعبي بغزو فيتنام . وكان دنغ شياو بنغ راغباً في معاقبة الفيتناميين بسبب غزوهم لكمبوديا، وهو الغزو الذي أنهى حكم الإبادة الجماعية الذي تبناه حلفاء الصين، الخمير الحُمر . وكان القرار الذي اتخذه دنغ على قدر عظيم من الأهمية حتى إنه أوكل القيادة العامة للغزو إلى زميله المخضرم في المسيرة الطويلة، الجنرال هسو شيه يون (الذي وفر الملاذ لدنغ بعد أن طرده ماو تسي تونغ المحتضر آنذاك للمرة الثانية) .
وكان غزو دنغ لفيتنام في عام 1979 مصمماً كحرب “تلقين درس” أخرى . ولكن بعد انتهاء العمليات القتالية، كان على دنغ ذاته أن يستوعب أغلب الدروس . ففي تلك الحرب التي دامت شهراً واحداً بالكاد، تمكن مئة ألف جندي من قوات ميليشيا الحدود الفيتنامية من سحق 250 ألف جندي من القوات الصينية الأمامية . وكانت الخسائر التي تكبدها الصينيون (ربما أكثر من عشرين ألف جندي) في هذه الأسابيع الأربعة أكثر من الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في أي سنة منفردة من سنوات حربها في فيتنام .
ولقد أذهل حجم الهزيمة التي لحقت بالصين الزعيم الصيني دنغ، حتى إن المؤرخين كثيراً ما استغلوا الأداء البائس لجيش التحرير الشعبي كأداة لإرغامه على إلقاء نظرة فاحصة على النظام الصيني الماوي المحتضر . وفي غضون أشهر من انتهاء الحرب، بدأ دنغ الإصلاحات التي حولت بلاده منذ ذلك الوقت .
وبعد عشرة أعوام، اقتنع حكام فيتنام الشيوعيون أيضاً بأن الماركسية اللينينية كانت بمثابة طريق اقتصادي مسدود، فقرروا البدء في سلوك نفس مسار إصلاحات السوق الذي تبناه دنغ . وكما حدث في الصين، استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تظهر الفوائد، ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية شهدت فيتنام نفس النمو السريع الذي نجح في تقليص الفقر، والذي شهدته الصين من قبلها .
إن المعجزة الزراعية التي شهدتها فيتنام حولت البلد الذي يؤوي ما يقرب من تسعين مليون من البشر الذين كانوا ذات يوم غير قادرين إلا بالكاد على إطعام أنفسهم إلى قوة عالمية في مجال تصدير الغذاء . كما أصبحت فيتنام دولة مصدرة رئيسية للملابس والأحذية والأثاث .
وقريباً سوف تنضم إلى هذه الصناعات صناعة رقائق الكمبيوتر، بعد إنشاء المصنع الذي أقامته شركة إنتل بتكلفة مليار دولار خارج مدينة هوشي منه . والآن يعادل العائد الإجمالي من التجارة في فيتنام 160% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يجعلها واحدة من أكثر بلدان العالم انفتاحاً على الصعيد الاقتصادي .
ومع ظهور فيتنام باعتبارها لاعباً محورياً في آسيا، فبوسعنا أن نستعرض حرب فيتنام في سياق استراتيجية الاحتواء العالمي الأمريكية، والتي قادتها إلى الدفاع، ليس فقط عن فيتنام الجنوبية، بل وأيضاً كوريا الجنوبية وتايوان “الجبهات الثلاث” على حد تعبير ماو تسي تونغ . وآنذاك، كما هي الحال الآن، كانت فيتنام بمثابة بؤرة الصراع بين الرؤية الجامدة لآسيا المتجانسة وآسيا المنفتحة على الداخل وعلى العالم .
واليوم، بات هذا الاختيار واجباً من جديد . فمن خلال العمل على تنشيط نظام آسيوي يرفض الهيمنة المتسلطة، حتى إلى حد تحسين العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، أظهرت فيتنام أنها استوعبت دروسها، من الدماء والخسائر التي تكبدتها من ثروات وكنوز في حروبها الطويلة من أجل الاستقلال .
وزيرة الدفاع ومستشارة الأمن القومي السابقة في اليابان . والمقال ينشر بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”
شرعنة الانقسامات
ماهر ابو طير
* الدستــور الاردنيـة
قد يأتي زمن بعد عشرة اعوام نكتشف فيه ان هناك خمس دول جديدة استجدت على العالم العربي ، فوق الدول الهزيلة وغير الهزيلة.
استراتيجية القرار العالمي تريد تقسيم العالم العربي ، فوق تقسيماته ، وهذا ما يفسر انفجار ملفات مرة واحدة ، وبشكل متزامن ، بين المغرب والجزائر ، من اجل قيام دولة صحراوية ، وملف اليمن الذي قد يؤدي الى تشظي اليمن الى دولتين او ثلاث دول.
مع ما سبق ملف السودان ، والاحتمالية الاكبر بانقسامه الى بلدين ، الشمال ، والجنوب ، ومن هناك مصر المؤهلة بفعل المؤامرات الى الانقسام على اساس ديني بين المسلمين والاقباط ، وهو ما تسعى اليه دول كبرى ، ومن هناك الى فلسطين المحتلة التي تعصف بها الانقسامات بين غزة الحمساوية ، والضفة الفتحاوية.
يضاف الى ما سبق تغذية نزعات الانفصال في العراق ، بحيث تتولد نزعات الانفصال لدى الشمال حيث الاكراد ، وفي حالات لدى الشيعة من وسط العراق الى جنوبه.
حتى ملف البربر في الجزائر يغلي على صفيح ساخن ، وقد يأتي يوم تصبح فيها قضيتهم قضية العالم الاولى ، اذا استمر الحال على ما هو عليه من انقسامات ، وتشظي في كل مكان.
بذرة التقسيم تشمل دولا اخرى تتم سقايتها كل يوم على اساس عرقي او وطني او ديني او مذهبي او قومي ، وما هو لافت للانتباه ان لا مقاومة لهذه المخططات ، وفي حال مقاومتها فان اطرافا كثيرة تسعى لتغذية هذه الانقسامات.
مع تغذية هذه الانقسامات ، هناك مآخذ عميقة على دول كثيرة تسلب الناس حقوقهم وتمهد لهذه الاوضاع ، مما يفتح الباب حول الاسئلة حول ما تفعله كثير من الانظمة لمداراة هذه الشرور وربما السؤال ايضا حول دورها الحقيقي في تطبيق هذه التقسيمات على الارض.
بعد زمن لن تكون جامعة الدول العربية كافية للم شمل كل هذه الاطراف.
كل الامم تجيد الرياضيات ، عدا العرب الذين لا يجيدون سوى فن القسمة على اثنين.
إنفصال جنوب السودان : تسريح بإحسان!
د. خالد الحروب ـ كامبردج
* الدستــور الاردنيـة
لينفصل جنوب السودان بالحسنى وليتم ذلك بالتوافق وحسن الجوار ، لا بالكراهية والعداء وتسطير مستقبل مسموم بين الشمال والجنوب. نتائج الإستفتاء المُقرر في شهر يناير القادم تكاد تكون معروفة من الآن ، والمزاج الجنوبي لا يحتاج إلى عبقرية متميزة لإستكناه توجهاته. فلماذا إذن لا يُصار إلى تسيير الولادة كي تتم بطريقة طبيعية وحتى لا يأتي الوليد مشوها وحاقدا على من وقفوا في وجه قدومه. الإتهامات الإنفعالية المُسبقة بأن جنوب السودان سوف يكون ضد العرب وحليفا لأعدائهم تصب زيت الغباء السياسي على نار العواطف المتهيجة التي ترى في كل حدث سياسي ما جزءا من مؤامرة كونية على الذات.
السودان ومن ورائه مصر وسوريا ودول الخليج والدول العربية كلها يجب أن تحتوي دولة جنوب السودان القادمة ولا تدفعها إلى احضان إسرائيل وغير إسرائيل. ستواجه الدولة القادمة في بداياتها ظرفاً بالغ الصعوبة سمته الأساسية الحاجة للوقوف معها ومساندتها ، وهو ظرف مداه الزمني قصير ويمثل فرصة ذهبية ووحيدة لتقديم المساعدة والوقوف مع الجنوبيين وليس ضدهم. على الجامعة العربية وعلى مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد تقديم العون بأقصى الإستطاعة ، وعدم ترك هذا الميدان لأوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. عوض التصايح من الآن وإستدعاء عداوات غير مبررة مع الجنوبيين لتكن السياسة هي الإحتواء والتعاون وإبقاء الجنوب وشعبه اصدقاء في الدائرة الأوسع. إذا تغلب العقل والتفكير المنطقي على العاطفة والإنفعال وردود الفعل الصبيانية فإننا نتفادى تصنيع عدو جديد كان حتى الأمس القريب اخا وشقيقا وجزءا من دولة عربية.
إن تم تحويل جنوب السودان إلى كيان عدو واستحكمت سياسات الإنتقام وقصر النظر عند الحكومة في الشمال وانتظم نمط العلاقة بين الطرفين بالعداوة والمؤامرات والإتهامات ، فإن هذا ينقض كل نداءات الوحدة وشعارات ضرورة إبقاء الجنوب كجزء لا يتجزأ من البلد والشعب الواحد. إذا كان الجنوب والجنوبيون جزءا من الشعب الواحد ولو مع بعض الإختلافات فإن هذا يحمي العلاقة من الإنحدار إلى العداء. أما إذا تدهورت العلاقة حتما نحو ذلك الإتجاه فإن كل المقولات التي تُطرح الآن من قبل الشمال ستبدو كاذبة في المستقبل وبأثر إسترجاعي ، وبكونها كانت تستخدم لأغراض وقتية فقط من دون قناعة بمضمونها. الإفلات من ذلك المسار الممض والمظلم يتم عبر "التسريح بإحسان" ، وعلى أساسه تنبني علاقة جوار طيبة بدل العداء ، تقود ربما إلى علاقات مستقبلية أكثر متانة وربما تدور الأمور دورة كاملة بإتجاه فيدرالية متوافق عليها وليست مفروضة.
أحد قادة الجنوب السوداني وصف مؤخرا وحدة السودان القسرية والتخيلية بكونها تتمثل في إمتطاء اهل شمال السودان ظهر اهل الجنوب فيه ، مستنكرا إمكانية إستمرار وحدة يكون هذا شكلها العام ، وفيها يسيطر جانب على آخر قسرا وإمتهاناً. وفي هذا هو محق تماما ، ذلك أن عالم اليوم لم يعد يحتمل وحدات للدول والشعوب تتم بالحديد والنار ، فقد مضى زمن الأمبرطوريات والأباطرة الذين يضمون هذه الجغرافيا أو تلك وسكانها وما عليها بالقوة العسكرية. وحدات الشعوب والأمم صارت تقوم على قاعدة الخيار الحر وتقرير المصير والمفاضلة العامة بين أكلاف خياري الوحدة والإنفصال وأيهما يقود إلى معضلات وضحايا ومظالم ، وربما دماء ، اقل. عندما يصبح الإنفصال هو الأقل كلفة ، فإنه يرجح على وحدة قسرية قائمة على القهر والعداء والإستغلال. خلال سنوات طويلة ماضية فشل شمال السودان في إقناع جنوبه بغلبة ايجابيات البقاء في سودان موحد على سلبيات الإنفصال عنه. هذه حقيقة مرة يجب التعامل معها وعدم التظاهر بعدم وجودها او تجاوزها.
في اسكتلندا هناك حزب قوي ، الحزب الأسكتلندي القومي ، يقود الحكومة المحلية ويتبنى دعوات للإنفصال عن بريطانيا منذ سنوات طويلة ، ومع ذلك لم ينجح في تعبئة أغلبية سكانية تؤيده في مطلب الإنفصال. والسبب في ذلك أن الأسكتلنديين انفسهم يرون فوائد الوحدة والبقاء في الإتحاد البريطاني اكثر وأنفع من عوائد الإنفصال. وفي ويلز أيضا هناك نزعات انفصالية قومية شبيهة وإن كانت اضعف بكثير من تلك الأسكتلندية ، بيد أنها الاخرى لا تلقى شعبية واسعة. وفي قلب القارة الاوروبية يقدم المثال البلجيكي والسويسري حالات غنية بالدروس ، إذ تقوم على وحدات بين قوميات وإثنيات مختلفة ، تتفق في اغلبها على افضلية البقاء معا على الإنفصال. في المقابل كان رأي التشيك والسلوفاك بعد انتهاء الحرب الباردة ان الإنفصال الودي افضل للطرفين من التوحد المُفتعل فإنقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى بلدين يتمتعان بعلاقات طيبة وتكاملية مع بعضهما البعض. بخلاف ذلك قدمت يوغسلافيا السابقة درسا فادحا يجب أن لا يغيب عن حصيف في دموية الإنفصال الذي تم على مدار سنين وأسقط ضحايا بمئات الألوف من قتلى وجرحى ومهجرين. أهم ما في ذلك الدرس هو تجذير العداء لأجيال قادمة في مستقبل يكون السواد لونه الوحيد.
على ذلك ، لا يحتاج شماليو السودان ولا جنوبيوه مستقبلا سياسيا يسيطر عليه الحقد والعداء والتنافس والتآمر. بإمكانهم إختصار الكثير من المرارة والقسوة واختيار طريق اسهل. ما هو مطلوب سودانيا وعربيا يتمثل في "التمنيات" الآتية:
أولاً: مواصلة إعلان الحكومة في الشمال بأنها سوف تحترم رأي الجنوبيين في الإستفتاء القادم أيا كان. ومؤكدة أنه في حال اختار الجنوبيون الإنفصال فإن الشمال سوف يساعدهم على الوقوف على أقدامهم ويكون إلى جانبهم ، ولن يعيق بروز كيانهم.
ثانيا: تصدر الحكومة وقادة الجنوب بيانا مشتركا يقول: إن مستقبل العلاقة بين الطرفين في حال اختار الجنوبيون الإنفصالَ سوف تحكمه علاقات الصداقة والتعاون ، وأن اول واهم جوانب تلك العلاقات يتمثل في سياسة الأمن المشترك والحدود المفتوحة والتي تعني إمكانية التنقل للأشخاص والتجارة من دون إعاقات ضريبية أو تأشيراتية. كما أن اي مقترحات مستقبلية حول علاقات فيدرالية او كونفدرالية مع الجنوب سوف تتم على قدم المساواة والندية والإحترام وبعد أن يستقر وضع الجنوب وكيانه.
ثالثا: تصدر الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي بيانات تؤكد فيه احترام قرار الجنوبيين مهما كان ، وتتعهد تقديم العون للجنوب والجنوبيين سواء بقوا جزءا من السودان او استقلوا عنه.
