-
₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
الكاتــب العراقــي المتألـــق
جمعــــة اللامـــي
أسلط لكم الضــوء لأروع ما خطه مداده،،
نصوص رائعة مقالات ساحــرة وأعمال قصصية وروائيــة أروع،،
لا تدعوا الرحلــة تفوفتكم،،
وحدي حملت جسدي
وحدي سأحمل تابوتي
وحدي سأصرخ في برية روحي
أنا مجنونك الأخير
( جمعة اللامي )
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
من كتــاب
من قتل حكمة الشامي
قصـــــة
امرأة في خطوات رجل قتيل
في جو الغرفة المشحونة بالهمس ووجيب القلوب التعبى، كان الليل يستطيل ويستطيل، وهي كقطة حذرة تمتد لصقي، وأنا رجل أبحث عن الخلاص في المتاعب ومحاسبة التاريخ. أنا رجل أنهكني الجري والتطواف في مفازات الصحارى فلجأت إلى غرفة في طرف من أطراف مدينة الخوف والعذاب أبيع الحب والتجربة للناس وللدود ولسريري. قلت إنها ممددة لصقي ولا شيء أعرفه عنها. كل ما أذكره أنني رأيت وجهها عندما كنت أحارب بسيف عبد الرحمن الداخل، وأمتطي جواداً عربياً تهزأ أعرافه بالويل والعاصفات.
أغمضت – الآن- عينيها فبدت كالنائمة، غير أني أعرف أنها لا يمكن أن تنام، فمنذ أيام وهي تراقبني بطريقة الأسئلة. أردت أن أخبرها بعذاب الليالي الموغلة في جذور القضية، لكني صمت في النهاية فقد كنت أعرف –الآن- أية حالة تتلبسها.
فتحت جفنيها وحركت عنقها الحلو.. فبانت كم هي مشتهاة..!
- لم تنم؟
- كانت الحكاية بسيطة جداً. لقد أردت.. هكذا..
- كنت أفكر: الإنسان ما يود.
- وما كان مني إلا أن لويت عنان الجواد. وعادوا إلى حائط مبكاهم. كانوا فلاحين..
- التفكير.. حسنة.. على ما أظن..
- لم أفكر بهم.. كانت التفاحات في أعلى الشجرة.. والشجرة بها سوس.. من الداخل.. من الداخل.. من.. آخ.
- قلت في نفسي.. إنه ما زال يفكر بي.
- لقد أخطأوا.. والشجرة ظلت بلا لحاء.. آه.. إني مريض.
لاحظت.. العمل الخاطىء يولد من التفكير الخاطىء..
لم أكن أدري متى أطبقت جفنيها.. ولما رأيت إليها وجدتها نائمة.. وكانت شفتاها منفرجتين قليلاً وثمة التماع أقحواني يزهر على شفتها السفلى: فكم كانت مشتهاة!
وكان الليل يستطيل ويستطيل ويتلوى ويمتد كنفق طويل بلا بداية ولا نهاية، والأسئلة بديل لعهود الصمت والإذعان.. فأي موت ينتظرني على الطرقات؟ والجواد العربي الأصيل نفق مع من نفق من الحمير والبغال والخيل مع أول موجة وافدة من وباء داء الخيل حطت رحالها قرب أسوار بغداد أخيراً.. فأي موت ينتظر الفرسان على الطرقات؟
أما السيف فقد عمل عمله ثم طلب الراحة وقال لي وهو يلهث من الإعياء والأسى.. أنت محارب غير مغلول اليدين بأصفاد كافرة فهبني للبحر.. وقفت على الساحل.. كان السيف يبكي بصوت جريح عندما سقط في الماء.. فأي حزن يتركه فيكم غرق السيوف..؟
وكانت تسألني إذ يقبل الليل:
- أكنت تكلم السيوف؟
- قال السيف.. إن الخطأ.. الخطأ.
- حرفة حلوة.. كلام السيوف!
- ولم تعد أية جدوى للأسف.. فالموت اقترب.. والمسألة أقرب من حبل الوريد..
كانت تنام بلا حركة، إلا أنها ظلت في اتقاد حاد بان في دائرتي حدقتيها السوداوين، فالموت المزروع على الارصفة يجعلها تبحث عندي عن سيف جديد.. ولأني لا أعرف الأوهام.. أتعلق بنفسي فقط وأهجر التاريخ والمسافة.. أما هي فلا تعرف سوى كلمات الوعود وليس الذنب ذنبها فقد برئت كامرأة عاهرة.
- قل لي.. أتكره فرسان الداخل؟
- الموت اقترب..
- لكنهم طيبون!
- الموت هو النهاية.. من لي بالسيف أكلمه.. الشجرة..
- عدني!
- حتى نفسي سأهجرها.. ما الفارس وثيقة!
واستمرت تنام بلا حركة، وأنا رجل أبحث عن رهط عبد الرحمن الداخل.. فالرجل غرق في الفرات مع الكتب التي صبغت ألوان بيتنا بعفونة المرض.. أما الرهط فقد ظل يدور في مكاتب المدينة المهجورة، ولما لم يجد غير الدود عاد الى حانات المدينة وشرب الكحول المغشوشة.
لكن السيف الذي انتحر والمهر الذي نفق يثيران في نفسي بعض الأسئلة:
- قولي لي.. لو أنك أنا.. ما تعملين؟
- أجرِّب..
- وإذا وجدت أنك في زقاق مسدود؟
- أجرِّب أيضاً!
- وإذا قتلتك التجربة؟
- قد.. قد..
- حسناً كفى..
كانت نائمة والغضب ينضح من وجهها فعلمت أنها تعاني تمزقاً حاداً:
- كلمي عقلك وقلبك..
لم تجب.. عضت شفتها السفلى.. ثم التوت قليلاً فلكزني ثديها وشعرت بحرارة امرأة شهية..
- أتحبني؟
- أنا أبحث عن الخلاص في المتاعب.. والحب متاعب..
- أنا متعبة..
- أنا متعب..
- أحبك.. وأحب فرسان الداخل وثيقة الانصاف: أتذكرها؟
- تستطيعين أن تكوني أي شيء عندما تتصرفين كذلك.. أنا لا أعظ.
- قبلني.. قبلني.
ويتناثر الأقحوان عند تبادل الرضاب، فأية متاعب هذه، وتحمحم طوال مفرق ظهري الجياد. ويشيلني الصهيل، وفي عينيها أرى أفقاً ممتداً تخب خيول الداخل فوق سهوبه والراية تملأ فضاء الفرات: لكنك يا من تبحثين عن نفسك عندي.. لقد طلقت الأمجاد والنياشين والتاريخ وعشت أبحث عن المتاعب في الليل والبرد، فدعيني: السيف انتحر.. والمهر نفق.. فما قيمة المحارب بلا سيف أو جواد؟
- اشتر سيفاً؟
- الحدادون يزيفون والسيف الحقيقي في الداخل.. في البحر.
- وجواداً عربياً أصيلاً؟
- نفقت الجياد.. في البحر الجياد تنام.. وعبد الرحمن فقد زيَّه العربي.. غرق في البحر.. سافر في الموجة المتجددة إلى الداخل..
- أتقول الجد؟
- ومتى هزلت؟
- بعض الأحيان!
بعض الأحيان أهزل لدرجة الجد فأي ضرر في هذا يا جلداً مزقه الليل والرجال.. أيكون الضجيج مع اسوداد الشوارع بلا فائدة لا.. فثمة في الطريق والمفازات الصحراوية من يتربص بالضحية، في أية لحظة.. ها أنت مغمضة العينين ترينهم وقد حاكموا صاحب السيف المنتحر والمهر الذي نفق.
قال الأول..
- لماذا تركت السيف يغرق؟
كل السيوف خشب إلا سيفه فهو المعدن المعدن وبه سر الانتصار، وعندما لم يقرأه أحد منهم فضلت الذهاب معه الى الداخل. الى البحر..
قال الثاني..
- المهر.. لقد قتلته!
كان مهري وبه قهرت المسافة التي أقرب من حبل الوريد، فكيف أقتله أيها المرابون.. لقد غرق في الفرات.. وعاش الداخل – البحر.
قال الثالث..
لقد أغرقت السيف.. وقتلت المهر.. دافع عن نفسك!
……………………………….
……………………………….
……………………………….
الداخل – البحر.
صرخ الأول – قرار الحكم…
باسم الداخل ومهره وسيفه نحكم عليك بالإعدام.
تفه.. المخلص مات في غثاء التخريجات العفوية، فما جدوى البكاء أيها المعزون؟ قوموا الى قبره وامضوا مناحات المواسم وعندها يكون موتكم محنطاً في أقرب متحف.
وكانت نائمة كقطة مهادنة هذه المرة. مغمضة العينين، يظلل هدباها وجنتيها المحمرتين جراء النشوة. وكنت أحاكم النفس والتأريخ عندما سمعت قرار الحكم، وشعرت بها تزفر بحرقة، أدرت وجهي اليها:
- حكمي عقلك وقلبك.
- القلب عندك.. والعقل عند الفرسان.
- لا يهم…
- لكني أتمزق..
- ليس عندي أي شرط.
- لكن الحب شرط..
- كانت البداية، بداية الخطأ، وقوع الفرسان تحت انحراف الخطوط…
- أحبك!
وأنت تعلمين أني كذلك أحبك، فاتركي حذر القطط، ومزقي ورقة الانصاف من البغاء واطلّي على العالم بعنف أنوثتك وطغيانها، فلقد كان التبرير بداية استعباد جديدة.
- عليّ أن أختارك.
- قولي شيئاً آخر.
- إني أتعذب..
- هذا هو الطريق.
- هكذا قالوا هم أيضاً!
- المهم.. الكلمة- الفعل..
- أنت تحبهم!
- الموت قرب.. والمسافة أقرب.. البحر أهدأ وأعنف.
- لكنهم يكرهونك.
- السيف مات.. المهر مات.. البحر في الداخل..
- جيادهم هرمة!
- كل السيوف خشب.. إلا سيفه الوعد!
ها أنت تقتربين الآن.. لحظات، وتعرفين معنى محاسبة النفس والتاريخ. لا ضرر في هذا صدقوني.. فلست أبحث الآن إلا عن الأسراب المهاجرة الى حيث البحر والموت غير المحقق..
1966
سجن الحلة المركزي
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
تلك الصورة التي بمنزل تريم
مقال من عمود ذاكرة المستقبل في دار الخليج
"أما أنت،
فقد وُلدت
من أجل يوم مشرق"
(هولدرن)
تلك صورة لم تفارقني، منذ جاء محمود درويش إلى الشارقة، في بداية عقد ثمانينات القرن الماضي، بعدما جئنا بناجي العلي إلى مكاتب “الخليج” ومعه علي فرزات.
هي حكاية سوف ترددها جدران “قاعة إفريقيا” ذات يوم، يوم يتكلم الموتى، وليس آخرهم قاسم محمد الذي فارقنا الليلة قبل الماضية.
هي صورة في منزل تريم عمران تريم، وتكاد تكون الوحيدة في حوزتي: عند منبسط السيراميك المائل الى البياض قليلاً، الذي يقودنا الى الفيلا، ثمة تريم في اقصى اليمين، أنا في أقصى اليسار ثم محمود درويش بعد تريم، ومحمد الماغوط على يساري. وفي الصف الثاني، خلفنا، يقف عيسى الشعيبي والدكتور عمر الخطيب.
إني متأكد أن الجميع، باستثناء الشعيبي قد رحلوا، وإن كاتب هذه السطور مشروع حياة ما بعد حياة، مؤجل إلى حين.
ومن أجل أن أؤكد لنفسي ذلك، بحثت عن تلك الصورة فلم أجدها. كنت قد وضعتها قدامي وأنا أكتب منذ تسع وعشرين سنة، وفي كل سنة مرت أقول: ماذا سأكتب في شأن هذه الصورة؟
بعد دقائق معدودات على سماعي نبأ موت قاسم محمد، هرعت الى الصورة، وصورة أخرى تجمع ما بيني وبين أبي زيدون، فلم أجد الاثنتين.
راحتا.
في ليلة اجتماعنا بمنزل تريم: بعد قصائد محمود درويش العاصفة، ركب محمود إلى جانبي في سيارتي، وسرت به الى دارة تريم، كان يسألني: لماذا حرضتني على قصائد العرب والنفط؟
قلت: سوف تسمع من تريم الكثير.
وسمع محمود ما جعله أكثر اطمئناناً إلى حديث الأصدقاء. وكان الماغوط يبدو حزيناً بعض الشيء، ربما لأنه كان يصنع بيداءه الخاصة، أو لأنه كان على وشك اتخاذ قراره بالعودة الى لبنان، وليس إلى سوريا.
في تلك الليلة قال محمود لتريم: دعاني اللامي لإلقاء شعري في “مدينة الثورة”، بعد أيام “المربد الأول”. كنت وجلاً من تلك المدينة التي سمعت بصددها الكثير.
ازددت حماسة - الآن - للعثور على تلك الصورة ثم وجدت ظلها على الجدار المقابل لطاولة الكتابة: الأحياء قبل ان يموتوا كانوا بملابس أنيقة، فنزل تريم من الصورة، وتبعه محمود، ثم الماغوط، وجاء عمر، ولحق بهم عيسى الشعيبي.
ماذا تفضلون أيها الرفاق ليس في المطبخ سوى أعشاب عربية وفارسية وصينية؟ إنني ثمل بذاكرتي، ومفتون بهذه العزلة الصاخبة، حيث لا صوت إلا صوت الولد الفلسطيني، والعصفور الأحدب الماغوطي، ونداءات البحر التي كان يترنم بها تريم.
تبسم محمود، وأطبق صمت على الماغوط، وتشاغل الخطيب والشعيبي في حديث جانبي، فندت عني ملاحظة: لماذا يغيب اصدقاؤنا، حتى في صورنا الشخصية؟
فجأة، نهض تريم واتجه نحو ظلال الصورة، عند الحائط، وبقي محمود، وبقي الماغوط، وبقي عمر، وبقي عيسى، ينظرون إليه كأنهم اموات يراقبون انساناً حياً.
وبقيت أنا أحاول جهدي ألا تضيع مني صورة في منزل تريم.
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
لماذا لم نَعدْ نَخْجل من أنفسنا؟
لا أكره أن يُقال عنّي إنني مُسْلم ”
(غوته: في إعلان “الديوان ”)
ما هذه الهبّة التي نشهدها هذه الأيام، بعدما نقل ما نقل، عمّا قام بابا الفاتيكان بنقله عن امبراطور بيزنطي عن شأن الإسلام؟ وهل ستكون مثل غيرها من الهبّات التي سبقت الحروب الصليبية، أو تلتها، تزول بعد يوم أو سنتين؟
وماذا سوف ينتج عنها على الصعيد الثقافي المدون؟ هل سيكون ذلك على غرار ما دفع به أحد “أعلام الأمة” من تسرُّع وهو يجادل في قضية رواية زميلنا حيدر حيدر؟ أم أن الأمة لا تزال قادرة على أن تخرج مؤلفات نادرة لأسماء مثل محمد حسين هيكل، وطه حسين، والعقاد، وعزيز السيد جاسم؟
هذه وغيرها من الأسئلة ضرورية، ومطلوبة، بل ومشروعة، ونحن نعيش في هذه المحنة التي أنتجتها أقوال بابا الفاتيكان ومنقولاته، التي هي إعادة اختصار لمؤلفات عدد من القساوسة والكتّاب الأوروبيين، والغربيين عموماً، الذين شتموا الإسلام بأقذع الكلمات، وكتبوا عنه، تحقيراً وازدراءً، ما لا يقبله أي منصف، حتى وإن كان غير مسلم، مثل ذلك الرجل الألماني: هردر، الذي ارتبط بالنظرة العقلية في نظرته الى الإسلام ونبي الله محمد صلى الله عليه وسلم.
في 30 يناير/ كانون الثاني سنة ،1800 شهدت مدينة “فايمار” الألمانية، عرضاً لمسرحية بعنوان: “محمد” ألَّفها “فولتير”، لمناسبة عيد ميلاد والدة الدوق كارل أوغست، أمير مقاطعة فايمار، تضمنت جواً كريهاً حول الإسلام ونبيِّه. فلم يملك ذلك المستشرق الألماني: هردر، إلا أن يغادر قاعة العرض مع زوجته، استهجاناً لتلك المسرحية الرعناء، التي تراجَعَ عنها فولتير فيما بعد، كما هو معروف.
لا شك في أن موقفاً نبيلاً اتخذه الإنجليزي توماس كارليل، الذي خصص فصلاً مهماً في أحد كتبه عن الرسول الكريم، والإسلام بالتالي، والذي سيكون أحد دوافع “العقاد” في تأليف كتابه: عبقرية محمد، بعد ثلاثين سنة من نقاش مع أحد المتنطعين حول شخصية الرسول.
وهناك قائمة بأسماء أخرى أنصفت النبي الكريم، والإسلام الحنيف، من الكتّاب والرهبان الغربيين، أشّر أسماء أصحابها الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه القيم: حياة محمد، الذي استند فيه الى 31 مصدراً من أمهات الكتب العربية، و13 كتاباً أجنبياً من بينها كتّاب توماس كارليل.
لكن مقدمة كتاب: حياة محمد، تضم تنصيصات لأشهر كتاب أوروبا المناهضين للرسول ودين الله، يكون ما ردده بابا الفاتيكان منقولاً عن الامبراطور البيزنطي، هواءً في شبك!
الحقيقة المرّة هي أننا لم نعد نخجل من أنفسنا، فإن مدرسة العقل الإسلامية التي ينتمي إليها محمد عبده والأفغاني ومحمد حسين هيكل وعزيز السيد جاسم، وهي المدرسة التي برزت لتحاجّ الفكر الغربي المناهض للإسلام، بالعقل والدليل البرهاني، مغيبة أو مقصيّة، أو أن أحد أفرادها، مثل صديقنا عزيز السيد جاسم، قد قتل غدراً وغيلة في السجن.
وكما غادر الألماني هردر وزوجته قاعة عرض مسرحية فولتير في فايمار، علينا أن نغادر كل ما هو غير عقلي في حياتنا، وبعد ذلك ليقل بابا الفاتيكان ما في جعبته، فإنه مثل هواء في شبك!
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
لعنة زَيُّونَة
("..." وزّانها، وتاه الحساب)
(مثل بغدادي)
رعى الله عرصة "زيُّونة" بالرصافة البغدادية وأهلها. وعندي في هذه المحلة قطعة أرض، هي كل ما خلّفه لي والدي، رحمة الله عليه، من دنياه، وشقاه، وهجرته من ميسان إلى بغداد، ومعه عذابات أمي، وانكرابات أخواتي.
وجاء مَنْ جاء من سراة أقوام السياسة العراقية، فوجد والدي نفسه من دون تلك القطعة الصغيرة من الأرض. وعندما قلت له: "دعني، يا والدي، أقف بوجه من صادر أرضك"، رد علي: "اذا انت تحبني، أترك الموضوع كله".
ولم أسأله عن الموضوع. ولا أريد أن أسأل أحداً عن شيء يخصني هناك، فهذه وصية الوالد رحمة الله عليه. لكنني أعيد ذكر "زيُّونة"، بعدما بلغ السيل الزبى، حيث شهدت المحلة قتلاً على الهوية، وجولات وصولات للدبابات والمدرعات الأمريكية، حتى لم يسلم من القتل السمك.
الحكاية رواها صديق عزيز من أهالي "زيُّونة". وخبرها بعد قليل.
"زيُّونة"، التي مثل "الكرّادة"، في رصافة بغداد، تقابلان مدينة "المنصور" في الكرخ، وفي المحلتين يسكن الضباط الكبار الذين أراد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم ارضاءهم، لكن بعض كبارهم قلبوا له ظهر المجن، فخذلوه ثم قتلوه.
ومن أواخر قتلى "زيُّونة"، عمال ثمانية في مخبز معروف، وهؤلاء عراقيون أو يعيشون في كنف عراقيين، لكن سيارة مفخخة أبت إلاّ أن تقتلهم كلهم، ثم يظهر ناقص عقل ليقول إن هذا من أعمال المقاومة، في شهر قتل فيه من العراقيين "3709" مواطنين، كما ذكرت الأمم المتحدة.
ولا يشبه هذا العمل الإجرامي إلا جريمة قضاء "الحويجة" غربي كركوك، حيث انفجرت قنبلة موضوعة داخل دمية للعب الأطفال، فقتل الشقيقان "عبدالله معيوف حسن" و"عمر معيوف حسن" و"ادريس محمد أحمد"بينما أصيب طفل رابع اسمه "أحمد محمد أحمد".
لكن أن يتم تفخيخ دمية للعب الأطفال، فهذا شيء جديد حقاً، بعدما كانت المتفجرات توضع على دراجات نارية، أو حبات بطيخ، أو تربط بحيوانات نافقة، أو توضع داخل أمعاء جثث مقطوعة الرؤوس.
الله أكبر على الظالم، ومن يساعد الظالم.!
ومن أين جاء الظلاميون، الذين قتلوا زملاءنا الصحافيين، ومنهم "لمى رياض" و"فادية الطائي".
وهؤلاء القتلة تعلموا من كبيرهم الذي علمهم القتل: امريكا. ولجيش الاحتلال صولات وجولات في "زيُّونة"، ليس آخرها، طبعاً، قيام مجموعة من القوات الأمريكية بمهاجمة أحد المنازل بالمحلة بسيارات مدرعة، ودبابة، وطائرة هليوكبتر، فنزلوا على العائلة نزول الصاعقة، وعزلوا النساء في غرفة، والرجال في غرفة أخرى.
وكما في كل غزوة أمريكية لبيت عراقي، وضع "جنود الحرية" في جيوبهم مصوغات النساء، ومدخرات الرجال، ثم عصبوا أعين الرجال وقادوهم الى جهة مجهولة، عرف فيما بعد أنها “مطار بغداد الدولي”.
يقول رب المنزل ويبلغ من العمر أكثر من 60 سنة: "أطلقوا سراحي بعدما سرقوني تماماً".
وأقول: صدق المثل البغدادي: "(ضًرَطَ) وزّانها، وتاه الحسابُ"!
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
"ديمقراطية للقِشْر"
"الجاهل عَدُوّ نفسه،
فكيف يكون صديقاً لغيره؟"
(ارسطو)
هذا سؤال موجّه إلى الذين يعنيهم الأمر، وجائزة الإجابة عنه، مقعد اضافي في البرلمان، والمدة المسموح بها للإجابة، نصف المدة القانونية لتشكيل الحكومة العراقية، في الولاية الثانية من عهد الرئيس العراقي جلال الطالباني.
والسؤال هو: “من القائل: الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية؟”. ومن نافلة القول طبعاً، أن أمريكا هي الدولة الرأسمالية الأنقى.
وقبل أن أعد للمرة المليون، دعوني أخبركم، قرائي الكرام، ان عنوان مقال اليوم: “ديمقراطية للقِشْر”، هو عنوان افتتاحية صحيفة يسارية كانت تصدر في “البصرة” العراقية الفيحاء، كتبها الصديق نصيِّف الحجّاج المحامي، “رئيس تحرير” تلك الصحيفة، سخرية من الدكتاتورية العسكرية في عهد الزعيم العراقي الراحل عبدالكريم قاسم، جلبت له عداوات كثيرة، من بينها كساد عمله في المحاماة، وحكم بالسجن لمدة تتجاوز العشر سنين بعد “انقلاب شباط” سنة 1963.
وأرجو من الله تعالى، أن ينجيني من شر شبيه لحق بالصديق الحجاج، لأن بعض الأحزاب والشخصيات العراقية والعربية، صار يزايد على حبه للولايات المتحدة الأمريكية وسياستها “الرشيدة” و”الديمقراطية للقشْر” في العراق والعالم، مثل حب بعض القوميين العرب في عقد الستينات من القرن الماضي، للماركسية - اللينينية، حتى لقد قالوا إن المناضل جورج حبش، وليس لينين، هو القائل: “الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية”.
ومن علامات “السياسة الحميدة” و”الديمقراطية للقشْر” للولايات المتحدة الأمريكية، قيامها “باحتلال العراق، بصيغة تحريره من الدكتاتورية”. وكلمة: “بصيغة” التي ترد كثيراً في أدبيات دكتاتور العراق السابق، تتردد هذه الأيام، أو منذ الغزو الأمريكي للعراق قبل نحو ثلاث سنوات، في أدبيات سياسية لأحزاب وشخصيات عراقية ماركسية وليبرالية واسلامية.
وبين هذه وتلك، تشابه البقر علينا، واختلط الغزل علينا، لتداخل المصطلحات، فصار “الاحتلال” “تحريراً”، و”الغزو” “تغييراً” و”تحولت” امريكا من “عدو للشعوب” إلى “محررة للأمم” في عهد دولة “رأس المال المالي”.
وهذه الحقيقة “العيانيّة” و”الملموسة”، والتي لا تضاهيها في “عيانيتها” و”ملموسيتها” سوى مقررات “المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي” أعاد اكتشافها وتصديرها الى العراقيين والعرب وجميع كادحي العالم، لمناسبة ذكرى عيد العمال العالمي، أحزاب وشخصيات عراقية أخذت تجمع ما بين ماركس وبوش، والماء والنار، والشهيد والجلاد.
ولقد سألني أحد العمال النقابيين العراقيين المخضرمين قبل يومين: “هل قرأت التقييم الثوري للتغيير “الأمريكي” في العراق بعد غزوه في شهر مارس/ آذار سنة 2003؟”، فقلت مجاوباً: لا، لأني منشغل حالياً بدراسة مقولة جديدة في القاموس السياسي لهؤلاء القوم، تقول: “الاستعمار أعلى مراحل الاشتراكية”.
وتسهيلاً للإجابة عن السؤال الذي طرحته في بداية هذا المقال، أقول إن الاجابة وردت بين تضاعيفه!
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
الثلاثيات
( قصص قصيرة)
الثلاثية الثانية
- 1اعتراك العصافير
"لأنني وحيد لا أستطيع شيئاً"، وكان قد أزاح الشرشف الأخضر عن وجهه وواجه السماء. "ربما ليس هذا.. ربما لأنني مرهق بتّ أتخيل"، ثم فرك عينيه. كان الغبش بلون الفضة في المسافة القريبة، أما في التخوم البعيدة من الأفق فقد كانت الصورة معتمة. ولما رأى الى السماء مرة أخرى لم يجد أي أثر للثور، فانزلق من على السرير ببطء، وتمطى، وأرسل جسده تحت مياه الصباح الدافئة في غرفة الحمام.
عندما صعد الى سطح الدار كان جسده بارداً. شعر ببعض راحة. "إنه كابوس آخر.. مثل كل الكوابيس الاخرى" وكان الغبش قد أخذ يستحيل الى شيء أقرب من لون النهار. وهناك، في الافق البعيد، ما تزال العتمة على حالها، وبين الفينة والفينة كانت أصوات محركات الشاحنات الكبيرة تطغى على رنين أجراس خيول عربات النفط التي تروح الى محطة البنزين القريبة من داره. شعر بلسعة برد طوال مفرق ظهره وقال في ذاته: "إنه بالتأكيد كابوس آخر"، ولما لم ير الثور يطل عليه من العتمة الماثلة في التخوم البعيدة من الأفق، أشعل سيكارة ونفث دخانها. وللحظة أبصر الدخان لا ينعدم في الهواء، يتحرك ببطء، ببطء شديد ويشكل امتداداً قصيراً، من الاعلى الى الاسفل. ومن الاسفل الى الاعلى، كان ينثني ويتعرج "إن ذلك يعود الى أن حالة الهواء تكاد تكون صافنة" وألقى السيكارة على الأرض، وحول جمرتها شكل شبحي لرأس ثور صغير بارز القرنين.
وفي القفص الخشبي الأزرق، كانت الحمامات الأربع تصفق بأجنحتها. وكان فرحاً بالفرخين الصغيرين اللذين تفقست عنهما البيضتان قبل سبعة أيام. إنه يحب طيور الحمام بغير سبب محدد. وكان الأب الذكر يخرج رأسه ورقبته الزاهية من خرم في القفص الخشبي، وينظر اليه من عينين لا ترفان، بينما أحاط الفرخان بأمهما. دنا من القفص الخشبي حتى حاذاه، وبقي الأب الذكر مادّاً رقبته، زاهية وموردة، خارج القفص. وإذ دفع سبابته نحو رقبة الطائر وملّسها كان الطائر لا يريم حراكاً. كانت عيناه المدورتان الصغيرتان بلون الكركم، وامّحى ذلك الاخضرار المتألق في وسطهما. لم يكن قد فكر في هذا كله، بل فكر في وضع الطائر المستكين وفتح بوابة القفص الخشبي وأطلق الطيرين الى الفضاء. صفق الأب بجناحيه متمهلاً وحطّ على حائط سطح الدار غير المرتفع، ورسمت الأم دائرة صغيرة مرتبكة في الهواء واختارت مكاناً قرب زوجها. وفي داخل القفص الخشبي أخذ الفرخان الصغيران يوصوصان. أما عند شجرة الكاليبتوس فقد تجمعت العصافير في الجزء الأعلى منها وأخذت تطلق صياحاً مهتاجاً. نظر الى الشجرة: كانت العصافير بألوانها البنية عند الأجنحة والسوداء عند الرقبة تصطرع فيما بينها، وشاهد ريشاً منتوفاً يتطاير من أعناقها ويهبط ببطء الى الاسفل، بينما ذكر منها يقف بعيداً عنها، لا يطلق أي صوت سوى أنه كان يرتعش، أو يختض على وجه التحديد، ويفتح شدقي منقاره. كان العصفور يلهث.
اقترب قليلاً من حائط سطح الدار، حيث يقف طيرا الحمام الزوجان . وتأكد أنه يرى الاب الذكر يرخي رقبته الزاهية الى الاسفل فاتحاً منقاره، يتنفس ببطء، وخيط من سائل غريني ذي لون ابيض يتدلى من المنطقة التي تقع تحت لسانه. مد كفه الى اسفل بطن الطير فانزلق الاب الذكر عليها، وأحس ريشه بارداً، فاستدار راجعاً الى القفص الخشبي وفتح بابه الصغير ووضع الطير داخله، وكانت الحمامة الأم قد طارت متمهلة وحطت على كتفه، فنظر اليها من جانبه الايمن وأدخلها القفص عبر البوابة الصغيرة.
رجع أحمد صابر الى سريره، في الزاوية الشمالية من سطح الدار الذي على شكل مربع. أشعل سيكارة ثانية. كانت العصافير ما تزال تعترك الجزء الاعلى من شجرة الكاليبتوس، الا العصفور الذكر الذي نحى بنفسه تماماً عن الضجة، واستشعر لسعة باردة أخرى في مفرق ظهره، فانحرف الى اليمين قليلاً، وأراح الجزء العلوي من جسده على المخدة ومسند السرير، وجذب الشرشف الاخضر فوق رقبته وأخذ ينظر الى الشجرة تارة ، وأخرى الى قفص حمائمه، بينما أحس أن لسعة البرد قد عاودته هذه المرة في قدميه وعند أصابعهما تماماً.
إنه غير نائم . وتيقن أحمد صابر أنه لا يحلم الآونة. ولما أراد أن ينادي على زوجته، استوقفه الصمت الذي أحاط المكان بأجمعه. لم يكن الهواء يحرك أصغر ورقة من أوراق شجرة الكاليبتوس. سكتت العصافير، إنه يعرف أنها موجودة اللحظة في مكان ما من الشجرة، غير أنها صمتت بشكل مفاجىء. وكان الصمت ينكسر في لحظات متباعدة بأصوات الاواني داخل الدار، في مطبخ الدار بالتأكيد، أما في المبعدة من الأفق فقد ظلت العتمة في مكانها، بيد أن جسماً غريباً انسل منها: كان الجسم يبدأ مستدقاً وغضاً إذ ينبت من منتصفها، ثم يغلظ شيئاً فشيئاً إذ يبتعد عنها. وفي نهايته البعيدة من العتمة كان الجسم الغريب، ذو اللون الأصفر، ينتشر ببطء ويلتم بسرعة. كما لو أن هذا يحدث عند "عيون النمل" في بساتين النخيل الجنوبية. كان الجسم يشبه ذنب ثور أسطوري. وكان أحمد صابر لا يكره الثيران ولا يحبها، وغالباً ما كان ينظر اليها متأملاً طريقة مضغها الطعام أو ممارسة نزواتها الجنسية. ويبتعد عنها عندما تغضب أو تتهيج. ويذكر أنه كان ينظر في عيني أي ثور فلا يتعرف فيهما إلا إلى نظرة غامضة. وعيد، شيء من الخصام المؤجل، أو سخرية، وإذ تكون عينا الثور صفراوين فإنه يتشاءم. ثيران في أوضاع ساكنة وآبدة بعيون صفر. كانت السماء حالكة السواد . ورغم التماعات النجوم فالليل غير محايد. فرغ من رواية "الجريمة والعقاب" وأراد أن يهدأ. حدث هذا في الليل الماضي، أحس أنه متضايق فألقى الكتاب جانباً. لم يطفئ النور، وأخذ يتقرى السماء، وتجمع بصره عند نقطة بعيدة. كانت نقطة صفراء، أخذت تكبر بسرعة، حتى غطت أجزاء واسعة من السماء، وبرز من وسطها رأس ثور هائل، حول رقبته عقد من جمر، وحول وسطه عقد آخر من جمر، وكان منخراه يتسعان، وينخران شيئاً ما، أشبه بالصديد، وجبهته البيضاء متعرقة، وتتفصد عن سائل يشبه الدم.
كان نخير الثور أقرب الى اصوات مستعمرة الأفاعي، وبين آونة وأخرى يرفع الثور رأسه الى الأعلى ويطلق زعيقاً حاداً او يقف قائماً على رجليه الخلفيتين ويضرب السماء بقدميه الاماميتين. وضع استعداد للهجوم، ينظر الى أحمد صابر من عينين صفراوين. وكان ذنبه يتأفعى في الهواء مستدقاً ورقيقاً عند مؤخرته وغليظاً قاسياً عندما يبتعد عنها، وفي آخره كانت خصلة من شعر أصفر تنتشر وتلتم كعقدة هائلة من مستعمرة الأفاعي. وأحس بقلبه ينخلع، وبرودة قاسية بدأت من أصابع قدميه عندما كان الثور يتقدم نحوه مطلقاً نخيره المفزع. ولم يعد يتذكر كل الذي حدث: وقف الثور قربه. وأرسل مؤخرة ذنبه الى كل جسد أحمد صابر: مستعمرة الافاعي، كان يصرخ فزعاً ويتأوه تحت ثقل وملمس تلك الحزمة الهائلة من الحيات السامة متعددة الرؤوس. وعندما ارتد الثور الى مكانه، في الأفق البعيد. وأرسل اليه نظراته المتوحشة من عينيه الصفراوين كان أحمد صابر ما يزال يحس بملمس الأفاعي على جسده، عند رقبته بالتحديد. وفي هذه اللحظة بالذات كان قد أفاق ففاجأه الصمت في سطح الدار، ورأى زوجته تنحني فوق صدره وشعرها الذي لم تضفره بعد، ينزلق على رقبته وقسم من وجهه. كانت تنظر اليه بعينين سوداوين صافيتين، ووجهها المعافى مورّد. وأغمض عينيه.
قالت: أحمد، قم نفطر.
إنه ليس في حلم الآن.
"نفطر. آ…"
ثم تأكد أنه في يقظة.
"نعم. لنفطر"
وعلى مائدة الافطار، لاحظ أحمد صابر التماع بلاط غرفة الطعام، ثم شاهد صورة تخرجه من الجامعة معلقة داخل إطارها المنمنم على الحائط، والى جانبها كانت صورة زفافه الى زوجته (وللحظات تذكر حفل التخرج وذلك الرجل البدين القصير يتوعده: سأنال منك، سأنال منك، تذكر هذا)، قال في صوت مسموع "كان الامر كابوساً أيضاً"
قالت زوجته: كنت تتحدث.
"أنا؟"
- أنت طبعاً.
وضع قليلاً من الزبدة والمربى فوق شريحة خبز.
"كم الساعة الآن.. أخشى تأخر الوقت"
- لم تتعدّ السابعة
قال أحمد "أرأيت شيئاً في السماء؟"
- لم أر شيئاً.
بلع بعضاً من الخبز والمربى والزبدة.
"أقصد ألم تسمعي – ونظر اليها – صوتاً مثل نخير الثيران..؟"
- سمعت صوت طائرة. طائرة نفاثة.
وقالت زوجته بينما كانت تتناول قدح الماء:
- نسيت فتح باب قفص الحمائم ولم تقدم لها الماء.
أراد أن يقول شيئاً فقاطعته كفها تضع القدح في مكانه.
- الفرخان معافيان والأبوان قاما بطيرانهما الصباحي المعتاد.
رفع يده اليمنى الى الأعلى قليلاً فاستمرت زوجته:
- نحتاج الى قفص أكبر
هكذا أرى أنا.
نظر الى عينيها فرأى في بياضهما شيئاً من الاصفرار، همَّ أن يخبرها بذلك. قالت: أبدلت الصبغة السوداء بصفراء. وغادرته الى المطبخ وسمع صوتها يأتيه من هناك: أحمد هذا يوم حزيراني رائع. واختلط صوتها بقرقعة الاواني واندلاق الماء من فوهة الحنفية وضجيج هدير الشاحنات الكبيرة، فحاول جهده أن يتسمع كلامها بدقة.
"ماذا تقولين؟"
- الطقس جميل ، انه حزيران ، هل نخرج مساء؟
كانت ستارة النافذة مزاحة الى اليمين قليلاً. فركض أحمد صابر وعاين الجو: كان ذيل الثور، مستعمرة الأفاعي، قد انتشر الآن على امتداد الرقعة المستطيلة للنافذة والسماء، وكان الجو أصفر، إنه كلون دخان الحرائق إذ تبدأ في تحولها الكارثي المتسارع.
رفع صوته:
"الطائرات. جاءت الطائرات"
- إنه صباح يوم جميل.. أتسمعني..؟
وتردد صوتها واضحاً:
- هذا المساء ستذهب معي الى السينما.
أجاب كما لو كان يتحدث الى نفسه
"جميعنا ... سنذهب هذا المساء".
وخرجت اليه محمرة الخدين، تلاعب شعرها الاسود الفاحم وتعقصه بحركة سريعة ورشيقة من الخلف، ثم زنرته بشريط أصفر، وتقدمته الى باب الدار الخارجي.
1- خنزير صغير أعمى
سقطت الجثة أمامه بينما كان يجتاز الفناء الضيق قبل أن يدخل المصحة. كانت جثة فرخ عصفور تفقست عنه بيضة للتو، ذي زغب أصفر، ورقبته الطويلة الرقيقة تهتز مثل نابض، ومن منقاره المفتوح المطوق بامتدادين صفراوين ثمة سائل لبني تجمع على الأرض. جفل أحمد صابر وجاهد أن يتجاوز الجثة، غير أن العصفور الصغير تكور على نفسه: انخسفت بطنه أول الأمر واهتزت الرقبة الرقيقة الطويلة، ثم عادت البطن الى الانتفاخ، بينما اندفعت كبدة من دم أسود من بين شدقي المنقار واستقرت على الارض. وإذ راقب هذا المنظر، استغرق كلية فيه، ولم يكن يستمع الى أصوات الزرازير المتجمعة في الفناء الذي يوصل الى البوابة الرئيسية للمصحة. ضوضاء، أبواق شاحنات. أصوات ارتطام أحذية الموظفين والموظفات. هدير طائرة نفاثة. ولم يكن متأكداً من صحة هذا الذي يراه ويسمعه. كان قد وضع حقيبته على الأرض وانحنى ليلتقط فرخ العصفور، بيد أن أصابع كفه اليمنى لامست أرضاً فارغة (اللحية المتهدلة والأنف الذي يشبه منقار صقر مشوه. ثمة شيء له ملمس الاسفنج. تقاطيع وجه بشري. لحيته ناعمة ومدهونة. بشرة زيتية. لم يكن ينظر الى الأرض. وجه رجل لم يكن ليغيب عن ذاكرته: سأنال منك. سأنال منك. كابوس آخر. كابوس نهاري جديد). واستدار نحو الباحة: وقف الصمت مثل رجل على قدمين، وكانت الشمس في ذلك الصباح الحزيراني تبدو صفراء أكثر من المعتاد بيد أنها لم تكن ذهبية. ثم رأى الصمت يقترب منه، يقف الى جانبه، ويتحول الى عجل صغير، يلحس حقيبته اليدوية بلسان أسود فاحم، ويطلق صوتاً مسترحماً. سحب الحقيبة. لم يكن بجانبه أي حيوان. كان أحد الموظفين يغادر البوابة التي تقود الى الفناء.
"صباح الخير سيد أحمد" .. ثم خلاّه ومشى، نظر أحمد صابر الى أصابع يديه، الحقيبة، أطراف بنطاله وحذائه، الافق. ووقف مندهشاً. كان الثور يهوم في التخوم البعيدة من السماء، يطارد أسراباً من العصافير الصغيرة. وكانت العصافير تخرّ صوب المصحة.
وبهدوء، بهدوء مستريب، استدار أحمد صابر وسارع الى داخل البناية ومرّ بدهليز منار بالنيونات، كان لونها أصفر فاقعاً، وفتح باب غرفته وانهد على كرسيه وأخذ ينظر الى السماء من خلل النافذة المفتوحة. نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة.
***
… وإذ دخلت الغرفة، واجهتني نافذة مستطيلة الشكل، ذات ثلاث فلقات، سمعت صوتاً: اجلس حيث أنت. جلست الى أريكة جلدية بجلد أسود حسن الدباغة. كنت أنظر اليه بالتأكيد، الى صاحب الصوت. ثمة رجل يوليني ظهره، متوسط القامة، عريض الكتفين، يميل الى البدانة. وللوهلة الاولى تصورت أن رأسه عندما يندغم على كتفيه عبر رقبته القصيرة السمينة يقربه الى شكل أشبه بطائر أسطوري. لأصحح في الحال: كان التقاء رأس الرجل بكتفيه صورة مشوهة لصقر غير مدجن بعد. رفع يديه الى الاعلى قليلاً حتى خلت أنه سيطير الى تلك الغابة من الصفصاف المقابلة لي وله من خلال النافذة. ثم، وبحركة سريعة ورشيقة، التفت إليَّ.
"أنت. أنت" أردت أن أصرخ وأقوم اليه من مكاني وأطبق بكفي على عنقه، غير أني بهمت مكاني إذ رأيته يتقدم نحوي، بدينا، قصير القامة، بشعر رأسه الذي يشبه باروكة من شعر الماعز، وأنفه الذي يشبه منقار صقر مشوه، وفمه الأهرت الذي يتحول الى خيط عديم اللون اذ يطبق شفتيه. وكانت شعرات ذقنه الناعمة الملساء تلتصق او تتدلى من لغده او فكه الاسفل. سمعته يقول: "أهلاً، بأحمد صابر"، ولم يكن معه هذه المرة أي من حرسه الخاص. ولم أكن على استعداد لأنسى عينيه الصغيرتين والجبهة اللامعة دوماً، والخطين المقوسين على نقرتي عينيه، والمساحة الجلدية المتعرقة بينهما باستمرار.
"أنت. أنت أحمد صابر". "نعم. أنا هو" . كان يلبس سترة حنائية اللون على قميص أزرق مفتوح عند الرقبة. وعندما كان يتخطاني جيئة وذهاباً في تلك الغرفة المستطيلة التي بلا نوافذ، أدركت أيضاً أنه يرتدي بنطلوناً حريرياً ذا لون أزرق يتهدل على حذاءين خفيفين، كنت أحاول معرفة أي شيء أمر به وأضعه في ذاكرتي، ليس لأحتفظ به على الاطلاق، بل لأتيقن أنني موجود، وأعيش في الدنيا الأولى، أذهب الى المراحيض ثلاث مرات في اليوم. أدخن، أحلم. كنت أقول لنفسي: هذا محال، لا بد أنني قتلت منذ ذلك اليوم. أو أنني في حلم دائم. وكنت نزيل قاعة طويلة بنافذة مفتوحة عند السقف.
"ماذا قلت؟"
- أنا لم أقل شيئاً
"تذكر".. وشزرني من فتحتي عينيه.
- أتذكر ماذا؟
"أي شيء".. ورأيته من الخلف مثل طائر قبيح يستعد للاقلاع.
- أنت تعلم، هذا مستحيل. وتذكرت أنه مولع بالمماحكة.
"ها. لقد تكلمت الآن"
- إني أصوت فقط
"إذن سأتحدث أنا" .. كان قصيراً ومهتاجاً مثل ضفدع ذكر.
- أنت؟
"بلى. يضيرك هذا؟"
- أنا
حديثي. اليك حديثي. أنتم ماذا؟"
- نحن؟
"نعم. أنتم"
- صحيح، نحن ماذا؟
"وقود الحرب، أليس كذلك؟"
- نعم
"ها. وقعت .. أنت منهم".
- كيف تفعل هذا..؟ استدار نحوي وقال: أنت، أنت منهم أيضاً، هذا ما لم أفكر فيه. وطوى أوراقاً في مضبطة: إنما سأنال منك ذات يوم، تذكر هذا جيداً. كان مهتاجاً، ولا أدري لمَ تصورته مثل ثور يطوف في زريبة. ضرب الطاولة وتوعدني: سنلتقي ذات يوم، خلِّ هذا في بالك. وقبل أن يأمرني بمغادرة المكان ظل يتفرس فيّ بعينين نسريتين ويردد: أحمد صابر.. أحمد صابر.. أحمد، وها هو الآن، في مسافة منظورة، مثل ثور أسطوري، داخل مشيمة لزجة ومتعفنة، يمد الي يداً. أصحح: مدّ كفّاً سمينة في بنصرها محبس فضي ذو نتوء، وأطبق على كفي اليمنى.
"أنت إذن.. أحمد صابر" ترك يدي، فأحسست خفة في جسدي. بيد أن جروحاً في ذاكرتي لم تأز بعد، ثم قال كما لو أنه يستدرج كل الاسماء التي مرت في حياته: مبروك عليك منصبك الجديد. وكان فمه الأهرت يتوسع قليلاً قليلاً من دون صوت، وخمنت أنه يضحك. هدوء ..هدوء جريح ومسفد أحاط بي. كان ذلك شبيهاً بالمفاجأة، فبعد أن أنهيت السنة الأخيرة في الكلية، قال أحد زملائي هنيئاً لك، مدير مصحة الامراض الوافدة. كان الرجل أمامي جالساً الى مكتبه الانيق، يمضي على ورقة، وضعها في مظروف، ثم رفع رأسه نحوي وقال بصوت لا يخلو من كراهية: أحمد صابر منذ الغد ستكون مدير مصحة الامراض الوافدة. عندما غادرت المكان واتجهت صوب الباب كانت الصورة واضحة في ذهني: نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة.
نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة. قبر. والخنزير الأعمى بفنطيلته المعممة بالصديد كان يركض بين بساتين البردي التي غطت المستنقعات. ولم يكن ثمة اختيار آخر. تلك اللوحة التي تقابلني يومياً. جياد مريضة تبترد في عزّ الظهيرة تحت عرائش الذاكرة، والركض اليومي في أروقة السجون ودوائر الدولة، وهو هنا بين المقاعد الأبنوسية والمكتب الانيق واعلانات شركات القطاعين العام والخاص والسكرتيرة الجميلة: وجه شبه مدور، نضر، مأخوذ في ارتجافة الشفة السفلى التي تتدلى بإهمال غير مفتعل، والأنف الأخنس، وذلك الصوت التراتيلي الذي لا يتعب يأتيه دوماً من الغرف المطفأة أنوارها ليلاً، الموقدة نهاراً، حيث لا يعرف عن ساكنيها سوى أنهم يرسلون أنغاماً أشبه بالتراتيل:هبوا ضحايا الاضطهاد .. هبوا. كلمات. كلمات من حروف تتحول في تلك الغرف الى عذاب يتخلله فرح موعود. كل واحد في غرفة. كم عددهم؟ لا يعرف. الاصوات فقط تتحد ، تفتح مسامات دقيقة في جدران الغرف، وتذوب السلاسل التي تربط كل نزيل من قدميه الى صخرة كونكريتية. انتفضوا.. هبوا ضحايا الاضطهاد ، وتبدأ الأصوات بالخفوت. وبعدها يكون الصمت. الصمت النهاري المضاء. والصمت الليلي غير المضاء. ولم يكن على علاقة بالذي حدث ويحدث. يكفيه أنه تعرف اللحظة الى حياتين: الاولى عرفها فصنعها والثانية عرفها ولم يصنعها. وبينهما جاءت الحياة الثالثة الزائدة. هنا تشكل الإعضال، فهو بدون أي شك يرى نفسه خنزيراً صغيراً أعمى، ولد أعمى، تاه في البراري، وارتطم بوزه بالاشجار ذات العروق الممتدة نحو قاع النهر، وأنه تنقل من غرفة الى غرفة، ومن دهليز الى دهليز، يعرف وقت الليل ووقت النهار، من الظلام أو الضياء في نافذة الغرفة. وحين كف هذا كله عن أن يكون مجدياً اختار الصمت وفضل أن يقف في باحة السجن على قدم واحدة، وينشد النشيد الأرضي:هبوا .. هبوا ضحايا الاضطهاد. وتحولت الساحة الى ردهة مستطيلة عند الطرف القصي من البادية. جاء طير. هل الامر معجزة..؟ عصفور أبيض اللون، ربما فرخ حمام، هطل من السماء المصفرة في زاوية حادة، لم يحرك أياً من جناحيه.. حط على كتفه. يلهث. والطيور تلهث عندما تطارد. وكنت خنزيراً أعمى، خنزيراً أرثت فقدان الأبصار وأنا في سن الهوى. تناوب الهواة والمحترفون على اصطيادي. نجوت. قال العصفور. يا صديقي الخنزير التقينا أخيراً. ولم يكن يبكي. همس في أذني: أحمد صابر لقد قطعت الصحراء بأكملها، وتوقعت الموت في أية لحظة. أنت تعرف هواة ومحترفي الصيد. نجوت منهم. وجدت نفسي في نهاية الصحراء الى صحراء أخرى، أنشد النشيد الأرضي، وأقفز على قدم واحدة، وصرخت ملء صوتي: هو ذا أنا... أنا الخنزير الأعمى الذي تطلبون. بيد أن هواة الصيد ومحترفيه تركوني، أجادوا لعبتهم معي. قتلوني كما أرادوا لذلك أن يكون وفي أدق التفاصيل. ولم أندم البتة. ولم أتحول الى صياد محترف، كما لم أتعلم كيف يبدأ الهواة الصيد.
الإشكال هنا. الإعضال هكذا. نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة. الجريمة تتناسل. وفجأة انخرط أحمد صابر ينشج. نشيج. انتبه الى نفسه. نظر الى الغرفة. كان الأثاث الأبنوسي في مكانه كما تعوده منذ أربع سنوات، وهناك في الزاوية اليمنى من النافذة تقوم الخزانة واقفة. الأضابير فيها والأسماء في داخلها. الخزانة: كم كانت جميلة. رصفها في زاوية من الغرفة الطينية. قالت أمه: ماذا بها؟ همس أبوه في أذنها فتصنعت الإذعان: المناضل قلبه خزانة. أيها الرفيق ما تقوله صحيح. وكانت من خشب زهيد الثمن: مكعب مجوف، واجهته الأمامية تشبه الباب، تنطبق بدون صوت، ضمن برواز خشبي أدهم. وفي الليلة الاولى، بعد أن جاء بها من سوق النجارين، وضع الاوراق داخلها بعناية، ودفع الواجهة الأمامية بخفة ورفق وتمدد داخل الغرفة الطينية وهو يحلم.
لم يكن أحمد صابر يحلم. كان يبكي. هذا صحيح. سمع نقرة خفيفة على الباب. هذا صحيح الباب ما يزال ينقر. إنه متأكد من أن الباب ينقر الآونة. مسح وجهه بكفيه واستند الى الكرسي ونطق بصوت محايد: أدخل. فتح الباب بالأسلوب ذاته الذي تعوده منذ أربع سنوات. ودخلت المرأة بالطريقة ذاتها التي ألفها طيلة السنوات الأربع التالية: المشية الخجولة، الرأس المنخفض الى الاسفل قليلاً. وكان حدسه في موضعه، فبعد أن اقتربت من مكتبه رفعت رأسها الى الاعلى، فانشمرت خصلة شقراء كانت تغطي الجبين الاسمر وإحدى العينين الزرقاوين، لتستقر عند منتصف الجبهة وتنهمر على خد أسيل. قال: تستطيعين الجلوس.
- "نعم!".
"تستطيعين الجلوس هناك" وأشار بيده الى مقعد أبنوسي، الى اليسار من مكتبه، والى الجهة اليمنى من النافذة المفتوحة. كان يراها واضحة مكشوفة أمامه، مثل أي شيء آخر في هذه الغرفة، مثل الخزانة، أو لوحة الجياد التي تتمنى أن تبترد، رغم الجو الصحراوي، تحت عرائش من خشب أصفر كأنه نقع بالكركم أمداً طويلاً فتهرأ.
- أي شيء تشربين؟
- عفواً، أردت...
- قهوة إذن.
- عفواً، أردت...
- شايا؟
- اثنان.. اثنان من ..(واختنق صوتها)
- اثنان..من ماذا؟
جاءوا باثنين قبل دقائق. وأحنت رأسها الى الاسفل فافترق شعرها الى نصفين. طيلة هذه السنوات الأربع لم تردد أمامه إلا كلمة: عفواً، ثم تضيف اليها العبارة المطلوبة، غير أنه يتذكر الآن، أنها كلما جيء بنزيل جديد الى المصح، تهرع اليه مضطربة. هل تعرف شيئاً عن المصح؟ لا يتوقع هذا منها، فهذا البناء الاملح معزول عن المدينة، ولا أحد يستطيع الدخول الى غرفه التي تحجزها عن ادارته دهاليز وممرات، إلا موظفون من خارج المصح يأتون في أوقات تناول الفطور والغداء والعشاء.
- حسناً.. ماذا تشربين الآن؟
- لا نفس لي.
- أنت خارج هذا الإشكال كله.