رابعا (وهو اصعب التمنيات): أن يتحلى كثير من القوميين والإسلامويين ومناصري الوحدات القسرية بالصمت أو على الأقل تخفيف نبرة الخطابات الرنانة التي تلصق بالجنوبيين تُهماً طولا وعرضا. خطابات التخوين والإتهام تؤسس لعلاقة مستقبلية عدائية وتزيد من تعقيد قدوم الوليد: دعوه يخرج إلى هذا العالم محايدا وغير حاقد ، يعمل على تشكيل نظرته للجميع ويتعاون معهم وفق تعاملهم معه ، وليس وفق محاولاتهم إعاقته وتشويهه. خيار التسريح بإحسان صعب لأنه يتطلب برنامج عمل وتسييسا ومساعدة وتعاونا ، أما خيار العداء فهو الأسهل لأنه يستجيب للغضبات الإنفعالية والهيجان السياسي وكل ذلك لا يترك وراءه سوى حاضر مدمر ومستقبل مظلم ... ورطانة ترغي وتزبد.
النـاتو علـى المحـك
عبد الحليم سعود
* الثــورة السوريــة
تعقد في العاصمة البرتغالية لشبونة خلال اليومين القادمين قمة الدول المنضوية تحت لواء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وعلى جدول أعمالها الوضع المتأزم في أفغانستان والعلاقات مع روسيا والدرع الصاروخية التي ينوي الحلف نشرها في شرق أوروبا بذريعة التصدي لخطر الصواريخ الإيرانية.
مواضيع شائكة سيبحثها الحلف خلال قمته لكن من غير المتوقع أن يصل المجتمعون إلى حلول جذرية وخاصة بشأن شكوك روسيا في نيات الحلف تجاهها واتهامها له بتبني استراتيجية مزدوجة، فمن جهة يعتبرها شريكاً له ومن جهة أخرى يصفها بالخصم ويحاول التوسع في محيطها الاستراتيجي والكلام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وهناك موقف تركيا من مسألة الدرع الصاروخية حيث تشكك أنقرة في دوافع واشنطن لإقامتها وهو ما دفع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى اشتراط تحكم بلاده بهذه الدرع في حال تم الاتفاق على نشر الجزء المتعلق بتركيا، في الوقت الذي لا يغيب عن بال القادة الأتراك حساسية روسيا تجاه هذه الدرع وبواعث القلق الإيراني منها.
وبطبيعة الحال يبقى الوضع في أفغانستان وأبعاد التورط الأميركي والأطلسي في هذه المنطقة من العالم الشغل الشاغل لزعماء الحلف في ضوء الصعوبات الكبيرة التي تعانيها قواتهم في أفغانستان مع استمرار الحرب بلا أفق، واستحالة تحقيق نصر كامل فيها، فواشنطن تتعطش لتسليم المهام الأمنية إلى القوات الأفغانية رغم عدم جاهزيتها لذلك تمهيدا للتملص من الأعمال القتالية، في حين تسعى دول أخرى لسحب جنودها من الميدان بعد أن ضاقت ذرعاً بسقوطهم صرعى في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وبكلفتها الباهظة التي اضطرتها لتطبيق سياسات تقشف قاسية لاحتواء عجز ميزانياتها فارتدت عليها في الداخل رأياً عاماً غاضباً وإضرابات واحتجاجات وأعمال عنف عمقت أزماتها.
ومما لاشك فيه أن الناتو سيجد نفسه مرة جديدة على المحك في هذه القمة بحيث تنتظره قرارات صعبة لابد من اتخاذها لطمأنة روسيا وتركيا من جهة ولوضع حد للأزمة في أفغانستان من جهة أخرى، فالحرب التي طال أمدها دون أن تحقق أي إنجاز يذكر، تحولت إلى حمام دم متواصل للطرفين يذكي نار العداوة والحقد بين الشرق والغرب، وليس أقل هذه القرارات الخروج المبكر من هذا المستنقع، وتجنب هزيمة استراتيجية مذلة بدأت ملامحها تلوح في أفق أفغانستان كما سبق أن لاحت للأميركيين سابقا في فيتنام وتحقق فيما بعد.
أسعـدنــــــي تواجدكـ الرفيع،
كونـي بخير،،
أوروبا: إما الفِطَام وإما الظلام
مقال سعــد محيـــو
دار الخليج
تساءلنا بالأمس: لماذا لم تطرح قمة لشبونة، على رغم كل أجوائها الاحتفالية والكرنفالية السؤال الأهم: أي موقع لأوروبا في النظام الأمني العالمي الجديد؟
الجواب بسيط وسريع: إن الأوروبيين أنفسهم لايعرفون بعد ماهية هذا الدور، وإذا ما عرفوا فإنهم عاجزون عن القيام به بشكل مشترك .
خذوا مثلاً موازنات الدفاع: الدول الأوروبية تحتل الموقع الثاني من حيث الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة، فهي تنفق 295 مليار دولار، أي خمسة أضعاف موازنة الصين وعشرة أضعاف موازنة روسيا .
لكنْ هنا، ثمة مشكلتان: الأولى أن الإنفاق الأوروبي “عشوائي”، بمعنى أنه لا يتم بالتنسيق بين دول الاتحاد، فكل دولة لاتزال تنتج دباباتها الخاصة ومدرعاتها الخاصة، كما أن الدول الإقليمية الرئيسة فيها، وهي ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، لاتزال متباينة الموقف تماماً حول الأسلحة النووية . ففي حين تريد برلين وروما أوروبا منزوعة السلاح النووي، تندفع باريس ولندن نحو تطوير هذا السلاح، وهما أبرمتا مؤخراً معاهدة مشتركة في هذا الشأن .
المشكلة الثانية هي أن الدول الأوروبية بلا استثناء، تندفع إلى خفض الإنفاق العسكري بدل زيادته، كما تفعل الولايات المتحدة التي رفعت موازنتها العسكرية بنسبة الثلثين في الفترة بين عامي 2001 و2010 (من 403 مليارات إلى 708 مليارات دولار) . هذا في حين أن الإنفاق الأوروبي انخفض بمعدل 2 في المئة كل عام منذ 2001 . والأرجح أن يزداد هذا الخفض الآن، لاسيما في بريطانيا وألمانيا وإسبانيا .
الأوروبيون ينحون باللائمة في هذا التطور، على الأزمة المالية العالمية التي أجبرتهم على فرض إجراءات تقشف لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية . لكن الأمريكيين لا يقبلون هذه الحجة، ويتهمون الأوروبيين بالعيش بأمان عسكري على حسابهم، لا بل هم بدأوا مؤخراً بالتهديد بأنه ما لم تخصص أوروبا 2 في المئة من إنتاجها المحلي الإجمالي على التسلّح، فإنهم سيسحبون يدهم من الأمن الأوروبي، وسيخفضون عديد قواتهم في القارة العجوز إلى النصف تمهيداً لسحبها نهائياً .
هذه التهديدات ليست ضجيجاً أجوفَ، فالنزعة الانعزالية (النسبية) الأمريكية تزداد، خاصة مع صعود حزب الشاي، ومعه المطالب بالتركيز على الأمن القومي الأمريكي لا الأوروبي، وخفض نفقات الدفاع، تبعاً لذلك، بمعدل 100 مليار دولار . والمخططون الاستراتيجيون الأمريكيون أنجزوا تقريباً مسودة رؤية استراتيجية جديدة تُبعد الولايات المتحدة عن المحيط الأطلسي، وتدفعها إلى حضن قارة آسيا - المحيط الهادئ التي باتت مسؤولة عن نحو 60 في المئة من التجارة العالمية .
وإذا ما نفذت واشنطن تهديداتها، والأرجح أنها ستفعل قريباً، ستجد أوروبا نفسها أمام تحديات أمنية لا سابق لها منذ 70 سنة . إنها ستكون كالطفل الذي فقد أمه في زحمة السير، وسيكون عليها أن تختار سريعاً: إما أن تتوحّد وراء استراتيجية أمنية جديدة تستند إلى بناء قوة عسكرية أوروبية موّحدة، وإلى تحالف مكين مع جارتيها اللدودتين روسيا وتركيا، وتفاهمات مع الصين واليابان وبقية دول البريك، وإما أن تتخبط في ظلام دمائها القومية القديمة التي تسببت أصلاً في فقدانها صولجان القيادة العالمية .
أوروبا تملك الإمكانات المادية للقيام بذلك، فهي عملاق اقتصادي وتكنولوجي، لكنها لا تزال تفتقد إلى الإرادة السياسية المشتركة . وهذه الأخيرة لها معنى واحد الآن: إعلان فِطَام أوروبا عن الثدي الأمريكي .
ملكة جمال الحرْب
مقال خيري منصــور
دارا لخليج
لأن الشيء بالشيء يذكر، كان على الحكومة الصهيونية أن تستدعي فقهاء القتل والاستيطان والتهجير، مقابل من يسمون مجلس الحكماء، وهو المجلس الذي كان رائده نلسون مانديلا قبل بضع سنوات .
وفي المقابل أيضاً، كان على تلك الحكومة كي تنسجم مع أطروحاتها، أن تنتخب من بين المجندات واحدة يطلق عليها اسم ملكة جمال الحرب، رداً على ملكة جمال السلام، وهي الأسترالية جين كومان التي زارت القدس ورأت عن كثب ما يحدث فيها للحجر والبشر والشجر، فهذه السيدة التي شاركت في مظاهرات ضد الاحتلال والاستيطان مع ناشطين من مختلف الجنسيات، استحقت لقبها لأن السلام بالنسبة إليها ولثقافتها ليس “شالوم” العبرية التي أصبحت تعني الحرب الأكثر وحشية، بعد أن ألبس هؤلاء الفقهاء كل مفردة في اللغة العبرية خوذة .
وقد تكون ملكة جمال الحرب المضادة لجين كومان دبابة أو جرافة أو طائرة متخصصة في اصطياد الأطفال، وليست امرأة من المجندات، فالأنوثة في أدبيات الاحتلال لا وجود لها، وكذلك الطفولة، ومجمل المصطلحات الإنسانية التي تعني الدفاع عن حق الإنسان في الحياة والحرية .
والأرجح أن الفائزة في انتخابات كهذه، لو أجريت، لن تكون مجندة يهودية، فالدبابة أجمل خصوصاً إذا كانت جنازيرها قد سحقت عظام أطفال ونساء، ولم يسلم منها حتى الرّميم في المقابر . وقد تكون الجرافة هي المنافس الأكبر للدبابة إذا قال سائقها بزهو إن جرافته هي التي سحقت راشيل كوري ومزجت دمها بالطين الفلسطيني المضمخ بالدماء منذ قرون .
إن مفهوم الجمال مطرود أساساً من هذه الثقافة التي تحلقّ بجناحين من فولاذ أحدهما للاستيلاء، والآخر لإخلاء السماء من العصافير والغيوم، لأن كل احتلال يحلم بسموات صحراوية، لا يحلّق فيها غير الغراب المعدني الذي ينفث السموم في كل اتجاه .
لهذا فإن التقليد الصهيوني السنوي حول ما يسمى مليحة العرب، أو ملكة جمال العربيات في فلسطين، يخطئ الطريق ويدير مفتاحه في الباب الخطأ، لأن ملكة جمال فلسطين تحت الاحتلال هي امرأة من طراز آخر، ويحتاج الكشف عن أسرار جمالها إلى لجان أخرى غير اللجان التي يشارك فيها جنرالات واختصاصيون في فن التقْبيح وتحويل الظهيرة السّاطعة إلى ليل دامس .
إن قاموساً كاملاً بالعبرية وثقافتها المؤسرلة، يحتاج إلى إعادة نظر في كل كلمة من كلماته، فالمحارب القديم في هذا القاموس هو الغازي الذي علق أمعاء النساء الحوامل وأجنتهن على أغصان الشجر في دير ياسين، والبطل القومي هو من عبّر عن بطولاته الوهمية يزهار سيملانسكي في رواية فاضحة اسمها “خربة خزعة”، حيث يتدرب الجنود أولاً على التصويب باتجاه الحيوانات والطيور خصوصاً الدجاج في تلك القرية، لكن ما يقهرهم ويستعصي على رصاصهم هو مهر رشيق وضامر، لعل المؤلف رمز به إلى أطفال عرب نجوا من الموت وتحولوا بعد عشرين عاماً إلى فدائيين .
إن زيارة أعضاء من مجلس الحكماء الذي أسسه مانديلا إلى فلسطين تستنفر في الذاكرة الصهيونية الحكمة المضادة تماماً، كما أن جين كومان استنفرت في تلك الذاكرة ملكة جمال الحرب، وهي من فولاذ وليست من لحم ودم .
ألعاب حمراء قرب النهر الأصفر
سعــد محيــو
* دار الخليج
هل ينتقل التوتر من غرب آسيا إلى شرقها، أي من البحر المتوسط إلى بحر الصين الجنوبي؟
أجل، على الأقل بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي أوباما .
فقد تم إيقاظ سيد البيت الأبيض في الثالثة والثلث فجر يوم الإثنين على وقع كابوس طبول الحرب في شبه القارة الكورية . وهذا أخرجه من حلمه السعيد في بناء صرح عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة في منطقة آسيا المحيط الهادي .
خبر الإيقاظ الذي نقله رئيس أركان الأمن القومي الأمريكي كان مجلجلاً: كوريا الشمالية قصفت جزيرة يونبيوغ الكورية الجنوبية الواقعة في البحر الأصفر بقذائف المدفعية، في تطور وصفه بان كي مون بأنه الأخطر من نوعه منذ نهاية الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين .
بعد النهوض من السرير، تم على عجل عقد اجتماع طارئ في البيت الأبيض، تقرر فيه إجراء مناورات عسكرية بحرية فورية بين القوات الأمريكية والكورية الجنوبية، بهدف ردع بيونغ يانغ عن القيام ب “استفزازات جديدة”، وأيضاً لإطلاق رسالة إلى بكين بضرورة منع حليفها الكوري الشمالي من مواصلة خطواته التصعيدية .
هل ستكون هذه الإجراءات الأمريكية كافية لمنع انزلاق شبه القارة الجنوبية إلى حمأة حرب إقليمية دولية جديدة؟ وما التأثيرات المحتملة للأزمة الجديدة في العلاقات الصينية الأمريكية التي قال بيل كلينتون إنها ستحدد مصير القرن الحادي والعشرين برمته؟
الإجابة عن السؤال الأول تعتمد إلى حد كلي على فهم ما يجري في داخل كوريا الشمالية التي وصفها مسؤول أمريكي بأنها أشبه ب “صندوق أسود” غامض بسبب نظامها السلطوي المُغلق، فيما قال آخر إنها “أرض الخيارات الملعونة” .
هنا تتباين الآراء:
فثمة من يقول إن كيم جونغ - أون، الابن الثالث للرئيس المريض كيم جونغ إيل، المرشح للخلافة، يقوم بالتصعيد العسكري مع الجنوب بهدف إثبات مقدرته العسكرية وقدرته على التصرّف بقوة في حال اعتلائه عرش أبيه .
وهناك من يشك بأن الصراع على السلطة بين كيم جونغ أون الذي لايتجاوز الخامسة والعشرين من العمر وبين عمه وعمته القويين اللذين لهما نفوذ واسع في صفوف القوات المسلحة، قد أدى إلى إفلات الزمام في بيونغ يانغ، الأمر الذي يشي بأن النظام يترنّح على وشك السقوط أو على الأقل التضعضع . إذ هذه قد تكون المرة الأولى في التاريخ التي لا تُحكم فيه كوريا الشمالية ب”زعيم عزيز” واحد (كما يُطلق في بيونغ يانغ على الديكتاتور الفرد)، بل بمجموعة زعماء أعزاء متنافسين .