- أرجوك هذا موضوع آخر.
- حقاً
- ماذا تريد أن تقول؟
- تعرفين الموضوع.
الموضوع. أ. الموضوع. وتصاعدت الأصوات. بدأت بتلك الدعوة:هبوا. وأخذت تعلو وتتعالى. غضب من هذا النوع النبيل. نداء الأحراش والمياه ونسغ الجذور والرافعات العملاقة. انتفضوا. التاريخ يتراجع، ملايين الفقراء يدخلون من بواباته. الموضوع قالت: أعرفه كما عرفته أنت هذا الصباح. دخل النزيلان إذن، واحترق العالم القديم جميعه في التحام الأصوات. نزت طفولته في ذاكرته ثم تلك الأيام: معامل الطابوق. التظاهرة الاولى. الفرحة الأولى. الاصدقاء الذين ذهبوا ولم يرجعوا. الذاكرة التي تجلو نفسها بنقيع العذاب. أنت تعلم أن هذا هو قدرنا. نعم أيها الرفيق. إننا لا نملك سوى أن نحلم الآن. نعم أيها الرفيق. وهم يحاولون قتل الحلم فينا. أنا مصغ أيها الرفاق. لكنك تثق أبداً أن نشيداً واحداً يوحدنا جميعاً. كان الصياد يتحدث. أعرف هذا وأعرف أنه بداية العذاب. العذاب في أنك تحلم والعذاب في أنهم يقتلون حلمك. نعم أيها الرفيق. أجل ذهنك باستمرار. العالم صناعة ذهنية. وفي ذلك اليوم عندما تغني أرضنا نشيدها الواحد تكون أنت تراباً. نعم. وتظل نوعاً يتجدد، لكنك كنت قبل هذا كله كلمة وفعلاً انتضاهما الذين جاءوا بعدك.
وفي الخارج، إذ تطلع أحمد صابر الى النافذة، كان الجو أصفر، وكانت تنظر اليه بعينين زرقاوين مبتلتين بالدمع. هذه هي الحقيقة التي لا توصف أبداً. إنما أحمد صابر لم يكن يتكهن، رأى حشوداً هائلة من ثيران كل الأرض تخترق السهول والوهاد، معلقة بين السماء والأرض، ترسل نحوه عيوناً صفراً، وفي مقدمتها ذلك الثور الأسطوري ينخر بصوت مسموع.
قالت: احمد، انتبه. وجهك.
وجهي!
قالت: وجهك. نعم وجهك.
ما به؟
قالت: ينشف.
ماذا تقولين؟
قالت: أحمد إن هذا لفظيع.
ماذا. ما هو هذا الفظيع؟
قالت: وجهك. ينشف ويتحرشف. ألا تشعر بهذا الآن!
هربت هي أو تراجعت أنا، لا فرق. أرسلت كفي الى وجهي كان رطباً ومشعراً. وعبر النافذة المستطيلة بان الجو أصفر، ولم تتحرك أية ورقة من أوراق شجر الصفصاف. وعندما استدار صوب الخزانة الحديدية ونظر الى وجهه في المرآة الملاصقة لها من ناحية اليمين. اختنق صوته وتلعثم لسانه. ثمة في المرآة ..في عمقها البعيد، وجه أحمد صابر، كان وجهاً ناشفاً ومحرشفاً، وبالقرب منه رأس خنزير صغير مفقوء العينين، ويلهث.
***
3- رجل في قصبة مجوفة
... ومثل سمكة مزهورة طوف أحمد صابر بين الناس على امتداد شارع السعدون. لم يعد يتذكر من أين ابتدأ. هل جاء من المصحة؟ لا يدري. ثم، هذه المصحة، أهي موجودة، حقاً، هناك، خلف غابة الكاليبتوس، بعيداً عن دجلة، في الجهة اليمنى من دجلة، أم أنها تقبع، في أعلى الشجرة المطلة على بيته، أم أنها غير موجودة إلا في ذاكرته؟ مصحة واقعية. بناء على شكل معين تنخسف الارض تحت ثقله، وفوق البروزات التي دفعتها الأعماق الى الخارج، أكوام من القمامة، والاتربة، وفسائل صغيرة، وامتدادات من الديدان والهوام والبرغش، وكان البناء المعيني يتصاعد الى الأعلى، متكبراً، بجدرانه الكرانيتية، مكان واقعي مقفل من كل جوانبه، إلا مبنى الادارة المسيج بأشجار النارنج والسيسبان، وثمة لوحة كتبت بالبويا الحمراء: مصحة الامراض الوافدة.
سمكة مزهورة. خنزير صغير أعمى. طير صغير أبيض تودعه الصحراء الى مثيلاتها. لا يمشي. يطوف، مثل سمكة مزهورة، تدفعها الأمواج، رويداً رويداً، الى الشاطىء الذي تنحني عليه أشجار السدر. تلك هي الحقيقة الجميلة الوحيدة في حياته: الجسد المشتعل في الشمس – تلك الشمس الجنوبية التي لا تعرف الرحمة – يتسلق شجرة السدر المنحنية على النهر، عند استدارته اللولبية السريعة، يمسك مقبض الشبكة الصغيرة "الشكف" وينتظر السمكة المزهورة – تلبط أول الأمر بقوة. تحارب الزهر الذي يضرب رأسها.
كنا نقول: داخت، ثم تطلع فمها وبقية رأسها، وتستطلع الماء بعينين مفتوحتين، وتدفع جسدها اللامع اللزج الى عتمة الماء عند القعر. هل السمكة مثلي..؟ وبعدها تكف عن الحركة اللائبة، وتكاد الزعانف ترتجف، عند ظهرها وفي آخر الذنب، وكأنها تخشى أن تعكر صفو الماء، ثم تنقلب على ظهرها، وعندها يكون البطن الأبيض ذو الاحمرار القليل، الاحمر الميال الى الصفرة، علامة السمكة المزهورة. تعالوا إليّ، كأنها تنادي .
أنا قتلني الزهر ، كأنها تقول . وأظل أرقبها ، بحذر أول الأمر، فالأسماك المزهورة تمتلك مزية واحدة ، مزية أخيرة، تغط بعدها الى قعر النهر. ولم يكن نهر الشارع فارغاً. امتلأ بالسيارات. لم يكن هذا وقت القيلولة. الحوانيت مشرعة الابواب، والاضواء في داخلها حمر وزرق وصفر، وكان الناس يتدافعون بالاكتاف والأرجل والايدي والسباب المهموس. لم يأكلوا الزهر بعد. أنا الوحيد – أحمد صابر – الذي التقط الزهر دون أن يدري. وأخذ يعول: "مزق. أنا مزق. شبابي مزق. شبابي مزق. إلا الطفولة فهي الحقيقة الوحيدة الجميلة". ومن بين الحشد في مسافة بعيدة او قريبة، رآهم يقبلون عليه، نسخ من ذلك الرجل عريض الكتفين، البدين، ذي اللحية الناعمة عند اللغدين والفك الأسفل. لست السمكة "أنا رجل مزق. لست سمكة" لكنهم لم يكفوا عنه. رجال.عشرة. عشرون. لا يعرف عددهم حيثما استدار وأينما ولّى وجهه. لست سمكة. حركات مطاطية. الاضواء تتسع بحركة مطاطية. تتوسع الامكنة بالحركات المطاطية ذاتها. وحدها ذاكرته، منقع العذاب، تندت بالخواطر، وتعفرت بدم الماضي والمكان – رائحته الخاصة – الذي لن ينساه.
بعد أن ودع آخر جدار طيني في المحلة تلقفه البستان. وعندما خلّف البستان وراءه، كان النهر أمامه يستدير استدارة لولبية رشيقة. وعندما تقوس خط سيره مع الطرف الأخير من لسان النهر واجهه الكوخ الصغير. كوخ صغير نسج من البردي ترك دون بوابة كعادة أهل أقصى الجنوب في الصيف. حدث هذا في شهر يتوسط السنة. هناك طريق ضيقة بين العاقول. هو في المكان الصحيح إذن. الإشارة أن يسلم برفع كفه اليسرى، والجواب يعرفه. دخل الكوخ من دون استئذان. الشمس وحدها تضيء داخل الكوخ. ثمة رجل في الثلاثين يقتعد حصيرة قصب ويرتل، ينشد، رفع يده اليسرى. تستطيع أن تجلس. تصاعد الترتيل – الانشاد، وأرسل الرجل اليه نظرة حانية. نشيد ارضي واحد يوحدنا جميعاً. نعم. لن يتيحوا لك المجال لتحلم، أصدق. وأنت رجل حالم. سأعرف كيف أداري خجلي وخوفي. صمت. قام الرجل الذي في الثلاثين، كان صياداً من هؤلاء الذين تعودوا ألاّ يلبسوا إلا السروال الأبيض الطويل، وكان الجزء الأعلى من جسده معرضاً لضوء الشمس. رأيت الجسد مبقعاً. كان محفوراً بأنهار وجداول. طعنات وكي. آثار مشارط وبقايا حروق سكاير، وأشار اليّ – أحمد صابر: ولكن الحزن سيرتديك: سوف أتعلم كيف أضع طحين الحصى بين أجفاني وأصرخ. عاينني بنظرة حانية وربت على رأسي عند الجبهة فقلت: أفهم من هذا أنني تيتمت منذ الآن...؟ قال: أعرف كل الذي ستمر به، لقد اخترت اليتم منذ الآن. واقتعد الطريدة وأنشد. كان صوته هادئاً، رزيناً، مليئاً بالخبرة، خبرة صيد السمك، ومعرفة مياه الأنهار والمستنقعات. الصيادون لا يملكون سوى شباكهم، والشباك بحاجة الى مال، والمال لا تحصل عليه الا ببيع عرقك: وإذ تبيع عرقك تخلق من جديد. أصغ اليّ – وأخرج ورقة شفيفة – ثم تعالت الأهازيج، كان ثمة عشرات الصيادين، خارج الكوخ البردي، يتناوبون ترديد أغنية. السمكة العاقلة تتعرف إلى الصياد ولا تقع في الشبكة. السمكة العاقلة لا تأكل الزهر. وكنت – أحمد صابر – سمكة عاقلة، خنزيراً صغيراً أعمى، طيراً أبيض سلمته الصحراء الى صحراء، ولم يبق أمامه سوى أن يرتدي طفولته، آه، يا سلة معدة لنقل العذاب. ولم يكن ثمة صياد أو صيادون. هناك فقط شارع طويل يمتد وكأنه لا ينتهي.
اتكأ على جذع شجرة، تحسس وجهه بكفيه. ومن خلل أصابعه تحقق من وجود الشارع الطويل الذي كأنه لا ينتهي. "ماذا حل بي" ودفع جذعه نحو جذع الشجرة. إذن، شجرة خلفي. "ماذا حل بي" لم يكن ثمة أحد، لا صوت ،لا نأمة، إلا الأشجار، راكدة على ضفتي نهر الشارع، حاضرة ومؤكدة، وتبدو كما لو أنها تنظر اليه بألف عين. كانت أغصان الأشجار تتمايل برفق وحسبها تود أن تكلمه. كانت أبواب الحوانيت مشرعة اللحظة، وناس ينحرفون بسرعة في الدرابين الضيفة التي تتفرع من الشارع. تحسس الشجرة بظهره مرة أخرى. ومن احتكاك ظهرة بجذعها تأكد أنه يدفع الشجرة. المسألة واقعية وأبعد من أن تكون حلماً: هذه كفه. ذاك حذاؤه الأيمن. فمه جاف، يابس، بيد أنه لم يكن مغتاضاً أو راضياً. هو في وضع أقرب الى أن يكون كذلك الذي في أول فترات النقاهة بعد مرض أبيد.
غادر جذع الشجرة وعبر الشارع، يسمع خطواته. وقع حذائه فوق قير الشارع. تجاوز الضفة اليسرى. كان فمه جافاً، دخل مكاناَ، هكذا، كمن يتسلى، دون أن يدري الى أين تقوده مثل هذه التسلية. المكان صغير شبيه بغرفة ذات نوافذ مربعة الشكل. واستراح على أول كرسي قابله. نظر الى الشارع عبر نافذة من المكان، ماذا تريد...؟ "إنني أقبض على كل الماضي في راحة كفي". أنت، يا سيد ماذا تريد..؟ هناك شاب في العشرين من عمره ينظر اليه مبتسماً. ولما تفحص ملابس الشاب عرف أنه في مشرب لتعاطي الخمر. أي شيء يسكر. مضى الشاب هازاً رأسه وعاد بقنينة بيرة.
من المكان الصغير تعط رائحة خشب مدهون بالبويا حديثاً، رائحة مثل تلك التي تهاجمك في الحال بعد أن تتنشق بطن ثمرة رقّي تركت في الشمس أياماً، رائحة مدوخة. وعند هذا عرف أنه في مشرب للخمر، أمامه زجاجة بيرة، وحواليه أناس يتهامسون ويضحكون، أو يصمتون بصورة فجائية، ثم يعودون الى الهمس والضحك، كانت برودة الكأس الاولى لاذعة، واحتوى الكأس بيديه. ابتردت أصابعه، قال: كيف حدث هذا في مثل هذا العنف كله..؟ وفي الكأس الثانية أعاد تصحيح وجهة نظره: هذا ليس حلماً، وليس كابوساً، لقد ترك عمله عندما كانت المرأة تصف وجهه، وظل يمشي لساعات، وها هو الآن يعي كل الذي حدث. ولم يكن يبتغي الثأر من نفسه بعد هذا الذي حدث.
"ماذا تقول..؟" جاءه صوت من يمينه. كان قد استراح على أول كرسي قابله في البار. وتعلم أن يكون حذراً من هؤلاء الذين يستنطقون الناس في البارات ويتصنعون حالة السكر. "ماذا تقول؟". هذه المرة لم يكن الصوت بعيداً. استدار الى اليمين، بحركة سريعة، مثل سمكة مزهورة تعرض بطنها للشمس، ورأى رجلاً ينظر اليه من خلف نظارة زجاجية صفراء. مثبتة على وجه إهليلجي، وفوق حاجبيه اتسعت جبهته التي اتصلت بمقدمة رأسه الأصلع حتى نهاية اليافوخ، ومن هناك يسيل على الشمال واليمين والخلف شعر أشيب يشبه وبر البعران. ومع انتصاف الجبهة الناتئة امتد أنف طويل ودقيق يشكل حركة ما أشبه بقوس غير مستقر، تحته مباشرة فم ينبت حوله شعر أغبر يتصل عند الأذنين بشعر رأسه من الجانبين والرقبة. كان للرجل عينان صغيرتان مدورتان مثل نبقتين استوتا. خلع الرجل نظارته فتوضح بريق عينيه، وحدج أحمد صابر بنظرة مستفهمة. رجل في حوالي الخمسين يلف جسده بدشداشة بنية اللون.. وثمة حبات عرق فوق أرنبة أنفه.
تقدم الرجل، الى ذاكرة أحمد صابر، لا ينثني، يفتح مغاليقها ودهاليزها. وفي تلك الأخاديد المخيفة: هناك، انحبس الماضي مثل صحوة فجائية. أحمد صابر يرى الآن ذلك الحادث الخيالي بكل تفاصيله. أدخلوه معصوب العينين الى المكان، وفتحوا العصابة. هدوء معبأ بالترقب اكتنف المكان، والمكان قصبة مجوفة، مدهونة بزيت نباتي، تنتهي من طرفيها بحجرتين مربعتين. عرف فيما بعد أنهم أدخلوه عبر الغرفة الشمالية، وبعدها شاهد أناساً يغادرون الى الغرفة الجنوبية بعد أن يسمعوا صوتاً ينادي بأسمائهم. صفان من شباب ما تجاوزت أعمارهم السنة العشرين، يجلسون متقابلين، وجوههم صفر، وجوه متيقظة وإن اتسمت باللامبالاة، وجوه حلق شعر رؤوسها وشواربها، لا يتحدثون، إنهم حيوات قابلة للانطفاء في أية لحظة، النفاذ الى المجهول، أو النفاذ الى الموت. صامتون مثل الخشب الذي يتكئون إليه. ورغم اهتزاز المكان المجوف فقد لفّهم الهدوء. هذا هو الاستسلام المحقق للموت.
إن الرغبة في الحياة في هذا المكان لم تكن في متناول اليد، إنها امنية ميؤوس منها، مصادرة من التوقيع على ورقة الإعدام، هنا الحياة غير مسموح بها على الإطلاق. وهكذا فإنهم يدخنون وينظرون إلى بعضهم نظرة من يعرف الذي يحدث بعد بضع دقائق أو لحظات. لا أعرف لمَ جاءوا بي هنا، إلى هذا المكان المجوف من الداخل. ربما حدث غلط في الأمر، محمود عبد الكريم، سمع صوتاً رخيماً يأمر من سماعة داخلية. رأى أحمد صابر شاباً حليق الرأس يقوم متثاقلاً من مكانه ويتجه نحو الغرفة الجنوبية. لم يكن ذاهباً للنزهة. كنا نعرف أنه سيموت، نظر إلينا قبل أن يخطو خطوته الأولى ورفع يده: الوداع يا رفاق. رفعنا أكفنا. وابتدأ الصمت يتميع في همهمة احتوت المكان كله. همهمة: الشفاه السمراء المتشققة انفرجت وانطلق الصوت الأرضي: اهبوا ضحايا الاضطهاد .. انتفضوا. أكف معروقة اعتصرت أكفاً معروقة أخرى. اقتربت الأكتاف من الأكتاف. الصوت هو الوحدة الآن. أما الموت فقد كان في ذلك الاتساع المائي، خارج القصبة المجوفة. نسينا الذي ذهب قبل لحظات، غير أن هذا كله قطع بصلية مدفع رشاش. صمتنا. مع الاطلاقة الأولى صمتنا كأنا على اتفاق، وسمعنا صرخة مكتومة، صرخ محمود عبد الكريم: الوداع يا رفاق، وارتطم جسده بصفحة الماء. عاد النشيد مرة أخرى، وفي قاع الماء البعيد، كان الجسد إلحي قبل لحظات، المائت الآن، يرقد على سطح رملي مدغل. قبر مجاني لم يختره محمود عبد الكريم ولم يكن يحلم به. وإذ ذاك كان أحد الشبان يغني عن ذلك الغريب الذي لا يعرف إلا أنه سوي ويقتل لأنه كذلك. جاء الصوت الرخيم الآمر مرة أخرى: الآن هو دورك يا أبا علي حسن الماجدي. قام شاب يجلس الى جانبي ورفع يده اليسرى. غير أن الصوت الرخيم الآمر تدخل ليقول: على أبي علي حسن الماجدي أن ينتظر، ويتقدم أحمد صابر إلى حيث أجلس. كان الأمر مفاجأة، فطوال اليومين الماضيين لم يحدث مثل هذا التأجيل، كان الصوت يباغتنا في أية لحظة، في الليل، مع الفجر، عند المساء، ولم يحدث أن استدعي أحد منا الى الغرفة الشمالية. كان الأمر محرجاً لي بصورة خاصة، ومع هذا قلت لنفسي: لا فرق. فالموت واحد في مثل هذه الأمكنة. لم أودع زملاء القصبة المجوفة، ولم ترتفع أصواتهم بالنشيد، وإذ وصلت الغرفة الشمالية كان ثمة رجل يرتدي ملابس ملونة يبتسم في وجهي ويقول: أهلاً بك.. أحمد صابر. كان رجلاً قصير القامة، مائلاً للبدانة، بوجه لامع ولحية التصق شعرها الناعم على لغديه وفكه الأسفل. قال: إجلس. جلست. قدم لي قدح شاي. كانت الغرفة عارية إلا من طاولة ومسند ومايكروفون. قال: اشرب. نظرته منذهلاً وتذكرت وعيده: "سأنال منك.. سأنال منك. خلِّ هذا في بالك" شربت الشاي دون أن أتكلم وسمعته: أجلنا موتك إلى أجل آخر. كان فمه الأهرت يستحيل تلك اللحظة الى خيط دقيق. ضحك وقال: أتريد شاياً آخر؟ لم أتكلم. أحطت الشاي بأصابعي لأتأكد من أنني لست في حلم. وأخذت أضغط على الكأس، وهو يضحك مثل ضفدع ذكر ينق ويطلق صوتاً مليئاً بالكراهية "أحمد صابر.. أجلنا موتك" وإذ أستعيد كل الذي رأيته بعد ذلك يختلط عندي الصحيح بالغلط، وأردد: هذا مستحيل إن ذلك كله كابوس.. "ماذا تقول؟" وتعرفت اللحظة على صاحب الصوت. كانت الشمس ما تزال طالعة. ومن النافذة الزجاجية رأيت الأجساد الآدمية تعترك فيما بينها. جري وهرولة ومشي متهادٍ، وبين آونة وأخرى تمر شاحنة كبيرة، مغطاة بغطاء من قماش سميك، تطلق زمارتها وتختفي في تلك الضجة الحزيرانية.
قال: أحمد، أنت أحمد صابر.
قلت: وأنت، ألست...
أتذكر مدرسة فيصل الثاني (قاطعني)
قلت: أنا، كيف لا أتذكرها
من أعطاك تعليمات الإضراب
قلت: أنت أبو علي حسن الماجدي.
وكوخ البردي.
قلت: وهل أستطيع نسيانه.
أنا أبو علي حسن الماجدي، رافقتك في كل المعتقلات التي أمضيت فيها زهرة الشباب.
قلت: الآن لا أتذكر التفاصيل، لقد مرَّ زمن.
- أجل ذاكرتك.
قلت: كنت أتصورك ميتاً، خصوصاً.
- هون عليك، أنا لا أموت.
قلت: لكني رأيتك بعيني هاتين تشنق (ابتسم بود، كان وجهه محطماً ومع ذلك بدا وديعاً وأنيقاً) المهم أنني لا يمكن أن أموت، لأنني أسكنك.
قلت: بالله عليك خلنا من هذا.
- مثل ما تحب.
قلت: يا أبا علي، أتعرف من أين أتيت الآن..؟
- بلى، وحسناً فعلت.
قلت: ماذا تريد أن تقول؟
- أنا أعرف وضعك البشري كله.
قلت: يا ماجدي هذا عذاب لاولن أطيقه.
- قلت: قلت لي ذات يوم سأضع طحين الحصى..
قلت: هذا وقت قد مضى.
- الوقت يمضي ويتقدم.
قلت: إنني أعيش هذه الأيام حياة زائدة.
- هون الأمر عليك. إنك في قلب الصورة.
قلت: أنت.. أنت تتحدث بهذا الوضوح.
- لن يصدقك أحد.
قلت: يا ماجدي.. إنني أهتم بالفعل في ذاته.
(ورأيت السماء تصفر).
- حسناً تفعل.
قلت: السماء صفراء.
- لن يصدقك أحد.
قلت: الدنيا تمطر الآونة.
- لن يصدقك أحد.
قلت: الثور الأسطوري يبرك فوق صدري كل ليلة.
- لن يصدقك أحد.
قلت: ها هي الدنيا تمطر الآونة مطراً اسود حاراً.
- أحمد صابر، أيها اليتيم، لن يصدقك أحد. كنت أعيط: وأنت، ماذا تقول أنت؟ وأخذت أنظر في عينيه وأدفع كتفه اليمنى، وأهزّه صارخاً: وأنت أبو علي حسن الماجدي ماذا تقول..؟ كان وجهه يتضبب، يتميع، يتحول الى شكل شبحي، ولم أر أمامي سوى جدار البار تعط منه رائحة مدوخة. سمعت الزبائن يضحكون، واستشعرت رطوبة على خدي. لم أكن أبكي، رشقني أحدهم بكوب من اللبن الرائب وصرخ عامل البار في وجهي: مجنون.. هذا مكان ليس للمجانين. وجذبني من ياقة سترتي ودفعني خارج الباب.
أنا الخنزير الصغير الأعمى، أنا السمكة المزهورة، أنا دهور العذاب. وكان يعيط بأعلى صوته وسط شارع السعدون المكتظ بالسيارات الخاصة وحافلات النقل العمومية وأصوات باعة المفرد والجملة، وعياط أجهزة التسجيل. أنا السمكة المزهورة تنقلب الآن على ظهرها وتعرض بطنها للشمس وتتجه نحو النجم القطبي. وكان هواة الصيد والمحترفون يترصدون الموعد المناسب للإيقاع بها. سيشقون بطنها بعد ذبح غلاصمها، ثم توضع فوق أغصان الرمان اليابسة وتقدم وجبة شهية تقليدية للسياح الأجانب في شارع أبي نؤاس وباراته.
ومع أن هذا من المستحيلات، كما قد يظن، بعض القراء، إلا أنني لم أمت. إنني لم أمت. هنا، هناك. في الجهات الأربع موجود. وجود خفيف في علاقات وتكوينات تتغير وتتبدل من لحظة الى أخرى، بينما العالم القديم يواصل انهياره، ويرتفع النشيد الأرضي، ملء حنجرتي، وفمي، ولساني: هبوا .. هبوا .. ضحايا الاضطهاد .
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
قصص رائعة
وتسلمين ع الموضوع
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
سعيدة بإطلالتك بين مداد الكاتب،،
وردة بيضاء لقلبك الطاهــر،،
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
شكـراً على المجهود الجبار في اعداد التقرير
في حقيقة الامر هذه المره الاولى اللتي اعرف هذا الكاتب العراقي
و الواضح من قراءتي لاولى الفقرات انه له ثقل فكري في المشهد العراقي
سأقرأ كل فقره في كل صباح مع ارتشافه لقهوه مره "كما تستلذها رذاذ"
شكراً
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
سعيــدة بحضــورك بين سطور المتألق جمعة اللامــي،،
جمعة اللامي كان له عمود في دار الخليج،،
بعنوان: ذاكــرة المستقبل،،
قراءة ممتعــة مع ارتشافات القهــوة المــرّة ،،
لقلبك أنفاس الياسمين،،
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
رسالة عند نافذة عمياء
سُوْقُ الشَّمْسِ جَاء إلى حُجْرتي،
وَجاءَت الغُرْفةُ
إلى رأسي المليء بالأَزيز”
(تريستان تْزارا)
ربما تكون العين نافذة الجسد. لكن الأكيد أن القلب شُبَّاك روح الإنسان.
تشغلك النافذة، وتشغلها، مثلما تشغلني أيضاً. لأنها عين، وقلب، نرى من خلالهما النور والعتمة، ونسمع بوساطتهما الهدير والصمت والليل، وذلك الذي لا تدركه الأبصار، وهو وَحْده الذي يُدْرك ما لا يُدْرَك.
كيف نظرت الى الليل خَللَ الشباك؟ وهل جرّبْتَ إحساس الإنسان السجين، وهو داخل زنزانة من دون شباك؟ بينما هو ينظر الى الكون من عين روحه، في حين يراقبه من الخارج، عبر شُبّاك مغلق، ديدبان جِلْفٌ وكاسر.
ربما يجيب، بطريقة شعرية، الألماني: “ريلكة”، عن هذا السؤال الألغازي، في نصّه التالي: “أيّها اللَّيْل الذي بلا أشياء. أيّها الشُبّاك المُغلق من الخارج. أيتها الأبواب المغلقة بعناية! العادات التي هَبَطتْ علينا من أزمان بعيدة، انتقلتْ، ومُحَّصت، ولم تُفْهم قطّ بشكل كامل!”.