وأخيراً، ثمة من يعتقد بأن كل ما تريده كوريا الشمالية من التصعيد الجديد، هو جرّ الولايات المتحدة مجدداً إلى طاولة المفاوضات لحملها ليس فقط على وقف عقوباتها الاقتصادية والحصول على مساعدات غذائية ومالية جديدة، بل ربما أيضاً على الاعتراف بها كقوة نووية . وهي هنا استخدمت ورقتي الكشف عن ألف جهاز حديث ومتطور للطرد المركزي النووي وقصف الجزيرة الكورية الجنوبية، لتسهيل عملية الجر هذه .
لكن، ومهما كانت دوافع بيونغ يانغ، ثمة شيء واضح وثابت: الوضع في شبه القارة الكورية متأزم، وقد يصبح متفجراً في حال انزلقت الأطراف المعنية إلى التصعيد والتصعيد المضاد على الصعيد العسكري .
وهذا مايقودنا إلى سؤالنا الثاني: أين العلاقات الصينية الأمريكية الدقيقة من هذه التطورات المفاجئة؟
زيناوي والحرب
سمير سعيد
* دار الخليــج
مرة أخرى يحاول رئيس الوزراء الإثيوبي تصدير مشكلاته الداخلية بافتعال أزمة جديدة مع مصر، من خلال تصريحاته التي اتهم فيها القاهرة بدعم المعارضة الإثيوبية المسلحة، وتحذير مصر من خسارة أي مواجهة عسكرية محتملة مع إثيوبيا .
ولا ندري ما الخلفية التي انطلق منها ميليس زيناوي في تصريحاته الأخيرة، حيث لا يوجد أي مبرر لها، خاصة مع هدوء أزمة ملف حوض النيل بعد تبادل زيارات بين القاهرة وأديس أبابا وبقية دول الحوض مؤخراً، ما أسهم في تهدئة الأجواء في هذا الشأن، إلى جانب انشغال مصر بالانتخابات البرلمانية الداخلية، وما يرافقها من أجواء تمهد للانتخابات الرئاسية العام المقبل .
ولكن يمكن إدراج تصريحات زيناوي، التي عمد من خلالها إلى استفزاز الحكومة المصرية، ضمن محاولات بعض الأطراف تشويه الدور المصري في القارة الإفريقية، وفقاً لتصريحات مستشار رئيس بوروندي للشؤون العربية والإسلامية محمد روكارا، حيث اتهم دولاً إفريقية، لم يسمها، بأنها “تحقد على الدور المصري في إفريقيا، كما يحقدون على إمكاناتها وقدراتها البشرية والاقتصادية”، مشيراً إلى قيام بعض الجهات بالسعي إلى “إحداث تشويش بين مصر ودول حوض النيل في ما يتعلق بمياه النيل”، نافياً أن تكون هذه الجهات تنبع من داخل القارة الإفريقية، أي الأداة ومحركها، وهذا وصف ينطبق بالدرجة الأولى على أديس أبابا .
ويبدو أن ميليس، المأزوم بفعل الأزمات الداخلية من مطالبات القوميات الإثيوبية التسع، وحركات المقاومة في إقليم أوغادين الصومالي المحتل، إلى جانب الخلافات والتوترات مع الجوار، حاول التنفيس عن أزماته بتصديرها إلى مصر، ليحاول عبثاً رسم صورة بطولية لنفسه، يصطنع من خلالها شعبية باختلاق خطر خارجي، فوجد ضالته في مصر شمّاعة مناسبة لتعليق إخفاقاته العسكرية في الصومال، وتداعيات الوضع السياسي الداخلي، فكانت تصريحاته غير المنضبطة، والتي فوتت القاهرة عليه فرصة استفزازها، فحرمته من الظهور بمظهر الحاكم الوطني .
واضح من تصريحات زيناوي التي انصبت كلها حول الحرب هنا وهناك، أنه يتحدث بروح “إسرائيلية”، محذراً مصر من الإقدام على أي عمل عسكري ضد بلاده، رغم أن القاهرة لم تعلن رسمياً أو تلوح باللجوء إلى خيار كهذا، كما حذّر من حرب سودانية “مروّعة”، في حين تعلن الخرطوم ومعها “الحركة الشعبية” استبعاد هذا الخيار .
ربما يندرج هذا كله ضمن محاولة ابتزاز أمريكي صهيوني رخيص لمصر، لتقديم تنازلات في ملفات إقليمية مقابل التوسط، كما حدث قبل شهور قليلة، لدى الدولة الأداة التي تقود العصيان في حوض النيل، لتجتمع المصالح الأمريكية والصهيونية ونظام زيناوي في هذه التصريحات غير المنضبطة، ولتدفع مصر مقابلاً جديداً نتيجة تخليها عن دورها في القارة السمراء .
هنـاك مـا يَسْقـط
أنسي الحاج
* العربيـة.نت
كان لبنان على الدوام هدفاً للخارج. من الأخطاء الشائعة نسبة نفوذ الدول فيه إلى ارتباط الموارنة الديني بالفاتيكان ومن ثم بفرنسا ابتداءً من الحروب الصليبيّة وامتداداً إلى ما سُمّي «المارونيّة السياسيّة». غزاه الفاتحون منذ فجر التاريخ. قبل الموارنة وقبل المارونيّة السياسيّة وقبل المسيح. وقبل المشكلة الفلسطينيّة والمسألة الشرقيّة. لبنان الدرزي ولبنان الماروني. لبنان الفينيقي والعربي والعثماني والفرنسي ولبنان الاستقلال. حكْم فخر الدين لم يكن مارونيّة سياسيّة ولا حكم المير بشير، ومع هذا استقطبا الاستهداف. منذ أقدم العصور وهو يدفع الجزية لإمبراطور ما أو لجار بعيد أو قريب، بصفته العضو المستضعف ذا الأرض الخصبة والموارد التجاريّة في عائلة الشرق الأدنى. ثم بصفته متعدّد الطوائف يسهل اللعب بتناقضاتها لابتزازه أو بالأكثر لابتزاز الدول الأخرى. إنّ تخيّل مارونيّة سياسيّة تتحكّم في لبنان بوحي استراتيجيا خَفيّة، أضحوكة. القاصي والداني يعلمان أن مَن وضع أسس السياسة التوازنيّة للبنان هم غالباً سريان أو لاتين أو أرثوذكس، ولم يغالِ أحد في «مارونيّته» كالأرثوذكسي الصميم شارل مالك.
وأوّل رئيس لدولة لبنان الكبير عيّنه الفرنسيّون وفاق بقاؤه في السلطة بقاء أيّ رئيس آخر قبل العهد السوري، هو الأرثوذكسي البيروتي شارل دبّاس الذي لم ينشرح الانتداب لحاكم لبناني كما انشرح له. ولم يتضايق الانتداب من استقلاليّة رئيس جمهوريّة مرّ عليه كما تضايق من صديقه المحسوب على فرنسا الماروني الفرنكوفوني الفرنكوفيلي إميل إده. الحاجة كانت ولا تزال إلى كتابة جديدة لتاريخ لبنان تستند إلى الوقائع لا إلى المراعاة. لا نبرّئ الموارنة ولكنّنا لا نبرّئ سائر الطوائف الشريكة من ابتزاز حكم الموارنة خصوصاً منذ الاستقلال. ظلّ المسلمون والأرثوذكس حتى اندلاع فتنة 1975 على فوهة التهديد (وأحياناً يهدّدون فعلاً) بالعودة إلى أحضان سوريا إذا لم... عجز الرئيس الماروني أن يحكم من غير أن يخيّم شبحُ تهديد عربيّ على حكمه. قد يكون فؤاد شهاب الوحيد الذي اتّقى، نسبيّاً، وطأةَ هذا الشبح بفضل اللقاء الذي جمعه فجر عهده بجمال عبد الناصر تحت الخيمة عند الحدود اللبنانيّة ـــــ السوريّة. ذهب إلى محالفةِ النبع ليحمي نفسه من الجداول. وكانت سياسة لبنان الخارجيّة في عهده ذروة التقيّة. صبّ اهتمامه على محاولة بناء المؤسسات وإرساء نوع من أنواع العدالة الاجتماعيّة، وفَعَل الكثير، وانتهى مفعماً بالقرف. هذا أميرٌ مارونيّ من سلالةٍ تحيط بها هالات المجد لم يستطع أن يتغلّب على دهاقنة السياسة اللبنانيّة وألاعيبهم، بمسيحيّيهم ومسلميهم. قبله الماروني كميل شمعون أراد أن يجدّد الدم النيابي والوزاري في عروق الجمهوريّة فثارت عليه الأصنام، وحاول أن يكون عروبيّاً، وهو الملقّب بـ«فتى العروبة الأغرّ»، على طريقة حلف بغداد والغرب الأوروبي والأميركي لا على هوى عبد الناصر والاتحاد السوفياتي، فركّب له عبد الناصر ورجل استخباراته السوري عبد الحميد السرّاج «ثورة» 1958. وقبله لم تكن المارونيّة السياسيّة مَن جاء بالشيخ بشارة الخوري رئيساً، بل الجنرال سبيرس والإنكليز ومصر مصطفى النحّاس باشا وسائر العرب الذين تنفّسوا الصعداء بخلاصهم من إميل إده وعدم مجيء خليفة من نوعه «الانعزالي». بعد شهاب، هل استطاع شارل حلو، الأديب المفعم بالروح المسيحيّة المتسامحة، أن يحكم نهاراً واحداً، رغم مارونيّته التي جعلت رسّام السياسة اللبنانيّة بيار صادق يصوّره في «النهار» على هيئة كاهن، وهل مكّنته تلك المارونيّة من فرض هيبته على كاتب أرعن مثلي هاجم عهده بأقذع الكتابات، أو على ضابط في الشعبة الثانية، أو على وزير إعلامه الدرزي، أو على رئيس حكومته السنّي المعتكف أبداً والمعطّل لكلّ الدولة؟
***
نخلط بين نزعتنا إلى كراهية كلّ سلطة وبين أخطاء الموارنة الذين حكموا، كما يخلط مَن ليس في السلطة ـــــ أو مَن هو في سلطة أقلّ ـــــ بين شهوته لسلطة أكثر أو للسلطة كلّها وبين مثالب السلطة القائمة. لقد أخطأ الحكام الموارنة، لكن الآخرين استثمروا هذه الأخطاء وبنوا عليها وجودهم على حساب قواعدهم المخدوعة والمحرومة. وها هم سنّة الأمس العروبيّون والناصريّون واليساريّون يصبحون على يمين موارنة الأمس. كما جاء وقت لم يكن التاريخ يميّز فيه كثيراً بين الماروني والدرزي. أما الشيعة فكانوا أحبّاء الكلّ حين لم يكن لهم دولة ينعمون بحمايتها، فاستلطفهم الجميع لأنّ الجميع استضعفوهم. وها هم أقوياء، ومكروهون، ومعرّضون لمثل ما وقع فيه سابقوهم. إنه لبنان: بلد يدمن أهله الفرديّة، ويدمن زعماؤه وطوائفه الالتحاق بالدول، ويدمن بعض رجاله الموت في سبيل حريّته.
حريّة لم تُعْدَم مجانينها منذ آلاف السنين، يدفعون ثمنها تارةً بنزاهة تُجاور القداسة وطوراً باستهزاء عَبَثيّ يشرب الحياة كأنها كأسُ وداعِ الحياة.
***
كلّ هذا ونحن طائفيّون. لعلّنا هكذا لأنّنا طائفيّون. عَصَب الحريّة هذا هو عصب حريّات تتمسّك بتمايزاتها بعضها عن بعض. لنبحث عن جذوره، بالإضافة إلى الجغرافيا، في هواء التعدديّة، في جنّةِ الفوضى الغنّاء، وفي ما تتيحه لنا هُويّاتنا المختلفة من خصائص نرفض لها أن تضيع في خضمّ اللون الواحد والدين الواحد والمذهب الواحد واللغة الواحدة والحاكم الواحد. التوحيد هنا بغيض لأنّه سجن. هذه كبرى فضائل التعدديّة: كَسْر رتابةِ العيش وتحويل المفاجأة إلى دستور ونظام. ما زال اللبناني يموت فداءَ حريّته لأنّ نهج حياته ما زال وحشيّاً. لم ينضبط في سياق الترويض الحضاري على النحو الغربي، بل مَزَج البداوة والزراعة برغد العيش المتمدّن. خليطٌ بشع، هجين، لكنّه يحفظ هؤلاء الهنود الحمر الذين هم نحن من الانقراض. لا تزال لنا قارتنا.
الخطر على هذه المجموعات التي تتألّف جاذبيّتها من تنافرها هو الغريزة. لا تتقّدم الغريزة في السنّ إلّا نادراً. حتّى عند الذين يحترفون صناعة الضمير. ما إن تنقر على الوتر حتّى يرنّ. عندما نتخاطب في السلم نلجأ إلى «العقل» وعندما تُراد الفتنة تكفي شرارة. خَطْفٌ أو قتلٌ على الهويّة. تصريح. شائعة. لم يبرهن أحد على كونه أقوى من الغريزة. لا لبنان ولا العراق ولا السودان ولا اليمن ولا مصر. ولا فرنسا ولا بريطانيا ولا إيرلندا ولا اسكندينافيا. ولا أميركا ولا روسيا. التسامح يتراجع في كلّ مكان. حلّ شبحُ التأسلم محلّ العروبة، والشرق الأوسط الجديد، بزعامة إسرائيل وتركيا وإيران، بات واقعاً ونموذجاً لمشاريع تفتيتات وإعادات تكوين أخرى في العالم. ولا نعلم ماذا يُعَدّ للصين ولا ماذا تعدّه الصين لغيرها.
يؤسَفُ على تعايش التنوّع لأنّه، في بنيان الوجود، هو الأرقى. إنّه الينبوع الفيّاض بالينابيع، فيما المجتمعات الأحاديّة العرْق أو الدين أو المذهب جدار مُلْصَق بجدار ملصق بجدار. توتّر الاختلاف هو ضمان تجدّد الصبا الروحي. رتابةُ المَشهد عودةٌ إلى القطيع. المجتمع الأحادي الشكل والروح كهفٌ مظلم حتّى لو رفع شعار الماركسيّة، فكيف بشعار الأصوليّة الدينيّة. ما يريده مشروع التفتيت هو العَزْل في غيتوات يحكمها حرّاسُ سجون وتُراقبها ميرادورات تشرف من أعلى مراصد القنص لاصطياد الفارّين. مشروعٌ يضعُ الجميع على خطى إسرائيل. لا من الفرات إلى النيل، بل من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي. وأغربُ ما فيه أن الذين يظنّون أنهم يقاومونه لا يدرون أنهم يساعدون في إنجازه.
***
هناك ما يَسْقط. وما يسقط يسقط في الحاضر، في اللحظة، ولا يُحَسّ سقوطه إلّا بعد فوات أوان تداركه.
يُسمّون هذا حتميّة. حتميّة التاريخ أو السماء، لكنّها ليست حتميّة فردوسيّة. ما وعد به الإنسان نفسه عبر الأجيال لا علاقة له بهذا المصير.