لا جدوى في إغلاق نافذة الجسد، إذا الريح عصفت، أو حين الهواء يزمْجرُ. وحدها اليقظة تمدّ العين بالرؤية الكاملة، والمصدّات التي تمنع الخراب.
والخائف مَنْ يُغلق نافذة الروح، مِنْ قُبُل، أو مِنْ دُبُر. أنْتَ النافذة والنور، فلماذا تمنع النور من الاقتراب من النافذة؟ ولِمَ تُقيم حاجزاً بين بياض النافذة ودفء النور؟
حين كنا أطفالاً، نظر إلينا البيت من نوافذه، ورعانا عند بابه، وحمانا سقفه من الخوف، وطمأنتنا أرضيته من الاهتزازات الغادرة. وها نحن في طفولتنا المستمرة الى ما بعد الخمسين، لا نزال ننام في أرحام أمهاتنا، لأن السِّلْم يطلبنا، وتستدعينا الى حضْرتها الشجاعةُ.
أيتها النافذة، يا دائرة كَوْني الصغير والكبير، يا حَبْلي السِّري، مرحباً باليقظة، وبالمَحْو، وبالصَّحْو، لأنك وعاءُ النار والنور.
أعرف سيّدة، لا تزال تقف الى يومنا هذا، في مربع نافذتها وتخاطب مولاها القدير: “أيها العالي المتعالي، ردّني الى روحي”. فتردّدُ نوافذ بيوت الأرض ومنازلها: “ردّني الى بيتي أيها العالي المتعالي”.
قبل أربعين سنة، وضعت ورقة صغيرة مطويّة بعناية على أرضية من طين لنافذة عمياء. تلك كانت أول رسالة حبّ، بعثت بها الى الله.
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]صباح الخير أيتها الحياة[/align]
[align=center]
[align=left]“ تمسك بالإيمان أيها القلب الشجاع،
استيقظ من النوم،
من فتور اليأس،
واستقبل بالأغاني نور الفجر الجديد ”
(طاغور)[/align]
قال لي أبو علي الماجدي: “اذا كنت قد نويت على ان تحتجب “ذاكرة المستقبل” غدا لمدة ثلاثين يوماً، فهذا شأنك، أما أنا، فأرى ان تظل ممسكا بالقلم، وانت على فراش التعب... أيضا”.
ولست من الذين يخلعون أصحابهم، فالصداقة عندي من الايمان. ومن يحيا من دون أصدقاء، فإنه يتألم مثل ذلك الذي فقد الإيمان.
والصديق من الصدق الذي هو ربيع القلوب، وهنيئاً غنى صاحبي الماجدي بأصدقائه، فثمة غنى المال، وغنى الجاه لكن غنى الحقيقي هو صداقاته التي تبيح له أن يطالب اصدقاءه بأن يكونوا على مستوى رسالة الصداقة إلى النفس.
وليس الفقير من لا مال عنده. الفقير من لا صديق له.
وقد دخلت إلى قلبي فنانة نمساوية تجاوزت الخمسين من عمرها، ترافق صديقاً أديباً في حلّه وترحاله، فتراها رقيقة هادئة وسط صخب الشارع، وفي آتون حركة الحياة التي لا تهدأ من حولنا.
كنت أقف أمام إحدى لوحاتها التشكيلية التي تتطلب صبراً ودأباً، لأنها تشتغل على لبّاد يتطلب مهارات عالية جداً، حين سألتها: “والآن سيدتي، ماذا يتبقى لنا؟”.
ابتسمت بوجهي، كما لو أنها طفل في شهره السادس، وقالت: “عزيزي.. استمتع بحياتك”. ثم استدارت، خفيفة مثل فكرة صائبة، لتدير حديثاً صامتاً مع نفسها، أو مع الجدار الذي يقابلها، أو مع احدى لوحاتها.
تعالي، إذاً، ايتها الحياة.
اليوم، كما تعودت منذ عقود، سأفتح نوافذ المنزل لتدخله الشمس، واستضيف الأمل، وأجالس الرجاء، وأتحدث إلى المستقبل، فلا شيء يقدر على إسكات قلب تعوّد الحب.
صباح الخير أيها الحب
أيها المرهم لكل الجراح
أيها القنديل المليء بالزيت
أيتها اللحظة المتجددة، الممتدة إلى حيث يعرف الذين اختاروا الأمل.. حياة ورسالة.
ولسوف يدخل الأمل إلى منازلنا جميعاً، مثل يد تصلي وتحرك العالم، حيث يبدو الضمير ساطعاً ومدهشاً، ومعادلاً لألف شاهد.
صباح الخير أيها الناس. [/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]آخر الأنهار
جمعة اللامي
من روضة "أم هاشم" [/align]
[align=left] “ما حطّموك، وإنما بك حُطّموا
من ذا يحطّمُ رَفْرَفَ الجوْزاءِ؟”
(شوقي، في رثاء “حافظ”)[/align]
[align=center]كانت شمس مصر في كبد السماء.
بل قُل، يا صاحبي، كان ضريحه، لحظة شاهدته، شمس كل الدنى، وقمر كل سماء.
السلام على جمال.
السلام على أبي خالد.
السلام على النقيّ، الشهيد، الفقيد، حارس أبواب مصر، وأمل الفقراء والمقهورين.
السلام على هذه النفس الزكية، والسيرة غير المنسية.
السلام على جبهة هبة النيل، كنز الوفاء، وسراج قنديل القناديل.
السلام على عبدالناصر.
أأدخل، أبا خالد، في ضريح المنشية الآن، أم أنني دخلت قلوب أحرار الدنيا، يوم عرفتك؟
أشهد - عبدالناصر - أنك صنت العهد، وحفظت الود، وأديت الأمانة.
وأشهد، أنّا يتامى بعد رحيلك.
وأشهد أنك النيل، وبورسعيد، والأوراس، ونداء النفساء في العراق.. وأنك النيل الأخير، وآخر الأنهار.
وأشهد، أنت الجنوب.
وأنت، أشهد أمام الله، أنك المقاومة.
وأشهد أنت الصائح في بيروت، والصارخ في بغداد، والمنادي في القدس: هيهات منا الذلة.
يا شمس العرب غير الغاربة.
يا ضمير الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب.
يا ترياق القلوب.
أشهد أنك المشهدُ والشاهدُ، والنقطة المتجددة عند خطوط راحات أكفّنا، وأنك دليل الجنود التائهين في صحارى العرب.
نحبك - عبدالناصر - ولا نُوَثنكْ.
ونحيي ذكراك - أبا خالد - ولا نُصَنمكْ.
وها أنا عند مثواك، أراك بعين الفقراء الى الله، وأشاهدك بقلوب الغالبين، علماً على راية لا غالب إلا الله، مصحوبة بنصر من الله وفتح قريب.
السلام على فجر المقاومة في كل صوب.
والسلام علينا وعلى شهدائنا الأحياء.
السلام على ضجيع المنشية.
السلام على الأمل.
السلام على عبدالناصر.[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
روايـــــــة
مجنــــون زينــــب
اهداء / إلى : شهرزاد:
وإني لأستحييك حتى كأنما
عليّ بظهر الغيب منك رقيب
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى
وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني أستغفر الله كلما
ذكرتك لم تكتب عليّ ذنوب
يقولون من هذا الغريب بأرضنا
أما والهدايا إنني لغريب
ابن الدمينة
المقامة البَصْريَّة
المقامة الخمسون ـ مقامات الحريري
قال الحارث : شعرت في بعض أيامي بهَـمٍّ ضاق به صدري، فقصدت مسجد البصرة، وإذا برَجلٍ ذي ملابس بالية واقف على صخرة عالية وهو يعظ ويُذكِّر ثم قال : أما أنتم يا أهل البصرة فإنكم من خير الناس. وأما أنا فأحدثكم عن نفسي : أنا أبو زيد صاحب الخدع والضلالات والأكاذيب والخرافات، كم من المنكر ارتكبت، ومن المعاصي أتيت، ولكن أشهدكم أني أستغفر الله من ذنوبي فأدعو الله أن يقبل توبتي ويغفر ذنوبي. فكلهم بسط يديه ودعا له وقدم له شيئاً من العطاء فقبله منهم وشكر لهم ومضى.
قال الحارث : فتبعته حتى أدركته، وقلت له : لقد أسرفت في التوبة هذه المرة. فقال له: والله لقد بدأت غير مخلص، ولكن ببركة دعاء أهل البصرة قبل الله هذه التوبة وصرت تائباً، ثم ودعني.
قال الحارث : وصرت بعد ذلك أبحث عنه، وأسأل كل من أقابله، إلى أن علمت أنه عاد إلى بلده سَروج، وأنه لبس الصوف وأصبح يؤم الصفوف، فارتحلت إلى سروج وأُرشدت إلى مسجده وقرارة معبده، فوجدته من خير من اتقى الله، ثم حياني بسبحته وأقبل على أوراده وتركني أعجب به من اجتهاده. ثم صحبني إلى داره وأطعمني من قرصه وزيته ثم نهض للصلاة، وتخلى لمناجاة مولاه.
بسم الله الرحمن الرحيم
رؤيا الطيِّّبة
مدخل تأويلي
قُلتُ : أريد اثنتي عشرة ذراعاً من ذلك القماش الأبيض.
نظر إليَّ الرجل مستفهماً، لكنني أردفتُ : تلطف عليَّ وقَسّم قطعة القماش إلى نصفين.
سأل القمّاش :
تريدهما جلبابين؟
-كفنين.
دفعت لصاحب دكان الأقمشة خمسة وثلاثين ريالاً، ووضعت الكفنين داخل صرة من قماش أخضر، وعدت إلى غرفتي في »فندق الرحمة« بالمدينة المنورة.
حدث ذلك، في موسم الحج، قبل عدة سنوات.
- 2 -
جلستُ وحيداً إلا من نفسي في غرفتي بالفندق، وأخذت أسترجع بعضاً من وقائع الأيام الستة الأخيرة.
في اليوم الأول جهزت كل مستلزمات الرحلة، وفي اليوم الثاني أخلدت إلى نوم عميق، فرأيت فيما يرى النائم، رجلاً شيخاً يقول لي : موعدنا في طيبة. وعندما أفقت من نومي، كان صوت المؤذن ينادي لصلاة العشاء.
في اليوم الثالث، فجراً، قصدت البحر، لم يكن ثمة، إلا نوارس ومياه شبه راكدة، اتكأتُ إلى شجرة غاف وأخذت أرقب الأفق البعيد، كان هناك ضوء أبيض خافت وأبخرة، وعندما أدَمْتُ النظر، رأيت رجلاً شيخاً ينهض من بين الغمام، يومىء إليَّ بيده اليمنى، ثم يعود ليغوص في الماء.
في اليوم الرابع جمعت أسْرتي، بعد صلاة الظهر، وتحدثت بصوت عالٍ ليسمعني الجميع : أنا ذاهب لملاقاته.. اصفحوا عني. وبعد صلاة المغرب، قصدت مكان عملي، فوجدت جميع الزملاء يجلسون إلى مكاتبهم.
ناديتُ بصوت عالٍ ليسمعني الجميع : هذه رقبتي، وهذا ظهري، فمن له حقٌ عندي، فليأت ويضربني. ثم كشفتُ عن رقبتي وظهري.
ذُهل الزملاء، سقطت الأقلام على الصحف، وسأل أحدهم : ماذا أنت فاعل؟
-ذاهب إلى محمد.
في اليوم الخامس، قبل أن أركب الطائرة التي أقلَّتني إلى يثرب، عاودت زيارة البحر: كان ذلك بعد الصلاة، هجع الطير إلى أوكاره، وثمة أناس يجلسون بين الأشجار، بينما كان الأفق مضيئاً ورائقاً. ثم كاد قلبي يخرج من صدري عندما رأيت رجلاً شيخاً، يخرج من ذلك الأفق المضيء والرائق، ليقول لي : ألقاك في يثرب.
- 3 -
أجلس وحيداً في غرفتي إلا من نفسي، وصرة خضراء، بداخلها قطعة قماش بيضاء طولها ست أذرع، وقطعة بيضاء أخرى طولها ست أذرع أيضاً. الأولى هي كفني، والثانية هدية مؤجلة.
من نافذة الغرفة، شاهدت المسجد. وفي الطريق إليه تذكرت: قبل اثنتي عشرة سنة أعددتُ نفسي »للعُمْرة« والسلام على الحبيب. وقبل أن أتوجه إلى المطار بساعات، جاء إليّ من يخبرني : »لن تستطيع السفر«.
كبُرَ عليّ الأمر، وبقيت أشهراً، بل سنوات، أمنّي النفس بالسلام على الحبيب والطواف حول الكعبة، وعندما كان أحد جيراني يهمّ بالسفر إلى يثرب، قصدته وأوصيته : وأنت تقترب من قبر الحبيب انقلْ إليه رسالتي التالية : »ردَّني البَشَرُ عنك... فهلاّ قبلتني قرب روضتك؟«.
وعندما رجع جاري الحاج إلى أبو ظبي، أخبرني والدمع يترقرق في عينيه : »نقلت رسالتك إلى الحبيب، كما أوصيتني، حرفاً بحرف«.
وكانت عيناي تنزفان دماً، وأنا في طريقي إلى الروضة المباركة.
- 4 -
حاسر الرأس وحافي القدمين، وقفت على مقربة من الروضة، بين جمع شاكٍ وآخر باكٍ، آلاف مؤلفة من البشر تمدّ أذرعاً وقلوباً باتجاه مثوى الحبيب، حتى لقد التفت الساق بالساق، ولم يعد مكان إلا لمشتاق.
هذا أنا قريب منك أيها الحبيب. وكنت أختضّ من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ : يا جد الحسنين، يا نور الله. وكنت أبكي، بل كنت أعيط.
وانتبهتُ على كفّ تربت على كتفي. كان شيخاً طاعناً في السنّ. رجل نوراني طوقني بذراعه اليمنى وانسلَّ بين الجموع، مجموعة فمجموعة، وكتلة بعد كتلة، وصَفَّاً بعد صفٍّ، والابتسامة لا تفارق محياه، لم ينبس ببنت شفة، بل كان يشير بسبابته إلى حيث مثوى الحبيب.
قال : أُدنُ، هنا يرقد الحبيب.
وصرخت : الغوث...الغوث.
- 5 -
-أنا حسين بن منصور.
رفع الشيخ وجهه إليّ، فرأيت جلالاً، وشعرت برهبة، أحنيت رأسي، وأغضضتُ بصري، وقلت في سرّي : »لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم«.
- أعرف أنك هو.
ابتسم الشيخ في وجهي وقال :
- وأنت المجنون.
- أعرف أنك تعرفني.
وسمعت الشيخ يردد في سرّه : »لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم«.
كنا قد وصلنا، قبل نحو ساعة، الى منزل يبدو أن الشيخ يأوي إليه، هناك رأيت مجموعات من الحجاج يتوزعون على فرش من سعف النخيل. جلس الشيخ على حصير منفرد، وجلست بين يديه.
-أهلاً بك، يا مجنون الزمان.
-وبك أكثر يا أبَهْ.
-كيف حال الناس في ميسان؟
-يدعون لك بلقيا الحبيب.
رفعت بصري إلى الشيخ : إنه هو، الرجل ذاته الذي كنت أراه طالعاً من الآفاق ومن بين الأبخرة والمياه.
-سأعود بعد قليل. لا تبرح المكان.
ثم نهض قائماً، وغادر الحوش.
- 6 -
حُلُم :
وضعت الصُرّة في حجري، وقلت لنفسي: لا شيء يُهدى، أعزّ من الكفن، ثم رأيتها ترفع برقعها وتنظر إليّ، لكنّ بازاً ضخماً هوى من علٍ وحطَّ في شليلي. ارتجف الطائر وباض، ثم انتفض طائراً إلى الأعلى، فأمسكت بفخذيه وطرنا سويّاً.
في الأعالي رأيت ما رأيت : تعرّفتُ إلى الغيوم والعواصف والأمطار والرياح، ورأيتُ اليابسة والبحار والجبال والبشر والحيوان والطير وأصغر سلالات النّمال.
في تلك الأعالي، مررتُ بسماوات زرق وحمر وسود وصفر وخضر وبيض، وكان الباز يصّاعد دون أن يكلمني، وكنت أمسك بفخذيه، وصرّتي في حجري، حتى وصلنا إلى فراغ عميق، فتوقف الباز عن الطيران، فارداً جناحيه، كأنه يستعد للهبوط.
فراغ. رأيت إلى الباز، فوجدت ريش رأسه قد تساقط كله. أما بقية الريش الذي كان يغطي بقية جسده فكان لونه أشهب.
-أنت المجنون، حقاً.
لم يهتز جسمي لكلام الباز، بقيت صامتاً للحظة، ويبدو أن صمتي أغضب الطائر الضخم، فقال:
أردت إبعادك...
وأكملت مسرعاً : منه .. ومنها.
توقف الباز عن الكلام، رأيت إليه من أسفله، فوجدته مثل قبر قديم، وعرفت للتو، أنني لم أصرخ، ولم أطلب النجدة، عندما اختطفني هذا الطائر الضخم.
- لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تطلب النجدة؟
قلت هادئاً : الذي خلقني، وسوّاني، فصيّرني، يعرف أنني تعوّذت باسمه من كل شيطان رجيم، عندما كنت في المشيئة، وعندما خُلقت، وبعد أن خُلقت.
قال الباز : أشهد أنك غلبتني.
- بل قل : باسمه غلبتك.
- والصرة، ماذا بداخلها؟
- كفنان
- واحد لك.. والآخر،
- لزينب.
ارتعد الباز إذ سمعني أنطق اسم زينب. فحاول أن يصّاعد نحو الأعالي، لكنَّ برقاً صاعقاً ضربه فجأة، فتحول إلى كتلة من لهب ودخان، بينما كنت أهبط من علٍ، وأسقطُ على حصير من سعف النخيل.
وعندما أفقت، وجدت الشيخ يجلس إلى جواري، على حصير من سعف النخيل، هامساً بصوت عذب ورقيق :
إلهي..
كَسْري لا يَجْبُرُهُ إلا لُطْفُك وحنَانُكَ * وفَقْري لا يُغنِيه إلا عَطْفُكَ وإحسانُكَ * ورَوعتي لا يُسْكِّنُها إلاّ أمانُكَ * وذلّتي لا يُعزّها إلا سلطانُك * وأمنيتي لا يُبَلّغنيها إلا فضلُك * وخَلَّتي لا يسُدُّها إلا طولُك * وحاجتي لا يَقضيها غيرُك * وَكَربي لا يُفرّجُهُ سوى رحمتك * وضُرّي لا يكشفُهُ غيرُ رأفتك * وغُلّتي لا يُبَرِّدُها إلا وَصْلُك * وَلَوْعتي لا يُطفيها إلا لقاؤك * وشوقي إليك لا يَبُلُّهُ إلا النظرُ إلى وجهك * وقراري لا يقرّ دون دُنوّي منكَ * ولهفتي لا يردُّها إلا رَوْحُك * وسُقمي لا يشفيه إلا طبُّك * وغَمّي لا يزيله إلاّ قُربُك * وجُرحي لا يُبْرئه إلا صفحُك * وريْن قلبي لا يجلوه إلا عَفْوك * ووسواس صَدري لا يُزيحُهُ إلا ّ أمرك..فيا منتهى أمل الآملين * ويا غاية سؤل السائلين * ويا أقصى طَلَبَة الطالبين * ويا أعلى رغبة الراغبين * ويا وليَّ الصالحين * ويا أمانَ الخائفين * ويا مجيب دعوة المضطرين * ويا ذُخْر الـمُعْدَمين * ويا كنز البائسين * ويا غِياث الـمُسْتَغيثين * ويا قاضي حَوائج الفقراء والمساكين * ويا أكرم الأكرمين * ويا أرحم الراحمين.. لكَ تَخَضّعي وسُؤالي * وإليك تَضَرُّعي وابتهالي * أسألك أن تُنيلني من رَوْحِ رضوانك * وتديمَ عليَّ نِعَمَ امتنانك * وها أنا ببابِ كرمك واقفٌ * ولنفحاتِ برّك متعرض * وبحَبْلِكَ الشديد معتصمٌ * وبعروتك الوثقى متمسكٌ..
إلهي..
ارحمْ عَبدكَ الذليل * ذا اللسان الكليل والعمل القليل * وامْنُنْ عليه بِطَوْلِكَ الجزيل * واكْنفه تحت ظِلّك الظليل * يا كريم يا جميل * يا أرحم الراحمين *
- 7 -
لم يقترب الفجر بَعْدُ منا، بيد أن أغلب الحجيج غادروا المسجد.
- رأيت قبل ساعات، رؤيا عجيبة.
ردَّ الشيخ هادئاً : قل : قبل هنيهة.
-إذن، عرفت!
- أو لم تعرف؟
كانت صرتي أمامي تبعث ضوءاً لم أره من قبل. نور أبيض. كما أنَّ المكان كله يشفّ عن نور رحماني، هدّأ من روعي، وأنا أنظر إلى الشيخ. إنه رجل كلّي البياض، أبيض شعر الوجه والرأس، أبيض الشفتين والأنف، أبيض شعر الحاجبين وأهداب العينين، أبيض اليدين والساقين، أبيض اللباس، تفوح منه رائحة زكية، غطّت كل هذا الحوش المضاء بنور أبيض، بينما كانت السماء بيضاء أيضاً.
انتبه الشيخ إليّ، وغمرني بابتسامة حانية :
- اعلم، يا مجنون الزمان، أنَّ أبي روى أحوالك عن أبيه، وذاك عن جده، وهذا عن أجداده.
ثم هبَّ واقفاً، وصرخ : يا غوث.. يا غوث، وسقط على الأرض مغشياً عليه.
اقتربت منه حتى لاصقته، فوجدته جثة متخشبة، وعندها قربت فمي من أذنه اليمنى وصحت : أبي.. أبي.. إلى من تتركني؟
- إلى غرفة في هذا الحوش.
- 8 -
كنت أعرف أنني والشيخ في حوش، لكنني لم أعِرْ بالاً لغرف هذا المكان، عاينت المكان جيداً : غرف بأبواب، بعضها مغلقة الأبواب، وبعضها أبوابها مفتوحة، إنها غرف مبنية بطابوق أبيض.
كانت الغرفة الأولى مضاءة وليس في داخلها إلا متاع قليل، وكذلك الغرفتان الثانية والثالثة. أما الغرفة الرابعة فكان بابها مغلقاً، وعندما طرقت الباب جاءني صوتٌ من الداخل :
- اذهب إلى غيري، سؤالك ليس عندي.
اتجهتُ إلى الغرفة الخامسة، كان بابها مفتوحاً، وفي الداخل رجل ضرير يلهج بالذكر الحكيم. انتظرت قليلاً فتوقف الرجل عن التلاوة، وقال : مبتغاك خارج هذه الغرفة.
توقفت أمام الغرفة السادسة، ونظرت إلى الشيخ في وسط الحوش، فرأيته ما يزال مستلقياً على قفاه، شاخصاً ببصره إلى السماء، قرعت الباب فلم أسمع أي جواب. قرعت مرة ثانية وثالثة، فلم أسمع أي جواب.
عند ذلك، اتجهت نحو الغرفة السابعة.. الغرفة الأخيرة، فرأيت بابها مفتوحاً على مصراعيه.
ودخلت..
- 9 -
أيها الولدُ..
اقتبل الجدارَ
فليسَ بَعْدَ مَحْوِ النفسِ
إلا الفرارُ
من الجدارِ إلى الجدارْ
كان الصوت يصلني عميقاً وجليلاً، ليدخل إلى عظامي ودمي ولحمي وجلدي.
أيها الولدُ.
خُذ القِبْلةَ، وامْحُ نفسك.
فَبَعْدَ هذه اليقظة
لا مفرَّ من الجدار
إلى الجدار
صَوَّبت بصري إلى نقطةٍ ما في الجدار الدائري، فرأيتُ شبحاً باركاً على ركبتيه، بينما كان الصوت يصلني عميقاً وجليلاً:
أيّها الولدُ :
امحُ نَفْسَكْ
توقفت في مكاني داخل هذه الغرفة الدائرية، وإذ التَفَتُّ إلى الخلف، حيث الباب ما يزال مفتوحاً، شاهدت الشيخ مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى قبة السماء.
كانت صُرتي معي، تحسستها جيداً، فعرفت أنها موجودة عند إبطي الأيمن، ثم ردّدتُ من داخل نفسي : »الحمد لله رب العالمين«. وعندها فُتح عليَّ بابُ كل شيء : الغرفة منوّرة بنور أبيض، أحسست بلطفه يلامس جسدي، ويكشف لي ما خلف الجدران، رأيت الحجيج في مكة والمدينة، رأيت ميسان والقدس وكربلاء والكوفة، رأيت إيوان كسرى يتداعى وفرسان الروم صرعى، رأيت بدراً وصفين وخيبرا، ورأيت شهاباً قادماً من عمق السماء، ينادي : أَمِتْ.. أَمِتْ..
أقبل عليّ الصوت العميق الجليل :
- والآن أيها المجنون، ما أنت فاعلٌ بنفسك، وقد فُتح لك بابُ كلّ شيء؟
- إلى الفردوس..
صمتٌ. النور يغمرني، ثم شاهدت، بعينيّ قلبي، ما سيحدث : جيش يخسف به جزيرة العرب، نار تلتهب في عدن يراها أناس بصرى، الغمر يغطي البصرة، جسور الزوراء تتداعى، نفس زكية تقتل في كوفان، الروم في خاصرة الشام، مائدة الرب في طبرية، سيد يطالب بالثأر ينزل من جبال فارس، وبقية الله في الأرض يُصلّي بين الركن والمقام.
عاد الصوت العميق الجليل مرة أخرى : »وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين«.
تُهتُ. شاهدت نفسي دلالاً كاملاً، رأيتني خارجي، رأيتني في داخلي، رأيت النور يقبل عليَّ، ويضمني إليه، رأيتني أقبل على النور وأكونه، وكان حال حالي يتمايل طرباً :
اقتلوني يا ثُقاتي
إنّ في قَتْلي مماتي
ومماتي في حياتي
وحياتي في مماتي
إن عندي محو ذاتي
من أجل المكرماتِ
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
- 10 -
[align=center]رويداً، رويداً، أخذت أعي ما حولي : هذا هو جسدي، إنني مستيقظ، أرى الغرفة الدائرية والنور الأبيض، وها هو الشيخ الجليل يجلس أمامي.
تحسستُ صرّة الكفنين، فرأيت الشيخ يبتسم. نظرتُ إلى الحوش، من خلال الباب المفتوح، فرأيت الشيخ مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى عنان السماء :
- أنت هنا، وفي الحوش؟
- ردّ الشيخ بهدوء : نعم.
- منذ متى يحدث هذا؟
- علمه عند ربي.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة، فرأيت وجهه مُشْرقاً ومهيباً.
وقال : تعال أعرفك على نفسك، قادني من يدي، تماماً كما فعل عند الروضة، وجلسنا على حصير آخر من سعف النخيل.
- انظر إلى الجدار، قال الشيخ.