وأخطر ما يخيف أنّ ثمّة دوماً أملاً. فالأملُ هو القدمان اللتان يمشي عليهما الفَرَج مثلما قد يمشي عليهما السقوط.
والأخطر من الأمل، اليأس.
والأخطر من الأمل واليأس أن لا يعود هناك فَرْق.
لمن "مجد لبنان"
سعـد محيو
* دار الخليج
هل جاء طيب رجب أردوغان إلى لبنان ليُثبت وجود تركيا، بعد أن سبقه محمود أحمدي نجاد في نيل ما يسمى في الأدبيات المارونية “مجد لبنان”؟
ثمة إغراء للقفز إلى حصيلة كهذه . فقد استعادت زيارة رئيس الوزراء التركي الكثير من مظاهر زيارة رئيس الجمهورية الإيراني، من حيث الحفاوة الشعبية الحاشدة التي لم يحظ بها عادة في لبنان سوى قادة عرب أو بابوات روما، إلى الاستقبالات الرسمية المتواصلة التي أبرزت وحدة لبنان إزاء تركيا في ذروة انقساماته المحلية السياسية .
وإذا ما أردنا الذهاب في هذا المنحى أكثر، سنقول إن أردوغان وأحمدي نجاد، وعلى رغم حرصهما على إعلان الوقوف على مسافة واحدة من كل الطوائف والمذاهب، إلا أن المناطق الشعبية التي زاراها يغلب عليها أساساً طابع اللون الواحد .
ثم: لا يجب أن ننسى هنا أن الأفرقاء اللبنانيين الذين “أدمنوا” التبعية للخارج، لم يدعوا فرصة هاتين الزيارتين تمر من دون محاولة تجييرها، كالعادة، طائفياً أو مذهبياً .
لكن، وبعد كل شيء عن “اللوثة اللبنانية” التي ربما أصابت الزيارتين، نستطيع الجزم بأن الأتراك والإيرانيين ليسوا في وارد المجابهة أو التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط .
صحيح أن البلدين يتباينان في العديد من التوجهات، من طبيعة النظام السياسي في كل منهما إلى جوهر انتماءاتهما الإيديولوجية والثقافية، إلا أن ذلك لا يترجم نفسه صراعاً على السلطة في المنطقة . ليس بعد على الأقل .
العكس قد يكون صحيحاً في هذه المرحلة التاريخية . فهما يعتبران، وعن حق، بأن ما يستحقان من حصص في نظام الشرق الأوسط يجب أن يأخذاه من “إسرائيل” وليس من بعضهما البعض، خاصة بعد أن سيطرت هذه الأخيرة على النظام غداة انحسار النفوذ المصري فيه .
وهذا ما يخلق الآن حالة فريدة في تاريخ الشرق الأوسط . ففي الماضي، كان صعود إحدى هاتين القوتين الإقليميتين يُحتّم هبوط الثانية . وحين يحدث أن تصعدا معاً، يكون الصدام حتمياً، كما حدث مع الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، ثم بين العثمانيين والصفويين الذين خاضوا حروباً دامية أثخنتهم بالجراح وسهّلت اجتياح الغرب لكل المنطقة .
لكن الآن يبدو أن تركيا وإيران تصعدان معاً من دون أن تصطدما . فكل منهما حريصة على إبداء أقصى درجات التعاون مع الأخرى، على رغم أن الأولى عضو في حلف عسكري غربي (الناتو)، فيما الثانية تسعى إلى إقامة حلف عسكري “إسلامي” ضد الغرب .
بالطبع، قد لا تسير الأمور دوماً على هذا النحو السلس . إذ إن أي تطورات من نوع تدخل الجيش التركي العلماني مجدداً في الحياة السياسية التركية، سينسف بجرة قلم كل توجهات “العمق الاستراتيجي” التي وضعها حزب العدالة والتنمية الحاكم، كما أن أي سوء حسابات من جانب إيران في مجالي الأسلحة النووية أو العراق أو الأكراد، سيؤدي إلى فراق أو حتى صدام بين الطرفين .
لكن، حتى الآن، يتدبّر هذان الطرفان ذوا التاريخ الإمبراطوري المديد أمر صعودهما المشترك بشكل حكيم ومتزن .
وهذا مدعاة للتصفيق والترحيب لأنه يستعيد لنظام الشرق الأوسط وجهه الإسلامي الطبيعي، رغم أن ثمة غصّة في القلب لغياب العنصر الثالث الذي يشكّل الأكثرية السكانية في هذا النظام: الأمة العربية .
ويكيليكس.. ما خفي اعظم
مقال لعبد الباري عطوان
* الدستــور الاردنيـة
نضم صوتنا الى اصوات الكثيرين الذين يشككون بالنوايا والاهداف التي تكمن وراء نشر مئات الآلاف من وثائق الخارجية الامريكية، ونجد عبر موقع ويكيليكس، في الوقت نفسه ان هناك الكثير من الصواب لدى بعض مؤيدي النظرية التآمرية التي تقول ان هناك اجندات واضحة خلف هذه التسريبات ابرزها توريط زعماء عرب في الحرب مع ايران، واذكاء نيران حرب طائفية سنية ـ شيعية، او عربية ـ فارسية في المنطقة، ولكن هناك نقاطا ايجابية عديدة تستحق التوقف عندها لاستخلاص الكثير من الدروس والعبر، ابرزها فهم طريقة التعامل الرسمية الامريكية مع منطقتنا وزعمائها، والدور الذي يلعبه هؤلاء في السياسات والحروب الاقليمية، فربما يساعدنا هذا على فهم بعض الامور الغامضة والتحركات العسكرية والدبلوماسية الامريكية المكثفة في منطقتنا التي تقف على شفير حرب اخرى.
ولعل المحطة الابرز في هذه الوثائق تلك المتعلقة بالضعف العربي والارتماء تحت الاقدام الامريكية طلبا للمساعدة ونيل الرضا، فالقراءة المتأنية تكشف لنا ان الادارة الامريكية هي التي تحدد الاعداء (ايران) وهي التي تحدد الاصدقاء الجدد (اسرائيل). مما يعني ان مئات المليارات التي جرى اقتطاعها من قوت الشعوب العربية لشراء اسلحة امريكية متطورة لم تخرج الانظمة من دائرة الضعف والهشاشة اولا، ولم تكن بهدف تحرير المقدسات العربية والاسلامية ثانيا.
فما تضمنته هذه الوثائق من استجداءات من قبل زعماء عرب للتسريع بضرب ايران، واستخدام عبارات لم يكن يتصور احد انها موجودة في قواميس دول 'معتدلة' تدعي الحكمة والتعقل، ظلت دائما تميز نفسها عن انظمة ثورية عربية، مثل 'قطع رأس الافعى الايرانية'، كان صادما بالنسبة الينا، ومن المؤكد انه صادم بالنسبة الى الملايين غيرنا.
فمن المفارقة ان هذا التعبير، اي قطع رأس الافعى، رسخ في الوعي العربي بارتباطه باسرائيل، مصدر كل الشرور في المنطقة باحتلالها الاراضي العربية، ولم يخطر في بالنا ان هناك من يريد ان يحذف اسرائيل من رأس قائمة العداء العربي ويضع مكانها ايران، لان هناك قلقا امريكيا اسرائيليا من طموحاتها النووية، مثلما كان هناك القلق نفسه من اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
فجأة، اصبحت مشكلة العرب الرئيسية او معظمهم، ايران، والنظام القائم فيها، ولم يقل لنا الذين يستعجلون ضرب ايران، عما اذا كانوا قد فكروا مليا بنتائج مثل هذا التوجه على امنهم واستقرار بلادهم، بل ووجودها كدول في حال تجاوب امريكا واسرائيل مع عويلهم واستجداءاتهم.
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونسأل عما سيكون عليه الحال، لو ادت الضربة الامريكية ـ الاسرائيلية الى اطاحة النظام الحالي، وأتت بنظام قومي فارسي متعصب صديق للامريكان واسرائيل، يتوج شرطيا في المنطقة، ويعتمد مندوبا ساميا يتولى ادارة شؤونها نيابة عن الباب العالي الامريكي ـ الاسرائيلي؟
* * *
ومن المؤلم بالنسبة الينا على الاقل، ان الوثائق قدمت صورة مأساوية للزعماء العرب، من حيث الكفاءة والمسلك الشخصي، فهؤلاء ظهروا مترددين منافقين، يطعنون بعضهم بعضا، ويشتكون للسفراء الامريكان من بعضهم بعضا، ولم نقرأ في هذه الوثائق ان زعيما عربيا واحدا قال انه يملك الشجاعة، او الرغبة، لحماية بلاده والتصدي للخطر الايراني المزعوم. كلهم يريدون من امريكا واسرائيل ان تقوم بهذا الدور نيابة عنهم، بينما ينعم هؤلاء بالراحة في قصورهم الفخمة.
من المؤكد ان ايران، وبعد ان اطلعت على مواقف القادة العرب، الذين يحرضون امريكا واسرائيل على ضربها ستفكر جديا في انتاج اسلحة نووية، بل ربما تسرع في اي خطوات اقدمت عليها في هذا الصدد، وستجد المبررات اللازمة للمحاججة في شرعية قرارها هذا ومنطقيته.
نحن المواطنين العرب، بحاجة ماسة الى معرفة هذه الاسرار، ونفاق حكامنا، ومدى سيطرة الادارات الامريكية على دوائر اتخاذ القرار في بلداننا، حتى نعرف كيف ان بلداننا ما زالت محتلة، ومن دون كرامة وطنية، او سيادة فعلية حقيقية، تماما مثلما كان عليه الحال ايام الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي، مع فارق وحيد وبسيط، وهو ان السفير الامريكي حل محل السفير البريطاني او الفرنسي في زمن الانتداب.
فهل يعقل ان يصل الأمر بوزير دفاع لبنان ميشال المر الى درجة مطالبة السفيرة الامريكية السابقة ميشال ساسون بتمرير رسائل الى اسرائيل بعدم الاعتداء على الخط الازرق الحدودي، وعدم قصف البنية التحتية للمناطق المسيحية اللبنانية، وانه اعطى اوامره الى قائد الجيش في حينه (اي اثناء عدوان تموز/يوليو عام 2006) العماد ميشال سليمان (الرئيس الحالي للبنان) بعدم التصدي لهذا العدوان الاسرائيلي؟
المتحدث باسم السيد المر قال ان الوثائق مجتزأة ومشبوهة وغير دقيقة ولا قيمة لها، ولكنه لم ينف نفياً قاطعاً هذه الوثيقة، او الاجتماع الذي استمر مع السفيرة الامريكية لاكثر من ساعتين ونصف الساعة قبل حدوث العدوان.
فكيف يمكن الحديث عن الشراكة والتعايش في بلد مثل لبنان اذا كان وزير دفاعه يعطي ضوءاً اخضر لاسرائيل لقصف المناطق الاسلامية الشيعية، وكأن من سيتعرضون لهذا القصف ليسوا لبنانيين، بل ليسوا بشراً في الاساس؟
اهمية ما تضمنته هذه الوثيقة هو توقيت الافراج عنها، وكونها جاءت لتؤكد مخاوف اللبنانيين بقرب حدوث الانفجار الكبير المتوقع بعد اذاعة القرار الظني عن محكمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي تؤكد التسريبات انه سيدين حزب الله بتنفيذ جريمة الاغتيال هذه.
***
صحيح ان الوثائق لم تتناول اسرائيل، ولم تكشف عن اسرار مجازرها في حربي لبنان والعدوان على قطاع غزة، والاعتداء على سفن الحرية والمواقف الامريكية بل والعربية ايضاً تجاهها. وهو امر يثير الريبة، ولكن الصحيح ايضاً ان امامنا وليمة ضخمة من المعلومات ربما يؤدي كشفها الى بدء عملية التغيير الديمقراطي التي تتطلع اليها شعوب المنطقة، بعد سقوط آخر الاقنعة عن وجوه الانظمة الديكتاتورية والقمعية.
لسنا بحاجة لكشف الغطاء عن حجم الجرائم الاسرائيلية، فنحن نعرفها جميعاً، ولكننا بحاجة ماسة لكشف الغطاء عن جرائم الزعماء العرب ومجازرهم السياسية والاخلاقية في حقنا نحن الشعوب، وكيفية اهدار ثروات المنطقة لتمويل حروب امريكية بشكل مباشر او غير مباشر تأتي دائماً بنتائج عكسية تماماً، وتنقلب وبالاً علينا كأمة، وما يحدث في العراق هو احد الامثلة.
فهذه الانظمة لن تستطيع القاء المحاضرات علينا في الوطنية، كما ان الولايات المتحدة لن تجرؤ على وعظنا حول ضرورة احترام القوانين والمعاهدات الدولية وهي التي تخترق هذه القوانين والمعاهدات ولا تتورع عن التجسس على الامين العام للامم المتحدة ومساعديه وجميع المندوبين الاجانب في المنظمة الدولية بدون استثناء.
نحن ننظر الى النصف او الربع الممتلئ من كأس هذه الوثائق مع اعترافنا وتسليمنا، ونقولها للمرة المليون، بوجود اجندات خفية، ونرى ان عملية التغيير في المنطقة العربية يجب ان تنطلق، وان تنطلق ايضاً حملة عالمية لنقل مقر الامم المتحدة من نيويورك الى اي مكان آخر في العالم، فدولة تخترق الميثاق وتتجسس على موظفيها وتخون الثقة، لا تستحق ان يستمر وجود هذه المنظمة على أراضيها.
ويكيليكس.. ما خفي اعظم
مقال لعبد الباري عطوان
* القدس العــربــي
نضم صوتنا الى اصوات الكثيرين الذين يشككون بالنوايا والاهداف التي تكمن وراء نشر مئات الآلاف من وثائق الخارجية الامريكية، ونجد عبر موقع ويكيليكس، في الوقت نفسه ان هناك الكثير من الصواب لدى بعض مؤيدي النظرية التآمرية التي تقول ان هناك اجندات واضحة خلف هذه التسريبات ابرزها توريط زعماء عرب في الحرب مع ايران، واذكاء نيران حرب طائفية سنية ـ شيعية، او عربية ـ فارسية في المنطقة، ولكن هناك نقاطا ايجابية عديدة تستحق التوقف عندها لاستخلاص الكثير من الدروس والعبر، ابرزها فهم طريقة التعامل الرسمية الامريكية مع منطقتنا وزعمائها، والدور الذي يلعبه هؤلاء في السياسات والحروب الاقليمية، فربما يساعدنا هذا على فهم بعض الامور الغامضة والتحركات العسكرية والدبلوماسية الامريكية المكثفة في منطقتنا التي تقف على شفير حرب اخرى.
ولعل المحطة الابرز في هذه الوثائق تلك المتعلقة بالضعف العربي والارتماء تحت الاقدام الامريكية طلبا للمساعدة ونيل الرضا، فالقراءة المتأنية تكشف لنا ان الادارة الامريكية هي التي تحدد الاعداء (ايران) وهي التي تحدد الاصدقاء الجدد (اسرائيل). مما يعني ان مئات المليارات التي جرى اقتطاعها من قوت الشعوب العربية لشراء اسلحة امريكية متطورة لم تخرج الانظمة من دائرة الضعف والهشاشة اولا، ولم تكن بهدف تحرير المقدسات العربية والاسلامية ثانيا.
فما تضمنته هذه الوثائق من استجداءات من قبل زعماء عرب للتسريع بضرب ايران، واستخدام عبارات لم يكن يتصور احد انها موجودة في قواميس دول 'معتدلة' تدعي الحكمة والتعقل، ظلت دائما تميز نفسها عن انظمة ثورية عربية، مثل 'قطع رأس الافعى الايرانية'، كان صادما بالنسبة الينا، ومن المؤكد انه صادم بالنسبة الى الملايين غيرنا.
فمن المفارقة ان هذا التعبير، اي قطع رأس الافعى، رسخ في الوعي العربي بارتباطه باسرائيل، مصدر كل الشرور في المنطقة باحتلالها الاراضي العربية، ولم يخطر في بالنا ان هناك من يريد ان يحذف اسرائيل من رأس قائمة العداء العربي ويضع مكانها ايران، لان هناك قلقا امريكيا اسرائيليا من طموحاتها النووية، مثلما كان هناك القلق نفسه من اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
فجأة، اصبحت مشكلة العرب الرئيسية او معظمهم، ايران، والنظام القائم فيها، ولم يقل لنا الذين يستعجلون ضرب ايران، عما اذا كانوا قد فكروا مليا بنتائج مثل هذا التوجه على امنهم واستقرار بلادهم، بل ووجودها كدول في حال تجاوب امريكا واسرائيل مع عويلهم واستجداءاتهم.
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونسأل عما سيكون عليه الحال، لو ادت الضربة الامريكية ـ الاسرائيلية الى اطاحة النظام الحالي، وأتت بنظام قومي فارسي متعصب صديق للامريكان واسرائيل، يتوج شرطيا في المنطقة، ويعتمد مندوبا ساميا يتولى ادارة شؤونها نيابة عن الباب العالي الامريكي ـ الاسرائيلي؟
* * *
ومن المؤلم بالنسبة الينا على الاقل، ان الوثائق قدمت صورة مأساوية للزعماء العرب، من حيث الكفاءة والمسلك الشخصي، فهؤلاء ظهروا مترددين منافقين، يطعنون بعضهم بعضا، ويشتكون للسفراء الامريكان من بعضهم بعضا، ولم نقرأ في هذه الوثائق ان زعيما عربيا واحدا قال انه يملك الشجاعة، او الرغبة، لحماية بلاده والتصدي للخطر الايراني المزعوم. كلهم يريدون من امريكا واسرائيل ان تقوم بهذا الدور نيابة عنهم، بينما ينعم هؤلاء بالراحة في قصورهم الفخمة.
من المؤكد ان ايران، وبعد ان اطلعت على مواقف القادة العرب، الذين يحرضون امريكا واسرائيل على ضربها ستفكر جديا في انتاج اسلحة نووية، بل ربما تسرع في اي خطوات اقدمت عليها في هذا الصدد، وستجد المبررات اللازمة للمحاججة في شرعية قرارها هذا ومنطقيته.
نحن المواطنين العرب، بحاجة ماسة الى معرفة هذه الاسرار، ونفاق حكامنا، ومدى سيطرة الادارات الامريكية على دوائر اتخاذ القرار في بلداننا، حتى نعرف كيف ان بلداننا ما زالت محتلة، ومن دون كرامة وطنية، او سيادة فعلية حقيقية، تماما مثلما كان عليه الحال ايام الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي، مع فارق وحيد وبسيط، وهو ان السفير الامريكي حل محل السفير البريطاني او الفرنسي في زمن الانتداب.
فهل يعقل ان يصل الأمر بوزير دفاع لبنان ميشال المر الى درجة مطالبة السفيرة الامريكية السابقة ميشال ساسون بتمرير رسائل الى اسرائيل بعدم الاعتداء على الخط الازرق الحدودي، وعدم قصف البنية التحتية للمناطق المسيحية اللبنانية، وانه اعطى اوامره الى قائد الجيش في حينه (اي اثناء عدوان تموز/يوليو عام 2006) العماد ميشال سليمان (الرئيس الحالي للبنان) بعدم التصدي لهذا العدوان الاسرائيلي؟
المتحدث باسم السيد المر قال ان الوثائق مجتزأة ومشبوهة وغير دقيقة ولا قيمة لها، ولكنه لم ينف نفياً قاطعاً هذه الوثيقة، او الاجتماع الذي استمر مع السفيرة الامريكية لاكثر من ساعتين ونصف الساعة قبل حدوث العدوان.
فكيف يمكن الحديث عن الشراكة والتعايش في بلد مثل لبنان اذا كان وزير دفاعه يعطي ضوءاً اخضر لاسرائيل لقصف المناطق الاسلامية الشيعية، وكأن من سيتعرضون لهذا القصف ليسوا لبنانيين، بل ليسوا بشراً في الاساس؟
اهمية ما تضمنته هذه الوثيقة هو توقيت الافراج عنها، وكونها جاءت لتؤكد مخاوف اللبنانيين بقرب حدوث الانفجار الكبير المتوقع بعد اذاعة القرار الظني عن محكمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي تؤكد التسريبات انه سيدين حزب الله بتنفيذ جريمة الاغتيال هذه.
***
صحيح ان الوثائق لم تتناول اسرائيل، ولم تكشف عن اسرار مجازرها في حربي لبنان والعدوان على قطاع غزة، والاعتداء على سفن الحرية والمواقف الامريكية بل والعربية ايضاً تجاهها. وهو امر يثير الريبة، ولكن الصحيح ايضاً ان امامنا وليمة ضخمة من المعلومات ربما يؤدي كشفها الى بدء عملية التغيير الديمقراطي التي تتطلع اليها شعوب المنطقة، بعد سقوط آخر الاقنعة عن وجوه الانظمة الديكتاتورية والقمعية.
لسنا بحاجة لكشف الغطاء عن حجم الجرائم الاسرائيلية، فنحن نعرفها جميعاً، ولكننا بحاجة ماسة لكشف الغطاء عن جرائم الزعماء العرب ومجازرهم السياسية والاخلاقية في حقنا نحن الشعوب، وكيفية اهدار ثروات المنطقة لتمويل حروب امريكية بشكل مباشر او غير مباشر تأتي دائماً بنتائج عكسية تماماً، وتنقلب وبالاً علينا كأمة، وما يحدث في العراق هو احد الامثلة.
فهذه الانظمة لن تستطيع القاء المحاضرات علينا في الوطنية، كما ان الولايات المتحدة لن تجرؤ على وعظنا حول ضرورة احترام القوانين والمعاهدات الدولية وهي التي تخترق هذه القوانين والمعاهدات ولا تتورع عن التجسس على الامين العام للامم المتحدة ومساعديه وجميع المندوبين الاجانب في المنظمة الدولية بدون استثناء.
نحن ننظر الى النصف او الربع الممتلئ من كأس هذه الوثائق مع اعترافنا وتسليمنا، ونقولها للمرة المليون، بوجود اجندات خفية، ونرى ان عملية التغيير في المنطقة العربية يجب ان تنطلق، وان تنطلق ايضاً حملة عالمية لنقل مقر الامم المتحدة من نيويورك الى اي مكان آخر في العالم، فدولة تخترق الميثاق وتتجسس على موظفيها وتخون الثقة، لا تستحق ان يستمر وجود هذه المنظمة على أراضيها.
اسرائيل وتعويض الحلفاء!!
* خيري منصور / الدستـور الاردنيــة
منذ فترة دار سجال وتناص حول حاجة اسرائيل الى حلفاء جدد وبالتحديد بعد الازمة التي تفاقمت مع تركيا ولم تنفرج بل اوشكت على الانفجار بعد ما قاله اردوغان مجددا في لبنان عن العدوان الاسرائيلي وعدم صمت بلاده على اية حماقة عسكرية محتملة ضد لبنان.
البعض يؤرخون للازمة بين اسرائيل وتركيا بدءا من تلك اللحظة التي احس بها اردوغان بالخديعة بعد ان عاد اولمرت من تركيا ليشعل حربا على غزة والبعض يؤرخ لها باللحظة الدراماتيكية التي انسحب بها اردوغان من دافوس احتجاجا على ما ورد في خطاب شمعون بيريز وفي الحالتين ثمة افراط في شخصنة الاحداث انسجاما مع الميل التقليدي لدينا نحو الشخصنة والعزوف شبه الغريزي عن التعامل مع الافكار المجردة والمفاهيم ومثل هذه التحليلات رغم محدوديتها وأفقيتها والشخصنة التي تنزلق اليها بسهولة لا تقيم وزنا للماضي حتى لو كان قريبا.. فتركيا يئست من قبول النادي الاوروبي لها عضوا وسمعت ما كان يقال عن خطورة اسلمة اوروبا اذا انضمت اليها تركيا ، هذا بالاضافة الى تحولات تاريخية كبرى في المنطقة منها ما اعاد النظر في الجغرافيا ذاتها خصوصا بعد احتلال العراق وسقوط القناع الامريكي الذي خدع العالم كله في تلك الحفلة التنكرية المُعولمة.
اسرائيل شعرت بالضيق مرارا من تركيا وبالتحديد من تصريحات اردوغان وجاء دم الاتراك الذي نزف في اسطول الحرية وسفينة مرمرة ليغرق ما تبقى من الأمل في احياء التحالف القديم ، وقد سعت اسرائيل قبل هذه الاحداث الى البحث عن حلفاء جدد في آسيا وأفريقيا ولم تسلم حتى امريكا اللاتينية من ذراع الاخطبوط لكن ما اتضح للعالم بعد الحرب على غزة وعلى ذلك النحو الذي افتضح اطروحات الصهيونية كلها جعل صورة الدولة العبرية قبيحة واعترف بذلك رئيس هذه الدولة شمعون بيريز وقال بالحرف الواحد لا بد من اعادة النظر في الدبلوماسية الاسرائيلية من اجل تجميل الوجه القبيح.
التوجه الى البلقان ليس الخطوة الاولى التي شرعت بها تل ابيب على هذا الصعيد لكن ما يثير الانتباه هو البوصلة الجيوبولتيكية التي اتجه سهمها هذه المرة الى البلقان وما يعنيه ذلك بالنسبة لتركيا.
وقبل ايام نشر في الصحافة العبرية ما يوحي بادانة الدبلوماسية الخاملة لانها اتاحت رفع التمثيل الدبلوماسي بين السلطة الفلسطينية واليونان الى مستوى السفراء ، وثمة شعور يتعاظم داخل اسرائيل حول الخسائر المعنوية والسياسية التي منيت بها حكومة نتنياهو ومن قبلها حكومة اولمرت بسبب العدوان الابادي على غزة وجاءت المواقف العنيفة الاشبه بمصدات للناشطين من كل ارجاء العالم والتي مارستها حكومة الثالوث الراديكالي الاعمى نتنياهو وليبرمان وباراك لتضاعف من قبح صورة اسرائيل ، لهذا ليس مجرد توقعات رغائبية القول: بان الحلفاء الجدد لن يكونوا كما تشتهي تل ابيب وان فلسفة التعويض لا تكون بهذا الأسلوب الشايلوكي.. قرائن عديدة تنبئ بمزيد من العزلة لدولة تريد ان تحشو الالفية الثالثة في القرون الوسطى.
رماد الكرمل!!
* خيري منصور
* الدستــور الاردنيــة
هل يشمت الفلسطينيون بذلك الحريق الذي اختبر قدرة اسرائيل على مواجهة الازمات الطارئة ام يحزنون؟ فالغابات الواسعة الخضراء والتي تتسلق السفوح نحو حيفا زرعها الفلسطينيون مثلما زرعوا زيتونهم وتينهم واحلامهم الخضراء في ذلك التراب. لهذا قال شعراؤهم ومنهم محمود درويش وراشد حسين ان الرغيف اذا عصر بيد يهودي سوف يسيل منه دم فلسطيني وان الزيتون عندما يتذكر غارسه يصبح الزيت دمعا.
انها لحظة عسيرة بل واحدة من المفارقات الكبرى في التاريخ تلك التي لا يدري المرء خلالها ان كان ما يرى يستحق البكاء ام الشماتة خصوصا اذا كانت الجغرافية رسولية بامتياز كرملي ، فتلك الارض مهرتها اقدام رسل وقديسين ومادت تحت جنازير الدبابات عندما حول الاحتلال ندف الياسمين الى غبار فحم ، واذكر ان الشاعر اوفيد في كتابه الضخم مسخ الكائنات روى حكاية مثيرة ومفعمة بالدلالات عن السبب الذي جعل بعض الزيتون مرا ، فقد قال بطريقته المشحونة بالاسطورة ان راعيا متوحشا افسد على الحوريات رقصتهن قرب غدير ولأنهن خفن وولولن ثم هربن غيّر الزيتون طعمه واصبح مرا.. آلاف الاعوام مرت كي تتعتق الاسطورة وتصبح تاريخا واقعيا فالشاعر الروماني لم يشهد ما جرى في الكرمل او دير ياسين او مخيم جنين لكن احساسه بان هناك شرورا دائمة التربص بالكائنات الجميلة دفعه الى هذا التخيل ، ولو استطردنا في البعد الرمزي لهذا الحريق لقلنا ان الشجر ينتحر لانهم فرضوا عليه بالقوة العمياء ان يغير حفيفه فيصبح عبريا على سفوح الكرمل وتحت قدمي حيفا او بالقرب من عكا التي قال اهلها لو انها خافت من القرصان لما وقفت على شاطئ البحر المتوسط.
ان الشجر في الاحوال العادية ، وبعيدا عن حكايات اوفيد ومرارة الزيتون ، محايدّ فهو لا يقوى على صد افعى تتسلق الجذع او تتمطى في ظله لكن ما ان يندفع التاريخ بهذه القوة نحو الاسطورة حتى يفقد كل شيء حياده.. فالحجر لا يعود حجرا لانه يقفز من مكانه الى قبضة طفل والشجر قد يضرب عن الثمر لان الحاصد هو قاتل الزارع والمتربص بسلالته..والاب الذي يُختطف ابنه يزداد حبا له وعطفا عليه تماما كما هي الاشجار المختطفة وشرفات المدن الساحلية العريقة في ذلك العنقود الاخضر.
ان العَبرنة التي فرضت بقوة الاحتلال الغاشم بقيت حروفا صماء على لوحات نحاسية فالمدن والشوارع والساحات والشرفات لا تغير ذاكرتها استجابة للغزاة ، وحفيف الزيتون هناك بقي وسيبقى بهذه الابجدية التي يرشح الشجن من كل حرف فيها.
ما تسعى ثقافة التدجين والتقزيم الى بثه في عصرنا الرمادي هو حذف الفارق الجوهري بين مستوطنة مدججة بالسلاح ويعصف الهلع بساكنيها وبين بيت يروي صرير ابوابه وصمت خوابيه تلك السردية الوطنية الباسلة لشعب تشبث بالذاكرة الى جانب الحلم وادرك ان احتلال الماضي هو مجرد تمهيد لاحتلال المستقبل ونحن كعرب لا نشعر على الاطلاق بان ما كان لنا اصبح علينا فأي حريق في زيتون يعبد هو جمرة في قميص القسام واي ثقب في زاوية جدار بالاقصى هو نزيف في القلب فالاحتلال لا يعني التطويب والجريمة لا تكتمل بسبب تأخر الشهود عن موعد الحضور.