وقبل أن أدير بصري إلى الشمال، رأيت من اليمين ومن الشمال، ومن علٍ ومن أسفل، امرأة بيضاء، كما النور تماماً، تقبل نحوي.
- هي ذي.
- زينب، قاطعت الشيخ متلهفاً.
- نعم، زينب.
زينب، زينب، زينب، وأخذ الصوت الهادىء الأليف الجميل الورع العذب، يملأ أرجاء الغرفة المدورة، حيثما أوجِّه بصري أراها، وحيثما أرهف السمع أسمعها.
- أنا زينب، يا مجنون.
- السلام على سيدتي، السلام على البتول، السلام على حارسة المساجد، السلام على سيدة الصبر، السلام على سيدة الحزن، السلام على الشفيعة.
حللتُ الصُرّة الخضراء، وأخرجت قطعة القماش البيضاء، ووضعتها بين قدميها.
- هذا كفنك يا مولاتي.
- وهي هديتي إليك.
- الآن...اكتملت زينتي، ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
هكذا قالت زينب.
تقدمت زينب خطوتين، وجلست بيني وبين الشيخ، فيما كنت أراها تملأ كل الغرفة، والشيخ ما يزال في الحوش، مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى قبة السماء.
- والآن.. يا مجنون الزمان.
- تلاشى الزمان وهرب المكان.
وسمعت الشيخ يقول من داخل الغرفة السابعة، ومن الحوش أيضاً: يا لقَلْبي الفَرِحْ... لقد رَوَيْتُ سيرة المجنون في كل الأزمنة والأمكنة.
قالت زينب : أُدْنُ.
فدنوتْ.
قالت زينب : أكثر، أكثر.
فدنوتْ.
ذقت حلاوة الجنة، بينما كانت زينب تنادي عليّ : أكثر، أكثر، أكثر.. واتحدنا.
- 11 -
أكثر.. أكثر.. أكثر..
- 12 -
أفقت مرة أخرى، فوجدتني أطوف حول الكعبة،
وقلبي يصرخ :
سبحانك ما أعظم شأنك.
المجنون
العشر الأواخر - رمضان
1417 هـ -1996 م
أبوظبي
أناشيد
يا ربّ إن ذنوبي قد أَحطْتَ بها
علماً وبي وبإعلاني وإسراري
أنا الموحّد لكني المقرّ بها
فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
»أبو الحسن أحمد بن فارس
ابن زكريا بن حبيب الرازي«
قال الراوي : كادت الحمََّى أن تصرعني، وكان ذلك في ليلةٍ من ليالي النصف من شهر أيلول، فقلت لنفسي : لعل نزهة عند شاطىء الكرخة تطرد هذه الزائرة غير المرغوب فيها. وقبل أن أصل إلى مبتغاي، سمعت صوتاً إنسيَّاً يقول :
تشبه الفلاة الفلاةْ
فأين... مَن يشبه روحي؟
ولما دنوت قليلاً من صاحب الصوت، عرفت فيه المجنون. فما أعارني انتباهاً، واستمر يقول :
إذ الصحراء تصمت
لن تَري في الأفق ألا اسمك
في مرآة قلبي
في كل شقوق الأرض عطرك
في ضياء وعتمة كل المجرات
قرنفلة تتحدث العربية
أنت بوذا وماني وطائر العقل
أنت آخر الأسرار
وأنا آخر المجانين.
قال الراوي : وضعتُ كفيَّ على كتفي المجنون وقلت : ماذا دهاك؟ قال الراوي.. قال المجنون : طائف من الحمى ألمَّ بي لساعات، فكيف حالي وسقر فراشي؟ ثم نزل إلى ماء النهر، وأنشد يقول :
1 - المسبحة السكرى
أيقظنا الليل من غفوته
والنهار - بكلمة منك -
تحرّر من سطوة الشمس
لم يبق للربيع ورد يهديه للعشاق
لم يبق للشتاء مطر
ولا البحار استمرت في غموضها
لم يبق للخريف فضيلة الاغتسال بورق الاشجار
ولا للريح امتياز العواصف
لأنَّ ذراعكِ توسّدتْ كتفي
كتفي!
يا أنت.. يا كتفي
كيف استطعت احتمال هذا الحب؟
* *
اسمي المعلّق في أعلى الثريّا
بل جسدي كله
يسقط - الآن -
مثل حبة رطب بصراوية
ليستقر بين شفتيك
تكفيني جلسة إلى منضدة
منضدة خشبية متواضعة
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري في مطعم صيفي
منضدة خشبية تكاد تتنفس
لأنك نسيت فوقها مسبحتك
ذات مساء
* *
عندما تَنْهدُّ كل جسور العالم
عندما يصيب العطب كل عبارات الأكوان
عندما لا يوجد حديد أو خشب
عندما تُبلى حتى عظام الأجداد
سأبني من أضلعي معبراً
تمرّين فوقه إلى حيث الذي تُحبّين
* *
تحفّيْ وانثري شعرك
أو كوني كما ترغبين
وعندها سأتعلق بدشداشتك
كما يحتمي الحوار بضرع أمه.
غَدنا سنصنعه معاً
أنت في عزلتك
وأنا في منفاي
* *
منذ خمس عشرة سنة
صافحتك.
منذ خمس عشرة سنة
نسيت كفي اليُمنى في باطن كفك اليُمنى
منذ خمس عشرة سنة
نسيت نفسي فيك.
2 - حجاب
- 1 -
لا مفرّ
هي إرادة الله، وليست ضربة
من قدر
نحن تفاحة الحياة
نصفها أنتِ
وما تبقى لي
يا حلم آخر العمر.
- 2 -
في بعض قلبي، حفنة تراب. أرسيتها جبالاً، وسويتها سهولاً وودياناً، وأجريتها غدراناً وأنهاراً وخلجاناً وبحاراً، وزرعتها نخلاً وسدراً وحناء ولباناً وشيئاً من عنب وتين وزيتون.
وفي شاردة من شأني، نظرت إلى فصّ محبس بُنصري الأيمن، فامتلأت بالطير والحيوان. وعندما اشتعل الفصّ انقاد إليّ الرعد، وتبعتني الرّيح. وخفضت أجنحتها الأمطار، وتفعّت بين مفارق أصابعي النار، بينما استوت وحدتي فردوساً ما بين عينيك.
حفنة تراب استوت قارة
هي مملكتك
وهي منفاي
فتعالي - إذن - إلى لطفي
لأنه أمرٌ من الله
وليس ضربة من قدر
يا ربات الشعر، وأنتن يا بنات نَعْش
ويا جبال هذي الأرض.
يا فرسان العرب، وأنتم يا حكماء العجم
وأنت أيها المبجل هوميروس.
يا بوابات بابل وأرباض أوروك وطيبة
وأنت يا نحيب جلجامش
ويا وحشة كربلاء.
أيها العماليق، وأنتم يا قتلى كل الحروب
ويا مخابيل الخليقة
يا كتائب الشعراء وكراديس الفنانين
وأنتِ أيتها الأحلام والبحار التي لم تكتشف بعد
أنت يا أراجون وجميل ومعمر
أنت يا شاتوبريان والخضر
اشهدوا لي جميعاً:
أن زينب منفاي وفردوسي
وأنِّي متيمها الأخير
- 3 -
هَجَرْتُ حبّاً
وليس خوفاً من دنو الأجل
وحدي - أنا مجنون الليل والنهار
وحدي أدخل وحدتي
وحدي،
أكلّم يقظتي وموتي
وأنت وحدتي ويقظتي وموتي
- 4 -
يا له من بصير مقتدر
ابتلاني بجنوني
وأبعدني عن العامة
- 5 -
في بيداء روحي
شجرة لوز وقطعة من نفنوفك
قالت لي شجرة اللوز:
يا مجنون الزمان..
هي خيمتك
وهي كفنك.
3- امتثالات
- 1 –
حياتي حلم متصل
ومثل رضيع يحلم قبل أن يلتقم ثدي أمه
تدخلين في حلمي،
ونضحك
فأية شريعة تمنعني من الحلم
وأنت حلمي المتصل؟
- 2 -
قال الراوي:
رأينا المجنون بعد صلاة العصر يخرج راكضاً مخلفاً مسجد الكرخة وراءه، مولياً وجهه باتجاه النهر وقبل ان يدخل في الماء توضأ وصلى ركعتين.
اقتربنا منه: رجالاً ونساءً وأطفالاً، سميناه المجنون، ربما لأنه يكون دوماً عاري الجسد إلا من خرقة تستر وسطه. وكان عارياً إلا من تلك الخرقة، بينما كان يمد ذراعه اليسرى ويفصد باليمنى مكاناً عند الرسغ الأيسر، ثم يكتب بدمه هذه الكلمات:
قلبي المحموم
قلبي الأبيض مثل حمام المساجد
قلبي الذي بات بستاناً للبلابل
قلبي الحزين.
يا أنت، يا هذا القلب الذي مثل مرآة.
قال الراوي:
كان دم المجنون يسيل من رسغه الأيسر، دون أن يكترث لجمعنا الذي أحاط به. دائرة: شكَّلنا حوله دائرة بشرية، كنا نَخْزُرُه بعيون فاحصة، بينما كان هو يستعد للعياط.
ثم إنه استدار إلينا، واحداً واحداً، وللمرة الأولى نسمعه يتحدث، لكنه لم يتحدث طويلاً بل قام من مجلسه، وكتب بدمه فوق ثديه الأيسر: زينب.
- 3 -
أعرف أن خياراتي صعبة
أعرف أنني عاشرت النُّدُلَ وصادقت المجانين
أعرف أنني سكنت قصوراً وعبرت موانىء كثيرة
أعرف عدد أصابع يدي
أعرف أنني ساكنتُ الخطر
بيد أنني أعرف - بالتأكيد -
أنك امتثالي الأخير.
- 4 -
في بساتين النخيل التي نَمَت وأينعت وأسقطت رطباً جنياً برعاية الله. دون أن تمتد إليها أيادي البشر.
في تلك البساتين، بل فوق قامة كل نخلة كتبت اسمك.
وعندما كان الناس يتابعونني وأنا أكتب اسمك على أعمدة النور وفوق جدران المدارس، وعلى بوابة المسجد، وعلى ماء النهر، وعند ثديي الأيسر، وعلى بندقية شرطي الحراسة، وقرب قدر بائعة الباقلاء، لم أكن أرى أيّاً منهم، لأنني كنت أراك في كل واحد منهم.
للجميع شواهدهم، مثل القبور تماما.
للناس أسماؤهم، وشكل ملابسهم، وأماكن سكناهم.
ولك قلبي.. شاهداً واسماً وحريراً وغرفة بحجم كف رضيع.
- 5 -
في اللحظة الأخيرة..
قبل أن يقبضني ملك الموت
في اللحظة الأخيرة
قبل التكفين وآخر كلمة من أنشودة التلقين
في اللحظة الأخيرة..
وقبل آخر كلمة في استجواب الملكين الشاهدين
في اللحظة الأخيرة..
قبل الارتحال من البرزخ
في اللحظة الأخيرة..
وأنا في المتر الأخير على الصراط
في اللحظة الأخيرة.
وأنا قبالة النور
سيهتف قلبي:
زينب.
4 ــ صداقات
إلهي..
بحق جلال وجهك
هَبْني صبراً
لأحتمل نعياً لم يأتِ بعد
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في سراديب ظلماء
أو عطاشى في صحراء »النقرة«
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في حانة شبه مضاءة
أو شهداء في محاريب
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
أسرى عند الأحزاب
أو في حوادث طرق
كلّهم سيمضون - أصدقائي الرائعون -
ولن يبقى منهم أحد
جوعى في منافي الأوطان
ومنفيون في مدن الرفاهية
أصدقائي الرائعون..مضوا
وسيمضون
يا رب:
آن لي أن أعود شاباً
لأقطفَ وردةً من حديقة في ميسان
أو أخطبَ في مظاهرة
آن لي أن أعود شاباً
لأرقد على الرصيف الذي أختاره
أو أخط شعاراً على الحائط
آن لي أن أعود شاباً
لأحجز قبري في »وادي السلام«
أو أتأبط ذراع زينب
آن لي أن أعود شاباً
لأتخاصم مع ستالين
أو أكتب تاريخ سجن »الحلة«
آن لي أن أعود شاباً
لأتبصر في حياة أبي ذر
أو أبوس سيفاً لم يغمد بعد
يا رب:
هبني صبراً
الأصدقاء الرائعون رحلوا
ولم أعد أحتمل وحشة ما بعد الأربعين
5 - مشاهدات
- 1 -
يا مَنْ أخذتَني منّي
لا تردّني إليّ
تعاليت.. تعاليت
فما قبلك قِدَمْ
ولا بعدكَ حدثْ
قدّوس
قدّوس
فهذا ترابي - بقدرتك -
عاد نوراً في حضرتك
وهذا - أنا - تعاليتَ
ترابي نور بمشيئتك
أنصب تختَ عرسي
وحيداً في بريتك
فكيف لي بعد هذا الكشف
- يا سيدي -
بنفسي إذا ما رُدّتْ إليّ
وقلبي وقد عاد أرضيا..!
- 2 -
يا من أخَذْتَني منها
لا تردّني إلى نفسي
قدّوس
قدّوس
منك الأمر
وعليّ السمع والطاعة
وكما أمرت - يا لجلال وجهك -
استقمتُ.
بل أقول استَوَيْتُ
لحافي سماواتك
وأرضونك مسجدي وطهوري
الآن
وقد أخذتني - يا سيدي -مني
الآن
ولم تردّني - يا مولاي - إليّ
الآن
أستقيم يا خالقي بأمرك
وأستوي - يا بارئي - بمشيئتك
يا من توفيتها مني
لا ترد نفسي إليّ
لا تردني إليّ
لا تردني
لا
.
نجمة في الكف
وأخرى في الذرى
نجمة في القلب
وأخرى مجتباة
يا لتلك الروح
يا شبيهة نفسك
6 - رعد صامت
عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في المدى
سوى رعود صامتة وسحب عمياء
وعندما أغمضت عينيّ
جلستُ إلى النور
أبكي
لينتحِبَ من أجلي النور.
* *
عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في الأفق
إلا قناطيس مفزوعة
ومراكب هجرها ملاحوها وبحر دائخ
وعندما أغمضت عينيّ
رأيت سمكاً في مرآب قلبي
وليوثاً تتشمس عند حافات جسدي
أهو قدري..
ألاّ أرى في الضوء
وأبصر في النور؟
أهو قدري..
أن أتضاحك في الضوء
وأبتسم في النور؟
أيها النور..
أهو قدري أن أهجر الضوء
لأكونك!
- 3 -
يأتون من حيث لا أحتسب
في الضوء المبهر لصالات المرايا
وشطآن الفيروز
يأتون من كل الجهات
أولئك الهازئون الشامتون
يرقصون حولي ويعربدون
وعندما أغمض عينيّ
تتقد منائر النور
ويهربون
- 4 -
أصدقائي الفانين
وأنتم - أحبتي - الموتى
ما جدوى هذه الحفلة؟
- 5 -
وحشة عند الفجر
وفي الصباح كما في الظهيرة
تتبعثر الروح تحت الكراسي
وثريات الصالات
أما في الغروب والمساء
فلا مروءة إلا في المرآة
أيتها المرآة، أنت أيتها المرآة
أين وجهي في عمقك؟
- 6 -
ستمضي هذه العاصفة
من غير نسل
لأنني لم أكن محورها
ستمضي هذه الغيمة إلى مستقرها
ولن تمطر
لأني ماؤها اليابس.
- 7 -
سأمضي وحدي
مثل عاصفة بلا محور
وغيمة بلا مطر،
سأمضي وحدي
أبعد من استمرار نهاية المنارة
وسور البستان
سأعبر - بروحي - وحدي
ودون اهتمام باهتمامكم
آخر بحور الكلمات
وهناك..
حيث تستقبلني روحي زينب
سأتقد...حباً
ونوراً.[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
- 10 -
[align=center]رويداً، رويداً، أخذت أعي ما حولي : هذا هو جسدي، إنني مستيقظ، أرى الغرفة الدائرية والنور الأبيض، وها هو الشيخ الجليل يجلس أمامي.
تحسستُ صرّة الكفنين، فرأيت الشيخ يبتسم. نظرتُ إلى الحوش، من خلال الباب المفتوح، فرأيت الشيخ مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى عنان السماء :
- أنت هنا، وفي الحوش؟
- ردّ الشيخ بهدوء : نعم.
- منذ متى يحدث هذا؟
- علمه عند ربي.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة، فرأيت وجهه مُشْرقاً ومهيباً.
وقال : تعال أعرفك على نفسك، قادني من يدي، تماماً كما فعل عند الروضة، وجلسنا على حصير آخر من سعف النخيل.
- انظر إلى الجدار، قال الشيخ.
وقبل أن أدير بصري إلى الشمال، رأيت من اليمين ومن الشمال، ومن علٍ ومن أسفل، امرأة بيضاء، كما النور تماماً، تقبل نحوي.
- هي ذي.
- زينب، قاطعت الشيخ متلهفاً.
- نعم، زينب.
زينب، زينب، زينب، وأخذ الصوت الهادىء الأليف الجميل الورع العذب، يملأ أرجاء الغرفة المدورة، حيثما أوجِّه بصري أراها، وحيثما أرهف السمع أسمعها.
- أنا زينب، يا مجنون.
- السلام على سيدتي، السلام على البتول، السلام على حارسة المساجد، السلام على سيدة الصبر، السلام على سيدة الحزن، السلام على الشفيعة.
حللتُ الصُرّة الخضراء، وأخرجت قطعة القماش البيضاء، ووضعتها بين قدميها.
- هذا كفنك يا مولاتي.
- وهي هديتي إليك.
- الآن...اكتملت زينتي، ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
هكذا قالت زينب.
تقدمت زينب خطوتين، وجلست بيني وبين الشيخ، فيما كنت أراها تملأ كل الغرفة، والشيخ ما يزال في الحوش، مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى قبة السماء.
- والآن.. يا مجنون الزمان.
- تلاشى الزمان وهرب المكان.
وسمعت الشيخ يقول من داخل الغرفة السابعة، ومن الحوش أيضاً: يا لقَلْبي الفَرِحْ... لقد رَوَيْتُ سيرة المجنون في كل الأزمنة والأمكنة.
قالت زينب : أُدْنُ.
فدنوتْ.
قالت زينب : أكثر، أكثر.
فدنوتْ.
ذقت حلاوة الجنة، بينما كانت زينب تنادي عليّ : أكثر، أكثر، أكثر.. واتحدنا.
- 11 -
أكثر.. أكثر.. أكثر..
- 12 -
أفقت مرة أخرى، فوجدتني أطوف حول الكعبة،
وقلبي يصرخ :
سبحانك ما أعظم شأنك.
المجنون
العشر الأواخر - رمضان
1417 هـ -1996 م
أبوظبي
أناشيد
يا ربّ إن ذنوبي قد أَحطْتَ بها
علماً وبي وبإعلاني وإسراري
أنا الموحّد لكني المقرّ بها
فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
»أبو الحسن أحمد بن فارس
ابن زكريا بن حبيب الرازي«
قال الراوي : كادت الحمََّى أن تصرعني، وكان ذلك في ليلةٍ من ليالي النصف من شهر أيلول، فقلت لنفسي : لعل نزهة عند شاطىء الكرخة تطرد هذه الزائرة غير المرغوب فيها. وقبل أن أصل إلى مبتغاي، سمعت صوتاً إنسيَّاً يقول :
تشبه الفلاة الفلاةْ
فأين... مَن يشبه روحي؟
ولما دنوت قليلاً من صاحب الصوت، عرفت فيه المجنون. فما أعارني انتباهاً، واستمر يقول :
إذ الصحراء تصمت
لن تَري في الأفق ألا اسمك
في مرآة قلبي
في كل شقوق الأرض عطرك
في ضياء وعتمة كل المجرات
قرنفلة تتحدث العربية
أنت بوذا وماني وطائر العقل
أنت آخر الأسرار
وأنا آخر المجانين.
قال الراوي : وضعتُ كفيَّ على كتفي المجنون وقلت : ماذا دهاك؟ قال الراوي.. قال المجنون : طائف من الحمى ألمَّ بي لساعات، فكيف حالي وسقر فراشي؟ ثم نزل إلى ماء النهر، وأنشد يقول :
1 - المسبحة السكرى
أيقظنا الليل من غفوته
والنهار - بكلمة منك -
تحرّر من سطوة الشمس
لم يبق للربيع ورد يهديه للعشاق
لم يبق للشتاء مطر
ولا البحار استمرت في غموضها
لم يبق للخريف فضيلة الاغتسال بورق الاشجار
ولا للريح امتياز العواصف
لأنَّ ذراعكِ توسّدتْ كتفي
كتفي!
يا أنت.. يا كتفي
كيف استطعت احتمال هذا الحب؟
* *
اسمي المعلّق في أعلى الثريّا
بل جسدي كله
يسقط - الآن -
مثل حبة رطب بصراوية
ليستقر بين شفتيك
تكفيني جلسة إلى منضدة
منضدة خشبية متواضعة
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري في مطعم صيفي
منضدة خشبية تكاد تتنفس
لأنك نسيت فوقها مسبحتك
ذات مساء
* *
عندما تَنْهدُّ كل جسور العالم
عندما يصيب العطب كل عبارات الأكوان
عندما لا يوجد حديد أو خشب
عندما تُبلى حتى عظام الأجداد
سأبني من أضلعي معبراً
تمرّين فوقه إلى حيث الذي تُحبّين
* *
تحفّيْ وانثري شعرك
أو كوني كما ترغبين
وعندها سأتعلق بدشداشتك
كما يحتمي الحوار بضرع أمه.
غَدنا سنصنعه معاً
أنت في عزلتك
وأنا في منفاي
* *
منذ خمس عشرة سنة
صافحتك.
منذ خمس عشرة سنة
نسيت كفي اليُمنى في باطن كفك اليُمنى
منذ خمس عشرة سنة
نسيت نفسي فيك.
2 - حجاب
- 1 -
لا مفرّ
هي إرادة الله، وليست ضربة
من قدر
نحن تفاحة الحياة
نصفها أنتِ
وما تبقى لي
يا حلم آخر العمر.
- 2 -
في بعض قلبي، حفنة تراب. أرسيتها جبالاً، وسويتها سهولاً وودياناً، وأجريتها غدراناً وأنهاراً وخلجاناً وبحاراً، وزرعتها نخلاً وسدراً وحناء ولباناً وشيئاً من عنب وتين وزيتون.
وفي شاردة من شأني، نظرت إلى فصّ محبس بُنصري الأيمن، فامتلأت بالطير والحيوان. وعندما اشتعل الفصّ انقاد إليّ الرعد، وتبعتني الرّيح. وخفضت أجنحتها الأمطار، وتفعّت بين مفارق أصابعي النار، بينما استوت وحدتي فردوساً ما بين عينيك.
حفنة تراب استوت قارة
هي مملكتك
وهي منفاي
فتعالي - إذن - إلى لطفي
لأنه أمرٌ من الله
وليس ضربة من قدر
يا ربات الشعر، وأنتن يا بنات نَعْش
ويا جبال هذي الأرض.
يا فرسان العرب، وأنتم يا حكماء العجم
وأنت أيها المبجل هوميروس.
يا بوابات بابل وأرباض أوروك وطيبة
وأنت يا نحيب جلجامش
ويا وحشة كربلاء.
أيها العماليق، وأنتم يا قتلى كل الحروب
ويا مخابيل الخليقة
يا كتائب الشعراء وكراديس الفنانين
وأنتِ أيتها الأحلام والبحار التي لم تكتشف بعد
أنت يا أراجون وجميل ومعمر
أنت يا شاتوبريان والخضر
اشهدوا لي جميعاً:
أن زينب منفاي وفردوسي
وأنِّي متيمها الأخير
- 3 -
هَجَرْتُ حبّاً
وليس خوفاً من دنو الأجل
وحدي - أنا مجنون الليل والنهار
وحدي أدخل وحدتي
وحدي،
أكلّم يقظتي وموتي
وأنت وحدتي ويقظتي وموتي
- 4 -
يا له من بصير مقتدر
ابتلاني بجنوني
وأبعدني عن العامة
- 5 -
في بيداء روحي
شجرة لوز وقطعة من نفنوفك
قالت لي شجرة اللوز:
يا مجنون الزمان..
هي خيمتك
وهي كفنك.
3- امتثالات
- 1 –
حياتي حلم متصل
ومثل رضيع يحلم قبل أن يلتقم ثدي أمه
تدخلين في حلمي،
ونضحك
فأية شريعة تمنعني من الحلم
وأنت حلمي المتصل؟
- 2 -
قال الراوي:
رأينا المجنون بعد صلاة العصر يخرج راكضاً مخلفاً مسجد الكرخة وراءه، مولياً وجهه باتجاه النهر وقبل ان يدخل في الماء توضأ وصلى ركعتين.
اقتربنا منه: رجالاً ونساءً وأطفالاً، سميناه المجنون، ربما لأنه يكون دوماً عاري الجسد إلا من خرقة تستر وسطه. وكان عارياً إلا من تلك الخرقة، بينما كان يمد ذراعه اليسرى ويفصد باليمنى مكاناً عند الرسغ الأيسر، ثم يكتب بدمه هذه الكلمات:
قلبي المحموم
قلبي الأبيض مثل حمام المساجد
قلبي الذي بات بستاناً للبلابل
قلبي الحزين.
يا أنت، يا هذا القلب الذي مثل مرآة.
قال الراوي:
كان دم المجنون يسيل من رسغه الأيسر، دون أن يكترث لجمعنا الذي أحاط به. دائرة: شكَّلنا حوله دائرة بشرية، كنا نَخْزُرُه بعيون فاحصة، بينما كان هو يستعد للعياط.
ثم إنه استدار إلينا، واحداً واحداً، وللمرة الأولى نسمعه يتحدث، لكنه لم يتحدث طويلاً بل قام من مجلسه، وكتب بدمه فوق ثديه الأيسر: زينب.
- 3 -
أعرف أن خياراتي صعبة
أعرف أنني عاشرت النُّدُلَ وصادقت المجانين
أعرف أنني سكنت قصوراً وعبرت موانىء كثيرة
أعرف عدد أصابع يدي
أعرف أنني ساكنتُ الخطر
بيد أنني أعرف - بالتأكيد -
أنك امتثالي الأخير.
- 4 -
في بساتين النخيل التي نَمَت وأينعت وأسقطت رطباً جنياً برعاية الله. دون أن تمتد إليها أيادي البشر.
في تلك البساتين، بل فوق قامة كل نخلة كتبت اسمك.
وعندما كان الناس يتابعونني وأنا أكتب اسمك على أعمدة النور وفوق جدران المدارس، وعلى بوابة المسجد، وعلى ماء النهر، وعند ثديي الأيسر، وعلى بندقية شرطي الحراسة، وقرب قدر بائعة الباقلاء، لم أكن أرى أيّاً منهم، لأنني كنت أراك في كل واحد منهم.
للجميع شواهدهم، مثل القبور تماما.
للناس أسماؤهم، وشكل ملابسهم، وأماكن سكناهم.
ولك قلبي.. شاهداً واسماً وحريراً وغرفة بحجم كف رضيع.
- 5 -
في اللحظة الأخيرة..