لقد افسدت لعنة السياسة وبراغماتيتها ذلك الصفاء الاسطوري للسرديات الوطنية الخالدة والنشيد الوطني ليس مجرد مديح لوطن.. انه الخطوات لا الاقدام.. ونخاع الشجرة المحترقة وليس عناقيدها،،.
لبنان حريق وغريق
سوسن الأبطح
* العربيــة. نت
الدراسة التي نشرتها «الدولية للمعلومات» الشهر الماضي، تثبت بالأرقام أن اللبنانيين باتوا على يقين من أنهم على شفير انهيارات كبيرة، في ما حلمهم الوحيد المتبقي هو النجاة بجلدهم. 54% من المواطنين يعيشون هاجس الحرب، و59% منهم مع إلغاء المحكمة أو تعديل عملها، خوفا من أن تأتيهم بالأعظم.
«من يضرب بالعصي ليس كمن يعدها». التحليلات السياسية الباردة، لا تأخذ بعين الاعتبار المهالك التي يتعرض لها مواطن، تأتيه المصائب من السماء كما الأرض. 120 حريقا في يوم واحد، ليس مما اعتاده اللبنانيون، حرارة تصل إلى 30 درجة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) لهي مما يدمر المزروعات الموسمية ويهدد الناس في لقمة عيشهم. مأساة أخرى تضاف إلى غلاء الأسعار الذي لا يطاق، ولا يشبه في شيء الحد الأدنى لرواتب الموظفين. البلد لا يحتمل الحر، لكن المهزلة أنه غير قادر على مواجهة الشتاء أيضا. بمجرد أن نزلت الأمطار خفيفة وبالقطارة، طافت الطرقات، اختنق السير، وكادت الانهيارات الصخرية تودي بحياة المارة على الطرقات الجبلية. وبعد شتوة إضافية أو اثنتين سنسمع عن مزيد من الأضرار، ونداءات الاستغاثة.
المعضلات اليومية يتعاظم شأنها. الموضوع ليس أن الحكومة تتنازع على طريقة التعامل مع المحكمة والقرار الظني وشلت حركتها. لبنان متروك منذ سنوات لفوضى تتآكله، والسؤال الكبير كم سنة أخرى يحتمل؟ وماذا لو تحول القرار الظني كما تهدد المعارضة إلى قنبلة تنفجر. النيران لن تأكل فريق 8 آذار أو 14، فالساسة في الطرفين تبعا للمعادلات السياسية اللبنانية ينبعثون من الرماد كلما احترقوا، كما طائر الفينيق. الضحايا هم الناس، كما حدث في الحرب الأهلية، وكما رأينا منذ أيام حين كادت النار تلتهم البيوت بعد أن ابتلعت آلاف الأمتار من الشجر. العجز مروع، الوزراء المسؤولون يقفون أمام الميكروفون ويشكون للمواطنين قلة حيلتهم، مع عدم توفر إمكانات تسعفهم بالتحرك. المشهد السوريالي هذا، بات مألوفا، وزير الأشغال يوم سقطت الطائرة الإثيوبية، ووزير الكهرباء عندما انتفض المواطنون يسألون عن حقهم في النور، ووزير الداخلية وهو يرى السكان يحاولون إطفاء الغابات بخراطيمهم المنزلية. وقبلهم قدم الاستعراض الأليم نفسه وزراء كثيرون، كلهم ينتحبون عجزا. فمن هو القادر على الفعل في بلد، لا حول فيه لأحد ولا قوة؟
بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية فإن 25% من اللبنانيين عاطلون عن العمل. ومع ذلك فإن أسعار وإيجارات الشقق تحلق في فضاءات لا يطالها شاب ولا كهل. البيت الذي تدفع ثمنه عمرك كله، قد لا يؤمن لك غير مياه مالحة لا تصلح لغسل وجهك. ومع فشل ذريع في تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق يحشر 40% من اللبنانيين في بيروت، مع 900 ألف سيارة.
ليس هناك خيبة في التخطيط. هناك غياب كلي في لبنان لرؤية تنظيمية عامة تشمل المرافق كلها والبنية التحتية بشكل خاص. أكثر من 50 مليار دولار من الدين نستطيع الآن، ونحن نرى ما وصل إليه لبنان أن نقول إنها رميت من النافذة.
اجتمعت نخبة من المتخصصين في مجال الاستثمار الابتكاري في بيروت منذ عدة أيام، وتكلموا عن إمكانية تحويل لبنان إلى بلد يعج بالأفكار الاقتصادية الخلاقة، إن أمكن التشبيك بين المهرة من أبنائه، معتمدين في فكرتهم على الطاقات البشرية الاستثنائية التي للبنانيين في المنطقة. الخبراء الأجانب محقون في ما ذهبوا إليه، لكنهم اصطدموا بما أخبرهم به زملاؤهم اللبنانيون، عن تهلهل البنية التحتية وضعفها. وكي لا نذكر كل المعوقات، سنأتي على واحدة فقط. روى غابريل ديك وهو رئيس جمعية متخصصة في الكومبيوتر أنه منذ عام 1996 يحاول مع آخرين في مهنته تحريك الحكومة دون جدوى. وأكمل قائلا إنه سأل الملياردير اللبناني الأصل كارلوس سليم عندما زار بلاد الأرز: كيف يمكن للبنان أن يصبح حاضرا على الخريطة المعلوماتية، فما كان من الملياردير الشهير إلا أن أجابه: «ابدأوا بتأمين الكهرباء». وتستغرب حين تسمع أن اللبنانيين في هذا المؤتمر، لم يطالبوا الحكومة بمشاريع وإنما بتوفير أرضية وطن يسمح لهم بالعمل والحركة. أما الشكوى الأساسية فإن مبادراتهم بدل أن تشجع تعرقل.
العيون شاخصة إلى محاولات «س. س» لحل مأزق القرار الظني، الذي لا يعرف أحد ما ستكون انعكاساته على الداخل اللبناني. يعرف المتفرجون من الخارج أنه قد يؤدي إلى فتنة، وربما معارك لا تحمد عقباها. أما اللبنانيون، فيعرفون وقلوبهم تحترق، أن النظام السياسي بات أضعف من أن يدافع عن وجوده، والخوف هو من المجهول.
الخبر السعيد الوحيد، وسط غابات الأخبار الرديئة في لبنان، أن 13% فقط من المستطلعين في دراسة «الدولية للمعلومات»، عبروا عن استعدادهم لحمل السلاح، في حال ساءت الأحوال في لبنان، واتجهت نحو الحرب، 67% قالوا إنهم غير مستعدين على الإطلاق لهكذا مغامرة. وهذا هو الأمل الوحيد المتبقي الذي يمكن أن يضيء ظلام اللبنانيين الدامس، في انتظار أن يستفيق السياسيون من غفلتهم المرعبة.
طهران ترحّل "الكعكة الصفراء" إلى إسطنبول
خليل حسين / دار الخليج
لم تتأخر طهران بالرد على الاعتداء الذي تعرّض له عالماها النوويان ومقتل أحدهما، بالإعلان عن تمكنها من إنتاج الكعكة الصفراء، وبالتالي تحكمها بكامل دورة الإنتاج النووي لتشغيل مفاعلاتها . وبصرف النظر عن التوقيت الذي سبق بدء مفاوضات جنيف، فإن الإعلان في الزمان والمكان له من الدلالات الرمزية في سير المفاوضات ما يكفي طهران لإمكانية فرض أجندة متنوعة في جولة إسطنبول القادمة أواخر الشهر المقبل .
لقد استهلك الغرب وإيران معاً، سنة من الوقت المستقطع من عمر الهواجس المتبادلة، للتوصل إلى جولتي مفاوضات جنيف بأقل سقف من التوقعات والآمال، حتى بات الطرفان يبحثان عن مخارج لتوصيف نتائجها والبناء عليها للجولة القادمة . فالتدقيق في ما جرى لا يعدو كونها جولة من جس النبض السياسي بعد أحداث إقليمية ذات دلالات مهمة لأمريكا وغيرها في المنطقة، بدءاً من لبنان مروراً بالعراق وصولاً إلى أفغانستان، بما تختزنه من ملفات معتبرة لجهة الاستثمار عالي الجودة للأمريكيين والإيرانيين على حد سواء، فجاءت الجولتان بمثابة منح الفرص للتفكير بإعادة جدولة الربح والخسارة في هذه الملفات، بكلام آخر إن فرصة الشهرين لمفاوضات إسطنبول القادمة كافية لإعادة النظر في الكثير من الملفات القابلة للصرف السياسي .
وإذا كان المبتغى من إعادة إطلاق المفاوضات له خلفياته وأبعاده الإقليمية، فإن ما يقلق الغرب بشكل عام، عدم تمكنه حتى الآن من إجبار طهران على سلوك محدد في برنامجها النووي، بل وجد نفسه في كل مرة أمام معطيات جديدة تعطي إيران مزيداً من فرص المناورات التفاوضية القابلة للاستخدام، أقله التقني الذي يحتاج مزيداً من الوقت لبلوغه أوضاعاً غير قابلة للتراجع عنها . وعليه فأياً تكن نتائج جولات التفاوض تعتبر نصراً إضافياً لطهران، وهذا ما درجت عليه طهران في جولاتها السابقة .
ففي جنيف، تمكن المفاوض الإيراني من جدولة مواضيع التفاوض، بحيث لم يكن البرنامج النووي بحد ذاته ملفاً وحيداً، بل أضيف عليه مواضيع أخرى ذات صلة سياسية وأمنية إقليمية متعلقة مثلاً بالاعتداء على العالمين النوويين الإيرانيين واتهام “إسرائيل” بذلك واعتراف هذه الأخيرة بذلك لاحقاً، علاوة على موضوع نزع الأسلحة غير التقليدية في منطقة الشرق الأوسط والمعني به “إسرائيل” تحديداً .
كما تمخضت جولتا جنيف عن نتائج متواضعة جداً بالنسبة للدول الست، واكتفت بقبول إشارات إيجابية مفادها إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بعد صولات وجولات التهديد والوعيد التي استمرت سنة كاملة، واضطرت هذه الدول كما في السابق التراجع عن تصوراتها واكتفت بعقوبات مجلس الأمن التي وصفها وزير الخارجية منوشهر متكي، بأنها غير مجدية لثني بلاده عن مشروعها، وأن على الغرب أن ينتظر طويلاً ليرى نتائجها .
في مقابل التعثر الغربي، تمكنت طهران أيضاً من نقل المفاوضات إلى إسطنبول ذات الدلالات الدبلوماسية والسياسية بالنسبة لطهران، فتركيا إضافة إلى البرازيل هي إحدى المراكز التي تتطلع إليها لجهة إشراكها في آليات إيجاد حل للبرنامج النووي الإيراني، على قاعدة تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية . فماذا بعد إعلان طهران عن نضوج كعكتها الصفراء؟
في منطق التفاوض وجداول أعمالها وأساليبها، يعني أن إيران تجاوزت أيضاً مقترح التخصيب خارج أراضيها، وباتت تبحث عن رفع سقف التفاوض القادم في إسطنبول . فإنتاج الكعكة الصفراء يعني في ما يعنيه أنها لم تعد بحاجة للتخصيب الخارجي طالما أنها تمكنت بمفردها من الوصول إليه، وبالتالي من وجهة نظر إيرانية ينبغي البحث عن الوضع الناشئ عن هذا الإنتاج، أقله محاولة الضغط على الغرب للاعتراف بشكل أو بآخر بإيران النووية ولو ضمن ضوابط وشروط مقبولة إيرانياً، فهل ستتمكن من ذلك؟
إن الاستعراض الدقيق لمسار المفاوضات وطرائقها التي دخلت فيها طهران، يثبت قدرتها على التفلّت من أي ضغوط كانت تمارس عليها بفعل العديد من الوسائل، تارة بالاتفاقيات التجارية والمالية مع شبكة واسعة من الدول، وتارة أخرى بوسائل أذرع السياسية الخارجية في غير قضية من قضايا المنطقة، ما مكّنها من بلع وهضم الكثير من مشروعات وقرارات العقوبات التي بدأت مع قانون داماتو الأمريكي في عام 1996 وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الأخير الذي طاول عقوباته مروحة واسعة هدفت المسّ بقدرة النظام على الاستمرار .
في مطلق الأحوال، لا إيران قادرة على الابتعاد عن طاولة المفاوضات، ولو لفترات طويلة، ولا الغرب قادر على ولوج خيارات بعيدة عن المفاوضات، وفي أحسن الأحوال مزيداً من الوقت المستقطع في عمر أزمات المنطقة، فهل ستأتي جولة إسطنبول القادمة مساراً في هذا السياق؟
في الواقع يشكّل التقارب التركي الإيراني في قراءة العديد من ملفات المنطقة، فرصة إضافية لإيران لدفع سلفة قابلة للصرف السياسي إقليمياً ودولياً، إلا أن السؤال الملح يكمن في قدرة الطرفين الإيراني والغربي على المضي لعقد آخر في هذه السياقات . لقد تمكنت إيران الانتقال من حياكة السجاد النووي إلى صناعة الكعك الأصفر، علها في ذلك تروي غليلها من الضحكة الصفراء التي أطلقتها “إسرائيل” باغتيال أحد علمائها النوويين .
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
لبنان من الذاكرة ومن الواقع
مقال الكاتب عبد العزيز المقالح
* دار الخليج
كنت في بيروت لأول مرة في أغسطس/ آب 1965م، عضواً في وفد لشرح ما تعاني منه الثورة اليمنية الوليدة من عدوان خارجي متعدد الأطراف . وكان الوفد برئاسة نائب رئيس الجمهورية الفريق حسن العمري وعضوية نائب رئيس الوزراء القاضي عبدالرحمن الإرياني، ووزير الخارجية الدكتور حسن مكي وآخرين . كان الرئيس اللبناني، يومئذ، شارل الحلو، وهو رجل مثقف ومهذب إلى أبعد مدى، وقد أعلن للوفد اليمني بكل وضوح أنه مع الثورة اليمنية قلباً وقالباً فقد أخرجت الثورة شعباً عربياً من رماد العصور، مضيفاً أن ذلك ليس شعوره وحده بل هو شعور كل اللبنانيين بمن فيهم بعض الصحفيين الذين يرتزقون من بعض الأطراف المعادية للثورة . ومن أهم ما قاله الرئيس شارل الحلو إن لبنان بحكم ظروفه لا يقف إلى جانب قطر عربي في وجه قطر عربي آخر، وتركيبته الطائفية تفرض عليه الحرص على ألا يغضب أشقاءه العرب في اليمين أو اليسار، وأن لبنان يرفض أن يتدخل في شأن أحد أو أن يتدخل أحد في شؤونه . وقد ظلت تلك هي صورة موقف لبنان السياسي الذي لم يتغير حتى الآن .