قبل أن يقبضني ملك الموت
في اللحظة الأخيرة
قبل التكفين وآخر كلمة من أنشودة التلقين
في اللحظة الأخيرة..
وقبل آخر كلمة في استجواب الملكين الشاهدين
في اللحظة الأخيرة..
قبل الارتحال من البرزخ
في اللحظة الأخيرة..
وأنا في المتر الأخير على الصراط
في اللحظة الأخيرة.
وأنا قبالة النور
سيهتف قلبي:
زينب.
4 ــ صداقات
إلهي..
بحق جلال وجهك
هَبْني صبراً
لأحتمل نعياً لم يأتِ بعد
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في سراديب ظلماء
أو عطاشى في صحراء »النقرة«
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في حانة شبه مضاءة
أو شهداء في محاريب
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
أسرى عند الأحزاب
أو في حوادث طرق
كلّهم سيمضون - أصدقائي الرائعون -
ولن يبقى منهم أحد
جوعى في منافي الأوطان
ومنفيون في مدن الرفاهية
أصدقائي الرائعون..مضوا
وسيمضون
يا رب:
آن لي أن أعود شاباً
لأقطفَ وردةً من حديقة في ميسان
أو أخطبَ في مظاهرة
آن لي أن أعود شاباً
لأرقد على الرصيف الذي أختاره
أو أخط شعاراً على الحائط
آن لي أن أعود شاباً
لأحجز قبري في »وادي السلام«
أو أتأبط ذراع زينب
آن لي أن أعود شاباً
لأتخاصم مع ستالين
أو أكتب تاريخ سجن »الحلة«
آن لي أن أعود شاباً
لأتبصر في حياة أبي ذر
أو أبوس سيفاً لم يغمد بعد
يا رب:
هبني صبراً
الأصدقاء الرائعون رحلوا
ولم أعد أحتمل وحشة ما بعد الأربعين
5 - مشاهدات
- 1 -
يا مَنْ أخذتَني منّي
لا تردّني إليّ
تعاليت.. تعاليت
فما قبلك قِدَمْ
ولا بعدكَ حدثْ
قدّوس
قدّوس
فهذا ترابي - بقدرتك -
عاد نوراً في حضرتك
وهذا - أنا - تعاليتَ
ترابي نور بمشيئتك
أنصب تختَ عرسي
وحيداً في بريتك
فكيف لي بعد هذا الكشف
- يا سيدي -
بنفسي إذا ما رُدّتْ إليّ
وقلبي وقد عاد أرضيا..!
- 2 -
يا من أخَذْتَني منها
لا تردّني إلى نفسي
قدّوس
قدّوس
منك الأمر
وعليّ السمع والطاعة
وكما أمرت - يا لجلال وجهك -
استقمتُ.
بل أقول استَوَيْتُ
لحافي سماواتك
وأرضونك مسجدي وطهوري
الآن
وقد أخذتني - يا سيدي -مني
الآن
ولم تردّني - يا مولاي - إليّ
الآن
أستقيم يا خالقي بأمرك
وأستوي - يا بارئي - بمشيئتك
يا من توفيتها مني
لا ترد نفسي إليّ
لا تردني إليّ
لا تردني
لا
.
نجمة في الكف
وأخرى في الذرى
نجمة في القلب
وأخرى مجتباة
يا لتلك الروح
يا شبيهة نفسك
6 - رعد صامت
عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في المدى
سوى رعود صامتة وسحب عمياء
وعندما أغمضت عينيّ
جلستُ إلى النور
أبكي
لينتحِبَ من أجلي النور.
* *
عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في الأفق
إلا قناطيس مفزوعة
ومراكب هجرها ملاحوها وبحر دائخ
وعندما أغمضت عينيّ
رأيت سمكاً في مرآب قلبي
وليوثاً تتشمس عند حافات جسدي
أهو قدري..
ألاّ أرى في الضوء
وأبصر في النور؟
أهو قدري..
أن أتضاحك في الضوء
وأبتسم في النور؟
أيها النور..
أهو قدري أن أهجر الضوء
لأكونك!
- 3 -
يأتون من حيث لا أحتسب
في الضوء المبهر لصالات المرايا
وشطآن الفيروز
يأتون من كل الجهات
أولئك الهازئون الشامتون
يرقصون حولي ويعربدون
وعندما أغمض عينيّ
تتقد منائر النور
ويهربون
- 4 -
أصدقائي الفانين
وأنتم - أحبتي - الموتى
ما جدوى هذه الحفلة؟
- 5 -
وحشة عند الفجر
وفي الصباح كما في الظهيرة
تتبعثر الروح تحت الكراسي
وثريات الصالات
أما في الغروب والمساء
فلا مروءة إلا في المرآة
أيتها المرآة، أنت أيتها المرآة
أين وجهي في عمقك؟
- 6 -
ستمضي هذه العاصفة
من غير نسل
لأنني لم أكن محورها
ستمضي هذه الغيمة إلى مستقرها
ولن تمطر
لأني ماؤها اليابس.
- 7 -
سأمضي وحدي
مثل عاصفة بلا محور
وغيمة بلا مطر،
سأمضي وحدي
أبعد من استمرار نهاية المنارة
وسور البستان
سأعبر - بروحي - وحدي
ودون اهتمام باهتمامكم
آخر بحور الكلمات
وهناك..
حيث تستقبلني روحي زينب
سأتقد...حباً
ونوراً.[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]مذكرات
قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير، من ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، من كل سنة، اعتدتُ رؤية المجنون، يطرق باب بيتي، فأدخله إلى حيث أجلس، وأستمع إلى بكائه المتواصل.
أما في ليلتنا هذه، من شهرنا هذا، من عامنا هذا، فلقد طرق المجنون - كعادته - باب بيتي، فأدخلته إلى حيث أجلس، لم يكن يبكي - كعادته - وإنما قال: ليتني أقول مثله: »فُزتُ وربِّ الكَعْبَةِ«.
قلت للمجنون: ستفوز يا ولدي، لأنك سائر على طريقه، فلما سَمِعَ كلامي، مد يده اليمنى إلى مخبأ في قطعة القماش التي تستر وسطه، وناولني هذه الوريقات:
10 - محرم
جلست زينب بجوار جدتها زينب، بينما كانت جمرات الصفصاف تخبو رويداً رويداً، والليل قارب على الانتصاف ومن على بعد كانت كلاب حراسة الماشية تطلق نباحاً متقطعاً.
قالت الحفيدة متوسلة: يا جدتي.. يا زينب الكبرى أريد أن أستمع إلى حكاية ذلك المجنون، الرجل الغريب الذي ذاع صيته في منطقة المستنقعات المجاورة. وهام حباً في تلك المرأة. تلك المرأة التي يشبه اسمها اسمك، يا جدتي..
خفق قلب الجدة، هي الآن في الستين من عمرها، لكنها ما إن سمعت حفيدتها تذكر اسم الرجل الغريب، ذلك المجنون، حتى استعادت رشدها، فهي في تلك اللحظة أيضاً، كانت تفكر في تلك القرية المنسية عند الحافة القصية لتلك المستنقعات.
قالت الجدّة: من أجل عينيك يرخص الغالي.
قالت زينب: أفديك بعيني..
قالت الجدة، بعد أن أبعدت مغزلها عن فخذها اليمنى، وأطلقت خيالها الذي اتسع له فضاء كوخ القصب: السالفة وما فيها - يا زينب - أنه في سالف الزمان وقديم المكان، كان أهالي مدينة »الكرخة« يعيشون في بيوت متجاورة، أبوابها دائما مفتوحة وطعام أهلها موفور، لا تعرفين فقيرهم من غنيهم، ولا أميرهم من خفيرهم، لأنهم قوم من نسل واحد وليسوا أخلاطاً، وكان شبابهم.. يُجلُّون شيوخهم. وشيوخهم يفتخرون بشبابهم.. بينما نساؤهم جميلات كأنهن درر مبثوثة. مدهونات بالعود، ومتديرمات بالديرم، جميلات في مشيهن، وقعودهن، ويومها كان الرجال رجالاً يا بنيتي.
توقفت الجدة برهة، كأنها تستعيد ذكريات دفنت في غياهب لا يعرف مداخلها ومخارجها ومفازاتها إلا الراسخون في العلم، فقالت الحفيدة تستحثها على الكلام: نعم، يا جدتي أعرف هذا كله، ولقد سمعت به منك ومن غيرك، إنما مطلبي الليلة حكاية ذلك الغريب الذي سموه بالمجنون.
قالت الجدة: سيحصل هذا، سيحصل، فديت عينيك، ففي تلك الحال، وفد على »الكرخة« شاب ليس من أهلنا، ولم نعرف فصله وأصله، لكن سماته تدل على نبل محتده، وسلوكه يقول إنه ابن عزّ، وكان إذا مشى كأنما الخجل والحياء يخطوان على الأرض، وإذا قعد فمثل العزيز بين الأعزّة. وذات يوم..
- نعم، وذات يوم، نطقت الحفيدة بغير إرادة منها.
أكملت الجدة: وقف الغريب عند باب تلك الجميلة التي يسمونها »زينب« وقال: أي ابنة العم أريد طاسة ماء، فقالت جميلة الجميلات: هاك الماء، ثم أكرمته بطاسة من لبن الجاموس، وقدمت له كسراتِ خبزٍ وثلاث حبات من تمر.
- كانت كريمة »قالت الحفيدة«.
- هذا لأنها كذلك، ولأن الغريب يستحق منها كل الكرم.
- وماذا بعد؟ »تساءلت زينب«.
- رفعت زينب عينيها إلى وجه الغريب، وكان الوقت عصراً، فرأت وجه الغريب، حدقت فيه وأطالت النظر، وهو كذلك كان ينظر إليها، كان الغريب يتكلم بقلبه وعينيه، وكانت مثله، وفي تلك اللحظة اتسع قلب زينب حتى وسع كل هذه الدنيا، وتفتح قلب الغريب، مثلما تتفتح زهور هذه المستنقعات صباح كل يوم.
قربت زينب الكبرى مغزلها إلى صدرها، وفي تلك الظلمة الشفيفة رأت الحفيدة نهرين من الدمع على خدي جدتها، فقالت متأسفة:
- جدتي.. أتبكين؟
ردت الجدة: ما عليك يا بنيتي، إنما هي الأقدار.
- ماذا جرى يا جدتي؟
- في ذلك الحال، عرف الغريب ، وعرفت زينب أنهما ليسا لبعضهما، فقال الغريب: يا أخيّة... هذه قطعة من غترتي هي بمثابة روحي عندك.
سألت الحفيدة: وماذا ردت زينب؟
قالت الكبرى: ستبلى روحي ولا تتمزق أو تخان هذه القطعة، وهاك مني من هو في مقام قلبي وروحي وعقلي.. وجسدي كله.
قالت الحفيدة متلهفة: ماذا أعطته يا جدتي؟
أجابت زينب الكبرى: هي خصلة من جديلتي، لفّها في جلدة وربطها إلى عضده الأيسر.
عادت الحفيدة إلى سؤالها الملحاح: كأنهما عرفا مسبقاً أنهما مفترقان؟
أعادت الجدة مغزلها إلى الأرض قائلة: كان الغريب مطارداً من ناس لا نعرفهم، كان ينام في التخوم والأرباض البعيدة في الكرخة، ويأتي عند الغبش أحياناً، أو عند المساء أحياناً، فيمر عند باب زينب، لعله يراها، وعندما يراها يسرع ليفارقها مخافة أن يقبض عليه مطاردوه.
- وهل قبضوا عليه؟ »سألت الحفيدة«.
- لا ندري، إنما اختفى فجأة، وغابت أخباره، وانقطعت آثاره، وبقيت تلك القطعة من غترته مشدودة إلى العضد الأيسر لجميلة الجميلات.
وتحسست زينب الكبرى عضدها الأيسر، لتحس برداً وسلاماً في كل كيانها، ثم لترى بعيون خيالها، الرجل الغريب يطوف في آفاق قرى المستنقعات ومدن الأنهار، لا يذكر إلا اسمها، ولا يتحدث إلا فيها، فهو لا يزال مطارداً إلى هذا الحين.
كانت الحفيدة قد أخلدت إلى الكرى الآونة، وخارج الكوخ، لم يكن يُسمع سوى نباح الكلاب ونقيق الضفادع، وأصوات تلك الطيور المهاجرة وهي تطلق أنيناً لا يعرفه إلا من فارقه محبوه.
11 - محرم
- 1 -
يا باب نجاة روحي..
حريتي في عبوديتك.
قيّدتَ الجميع وأطلقتني
تدخل على الآخرين في النوم
وحدي.. وحدي، أنت يقظتي.
* *
يا باب النجاة..
في الطامة القلوب انخلعت.
في الصَّاخة اصطكت الأسنان، وابيضَّت الأعين،
في القارعة، الدمع فاض بحاراً من المحاجر.
وحده الفؤاد مسكون بك
وحدها عيني لم تَبْيَضْ.
- 2 -
زغردت مريم بنت عقيل بكل ما عندها من حيل، وقصدت مجلس الرجال - حيث يجلس أبو زينب جدك - وقالت مختنقة بعبراتها: ولد، والله العظيم.. ولد، يا أبا زينب.
قالت الجدة نثر بنت معيوف: عندما سمعت بشارة مريم - كان هذا منذ عشرين سنة يا ولدي - اصطفقت أجنحة الفواخت، وصدح بلبلان عاشقان بأعذب التغاريد بعدما ارتويا من عسل ثمر التين، وغادر القنفذ الكبير مكمنه من داخل اهراءات النخلة المجاورة وهو يتمشى آمناً مثل بطاتنا البيض، وحط الهدهد الغائب عنا منذ سنوات حاملاً في منقاره غصناً رطيباً من شجرة آس: عيد.. يا ولدي.. والدنيا ولادة وفناء وبعث.. وعند ذلك تذكرت طفلتي الرضيعة زينب المدفونة هنا. وأشارت إلى منبت شجرة السدر، حيث كنا نجلس تحت فيئها..
أذكر ما قالت الجدة، بعد هذه الرحلة المضنية، لأن شجرة السدر: زينب، كانت جزءاً لا ينفصل من حياتنا، أذكر هذا - وأنا أملي عليك يا زينب - هذه الكلمات، لأنني على فراش الاحتضار، ولأن زينب هي معادل حياتي كلها، إنها أنت.. أتسمعين.
اقتربي مني أكثر، فهذا صوتي لم يعد كافياً لأن يعبِّر عن أشواق رجل نذر حياته لهذه الرحلة: الموت. كنت شقياً وتعساً بما فيه الكفاية لأكون جراباً للخراب والأمل. أنت - الآن - تعرفين هذا: قلوب البشر أوعية لا حدود لها، ولكن قلبي كان حفرة سكنتها أفاعٍ وتنينات وجرذان، وشيء من سقر، وشيء من ويل، وديناصورات اعتاشت على غابة من خردة الحديد والنحاس..
أتسمعين..؟!
اقتربي مني أكثر، فالذي يتحدث إليك هو قلبي الشائخ، هذا القلب المختبل بالحب، أو ليس الخبال قرين القلوب العاشقة؟ أقول: كان جدنا الأول - هكذا قالت جدتي - يتعارك مع أول حائط يقابله إذا لم يجد أحداً يخاصمه. بينما كان يتمشى ذات يوم في بستان النخيل - حيث يوجد بيتنا الحالي - سقط على رأسه غصن من شجرة سدر عجوز، فثارت ثائرته وهمَّ بكسر الغصن وسحقه.
وقالت جدتي أم زينب: أحس جدنا الأول، بحرارة تسري في راحة كفه اليمنى وهو يهم بتحطيم الغصن، ثم سرت الحرارة في يده كلها واستوت في كل جسده، لتصعد إلى قحف رأسه، وسمع صوتاً خفيضاً يناديه:
ازرعني.. ازرعني يا أخي في هذا البستان..
قالت جدتي نثر، قال جدك أبو زينب: تحيّر جدنا الأول في أمره، لكن الصوت عاوده مرة أخرى واضحاً وأليفاً،: ازرعني، يا أخي في هذا البستان. وهذا ما تم حقاً فيما بعد، فقام جدنا الأول بإنبات الغصن المتوجع بالأرض، وبإرادة الله تعالى، أحيت الأرضُ الغصن - زينب - وكبرت السدرة، وأخذنا نختلف إليها على غير موعد، وبين جذورها، عميقاً في الأرض، يوجد مدفن أطفالنا الرضع.
والآن يا زينب، أتعرفين لِمَ أناديك باسم زينب؟
- دثريني.. لأن زينب - قبالتي - تحلم.
14 - محرم
صباح..
وفي كل صباح، وفي هذا الصباح كذلك - تريد زينب أن تحيا يوماً جديداً (ولكن ما معنى كلمة صباح) هذه هي افتكاراتها منذ عشر سنوات (ليس بالتحديد فربما تكون أكثر من ذلك أو أقل من ذلك) غير أن الوقت يبقى وقتاً، يجري في دمها وفي تبدل ملابسها، بل وفي تغير معالم جسدها (كانت تنظر إلى صدرها واستدارة شفتيها) ومع هذا يظل الوقت عدواً، عدواً. ما أكثر العداوات خارجها (في داخلها قلب مثل كوخ تسكنه حمائم وبلابل ولبوات وريح وصوت ناي وتلك الطفلة زينب) بيد أنها لا تنفك تريد التصالح مع هذه العداوات، ليس لأنها مهزومة (لم يهزمني إلا الحب) وإنما لأنها - على خلاف الآخرين - تبدو كما هي حيال نفسها في المرآة (في المرآة لا أحد غيري) وحيدة وقادرة على أن تشم العطر الذي تبعث به صانعة البخور في آخر السوق.
أما في هذا الصباح، الصباح الذي يبدو صبيحاً خارج غرفتها (تنظر إلى الصباح عبر نافذة غرفتها المطلة على أبراج تقود إلى البحر، وتشعر بموجة كبيرة تصعد الشاطىء وتتخطى أبراج البيوت، وتقف أمامها، تقول الموجة:
لماذا أنت موجة مثلي يا زينب، فتنظر زينب إلى دميتها، وهي المكان الذي تجد نفسها داخله، مكتظة بالأحلام والتصورات والتأوهات وأصوات البكاء(حيث أبكي، نعم أبكي، داخل غرفتي، داخل عباءتي) والضباب الشفاف والحيوات والناس والوحدة، هذا الصباح أحالها إلى وضعها الذي لا تألف وضعاً غيره: استيقظت مبكرة، على غير عادتها، وتناولت فطورها مسرعة، على غير عادتها، ولم تنظر إلى وجهها في المرآة كما تعودت، بل توجهت إلى الحمَّام وهناك - وجسدها تحت الماء - أدركت كم هي مرمية خارج الأشياء: المنزل، العائلة، الصداقات، بيت العائلة القديم، المشاريع الأسرية المرتقبة، حتى جسدها الذي يبتل (الآن) بالماء، هذا الماء الذي يفجر في جسدها رغبة العويل وهي تقابل البحر، ما عاد لها، إن روحها تبدو (اللحظة) هي الوحيدة، وهي التي تبتل بالماء (لماذا بكت اللحظة؟) وتبكي تماماً كما تبكي دميتها الصغيرة عندما تحممها يومياً.
عليَّ أن أختار بيتي في جسدي (وكانت قد كتبت ذات يوم في مذكرتها: بيتي هو قلبي) هذا الصباح. هكذا قالت زينب لنفسها في ذات نفسها وهي تغادر منزل العائلة (لكم منازلكم ولي زينبي) إلى حيث لا تعرف كانت تريد أن تكون - هذا الصباح - في أي مكان. مكان: أية عذابات تحيلنا إليها الأمكنة؟(كان قلبي سجناً لكل صبواتي، ولكن عندما عرفتك تحولت أزمنة السجن إلى كبرياء، هكذا كتبت إليه في إحدى رسائلها) لكنها كانت مطمئنة إلى أنها (الآن) تمضي إلى اختيارها الصحيح (وهل صحيح أنني لم أختر بعد؟) لأن كل اندفاعاتها تؤكد لقلبها أنها تسير على الطريق الصحيح، تماماً كما يسيل الغبار على ملابسي، ليس ملابسي فقط، إنه يلعب فوق جلدي. غبار (قلبي مملكة نظيفة بلا مخافر ولا سجون هو بيت مثل كوخ، بدون راعٍ ورعية) يلف هذه المدينة من شمالها إلى جنوبها، غبار الألوان، غبار التآمرات، غبار الأحلام الصغيرة، غبار العداوات، غبار المخدرات، بينما أرغب في مكان (مثل قلبي) لا غبار فيه، لا يلزمني بشيء، ولا أطالبه بشيء، كل ما أريده هو أن تبقى الأمكنة قابلة لأن تكون نظيفة (حتى وهي مقمطة بالغبار) مثلما أنا عليه الآن، مسكونة بهذه الوحدة، مندمجة بهذا الفرح أو الحزن، وأن أعرف، أكثر، هذا القلب الذي لولاه، لكنت غباراً، أو شيئاً ما، مرمياً في أي مكان تدوسه أحذية الجند، وأقدام البشر وأخفاف الجمال.
جدت مطيتها تقف عند نهاية اللسان الصخري الذي ينتهي مباشرة عند البحر، رائحة البحر ملأى باليود، وثمة نوارس تحلق في الفضاء البعيد، كأنها تسقط منتحرة أو تبحث عن أسماك صغيرة، في نقطة التقاء السماء بالبحر. أفق. وكان أفق روحها قد بدأ يتشكل (الآن) كما لو أنه حقيبة يدها التي تنام جوارها على المقعد الأمامي المجاور لها، أمسكت الحقيبة بيدها اليمنى، وتلفتت إلى المقعد الخلفي.
جذبت برفق - كما تعودت منذ عشر سنوات - مهداً صغيراً من المقعد الخلفي، ثم وضعته على ركبتيها. كان المهد الصغير مصنوعاً من خشب أبنوسي بطانته أقمشة صفر وحمر وبنفسجية، ونظرت إلى الدمية الصغيرة النائمة بطمأنينة وهدوء، وكان رأسها مسنوداً إلى وسادة حمراء ووجهها يبتسم.
فتحت زينب أزرار قميصها وأخرجت ثديها الأيمن، وقربته من فم الدمية، وقالت: ارضعي يا زينب، أخذت الدمية تشم عطر الأمومة، وسالت دمعتان على خديها الخشبيين. قالت زينب لطفلتها: هذا مكان آمن، البحر بيتي يا زينب، نظرت الدمية الصغيرة إلى زينب بعينين خضراوين تفيضان دمعاً.
كانت زينب (الآن) تنتحب وهي تضم الدمية الصغيرة إلى صدرها، بينما كان ثدياها يشخبان لبناً أبيض، مثل صمغ مشوب بلون أصفر داكن.
21 - آذار
في نهاية الأسبوع - يحدث هذا معي منذ سنوات - يمسك بي هذا الطريق الممتد من (الكحلاء) إلى (الطيِّب). مرة نختصم ونتعارك، وثانية نتآلف ونصفو. إنه طريق مثل بقية الطرق الأخرى، لكنه بات جزءاً من حياتي الداخلية، وصرتُ جزءاً من وجوده، حتى لقد عرفت أنواع أشجاره، ومناطق عبور الدواب والشاحنات، والأماكن التقليدية لتجمعات العمال الأهليين والأجانب على جانبيه.
لكن هذا الطريق أفردني عن غيري من راكبيه.
ففي كل مرة أركبه مسافراً، لا يستوقفني أحد. مرات عديدة تتوقف سيارة تسبق سيارتي، بعد أن يومىء لها عابر سبيل، فتحمله إلى (الطيِّب) أو إلى قرية قريبة، من هذه المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع بين ميسان والحدود الشرقية لإيران: المصريون يوقفون صاحب سيارة مصرياً، السودانيون ما إن يروا صاحب عمامة بيضاء داخل سيارة حتى يومئوا له فيتوقف، الموريتانيون، والمغاربة، والجزائريون، والهنود، والبنغاليون، والتايلنديون...كل هذه الأجناس تجد من يوقفون لها سياراتهم بين »الكحلاء« و »الطيِّب«، ليواصلوا سفرة قصيرة.
حدث هذا مع جميع الناس.. إلا معي.
وكنت أغتاظ لذلك، وفي أحيان كثيرة حين يتصاعد غيظي فوق احتمالي، أردد مع نفسي: أول الطريق هو منتهاه.
فأين أنت أيتها البداية - النهاية التي أبحث عنها -؟
* *
ذات مساء صيفي، عزمت - فوراً - على الذهاب إلى »الطيِّب« قال لي أحد الأصدقاء: الساعة تقترب من الثانية عشرة، والضباب قد يداهمك في الطريق، قلت للصديق الناصح: الأمر ليس بيدي.
وبعد أقل من نصف ساعة، كنت فوق ذلك الطريق الذي حلا لي فوقه مرات كثيرة، إطفاء مصابيح السيارة، والسير في الظلمة على هدى ما يراه ويبصره القلب، كنت مغتبطاً بعض الشيء، بل إنني في لحظات خلتها امتداداً زمنياً لا حدّ له، أحسستُ بفرح غامر، فأطفأت مصابيح السيارة، مهتدياً ببصيرة قلبي.
فجأة... وجدت السيارة تنحرف إلى اليمين. وعندما تمكنت من السيطرة عليها، ونزلت لأعاين ما حدث، وجدت إطار السيارة قد تدمر نهائياً.
وحيداً كنت، إلا من رفقة الظلام، ظلام دامس على الأرض، وفي السماء تومض أضواء في القبة المهيبة. لم يداخلني خوف ما أول الأمر، لكنني - بعد لحظات - شعرت أنني منقطع عن الناس، إذ لم يبد أي ضوء لسيارة قادمة من بعيد، كما لم يكن البتة أي صوت، سوى أصوات الهوام.
كثيراً ما تواجهني الوحدة، في غرفتي المنزلية، في المنزل العائلي، في الشارع في »الكحلاء« برمَّتها، إلا أنني كنت أفلت منها بعد فترة قصيرة..
أما الوحدة التي تواجهني - الآن - فلا أستطيع مواجهتها ولا أستطيع الهرب منها. لقد بدأ الظلام يلتف حولي، حتى لأكاد أحسه يتلبسني. وهنا شعرت بنوع من الخوف.
أحسست أن ثمة من يقف إلى جانبي وأمامي وخلفي. بل إنني سمعت لهاثاً. إنه كلب، فالكلاب تشم رائحة الخوف الإنساني: يقشعر جسد الإنسان، ويتعرق قليلاً، خصوصاً عند الإبطين، فيجد الكلب ضالته، وفي هذه المنطقة التي تبعد حوالي أربعين كيلومتراً عن »الطيِّب« تنتشر الكلاب السائبة.
في المساءات، المقمرة، صيفاً أو شتاءً، تتجمع الكلاب في ساحة »الماجدية« وإذ يهجع البشر، تبقى الكلاب صافنة كأنها تنتظر حدثاً ما. وعندما يصل إلى مسامعها أول صوت من أصوات تلك الطيور المهاجرة، تفتح أشداقها، وترفع رؤوسها باتجاه السماء. ثم تبدأ تلك الطيور بإسقاط بيضها إلى الأرض، وعندما تقع بيضة في فم أحد الكلاب، فإنه يزدردها مباشرة، وبعد فترة وجيزة يبدأ بالعواء.. ويهرب. إلى أين؟ إلى هذه المنطقة بالذات، حيث أتوقف وحيداً في هذا الظلام الدامس.