صحيح أن متغيرات كثيرة وكبيرة قد حدثت، وأن لبنان المحايد، واحة الديمقراطية الأولى قد انزلق بعض الشيء، واندفع بعض أبنائه إلى إخراجه من تلك الدائرة، إلا أن الأحداث الكبيرة تؤكد أنه ما زال محتفظاً بذلك القدر من الحياد الإيجابي تجاه الأقطار العربية القريب منها والبعيد، وإن حدث ما يخالف ذلك فهو في إطار فئة معينة وليس كل لبنان الذي كان قد اختار هذا الموقف المحايد إلا من موقفه الذي لا يعرف الحياد مع العدو “الإسرائيلي” الذي كانت عينه ولا تزال على الأرض اللبنانية، بعد أن استولى بالقوة على فلسطين . وكم أحزنني وأحزن الملايين من أبناء الأمة العربية أن يرتمي هذا البلد الجميل في حرب أهلية استعر أوارها على مدى خمسة عشر عاماً من دون سبب معقول أو هدف شريف، وكادت تنجح في تقطيع أواصر الأخوة الوطنية العروبية التي جمعت اللبنانيين عبر العصور على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية، وشكلوا إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي نموذجاً للتعايش والتسامح، وظلت بيروت في محيطها القومي عاصمة للثقافة العربية ومصدر إشعاع معرفي لا ينضب .
والآن كم يحزنني، ويحزن الملايين أيضاً من أبناء الأمة العربية في مشرق الوطن الكبير ومغربه ما تتناقله الأنباء عن الاستعدادات القائمة لحرب أهلية جديدة تقرّ بها عين العدو التاريخي، وتطمئن إليها نفسه، ويثبت من خلالها للعالم أن العرب على استعداد دائم لأن يأكلوا بعضهم ويقوموا بالانتقام من أنفسهم نيابة عن عدوهم الذي سلب الأرض وكان ولا يزال يطمع في المزيد . والملاحظ أنه في الأجواء المحمومة الساخنة يفقد الإنسان السوي توازنه ولا يبقى للضمير مكان أو للأخوة تأثير . وتكون السيادة المطلقة لمنطق الثأر والانتقام . وتأتي الفرصة للقوى الضالعة والمتربصة لتلعب دورها القذر في إذكاء نبران الصراع وإعادة المتاريس إلى الشوارع، ولا يعود الناس يسمعون صوت فيروز ووديع الصافي وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وإنما صوت القذائف وصرخات البكاء على الموتى وأنين الجرحى .
وإحساسي الذي لا يكذبني يؤكد أن ذلك لن يكون، وأن الحكمة ستكون الدليل وطوق النجاة للجميع مهما اشتدت الرياح وزأرت العواصف .
[align=center]لمن يقرع الجرس في البحرين؟
مشاري الذايدي
* العربيـة.نت[/align]
[align=center]بعيدا - وقريبا في الوقت نفسه - عن مصر، يجب التوقف عند ما يجري في البحرين هذه الأيام.
في البحرين هناك ميدان آخر يراد أن يكون نسخة من ميدان التحرير في القاهرة، نصبت في وسطه الخيام وأقام المحتجون فيه، ورفعوا الهتافات، وسقط منهم ضحايا إثر المواجهات مع الأمن، ليتحول الأمر بعد وجود «دم» في المسألة إلى حالة من التصعيد في المطالب، ويصبح الشعار، بعد أن كان الإصلاح، هو التغيير. لتتباين حدود هذا التغيير من جمعية الوفاق ذات الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان إلى جماعات المعارضة في الخارج، مثل جماعة حق أو أحرار البحرين التي تريد ما هو أكثر من إصلاح النظام.
ما يجري في البحرين خطير جدا، يجب التعامل معه بقدر كبير من الخيال السياسي الخلاق مع وجود حزم صلب و«عاقل»، فليست القوة وحدها هي الحل، هي جزء من الحل، لكن الحل الحقيقي يكون دائما سياسيا وتوافقيا.
يسجل لملك البحرين حمد بن عيسى أنه بعد فترة وجيزة من توليه الحكم أجرى الإصلاح السياسي الكبير سنة 2001، وأحدث انفراجا كبيرا لدى المعارضة البحرينية، وجلها مكون من تيارات شيعية مسيّسة. فهو الذي أعاد العمل بالدستور، وجرت انتخابات على قدر كبير من الجودة في البرلمان، وانفتحت حرية الصحافة، وهذا بشهادة كثير من رموز المعارضة. هل يعني هذا أن القطار يجب أن يتوقف عند هذا الحد؟ لا، طبعا. ولكن المعارضة البحرينية الداخلية شيء، وأن يتم استنساخ الحكاية المصرية والتونسية في بلد يقع على فوهة البركان الطائفي في الخليج شيء آخر، خصوصا مع احتدام الصراع الإقليمي مع إيران. وهذا لا يلغي مشروعية وربما مدنية «بعض» المعارضة البحرينية كما يؤكد زعيم جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان.
مرة أخرى، الوضع خطير على مستوى الخليج. صحيح أن البحرين ليست جديدة على هذا النوع من المعارضة الحادة والشرسة في الشارع، كما يشير - لـ«بي بي سي» البريطانية - جالا رياني، محلل شؤون الشرق الأوسط في مجلة «جينس» الأسبوعية المتخصصة بالشؤون الدفاعية، لكن يبدو أن الأمور هذه المرة تمتلك سياقا جديدا لها.
لا ندري أين صوت ودور مجلس التعاون الخليجي الآن، بعد هذه الخضات الكبيرة؛ لدينا إيران المنقضة على الإقليم، ولدينا عراق يمور بالتوتر الطائفي، ولدينا يمن على شفير الفوضى، ولدينا مصر لا ندري إلى أين تذهب في سياساتها الخارجية، ولدينا لبنان منخور، ولدينا شام متحالف مع إيران، والآن لدينا بحرين يراد لها - من قبل البعض لا الكل - أن تقتلع لؤلؤتها من عقد الخليج العربي.
الأمر أكبر من مجرد معارضة ومطالب مدنية مشروعة. ونعم لدى الناس مشكلات ومظالم حقيقية في البحرين، وفي غيرها، وعلى السلطات - أي سلطات في العالم العربي - أن تتجاوب مع مطالب شعبها المحقة. ولكن ما يجري الآن، في جانب منه، فوضى إقليمية، وفي غبار هذه الفوضى هناك من يريد أن يفرض وقائع جديدة على الأرض، تغير معادلات القوة في الإقليم.
الدرس هو أنه لم يعد هناك فرق كبير بين الداخل والخارج، ما يحدث في ميادين المدن العربية يهم العالم كله، هل هذا جيد أم سيئ بالنسبة لصانع القرار؟ ليس مهما الجواب، ولكن المهم أن هذا هو الواقع، وهكذا يجب التعامل معه، أما البرود أو الإهمال فهو الوصفة المثالية للفوضى المفاجئة.[/align]
[align=center]بين الجماهير و"الجماهيرية"
سعــد محيـــو
* دار الخليــج
[/align]
[align=center]58..._370859031.jpg
[/align]
[align=center]السلطات الليبية لم تكن تمزح أو تزايد قبل أيام، حين اتّهمت المتظاهرين بأنهم “خونة” و”مجرد أوراق خريف متساقطة” .
لا بل بدا من الخطاب الإعلامي المشتعل الذي أطلقته السلطات، أنها تشعر بأنها طعنت من الخلف، وأن الشعب الذي أرادت له أن يكون هو كل السلطة، ها هو يدير ظهره بنفسه لهذه السلطة نفسها .
طرابلس الرسمية ظنّت حتى ماقبل الانتفاضة الأخيرة أنها حوّلت ليبيا إلى نموذج عالمي ل”ديمقراطية جماهيرية” لم يسبق لها مثيل في التاريخ . ولذا، فإن فجيعتها تبدو حقيقية وكاملة وترقى (بالنسبة إليها على الأقل) إلى مستوى المأساة الإغريقية الكاملة . فإذا كان النظام المصري السابق بقي حتى اللحظة الأخيرة غير مصدّق أن شعبه بكل تراثه العريق، قادر على صنع الثورات الشعبية، فإن النظام الليبي “لايستطيع” أن يصدّق بأن الشعب الليبي يمكن أن يصنع ثورة ضده .
لماذا؟ لأن هذا يعني (ومرة أخرى بالنسبة إلى طرابلس الرسمية)، ثورة الشعب ضد نفسه وعلى نفسه . والكتاب الأخضر بمجلداته الثلاثة الصغيرة، شاهد على ذلك، إذ إن المجلد الأول قدّم “حلاً نهائياً” لمسألة السلطة السياسية والديمقراطية، حين نقل كل الحكم التشريعي والتنفيذي إلى اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية، في إطار ديمقراطية مباشرة تحاكي تلك التي كان يحلم بها الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو والحركة الفوضوية الاشتراكية الأوروبية . والمجلد الثاني وفّر “حلاً نهائياً” آخر للمشكلة الاقتصادية حين اعتبر أن الشخص لايكون حراً إذا لم يكن مسيطراً على ما يحتاج إليه، فيمتلك سيارة ومنزلاً ودخلاً ثابتاً . والمجلد الثالث تضمن النظرية العالمية الثالثة التي جعلت الشعب الليبي الصغير (6 ملايين نسمة موزعين على مليون و800 ألف كيلومتر مربع)، قائد 6 مليارات بشري نحو الحل الجماهيري النهائي .
طرابلس الرسمية تتساءل الآن على الأرجح: هل يمكن لشعبي الذي جعلته عظيماً في إطار “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، أن يتخلى عن كل هذه المكاسب العظيمة؟
حسناً، المشكلة أن الشعب لايريد بالفعل هذه المكاسب لأنه أصلاً لا يعدها مكاسب، ويشعر وكأن السلطة الجماهيرية موجودة في كوكب آخر أقرب إلى المريخ منه إلى الأرض .
فمركز “فريدام هاوس” (بيت الحرية)، صنّف ليبيا على أنها أكثر الأنظمة العربية استبداداً وسلطوية وأقلها حرية . والمؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن نسبة البطالة بين الشباب (الذين يشكّلون نحو 60 في المئة من الشعب)، تبلغ 30 في المئة، وأن 8 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر في دولة تعج بالثروات النفطية . والأخطر، أن النظام مارس التمييز في التنمية بين مقاطعات ليبيا الرئيسة الثلاث طرابلس وبرقة وفزان .
هذه النقطة الأخيرة، أي التمييز، قد تكون الأخطر الآن، إذ يجب ألا ننسى هنا أن ليبيا في الأربعينات لم تكن موحدّة بل كانت مقاطعاتها الثلاث تحت سيطرة إيطالية وفرنسية وبريطانية . وحتى حين توحّدت البلاد في العام ،1951 فهي فعلت ذلك في إطار نظام فيدرالي تمتعت فيه هذه المقاطعات بسلطات لامركزية واسعة تحت اسم “المملكة الليبية المتحدة” بقيادة إدريس السنوسي .
ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أنه ما لم يتوافر مخرج دستوري ديمقراطي سريع من أزمة البلاد، فإن ليبيا قد لا تبقى كما هي، وحينها، ستتساقط أوراق الخريف بالفعل .[/align]
~
~~~
يعطــــــــيج الع ـــــــآآآفيه أختـــيه ْ رذآآآآذ ْ .... تســــلم إيــــ دج كًـــفيتــي ووفـــيتــي
الله يحــــفظج من كًـــل شــر
~~~
~
http://www.mooode.com/data/media/275/5thanks_5.gif
شاكـرة حضورك بين المقالات ،
دمت بخير،
[align=center]درعا .. ربيع الدم السوري
كامل النصيرات
* الدستـور الاردينـة[/align]
[align=center]http://im2.gulfup.com/2011-03-22/1300779742591.jpg
[/align]
[align=center]
أعترف واعترافي هذا متأخر ..انني كلما عقدتُ اجتماعاً مغلقاً مع نفسي وأخذتُ و أعطيتُ معها من أجل إقناعها في الكتابة في الشأن السوري : تخاصمتُ مع نفسي: ليس لأن النظام السوري له عندي جيوش من المشاعر تدافع عنه : بل خوفاً من أمرين لا ثالث لهما : أولاً من أؤلئك الذين يتربصون بكل من يذكر النظام السوري بسوء وكأنه (نبي معصوم) ..و السبب الثاني من زوجتي التي تذكرني دائماً بقولها : والله غير تحرمنا الروحة على سوريا ..ومن يوم تزوجتها إلى الآن و نحن لم نفكر للحظة بالذهاب إلى سوريا و لم تُدرج على جدول (الويك إند) ..
لذا : فإنني أستجمع قواي و أغمض عينيّ غير آبه بمن سيتشدق ضدي و يكيل لي الاتهامات الجاهزة : و سألقي بأحلام زوجتي في الذهاب إلى سوريا عُرض ألف حائط و حائط و أقول : إن درعا هي الآن حاملة الشعلة في ليل سوريا البهيم ..ولعل الشعب السوري هو من الشعوب القليلة على وجه الأرض المطلوب منه أن يدافع عن النظام بشراسة وهو بكامل الخوف من عواقب أن دفاعه عن النظام لم يكن كما يجب ..
حركة الشعوب الآن غير أيام الانقلابات ..الشعوب الآن تقود استقلالها الثاني بنفسها ..فالاستقلال الأول كان ضد المستعمر : أما الاستقلال الثاني فهو ضد أصنام الاستعمار ..وقد أدركت هذه الشعوب أن فتح مكّة لن يكون فتحاً إلا بعد تحطيم الأصنام و توجيه الكلام لكل أزلام النظام بأن (من ألقى سلاحه فهو آمن ..ومن دخل بيت ثائر فهو آمن..) ..
درعا الآن ترسم المشهد السوري من جديد ..ولن يكون الأمر سهلاً ....
المفاصلة بدأت من درعا ..ولم يتبقَ إلا أن تضع تلك المفاصلة نفسها على كل أرض سوريا ..وما ذاك ببعيد ..ولكن البعيد حقيقة هو ذهابي أو ذهاب زوجتي أو حتى أي حدا يعرفني إلى سوريا قبل أن تنتهي المفاصلة ولصالح الشعب السوري..[/align]
[align=center]سقط جدار الخوف
اليــاس خــوري
* القـدس العـربـي[/align]
[align=center]منذ ثلاثة أشهر والعالم العربي من مغربه الى مشرقه يعيش عصفاً ثورياً لا سابق له. فجأة بدأت الأنظمة الديكتاتورية تتهاوى. انطلقت صيحة الحرية من جسد يحترق في سيدي بو زيد في تونس، لتشتعل القارة العربية بأسرها. سقط بن علي وتهاوى مبارك، القذافي يترنّح، وعلي عبد الله الصالح يبحث عن مخرج. البحرين اشتعلت ودخلتها جيوش القمع السعودية، وفي الجزائر والمغرب بدأت نار التغيير. الملكيات مذعورة، من عماّن التي تتظاهر، الى الرياض التي يعتقد مليكها انه يستطيع بالرشوة ان يعبر كأس التغيير!
فجأة تهاوى نظام عربي كامل أخذ العرب الى هاوية الخمول والضِعة، واسس لتقاليد قمعية متمادية، من قوانين الطوارىء الى خطف الناس واعتقالهم، ومن كمّ الأفواه وابادة الحريات العامة، الى الغاء النقابات والأحزاب السياسية، بحيث صارت المجتمعات العربية مسوّرة بالصمت، وفقد الناس كراماتهم الفردية والجماعية.