من بعيد، رأيت شرراً يقدح. إذن، هو الكلب المجنون، جاء إليّ، فتحت باب السيارة الأيسر من الأمام، والتقطت عصاً أحتفظ بها. كان الشرر يتقدم إليّ بطيئاً، ولم تكن معي إلا عصاي.
وجدت نفسي أنحدر من التعلية الترابية، وأتجه حيث الشرر. الطريق مليء بالعاقول والحرفش والطرطيع، ومع ذلك كنت أتقدم دون أي تفكير. هكذا تعودت: عندما أشعر بدنو الخطر فإني لا أهرب.. لقد اخترت المواجهة دائماً. وهكذا أخذت أسرع الخطى لأواجه الكلب المسعور، حيث أختار أنا وليس حسب ما يريد هو.
كنت أركض في منعرجات صحراوية، عيناي مركزتان على الضوء والعصا في يدي، لا أدري كم مضى عليّ من الوقت وأنا أضرب في تلك الأرض، كنت مهتاجاً وقلقاً، لكنني في الوقت نفسه كنت مستعداً للقتال.
توقفت فجأة، كان الضوء غير بعيد عني، لكن الظلام يلف المكان كله، خيّل إليّ أنني سمعت صوتاً ما، صوتاً بشرياً ربما، أطرقت سمعي.. فأخذ الصوت يدنو مني... قليلاً قليلاً..، حتى استمعت إلى صوت آدمي يردد:
سَجَدَ لك سوادي وخيالي، وآمَنَ بك فؤادي.
هذي يداي وما جنيته على نفسي.
يا عظيماً تُرْجى لكل عظيم، اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم.
ثم رأيت شبحاً يرفع رأسه إلى السماء وهو يردد:
أعوذ بنور وجهك الذي أضاءتْ له السماوات والأرضون
وانكشفتْ له الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين من فجأة نقمتك، ومن تحويل عافيتك، ومن زوال نعمتك.
اللهم ارزقني قلباً تَقياً نَقِيّاً ومن الشرك بريئاً لا كافراً ولا شقيا.
كنت - الآن - أقف قرب الشبح، الذي عفر خديه بالتراب ثم قال: عفّرْتُ وجهي بالتراب، وحُقَّ لي أن أسجد لك.
في الضوء الخافت، ذلك الضوء المائل إلى الصفار المختلط بلون الرمل، حتى لقد تخيلت أن الرمل هو مصدر الضوء، تبينت من أوقفني: شبح ملفع بالسواد من قمة الرأس إلى أخمص القدمين.
- اتبعني: قال الشبح.
تبعت الصوت، كان صوت امرأة، امرأة تكرز أمامي ولا تني تناديني: اتبعني. لم أكن أقوى على العصيان، كما أن التردد ليس من طبعي، وأخذت أسير خلف الشبح الذي أوصلني إلى كثيب رملي، ثم استدار إليّ.
كانت المرأة - نزعت الآن برقعها - فظهر وجهها مضاء بمصباح معلق على سارية. وكان ثمة ناقة وشياه وعنيزات.
قالت: اجْلسْ.
جلستُ. رأيتُ إليها، إلى وجهها، إلى يديها، إلى قدميها: امرأة في حوالي الأربعين (ألقت بعباءتها - الآن - على الرمل) بان عليها التعب والانهداد. وعندما قالت لي: ما لك متعب يا أخي؟ رأيت شفتيها متآكلتين، وأنفها بفتحة واحدة، أما أصابع كفيها فكان بعضها مقطوعاً من جذوره، والبعض الآخر من المنتصف. وكانت ثمة ديدان، مستعمرة صغيرة من الديدان الصفر، تتحرك بين مفارق أصابع قدميها.
قالت: ألا تزعجك رائحتي؟
كانت تنبعث من ثيابها رائحة حامضة، رائحة عجين اختمر منذ فترة طويلة. كررت قولها متسائلة: أيخيفك هذا الشكل.. وما أنا فيه من ويل؟
ولم تمهلني لأجيب، بل كيف أجيب، وقد وجدت نفسي أمام هذه الهيئة المدمرة، ثم إن النور بدأ يضعف حتى تلاشى، أو هكذا خيل إليّ.
قالت: كنت أنتظرك.
سألت: أنا؟
قالت: نعم، أنت، ألا تعرف ذلك؟
دخت.
ارتفع الرمل فصار سقفاً، وجلست على سماء انتثرت عليها النجوم والشموس والكواكب والمجرات. وشعرت أنني بجوار حلقات إنشاد وتراتيل، وسمعت ذلك الصوت الجميل: أول الطريق هو منتهاه، وكان صوت ما يكاد يلاصقني يردد هذه الكلمات:
المنفيون الملائكيون
الذين عرفوا فراديسهم
المنفيون الميسانيون
الغرباء البابليون
أبنائي المضيّعون
أنبل الشهداء والعشاق
وجدوا رصيفهم الأخير.
كانت المرأة هي التي تنشد. أين رأيت هذه السيدة؟ كنت أشاهدها بدقة رغم الظلام. كانت هي أشد سواداً من الظلام بحيث تتجسد كنقطة سوداء واضحة تماماً وسط الظلام، ثم سمعتها تنشد:
اللهم إني فقيرة إليك، ومن عذابك خائفة مستجيرة.
اللهم لا تبدّل اسمي، ولا تغيّر جسمي، ولا تجهد بلائي، ولا تُشْمِتْ بي أعدائي،
أعوذ بعفوك من عقابك.
وأعوذ بعفوك من عذابك
وأعوذ برضاك من سخطك
وأعوذ بك منك،
جَلَّ ثناؤك أنت
كما أثنيت على نفسك
وفوق ما يقول القائلون.
رَنَتْ إليّ من داخل الظلام، فنظرتُ إليها مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى لم أعد قادراً على العدّ. سيدة مجذومة بالكامل، تفوح منها رائحة عجين حامض. كان شعر رأسها معفراً بالتراب، وثمة جديلتان تنسرحان جوار صدغيها.
قالت: إليّ.. أدْنُ.
وقالت: أَقْرَبْ.. أَقْرَبْ لأضمك.
قالت: أكثر.. أكثر لأعانقك.
وقالت: الآن.. ابترد قلبي.
وكان صوتها يأتي إلى قلبي مباشرة، وهي تقول:
إلهي..
قَصُرت الألسنُ عن بلوغ ثنائك، كما يليق بجلالك، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبُحاتِ وجهك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك، ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك، إلا بالعجز عن معرفتك.
إلهي..
فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشَّوق إليكَ في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبيك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون.
قد كُشِفَ الغطاءُ عن أبصارهم، وانجلتْ ظلمةُ الرَّيبِ عن عقائدهم وضمائرهم، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم، وانشرحتْ بتحقيق المعرفة صدورهم، وعَلَتْ لسبق السعادة في الزهادة هِممهم، وعَذُبَ في معين المعاملة شربهم، وطاب في مجلس الأنس سِرُّهم، وأمِنَ في موطن المخافة سربهم، واطمأنت بالرجوع إلى ربِّ الأرباب أنفسُهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقَرَّتْ بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقرّ بإدراك السّؤل ونيل المأمول قرارهم، وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم.
إلهي..
ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب، وما أطيب طعم حبك، وما أعذب شِرْبَ قربك.
فأعذنا من طردكَ، وإبعادِكْ، واجعلنا من أخصِّ عارفيك، وأصلح عبادك، وأصدق طائعيك، وأخلص عبّادك.
يا عظيم، يا جليل، يا نبيل برحمتك يا أرحم الراحمين.
هي سيدة بعمر أمي، تنشد وتلفعني بعباءتها، لتقول: هذا هو فردوسي. حينئذٍ لم أجدها مجذومة، كانت رائحة الكافور تفوح من ثيابها، وكانت باردة مثل ماء صيفي، ودافئة مثل امرأة نفساء.
- أنت زينب.
وهبطت بفمي على إحدى قدميها. لم يكن ثمة دود، كانت أصابع قدميها بيضاء وطرية، وبين مفارقها غابات من بساتين النخيل تفوح منها رائحة الطلع.
- يا حبيبي. وأخذتني إلى صدرها.
أمسكت بي من كتفي وهزتني، ثم قبلتني ما بين عينيّ، وقالت: الآن ابترد قلبي.
قَبّلْتُ جبهتها، وأنا أكاد أنشج:
كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً، وكفى بي فخراً أن تكوني لي حباً، أنتِ كما أحبُّ، فاجعليني كما تحبين..
وغمرنا النور.
1 - أيار
بيضاء، مُحجّلة، وبغرّة بيضاء.
هكذا قال الناس. أما أنا - مجنونها - فلقد رأيت غير ما رأى الناس، كان شعر جسدها أبيض، أبيض مثل الانشخاب الأول لحليب امرأة نفساء، أبيض يميل إلى الاصفرار قليلاً، خصوصا عندما تطلع من النهر في فصل الصيف، أما في الشتاء، فإنَّ لون شعر جسدها يكون أشهب، لأنَّ الطمي يرفض أن يتخلى عن شعرها الذي هو ليس شعراً مألوفاً، وإنما هو زغب أشقر بلون بدايات الشمس عندما تهمّ بوداع النهار.
وهي مُحَجّلة.
للمرأة - عادة - حِجْلان. أما زينب فهي المتفردة بين المخلوقات، كانت بأربعة حجول: اثنان حول يديها، واثنان حول رجليها، لم يصغ حجولها صائغ من ميسان أو بغدان أو دلمون أو بومبي، بل كانت هبة من الله.
وحجلا المرأة - أية امرأة - أصفران ذهبيان، أو أبيضان فضيان. أما حجول زينب فكانت سوداً، لا من ذهب ولا من فضة، إنها حجول من شعر أسود ذي ملمس حريري رقيق ورهيف. هذا ما قاله الناس، أما أنا، عندما سمحت لي بالاقتراب منها ولمست حجولها، فلقد خالفت ما أجمع عليه الناس: يخجل الحرير، ويستحي الزبرجد من ملمسه ونعومته إذا ذكرت رهافة ونعومة حجول زينب، إنها أرق من نعومة زهر الرمان.. ولكن بلون أسود.
وفي المرات التي ملأت بصري بها، لم يدهشني لون الحجول، ولا كرم العنق، إنما الذي دوّخني لون العنق والعينين والغُرّة. حدثت هذه المشاهدة كما لو أنها كانت حلماً: بعد أن رجعنا من النهر ذات عصر، بعد الصلاة بقليل، وكانت قد استحمت بنفسها كما تعودت، نظرت في عينيها:
هالتان سوداوان، مثل كحل، تدوران حول العينين، قال الناس: زينب مكحلة بكحل حجازي. وقلت للناس وأنا أقف فوق سطح مسجد القرية: هذا كحل رباني، أما هدباها اللذان ينطبقان على فصين لوزيين، فكانا من خلاصة أجنحة الصالحين.
وكنت أقول للناس:
يا أبنائي..
هي العقيلة والحوراء،
القرشية وقصيدة كل العصور
المطيّبة أردانها بصبابات الفراديس
المسبيّة
الراعفة اشتياقات وكرامات
المنذورة لفك قيود الأسرى
الموعودة بسيف الولاية وتابوت السكينة
المرتجفة خشية من الله
الفاتنة، العابدة، الصابرة، المكلومة، الثكلى، المهيبة مثل غمامة الرحمة
الطاهرة مثل مريم
النقيّة مثل آسيا
التقيّة مثل فاطمة
المتوحدة مثل مسبحة العارف
وعندما كانت تدير رأسها نحوي - حيث تستدير رقبتها كما يستدير نهر نصف استدارة في يوم من أيام حزيران، وحيث يكون الماء أزرق شفافاً مثل شذرة سائلة، أو مثل فيروزة تتقد تحت غطائها الشمعي - أبصرت عينيها، بل أبصرت العينين وفراهة الهالتين السوداوين حولهما، ثم إنني - في لحظة الحلم ذاتها - أبصرت جسدي كله في بؤبؤيْ عينيها: كانت زينب تنظر إليّ، كما كنت أدخل كلي في عينيها، بحيث عندما أطبقت جفنيها في تلك اللحظة، أحسستُ أنني انطبعت داخل العينين، بل إن نفسي وروحي وقلبي وذكرياتي وماضيّ وجسدي كاملاً، قد سكن فيما وراء البؤبؤين، وإني صرت فيها تماماً كما هي حلت فيّ، ولعل هذه الحالة هي التي أغرت الناس فيما بعد بتسميتي: مجنون زينب.
لقد قبلت هذا الاعتقاد الشعبي، لأنه بات جزءاً من حديث الناس، قبلته منهم ولم أختره، لأنني اخترت في البدء زينب، واخترت في المنتهى زينب، فبتُّ لا أطيق صبراً على بعادها، إذ إنني - بعد صلاة العشاء من كل ليلة - أجلس قبالتها، فوق القمر، أو في عزّ الظلام الدامس، بينما كانت الأفعى الحارسة تتدلى من بين أغصان شجرة السدر، حيث كانت »كلّة« زينب منصوبة، في جو يعطره عرق زينب، فيما حنينها الآسر، هو الموسيقى وليس لحناً رائعاً وحسب، موسيقى لا يبدعها إلا مخلوق، هو الجمال نفسه، كما تمثله هذه الفرس الاصيلة.
وكنت أقول للناس عند مسجد القرية:
يا أبنائي
لو أعطوني الفراتين
لو منحوني تاج كسرى، وكنوز الأزتيك
لو أكرموني بعرش بلقيس
لو أهدوني أفراس الرعد والنياق الحمر
لو ملّكوني سلطة ما بعد السلطة
لو جعلوا دجلة في يميني والنيل في شمالي
.. لَعَزِفْتُ عن هذا كله
وتمنيتُ نظرة من عينيّ زينب
يا أبنائي
أنا مجنونها الأخير.
14- تموز
[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]مذكرات
قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير، من ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، من كل سنة، اعتدتُ رؤية المجنون، يطرق باب بيتي، فأدخله إلى حيث أجلس، وأستمع إلى بكائه المتواصل.
أما في ليلتنا هذه، من شهرنا هذا، من عامنا هذا، فلقد طرق المجنون - كعادته - باب بيتي، فأدخلته إلى حيث أجلس، لم يكن يبكي - كعادته - وإنما قال: ليتني أقول مثله: »فُزتُ وربِّ الكَعْبَةِ«.
قلت للمجنون: ستفوز يا ولدي، لأنك سائر على طريقه، فلما سَمِعَ كلامي، مد يده اليمنى إلى مخبأ في قطعة القماش التي تستر وسطه، وناولني هذه الوريقات:
10 - محرم
جلست زينب بجوار جدتها زينب، بينما كانت جمرات الصفصاف تخبو رويداً رويداً، والليل قارب على الانتصاف ومن على بعد كانت كلاب حراسة الماشية تطلق نباحاً متقطعاً.
قالت الحفيدة متوسلة: يا جدتي.. يا زينب الكبرى أريد أن أستمع إلى حكاية ذلك المجنون، الرجل الغريب الذي ذاع صيته في منطقة المستنقعات المجاورة. وهام حباً في تلك المرأة. تلك المرأة التي يشبه اسمها اسمك، يا جدتي..
خفق قلب الجدة، هي الآن في الستين من عمرها، لكنها ما إن سمعت حفيدتها تذكر اسم الرجل الغريب، ذلك المجنون، حتى استعادت رشدها، فهي في تلك اللحظة أيضاً، كانت تفكر في تلك القرية المنسية عند الحافة القصية لتلك المستنقعات.
قالت الجدّة: من أجل عينيك يرخص الغالي.
قالت زينب: أفديك بعيني..
قالت الجدة، بعد أن أبعدت مغزلها عن فخذها اليمنى، وأطلقت خيالها الذي اتسع له فضاء كوخ القصب: السالفة وما فيها - يا زينب - أنه في سالف الزمان وقديم المكان، كان أهالي مدينة »الكرخة« يعيشون في بيوت متجاورة، أبوابها دائما مفتوحة وطعام أهلها موفور، لا تعرفين فقيرهم من غنيهم، ولا أميرهم من خفيرهم، لأنهم قوم من نسل واحد وليسوا أخلاطاً، وكان شبابهم.. يُجلُّون شيوخهم. وشيوخهم يفتخرون بشبابهم.. بينما نساؤهم جميلات كأنهن درر مبثوثة. مدهونات بالعود، ومتديرمات بالديرم، جميلات في مشيهن، وقعودهن، ويومها كان الرجال رجالاً يا بنيتي.
توقفت الجدة برهة، كأنها تستعيد ذكريات دفنت في غياهب لا يعرف مداخلها ومخارجها ومفازاتها إلا الراسخون في العلم، فقالت الحفيدة تستحثها على الكلام: نعم، يا جدتي أعرف هذا كله، ولقد سمعت به منك ومن غيرك، إنما مطلبي الليلة حكاية ذلك الغريب الذي سموه بالمجنون.
قالت الجدة: سيحصل هذا، سيحصل، فديت عينيك، ففي تلك الحال، وفد على »الكرخة« شاب ليس من أهلنا، ولم نعرف فصله وأصله، لكن سماته تدل على نبل محتده، وسلوكه يقول إنه ابن عزّ، وكان إذا مشى كأنما الخجل والحياء يخطوان على الأرض، وإذا قعد فمثل العزيز بين الأعزّة. وذات يوم..
- نعم، وذات يوم، نطقت الحفيدة بغير إرادة منها.
أكملت الجدة: وقف الغريب عند باب تلك الجميلة التي يسمونها »زينب« وقال: أي ابنة العم أريد طاسة ماء، فقالت جميلة الجميلات: هاك الماء، ثم أكرمته بطاسة من لبن الجاموس، وقدمت له كسراتِ خبزٍ وثلاث حبات من تمر.
- كانت كريمة »قالت الحفيدة«.
- هذا لأنها كذلك، ولأن الغريب يستحق منها كل الكرم.
- وماذا بعد؟ »تساءلت زينب«.
- رفعت زينب عينيها إلى وجه الغريب، وكان الوقت عصراً، فرأت وجه الغريب، حدقت فيه وأطالت النظر، وهو كذلك كان ينظر إليها، كان الغريب يتكلم بقلبه وعينيه، وكانت مثله، وفي تلك اللحظة اتسع قلب زينب حتى وسع كل هذه الدنيا، وتفتح قلب الغريب، مثلما تتفتح زهور هذه المستنقعات صباح كل يوم.
قربت زينب الكبرى مغزلها إلى صدرها، وفي تلك الظلمة الشفيفة رأت الحفيدة نهرين من الدمع على خدي جدتها، فقالت متأسفة:
- جدتي.. أتبكين؟
ردت الجدة: ما عليك يا بنيتي، إنما هي الأقدار.
- ماذا جرى يا جدتي؟
- في ذلك الحال، عرف الغريب ، وعرفت زينب أنهما ليسا لبعضهما، فقال الغريب: يا أخيّة... هذه قطعة من غترتي هي بمثابة روحي عندك.
سألت الحفيدة: وماذا ردت زينب؟
قالت الكبرى: ستبلى روحي ولا تتمزق أو تخان هذه القطعة، وهاك مني من هو في مقام قلبي وروحي وعقلي.. وجسدي كله.
قالت الحفيدة متلهفة: ماذا أعطته يا جدتي؟
أجابت زينب الكبرى: هي خصلة من جديلتي، لفّها في جلدة وربطها إلى عضده الأيسر.
عادت الحفيدة إلى سؤالها الملحاح: كأنهما عرفا مسبقاً أنهما مفترقان؟
أعادت الجدة مغزلها إلى الأرض قائلة: كان الغريب مطارداً من ناس لا نعرفهم، كان ينام في التخوم والأرباض البعيدة في الكرخة، ويأتي عند الغبش أحياناً، أو عند المساء أحياناً، فيمر عند باب زينب، لعله يراها، وعندما يراها يسرع ليفارقها مخافة أن يقبض عليه مطاردوه.
- وهل قبضوا عليه؟ »سألت الحفيدة«.
- لا ندري، إنما اختفى فجأة، وغابت أخباره، وانقطعت آثاره، وبقيت تلك القطعة من غترته مشدودة إلى العضد الأيسر لجميلة الجميلات.
وتحسست زينب الكبرى عضدها الأيسر، لتحس برداً وسلاماً في كل كيانها، ثم لترى بعيون خيالها، الرجل الغريب يطوف في آفاق قرى المستنقعات ومدن الأنهار، لا يذكر إلا اسمها، ولا يتحدث إلا فيها، فهو لا يزال مطارداً إلى هذا الحين.
كانت الحفيدة قد أخلدت إلى الكرى الآونة، وخارج الكوخ، لم يكن يُسمع سوى نباح الكلاب ونقيق الضفادع، وأصوات تلك الطيور المهاجرة وهي تطلق أنيناً لا يعرفه إلا من فارقه محبوه.
11 - محرم
- 1 -
يا باب نجاة روحي..
حريتي في عبوديتك.
قيّدتَ الجميع وأطلقتني
تدخل على الآخرين في النوم
وحدي.. وحدي، أنت يقظتي.
* *
يا باب النجاة..
في الطامة القلوب انخلعت.
في الصَّاخة اصطكت الأسنان، وابيضَّت الأعين،
في القارعة، الدمع فاض بحاراً من المحاجر.
وحده الفؤاد مسكون بك
وحدها عيني لم تَبْيَضْ.
- 2 -
زغردت مريم بنت عقيل بكل ما عندها من حيل، وقصدت مجلس الرجال - حيث يجلس أبو زينب جدك - وقالت مختنقة بعبراتها: ولد، والله العظيم.. ولد، يا أبا زينب.
قالت الجدة نثر بنت معيوف: عندما سمعت بشارة مريم - كان هذا منذ عشرين سنة يا ولدي - اصطفقت أجنحة الفواخت، وصدح بلبلان عاشقان بأعذب التغاريد بعدما ارتويا من عسل ثمر التين، وغادر القنفذ الكبير مكمنه من داخل اهراءات النخلة المجاورة وهو يتمشى آمناً مثل بطاتنا البيض، وحط الهدهد الغائب عنا منذ سنوات حاملاً في منقاره غصناً رطيباً من شجرة آس: عيد.. يا ولدي.. والدنيا ولادة وفناء وبعث.. وعند ذلك تذكرت طفلتي الرضيعة زينب المدفونة هنا. وأشارت إلى منبت شجرة السدر، حيث كنا نجلس تحت فيئها..
أذكر ما قالت الجدة، بعد هذه الرحلة المضنية، لأن شجرة السدر: زينب، كانت جزءاً لا ينفصل من حياتنا، أذكر هذا - وأنا أملي عليك يا زينب - هذه الكلمات، لأنني على فراش الاحتضار، ولأن زينب هي معادل حياتي كلها، إنها أنت.. أتسمعين.
اقتربي مني أكثر، فهذا صوتي لم يعد كافياً لأن يعبِّر عن أشواق رجل نذر حياته لهذه الرحلة: الموت. كنت شقياً وتعساً بما فيه الكفاية لأكون جراباً للخراب والأمل. أنت - الآن - تعرفين هذا: قلوب البشر أوعية لا حدود لها، ولكن قلبي كان حفرة سكنتها أفاعٍ وتنينات وجرذان، وشيء من سقر، وشيء من ويل، وديناصورات اعتاشت على غابة من خردة الحديد والنحاس..
أتسمعين..؟!
اقتربي مني أكثر، فالذي يتحدث إليك هو قلبي الشائخ، هذا القلب المختبل بالحب، أو ليس الخبال قرين القلوب العاشقة؟ أقول: كان جدنا الأول - هكذا قالت جدتي - يتعارك مع أول حائط يقابله إذا لم يجد أحداً يخاصمه. بينما كان يتمشى ذات يوم في بستان النخيل - حيث يوجد بيتنا الحالي - سقط على رأسه غصن من شجرة سدر عجوز، فثارت ثائرته وهمَّ بكسر الغصن وسحقه.
وقالت جدتي أم زينب: أحس جدنا الأول، بحرارة تسري في راحة كفه اليمنى وهو يهم بتحطيم الغصن، ثم سرت الحرارة في يده كلها واستوت في كل جسده، لتصعد إلى قحف رأسه، وسمع صوتاً خفيضاً يناديه:
ازرعني.. ازرعني يا أخي في هذا البستان..
قالت جدتي نثر، قال جدك أبو زينب: تحيّر جدنا الأول في أمره، لكن الصوت عاوده مرة أخرى واضحاً وأليفاً،: ازرعني، يا أخي في هذا البستان. وهذا ما تم حقاً فيما بعد، فقام جدنا الأول بإنبات الغصن المتوجع بالأرض، وبإرادة الله تعالى، أحيت الأرضُ الغصن - زينب - وكبرت السدرة، وأخذنا نختلف إليها على غير موعد، وبين جذورها، عميقاً في الأرض، يوجد مدفن أطفالنا الرضع.
والآن يا زينب، أتعرفين لِمَ أناديك باسم زينب؟
- دثريني.. لأن زينب - قبالتي - تحلم.
14 - محرم
صباح..
وفي كل صباح، وفي هذا الصباح كذلك - تريد زينب أن تحيا يوماً جديداً (ولكن ما معنى كلمة صباح) هذه هي افتكاراتها منذ عشر سنوات (ليس بالتحديد فربما تكون أكثر من ذلك أو أقل من ذلك) غير أن الوقت يبقى وقتاً، يجري في دمها وفي تبدل ملابسها، بل وفي تغير معالم جسدها (كانت تنظر إلى صدرها واستدارة شفتيها) ومع هذا يظل الوقت عدواً، عدواً. ما أكثر العداوات خارجها (في داخلها قلب مثل كوخ تسكنه حمائم وبلابل ولبوات وريح وصوت ناي وتلك الطفلة زينب) بيد أنها لا تنفك تريد التصالح مع هذه العداوات، ليس لأنها مهزومة (لم يهزمني إلا الحب) وإنما لأنها - على خلاف الآخرين - تبدو كما هي حيال نفسها في المرآة (في المرآة لا أحد غيري) وحيدة وقادرة على أن تشم العطر الذي تبعث به صانعة البخور في آخر السوق.
أما في هذا الصباح، الصباح الذي يبدو صبيحاً خارج غرفتها (تنظر إلى الصباح عبر نافذة غرفتها المطلة على أبراج تقود إلى البحر، وتشعر بموجة كبيرة تصعد الشاطىء وتتخطى أبراج البيوت، وتقف أمامها، تقول الموجة:
لماذا أنت موجة مثلي يا زينب، فتنظر زينب إلى دميتها، وهي المكان الذي تجد نفسها داخله، مكتظة بالأحلام والتصورات والتأوهات وأصوات البكاء(حيث أبكي، نعم أبكي، داخل غرفتي، داخل عباءتي) والضباب الشفاف والحيوات والناس والوحدة، هذا الصباح أحالها إلى وضعها الذي لا تألف وضعاً غيره: استيقظت مبكرة، على غير عادتها، وتناولت فطورها مسرعة، على غير عادتها، ولم تنظر إلى وجهها في المرآة كما تعودت، بل توجهت إلى الحمَّام وهناك - وجسدها تحت الماء - أدركت كم هي مرمية خارج الأشياء: المنزل، العائلة، الصداقات، بيت العائلة القديم، المشاريع الأسرية المرتقبة، حتى جسدها الذي يبتل (الآن) بالماء، هذا الماء الذي يفجر في جسدها رغبة العويل وهي تقابل البحر، ما عاد لها، إن روحها تبدو (اللحظة) هي الوحيدة، وهي التي تبتل بالماء (لماذا بكت اللحظة؟) وتبكي تماماً كما تبكي دميتها الصغيرة عندما تحممها يومياً.