النظام السوري لا يشذّ عن هذه القاعدة العامة، بل ربما كان الأكثر فتكاً وترويعاً، يلعب مع شعبه لعبة الخوف والتخويف، ويحتمي من التغيير عبر تحالفات معقّدة تبدأ بدعم المقاومة وتنتهي بالالتزام الدقيق بالاتفاقات مع اسرائيل. بحيث يخال المراقب ان لا وجود لأرض سورية محتلة، وان النظام السوري لا همّ له سوى دعم تحرير لبنان وفلسطين!
لعبة بالغة التعقيد تبني اسواراً من الحمايات من حول النظام، من التحالف السوري- السعودي الى التحالف السوري- الايراني، وصولا الى علاقة ممتازة مع تركيا.
تركيبة معقّدة، اسست لنظام راسخ استطاع تمرير قطوع التوريث بأقل الخسائر الممكنة، ونجح في الامساك دائماً بالعصا الاقليمية من وسطها.
لكن ما فات العائلة الحاكمة السورية تبصّره هو ان الزمن انقلب. الزمن الذي كان فيه النظام يجتاح حماة، بالقوات الخاصة التي صنعت واحدة من اكثر مذابح زمننا هولاً، بينما يتابع خطابه القومي الذي صعد على الدم الفلسطيني واللبناني المسفوك في تل الزعتر، هذا الزمن انطوى الى الأبد.
ما لم تستوعبه الآلة الأمنية الحاكمة ان زمن الخوف قد ولّى، لقد سقط جدار الصمت عندما اطلق المناضل الكبير رياض الترك صيحته من اعماق سجنه المديد، معلناً سقوط مملكة الخوف. الشعب السوري يريد الحرية والكرامة والعدالة، وضاق ذرعا بالمفسدين والفاسدين، وزمن هيمنة الرعب يجب ان يزول.
غريب امر حكّام هذه اللحظة العربية، يقلّدون بعضهم البعض، يوزعون المال ويعدون بالاصلاح، معتقدين ان الشعب يصدّقهم، وانهم يستطيعون بَلْف الناس مرة جديدة.
عندما وقف بن علي في الليلة الأخيرة من حكمه، ليخاطب التونسيين بأنه فهمهم، فهمنا ان الرجل لم يفهم شيئاً. وهذا ما فعله حسني مبارك. اما القذافي فانه لم يكن يريد ان يفهم، ولم يدعِّ انه فهم. بدأ المجزرة منذ اليوم الأول، لأنه تعوّد على احتقار الشعب.
لا ادري ماذا ستكون خيارات الرئيس السوري بشّار الأسد، هل سيفهم على طريقة بن علي، ام سيطلق النار على طريقة السفّاح الليبي.
اغلب الظن انه سيلجأ الى التكتيكين معاً، وهذا ما شهدته درعا، التي كان لها شرف اطلاق شرارة الثورة السورية. اطلاق نار وقتل من جهة ووعود من جهة ثانية.
لقد اثبت الشعب السوري انه شعب حكيم، فالشعب يعرف فداحة الجريمة التي قد تكون في انتظاره، لذا افسح للنظام فترة ثلاثة اشهر كي يتعظ بما يجري من ثورات في العالم العربي، ويبدأ في فك القيود عن الشعب. لكن احدى خصائص الأنظمة الديكتاتورية انها تصاب بالعماء والطرش حين يتعلق الأمر بها. فالديكتاتور ليس محاطاً سوى بالمرايا التي تعكس صورته، ولا يستمع الا الى اصوات المتزلفين والمستفيدين. لذا يفقد قدرته على فهم رياح الزمن.
ميزة الديكتاتوريات انها لا تعترف بوجود الزمن. كلنا يذكر تلك اليافطات التي كانت ترتفع كي تقول 'رئيسنا الى الأبد حافظ الأسد'. تكشف هذه العبارة معنى العلاقة بالزمن، ولا يمكن فهمها الا في سياق رفض الاعتراف بالتاريخ، والدخول في ابدية الجمود. لكن ما استعصى على ادراكي هو تلك اليافطة التي ارتفعت على احد مداخل طرابلس في الشمال اللبناني والتي تقول 'الى الأبد والى ما بعد الأبد'، وكان ذلك بالطبع زمن الوصاية السورية على لبنان. اعترف انني لحظة قراءتي لهذه اليافطة شعرت بأنني لم اعد أفهم، وبأن الهذيان استولى على الكلام.
فالاستبداد لا يكتفي بعدم الاعتراف بوجود الزمن، بل يحتقره ويدّعي انه يستطيع البقاء الى ما بعده!
الشعب السوري الذي جعل من عاصمته دمشق-الشام، قلب العرب ونبضهم، صبر واحتمل كثيراً. وكان صبره جزءاً من زمن الركود الذي عاشه العالم العربي خلال العقود الأربعة الماضية.
لكن حين ينتفض العرب في كل مكان، وحين تؤسس مصر ميدان تحريرها، وحين تهب رياح الحرية، فلا يعقل ان تبقى سورية مملكة الصمت والحزب الواحد وقانون الطوارىء وسحق الحريات العامة والخاصة.
لذا 'طلعت من صوب سورية الجنوب'، كما غنت فيروز يوماً. من الجنوب، من حوران، من خصوبة الأرض بالقمح والحرية، من بلاد الثورة السورية الكبرى، من درعا، بدأت رحلة الشعب السوري الى الحرية.
لا ليست فتنة طائفية ولن تكون، مثلما ادّعت السيدة بثينة شعبان، فإذا كانت الاشارة الى الطائفية على لسان المستشارة هي شكل من اشكال التهديد بها، فان الشعب السوري، يعرف من تجربته ان اللعبة الطائفية هي وسيلة النظام من اجل سحق جميع الطوائف، وان الكلام عن هيمنة العلويين ليس سوى وسيلة لتغطية حكم المافيا العائلية.
الشعب السوري بمختلف اطيافه، من عرب وكرد، وبمختلف طوائفه من مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروز هو الضحية، ولعبة التحريض الطائفي قد تطيل في عمر النظام قليلاً لكنها لا تستطيع ان تنقذه من عصف الحرية الذي يجتاح سورية من جنوبها الى شمالها.
في دمشق، سوف يزهر ياسمين ربيع العرب، وعلى ذرى قاسيون سوف يستعيد الشعب السوري حريته.
قلب العروبة النابض هي اليوم في قلوب كل العرب. فإذا كانت مصر هي مركز المشرق العربي، فان الشام هي روحه.
وحين تنتفض الروح تبدأ الحرية.[/align]
في ذكرى القرار بتقسيم فلسطين
عوني فرسخ
* دار الخليــج
حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 بتقسيم فلسطين في 29/11/،1947 كان لدى “الوكالة اليهودية” كامل مؤسسات الدولة بما في ذلك جيش يضم ستين ألف شاب وفتاة جيدي التدريب والتسليح وصناعة سلاح متقدمة، بما لقيته زمن الانتداب من دعم بريطانيا ورعاية عصبة الأمم وتمويل الجاليات اليهودية الأوروبية والأمريكية . فضلاً عن التقاء المعسكرين الرأسمالي والشيوعي على مدها بالسلاح والخبراء العسكريين من يهود المعسكرين، بحيث بدت حائزة مقومات امتلاك المبادرة الاستراتيجية في المشرق العربي . ويومها رقص الصهاينة في نيويورك والقدس هاتفين “ملكنا أرض “إسرائيل”” . وبالمقابل كانت أنظمة جامعة الدول العربية فاقدة المنعة تجاه المداخلات الخارجية وبين قادة أركانها من يعلنون عدم امتلاك جيوشهم الناشئة قدرة منع تنفيذ القرار . ولا أدل على بؤس الواقع العربي حينها من تولي الجنرال غلوب البريطاني قيادة القوات النظامية العربية المشاركة في حرب 1948 .
وبعد أربعة وستين عاماً من صدور القرار 181 يبدي العديد من القادة الصهاينة القلق تحسباً من تداعيات الربيع العربي، بينما تتفاقم حدة الصراعات الاجتماعية في الكيان، ويتسع إطار مفكريه المدركين عمق أزمته الوجودية . برغم كل ما حققه في تعظيم إمكاناته المادية وقدراته البشرية وتفوقه العسكري وتقدمه العلمي وعلاقاته الدولية، ما يشير إلى أن الزمن لم يسر وفق آمال وطموحات من رقصوا في نيويورك والقدس قبل احتلالها سنة 1947 .
وفي تقديرنا أن افتقاد الصهاينة لنشوة النصر وتعاظم القلق في أوساطهم يعودان إلى ما شهدته السنوات الأربع والستون الماضية من تطور نوعي في قدرات وأداء القوى العربية الملتزمة بالممانعة والمقاومة خياراً استراتيجياً، وتحول الموقف من الصراع العربي الصهيوني لدى المعسكر الاشتراكي وحلفاء “إسرائيل” الإقليميين من ناحية ثانية .
وفيما يلي استعراض لأبرز المتغيرات والمستجدات التي دفعت يوري أفنيري إلى أن يكتب في “بالستاين كرونيكل” خريف 2003 ما نصه: “لقد عدنا إلى الغيتو، وها نحن يهود فقراء خائفون، حتى ونحن نرتدي الزي العسكري، حتى ونحن مدججون بالسلاح، حتى ونحن نمتلك الدبابات والطائرات والخيار النووي” .
ففي أعقاب توقيع مصر والأردن وسوريا ولبنان اتفاقيات الهدنة سنة ،1949 وما بدا من استعداد بعض قادتها للصلح مع العدو على أساس الأمر الواقع، شكل إجماع اللاجئين على رفض التوطين والإصرار على التحرير والعودة، الصخرة التي تحطمت عليها تلك المحاولات، وكل محاولة تالية لتصفية الصراع التاريخي وفق اشتراطات الإدارات الأمريكية راعية المشروع الصهيوني .
وبالصمود في أرض الوطن، والتصدي الشجاع للممارسات العنصرية الصهيونية، تنامى وعي الصامدين في الأرض المحتلة سنة ،1948 وتطورت كفاءتهم في الدفاع عن حقوقهم المشروعة، بحيث غدوا يشكلون خطراً ديموغرافياً على التجمع الاستيطاني العنصري، وتهديداً واقعياً لأسطورة “الدولة اليهودية” . فضلاً عن إسهامهم المتنامي في فضح زيف الادعاء بأن “إسرائيل” واحة الديمقراطية في المنطقة .
وباستعادة مصر فعاليتها القومية بفعل ثورة 23 يوليو/ تموز، 1952 بقيادة عبدالناصر، استقطبت حركات التحرر العالم ثالثية، واحتلت دوراً قيادياً في حركة عدم الانحياز . وفي باندونغ سنة 1955 نجح عبدالناصر في عزل “إسرائيل” كأداة استعمارية مغتصبة حقوق شعب فلسطين . فضلاً عن تفاعله المتنامي مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، بعد ما شهده المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي سنة 1954 من تحول باتجاه التعاون مع الحركات الوطنية والقومية الآسيوية والإفريقية، وما أعقبه من تحول دراماتيكي في الموقف من الصراع العربي الصهيوني، كانت باكورته عقد صفقة السلاح التشيكية سنة 1955 .
وبالعمل الفدائي انتزع شعب فلسطين الاعتراف الدولي بكيانه الوطني، فيما حالت انتفاضة جماهير مصر وأمتها العربية رافضة استقالة عبدالناصر دون تحقيق الأهداف السياسية لعدوان ،1967 فضلاً عن أنها مكّنت عبدالناصر من تطهير الجيش وإعادة بنائه، ومباشرة حرب الاستنزاف، الحرب الأولى التي خسرتها “إسرائيل”، ولم تكسب بعدها أي حرب فرضتها على جوارها العربي .
وبانتفاضة أطفال الحجارة سنة ،1987 أحدث فتيان وفتيات فلسطين نقلة نوعية في الصراع بجعل الأرض المحتلة مسرحه الأول، بعد أن كان محيطها العربي هو المسرح . وبالتالي غدا التجمع الاستيطاني الصهيوني يعاني الشعور بعدم الأمن والأمان، فيما تحررت من الشعور بذلك دول الطوق العربية بفعل تطور أداء المقاومة في عمق الأرض المحتلة ومحيطها .
وبسقوط شاه إيران سنة 1979 لم تخسر “إسرائيل” حليفاً استراتيجياً فحسب، وإنما قام في مشرقها عدو رافض وجودها عقائدياً . وبتراجع دور عسكر تركيا لمصلحة القوى الإسلامية، تراجعت إمكانية رهانها على الحليف التركي وإن احتفظ بروابطه معها، فيما غدا الحليف الإثيوبي شبه مستغرق بصراعات القرن الإفريقي .
وبعد أن طهرت المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، الجنوب من دنس الاحتلال في مايو/ أيار 2000 انتهت إلى الأبد طموحات التمدد الصهيوني خارج فلسطين المحتلة . بل ورميت إلى مزبلة التاريخ أسطورة “حدودك يا “إسرائيل” من الفرات إلى النيل” . وهذا ما أقره الصهاينة عملياً ببنائهم جدار الفصل العنصري في عمق الضفة الغربية .
وعلى مدى العالم يتزايد مناصرو حقوق شعب فلسطين، ورافضو العنصرية الصهيونية، في أوساط مناهضي الرأسمالية المتوحشة حاضنة المشروع الصهيوني . وفي توالي محاولات كسر حصار قطاع غزة، كما في حرق علم “إسرائيل” في نيويورك، عاصمة اليهودية العالمية، دلالة تعاظم إدراك قوى التحرر والعدالة والديمقراطية في العالم بأن نضالها ضد الاستغلال والاستبداد لا يكتمل إلا بالانتصار لشعب فلسطين في صراعه التاريخي مع آخر مشروعات الاستعمار والعنصرية التي أسقطتها شعوب الأرض .
صحيح أن “إسرائيل” لماتزل تحتل الأرض العربية، وليس في الأفق المنظور قوة عربية مؤهلة لحسم الصراع مع الإمبريالية وأداتها الصهيونية . غير أن الصحيح كذلك أن قوى الممانعة والمقاومة العربية أسقطت أساطير التفوق الصهيوني، وأفقدت “إسرائيل” قوة ردعها، وحولتها من رصيد استراتيجي لرعاتها على جانبي الأطلسي إلى عبء تاريخي تنوء بثقله شعوبهم .
وهذا ما يتجاهله المسكونون بثقافة الهزيمة الذين لا يذكرون من حقائق الصراع سوى القصور العربي في توظيف الإمكانات المتاحة والقدرات المتوافرة في معركة المصير . وهو قصور ما كان ليتواصل منذ صدور قرار التقسيم لولا أن الغاية الاستعمارية المستهدفة من إقامة “إسرائيل” منع الوحدة العربية، والإبقاء على واقع التجزئة والتخلف والتبعية . وبالتالي فكل المستفيدين من هذا الواقع لا يتناقضون عدائياً مع “إسرائيل” وليس التصدي الجاد لوجودها في مقدمة اهتماماتهم .