عليَّ أن أختار بيتي في جسدي (وكانت قد كتبت ذات يوم في مذكرتها: بيتي هو قلبي) هذا الصباح. هكذا قالت زينب لنفسها في ذات نفسها وهي تغادر منزل العائلة (لكم منازلكم ولي زينبي) إلى حيث لا تعرف كانت تريد أن تكون - هذا الصباح - في أي مكان. مكان: أية عذابات تحيلنا إليها الأمكنة؟(كان قلبي سجناً لكل صبواتي، ولكن عندما عرفتك تحولت أزمنة السجن إلى كبرياء، هكذا كتبت إليه في إحدى رسائلها) لكنها كانت مطمئنة إلى أنها (الآن) تمضي إلى اختيارها الصحيح (وهل صحيح أنني لم أختر بعد؟) لأن كل اندفاعاتها تؤكد لقلبها أنها تسير على الطريق الصحيح، تماماً كما يسيل الغبار على ملابسي، ليس ملابسي فقط، إنه يلعب فوق جلدي. غبار (قلبي مملكة نظيفة بلا مخافر ولا سجون هو بيت مثل كوخ، بدون راعٍ ورعية) يلف هذه المدينة من شمالها إلى جنوبها، غبار الألوان، غبار التآمرات، غبار الأحلام الصغيرة، غبار العداوات، غبار المخدرات، بينما أرغب في مكان (مثل قلبي) لا غبار فيه، لا يلزمني بشيء، ولا أطالبه بشيء، كل ما أريده هو أن تبقى الأمكنة قابلة لأن تكون نظيفة (حتى وهي مقمطة بالغبار) مثلما أنا عليه الآن، مسكونة بهذه الوحدة، مندمجة بهذا الفرح أو الحزن، وأن أعرف، أكثر، هذا القلب الذي لولاه، لكنت غباراً، أو شيئاً ما، مرمياً في أي مكان تدوسه أحذية الجند، وأقدام البشر وأخفاف الجمال.
جدت مطيتها تقف عند نهاية اللسان الصخري الذي ينتهي مباشرة عند البحر، رائحة البحر ملأى باليود، وثمة نوارس تحلق في الفضاء البعيد، كأنها تسقط منتحرة أو تبحث عن أسماك صغيرة، في نقطة التقاء السماء بالبحر. أفق. وكان أفق روحها قد بدأ يتشكل (الآن) كما لو أنه حقيبة يدها التي تنام جوارها على المقعد الأمامي المجاور لها، أمسكت الحقيبة بيدها اليمنى، وتلفتت إلى المقعد الخلفي.
جذبت برفق - كما تعودت منذ عشر سنوات - مهداً صغيراً من المقعد الخلفي، ثم وضعته على ركبتيها. كان المهد الصغير مصنوعاً من خشب أبنوسي بطانته أقمشة صفر وحمر وبنفسجية، ونظرت إلى الدمية الصغيرة النائمة بطمأنينة وهدوء، وكان رأسها مسنوداً إلى وسادة حمراء ووجهها يبتسم.
فتحت زينب أزرار قميصها وأخرجت ثديها الأيمن، وقربته من فم الدمية، وقالت: ارضعي يا زينب، أخذت الدمية تشم عطر الأمومة، وسالت دمعتان على خديها الخشبيين. قالت زينب لطفلتها: هذا مكان آمن، البحر بيتي يا زينب، نظرت الدمية الصغيرة إلى زينب بعينين خضراوين تفيضان دمعاً.
كانت زينب (الآن) تنتحب وهي تضم الدمية الصغيرة إلى صدرها، بينما كان ثدياها يشخبان لبناً أبيض، مثل صمغ مشوب بلون أصفر داكن.
21 - آذار
في نهاية الأسبوع - يحدث هذا معي منذ سنوات - يمسك بي هذا الطريق الممتد من (الكحلاء) إلى (الطيِّب). مرة نختصم ونتعارك، وثانية نتآلف ونصفو. إنه طريق مثل بقية الطرق الأخرى، لكنه بات جزءاً من حياتي الداخلية، وصرتُ جزءاً من وجوده، حتى لقد عرفت أنواع أشجاره، ومناطق عبور الدواب والشاحنات، والأماكن التقليدية لتجمعات العمال الأهليين والأجانب على جانبيه.
لكن هذا الطريق أفردني عن غيري من راكبيه.
ففي كل مرة أركبه مسافراً، لا يستوقفني أحد. مرات عديدة تتوقف سيارة تسبق سيارتي، بعد أن يومىء لها عابر سبيل، فتحمله إلى (الطيِّب) أو إلى قرية قريبة، من هذه المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع بين ميسان والحدود الشرقية لإيران: المصريون يوقفون صاحب سيارة مصرياً، السودانيون ما إن يروا صاحب عمامة بيضاء داخل سيارة حتى يومئوا له فيتوقف، الموريتانيون، والمغاربة، والجزائريون، والهنود، والبنغاليون، والتايلنديون...كل هذه الأجناس تجد من يوقفون لها سياراتهم بين »الكحلاء« و »الطيِّب«، ليواصلوا سفرة قصيرة.
حدث هذا مع جميع الناس.. إلا معي.
وكنت أغتاظ لذلك، وفي أحيان كثيرة حين يتصاعد غيظي فوق احتمالي، أردد مع نفسي: أول الطريق هو منتهاه.
فأين أنت أيتها البداية - النهاية التي أبحث عنها -؟
* *
ذات مساء صيفي، عزمت - فوراً - على الذهاب إلى »الطيِّب« قال لي أحد الأصدقاء: الساعة تقترب من الثانية عشرة، والضباب قد يداهمك في الطريق، قلت للصديق الناصح: الأمر ليس بيدي.
وبعد أقل من نصف ساعة، كنت فوق ذلك الطريق الذي حلا لي فوقه مرات كثيرة، إطفاء مصابيح السيارة، والسير في الظلمة على هدى ما يراه ويبصره القلب، كنت مغتبطاً بعض الشيء، بل إنني في لحظات خلتها امتداداً زمنياً لا حدّ له، أحسستُ بفرح غامر، فأطفأت مصابيح السيارة، مهتدياً ببصيرة قلبي.
فجأة... وجدت السيارة تنحرف إلى اليمين. وعندما تمكنت من السيطرة عليها، ونزلت لأعاين ما حدث، وجدت إطار السيارة قد تدمر نهائياً.
وحيداً كنت، إلا من رفقة الظلام، ظلام دامس على الأرض، وفي السماء تومض أضواء في القبة المهيبة. لم يداخلني خوف ما أول الأمر، لكنني - بعد لحظات - شعرت أنني منقطع عن الناس، إذ لم يبد أي ضوء لسيارة قادمة من بعيد، كما لم يكن البتة أي صوت، سوى أصوات الهوام.
كثيراً ما تواجهني الوحدة، في غرفتي المنزلية، في المنزل العائلي، في الشارع في »الكحلاء« برمَّتها، إلا أنني كنت أفلت منها بعد فترة قصيرة..
أما الوحدة التي تواجهني - الآن - فلا أستطيع مواجهتها ولا أستطيع الهرب منها. لقد بدأ الظلام يلتف حولي، حتى لأكاد أحسه يتلبسني. وهنا شعرت بنوع من الخوف.
أحسست أن ثمة من يقف إلى جانبي وأمامي وخلفي. بل إنني سمعت لهاثاً. إنه كلب، فالكلاب تشم رائحة الخوف الإنساني: يقشعر جسد الإنسان، ويتعرق قليلاً، خصوصاً عند الإبطين، فيجد الكلب ضالته، وفي هذه المنطقة التي تبعد حوالي أربعين كيلومتراً عن »الطيِّب« تنتشر الكلاب السائبة.
في المساءات، المقمرة، صيفاً أو شتاءً، تتجمع الكلاب في ساحة »الماجدية« وإذ يهجع البشر، تبقى الكلاب صافنة كأنها تنتظر حدثاً ما. وعندما يصل إلى مسامعها أول صوت من أصوات تلك الطيور المهاجرة، تفتح أشداقها، وترفع رؤوسها باتجاه السماء. ثم تبدأ تلك الطيور بإسقاط بيضها إلى الأرض، وعندما تقع بيضة في فم أحد الكلاب، فإنه يزدردها مباشرة، وبعد فترة وجيزة يبدأ بالعواء.. ويهرب. إلى أين؟ إلى هذه المنطقة بالذات، حيث أتوقف وحيداً في هذا الظلام الدامس.
من بعيد، رأيت شرراً يقدح. إذن، هو الكلب المجنون، جاء إليّ، فتحت باب السيارة الأيسر من الأمام، والتقطت عصاً أحتفظ بها. كان الشرر يتقدم إليّ بطيئاً، ولم تكن معي إلا عصاي.
وجدت نفسي أنحدر من التعلية الترابية، وأتجه حيث الشرر. الطريق مليء بالعاقول والحرفش والطرطيع، ومع ذلك كنت أتقدم دون أي تفكير. هكذا تعودت: عندما أشعر بدنو الخطر فإني لا أهرب.. لقد اخترت المواجهة دائماً. وهكذا أخذت أسرع الخطى لأواجه الكلب المسعور، حيث أختار أنا وليس حسب ما يريد هو.
كنت أركض في منعرجات صحراوية، عيناي مركزتان على الضوء والعصا في يدي، لا أدري كم مضى عليّ من الوقت وأنا أضرب في تلك الأرض، كنت مهتاجاً وقلقاً، لكنني في الوقت نفسه كنت مستعداً للقتال.
توقفت فجأة، كان الضوء غير بعيد عني، لكن الظلام يلف المكان كله، خيّل إليّ أنني سمعت صوتاً ما، صوتاً بشرياً ربما، أطرقت سمعي.. فأخذ الصوت يدنو مني... قليلاً قليلاً..، حتى استمعت إلى صوت آدمي يردد:
سَجَدَ لك سوادي وخيالي، وآمَنَ بك فؤادي.
هذي يداي وما جنيته على نفسي.
يا عظيماً تُرْجى لكل عظيم، اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم.
ثم رأيت شبحاً يرفع رأسه إلى السماء وهو يردد:
أعوذ بنور وجهك الذي أضاءتْ له السماوات والأرضون
وانكشفتْ له الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين من فجأة نقمتك، ومن تحويل عافيتك، ومن زوال نعمتك.
اللهم ارزقني قلباً تَقياً نَقِيّاً ومن الشرك بريئاً لا كافراً ولا شقيا.
كنت - الآن - أقف قرب الشبح، الذي عفر خديه بالتراب ثم قال: عفّرْتُ وجهي بالتراب، وحُقَّ لي أن أسجد لك.
في الضوء الخافت، ذلك الضوء المائل إلى الصفار المختلط بلون الرمل، حتى لقد تخيلت أن الرمل هو مصدر الضوء، تبينت من أوقفني: شبح ملفع بالسواد من قمة الرأس إلى أخمص القدمين.
- اتبعني: قال الشبح.
تبعت الصوت، كان صوت امرأة، امرأة تكرز أمامي ولا تني تناديني: اتبعني. لم أكن أقوى على العصيان، كما أن التردد ليس من طبعي، وأخذت أسير خلف الشبح الذي أوصلني إلى كثيب رملي، ثم استدار إليّ.
كانت المرأة - نزعت الآن برقعها - فظهر وجهها مضاء بمصباح معلق على سارية. وكان ثمة ناقة وشياه وعنيزات.
قالت: اجْلسْ.
جلستُ. رأيتُ إليها، إلى وجهها، إلى يديها، إلى قدميها: امرأة في حوالي الأربعين (ألقت بعباءتها - الآن - على الرمل) بان عليها التعب والانهداد. وعندما قالت لي: ما لك متعب يا أخي؟ رأيت شفتيها متآكلتين، وأنفها بفتحة واحدة، أما أصابع كفيها فكان بعضها مقطوعاً من جذوره، والبعض الآخر من المنتصف. وكانت ثمة ديدان، مستعمرة صغيرة من الديدان الصفر، تتحرك بين مفارق أصابع قدميها.
قالت: ألا تزعجك رائحتي؟
كانت تنبعث من ثيابها رائحة حامضة، رائحة عجين اختمر منذ فترة طويلة. كررت قولها متسائلة: أيخيفك هذا الشكل.. وما أنا فيه من ويل؟
ولم تمهلني لأجيب، بل كيف أجيب، وقد وجدت نفسي أمام هذه الهيئة المدمرة، ثم إن النور بدأ يضعف حتى تلاشى، أو هكذا خيل إليّ.
قالت: كنت أنتظرك.
سألت: أنا؟
قالت: نعم، أنت، ألا تعرف ذلك؟
دخت.
ارتفع الرمل فصار سقفاً، وجلست على سماء انتثرت عليها النجوم والشموس والكواكب والمجرات. وشعرت أنني بجوار حلقات إنشاد وتراتيل، وسمعت ذلك الصوت الجميل: أول الطريق هو منتهاه، وكان صوت ما يكاد يلاصقني يردد هذه الكلمات:
المنفيون الملائكيون
الذين عرفوا فراديسهم
المنفيون الميسانيون
الغرباء البابليون
أبنائي المضيّعون
أنبل الشهداء والعشاق
وجدوا رصيفهم الأخير.
كانت المرأة هي التي تنشد. أين رأيت هذه السيدة؟ كنت أشاهدها بدقة رغم الظلام. كانت هي أشد سواداً من الظلام بحيث تتجسد كنقطة سوداء واضحة تماماً وسط الظلام، ثم سمعتها تنشد:
اللهم إني فقيرة إليك، ومن عذابك خائفة مستجيرة.
اللهم لا تبدّل اسمي، ولا تغيّر جسمي، ولا تجهد بلائي، ولا تُشْمِتْ بي أعدائي،
أعوذ بعفوك من عقابك.
وأعوذ بعفوك من عذابك
وأعوذ برضاك من سخطك
وأعوذ بك منك،
جَلَّ ثناؤك أنت
كما أثنيت على نفسك
وفوق ما يقول القائلون.
رَنَتْ إليّ من داخل الظلام، فنظرتُ إليها مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى لم أعد قادراً على العدّ. سيدة مجذومة بالكامل، تفوح منها رائحة عجين حامض. كان شعر رأسها معفراً بالتراب، وثمة جديلتان تنسرحان جوار صدغيها.
قالت: إليّ.. أدْنُ.
وقالت: أَقْرَبْ.. أَقْرَبْ لأضمك.
قالت: أكثر.. أكثر لأعانقك.
وقالت: الآن.. ابترد قلبي.
وكان صوتها يأتي إلى قلبي مباشرة، وهي تقول:
إلهي..
قَصُرت الألسنُ عن بلوغ ثنائك، كما يليق بجلالك، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبُحاتِ وجهك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك، ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك، إلا بالعجز عن معرفتك.
إلهي..
فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشَّوق إليكَ في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبيك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون.
قد كُشِفَ الغطاءُ عن أبصارهم، وانجلتْ ظلمةُ الرَّيبِ عن عقائدهم وضمائرهم، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم، وانشرحتْ بتحقيق المعرفة صدورهم، وعَلَتْ لسبق السعادة في الزهادة هِممهم، وعَذُبَ في معين المعاملة شربهم، وطاب في مجلس الأنس سِرُّهم، وأمِنَ في موطن المخافة سربهم، واطمأنت بالرجوع إلى ربِّ الأرباب أنفسُهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقَرَّتْ بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقرّ بإدراك السّؤل ونيل المأمول قرارهم، وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم.
إلهي..
ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب، وما أطيب طعم حبك، وما أعذب شِرْبَ قربك.
فأعذنا من طردكَ، وإبعادِكْ، واجعلنا من أخصِّ عارفيك، وأصلح عبادك، وأصدق طائعيك، وأخلص عبّادك.
يا عظيم، يا جليل، يا نبيل برحمتك يا أرحم الراحمين.
هي سيدة بعمر أمي، تنشد وتلفعني بعباءتها، لتقول: هذا هو فردوسي. حينئذٍ لم أجدها مجذومة، كانت رائحة الكافور تفوح من ثيابها، وكانت باردة مثل ماء صيفي، ودافئة مثل امرأة نفساء.
- أنت زينب.
وهبطت بفمي على إحدى قدميها. لم يكن ثمة دود، كانت أصابع قدميها بيضاء وطرية، وبين مفارقها غابات من بساتين النخيل تفوح منها رائحة الطلع.
- يا حبيبي. وأخذتني إلى صدرها.
أمسكت بي من كتفي وهزتني، ثم قبلتني ما بين عينيّ، وقالت: الآن ابترد قلبي.
قَبّلْتُ جبهتها، وأنا أكاد أنشج:
كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً، وكفى بي فخراً أن تكوني لي حباً، أنتِ كما أحبُّ، فاجعليني كما تحبين..
وغمرنا النور.
1 - أيار
بيضاء، مُحجّلة، وبغرّة بيضاء.
هكذا قال الناس. أما أنا - مجنونها - فلقد رأيت غير ما رأى الناس، كان شعر جسدها أبيض، أبيض مثل الانشخاب الأول لحليب امرأة نفساء، أبيض يميل إلى الاصفرار قليلاً، خصوصا عندما تطلع من النهر في فصل الصيف، أما في الشتاء، فإنَّ لون شعر جسدها يكون أشهب، لأنَّ الطمي يرفض أن يتخلى عن شعرها الذي هو ليس شعراً مألوفاً، وإنما هو زغب أشقر بلون بدايات الشمس عندما تهمّ بوداع النهار.
وهي مُحَجّلة.
للمرأة - عادة - حِجْلان. أما زينب فهي المتفردة بين المخلوقات، كانت بأربعة حجول: اثنان حول يديها، واثنان حول رجليها، لم يصغ حجولها صائغ من ميسان أو بغدان أو دلمون أو بومبي، بل كانت هبة من الله.
وحجلا المرأة - أية امرأة - أصفران ذهبيان، أو أبيضان فضيان. أما حجول زينب فكانت سوداً، لا من ذهب ولا من فضة، إنها حجول من شعر أسود ذي ملمس حريري رقيق ورهيف. هذا ما قاله الناس، أما أنا، عندما سمحت لي بالاقتراب منها ولمست حجولها، فلقد خالفت ما أجمع عليه الناس: يخجل الحرير، ويستحي الزبرجد من ملمسه ونعومته إذا ذكرت رهافة ونعومة حجول زينب، إنها أرق من نعومة زهر الرمان.. ولكن بلون أسود.
وفي المرات التي ملأت بصري بها، لم يدهشني لون الحجول، ولا كرم العنق، إنما الذي دوّخني لون العنق والعينين والغُرّة. حدثت هذه المشاهدة كما لو أنها كانت حلماً: بعد أن رجعنا من النهر ذات عصر، بعد الصلاة بقليل، وكانت قد استحمت بنفسها كما تعودت، نظرت في عينيها:
هالتان سوداوان، مثل كحل، تدوران حول العينين، قال الناس: زينب مكحلة بكحل حجازي. وقلت للناس وأنا أقف فوق سطح مسجد القرية: هذا كحل رباني، أما هدباها اللذان ينطبقان على فصين لوزيين، فكانا من خلاصة أجنحة الصالحين.
وكنت أقول للناس:
يا أبنائي..
هي العقيلة والحوراء،
القرشية وقصيدة كل العصور
المطيّبة أردانها بصبابات الفراديس
المسبيّة
الراعفة اشتياقات وكرامات
المنذورة لفك قيود الأسرى
الموعودة بسيف الولاية وتابوت السكينة
المرتجفة خشية من الله
الفاتنة، العابدة، الصابرة، المكلومة، الثكلى، المهيبة مثل غمامة الرحمة
الطاهرة مثل مريم
النقيّة مثل آسيا
التقيّة مثل فاطمة
المتوحدة مثل مسبحة العارف
وعندما كانت تدير رأسها نحوي - حيث تستدير رقبتها كما يستدير نهر نصف استدارة في يوم من أيام حزيران، وحيث يكون الماء أزرق شفافاً مثل شذرة سائلة، أو مثل فيروزة تتقد تحت غطائها الشمعي - أبصرت عينيها، بل أبصرت العينين وفراهة الهالتين السوداوين حولهما، ثم إنني - في لحظة الحلم ذاتها - أبصرت جسدي كله في بؤبؤيْ عينيها: كانت زينب تنظر إليّ، كما كنت أدخل كلي في عينيها، بحيث عندما أطبقت جفنيها في تلك اللحظة، أحسستُ أنني انطبعت داخل العينين، بل إن نفسي وروحي وقلبي وذكرياتي وماضيّ وجسدي كاملاً، قد سكن فيما وراء البؤبؤين، وإني صرت فيها تماماً كما هي حلت فيّ، ولعل هذه الحالة هي التي أغرت الناس فيما بعد بتسميتي: مجنون زينب.
لقد قبلت هذا الاعتقاد الشعبي، لأنه بات جزءاً من حديث الناس، قبلته منهم ولم أختره، لأنني اخترت في البدء زينب، واخترت في المنتهى زينب، فبتُّ لا أطيق صبراً على بعادها، إذ إنني - بعد صلاة العشاء من كل ليلة - أجلس قبالتها، فوق القمر، أو في عزّ الظلام الدامس، بينما كانت الأفعى الحارسة تتدلى من بين أغصان شجرة السدر، حيث كانت »كلّة« زينب منصوبة، في جو يعطره عرق زينب، فيما حنينها الآسر، هو الموسيقى وليس لحناً رائعاً وحسب، موسيقى لا يبدعها إلا مخلوق، هو الجمال نفسه، كما تمثله هذه الفرس الاصيلة.
وكنت أقول للناس عند مسجد القرية:
يا أبنائي
لو أعطوني الفراتين
لو منحوني تاج كسرى، وكنوز الأزتيك
لو أكرموني بعرش بلقيس
لو أهدوني أفراس الرعد والنياق الحمر
لو ملّكوني سلطة ما بعد السلطة
لو جعلوا دجلة في يميني والنيل في شمالي
.. لَعَزِفْتُ عن هذا كله
وتمنيتُ نظرة من عينيّ زينب
يا أبنائي
أنا مجنونها الأخير.
14- تموز
[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]- 1 -
لا هذا الليل أنا
ولا ذاك النهار أنتِ
كلّ سيمضي إلى منفاه
مثل شجرة رمان خاصمها الربيع.
لم يكن شتاء، ولا كان ربيعاً. فصل ما: خرّت السحابة البيضاء خلف السور، وكانت قُبّرةٌ بلون الرمل تتكىء على نهاية عمود صغير مدبب عند الرأس، وتضرب بمنقارها الذي بلون الديرم على السلك الشائك المكهرب، رفعت القبّرة جسدها قليلاً فوق السور، مصطفقة الجناحين، ثم عادت إلى مطرحها، وطفقت تنود لفترة وجيزة، ومدت رقبتها باتجاهي، حتى خلتُ أنها تريد مساررتي بشيء ما.
كنت مبتلاً بالمطر الصحراوي المفاجىء »عادت السحابة بيضاء بعد أن نفضت ريشها الداكن فوق المكان« بينما بقيت القبّرة منفردة تنظف ساقيها ومفارق أصابعها من وضر المطر الصحراوي.
قبّرة بحجم قلب مراهق دَيْرَمَتْ منقارها »كانت مثل عروس تخرج من الحمام توَّاً« ولم تمهلني لحظات قليلة لاستقصاء تاريخها، بيد أني أعرف هذا السور وتاريخي »هل للفتيان المراهقين تاريخ؟« ومع ذلك لم يكن تاريخي سوى مكتبة متنقلة، وحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة لا تتخلى عن الله، وكان هذا كله يحدث في الرأس، أحلام: ترى بماذا تحلم القبّرة الآونة؟ ولماذا عليّ - أنا فقط - مواجهة قبّرة لا تعرف سوى الطيران بين فسحات السور، منطلقة من الغدير، بينما السحابة البيضاء، »كانت غيمة غير ولود« ارتفعت بعيداً، في قلب السماء النائية عن السور، مفردة جناحين أرجوانيين، مثل قبّرة لا تعرف إلا حرية الطيران.
تعثرتُ بأطماري وكيس من الدفاتر التي دونت فيها تاريخ السور »نعم تاريخي هو تاريخ السور« بينما أخذ السور يتقدم نحوي، مهيباً مثل طائر الرُّخ ففزعت إلى القبّرة أشاكيها:
تعالي أيتها المفتونة بالطيران، المتديرمة بحناء أول أيام العيد، نتبادل المواقع ونتقايض الأدوار، أنت أنا، وأنا القبّرة، بي شوق إلى أن أسقط خلف هذا السور لتذروني الرياح مثل أزهار شجرة تفاح أو رمان خاصمها الربيع.
قالت القبّرة:
أنت لا تطلب مستحيلاًً، هيا... افرد جناحيك »مثلي هكذا« وعندها ستطير.
توهمت أنَّ لديَّ أكثر من جناحين، حاولت الطيران، لكن ساقيّ انشدتا إلى الأرض.
عندها سمعت القبّرة تصيح عليّ:
أيها الطيني المنذور للعدالة، المحكوم عليك بنعمة الابتلاء...
أنت تحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة، ولا تتخلى عن الله، لكنك نسيت معاينة هذه الطيور التي في مملكة الله!
من أين - إذن - يتأتى لي مجاورة الحكمة، إذا لم أكن، من قبل، قد فكرت في حكمة القبّرة؟
- 2 -
هذا النهار أنتِ
وذاك الليل أنا
سنمضي معاً، مثل قبّرة بساقين سليمتين يوحدنا الموت بعد أن فرقتنا الحياة.
شتاء. شتاء جديد، فصل دافىء أورقني شجيرة حناء على قوس بحيرة ميسان، ومثل هزار ارتوى من جاني التين، أسكرتني نهايات الفجر »لماذا ينتهي الفجر يا عذابي؟« عندما طلعت الشمس، كرة برتقالية من أفق البحيرة: نصف برتقالة فوق البحر، والنصف الثاني هو أنا، لا لم أكن أحلم، اكتملت مملكتي، ولم يكن ثمة أي سور »إلا ذكرى الحجل الذي ما تزال آثاره في خاصرتي« كما لم تكن هناك قبّرات بينما اصطخبت النوارس، ولبطت الاسماك الصغيرة دافعة أفواهاً حُمراً دقيقة إلى سطح الماء.
فجأة تعالت الشمس البرتقالية فوق الأفق، امرأة محناة اليدين بخضاب قهوائي، تلمع شفتاها بالديرم الأرجواني، فعرفت أنني اكتملت وانكشفت، فنادتني شجيرة الحناء:
أيها »الحوار« الصغير الأعمى.. أية حظيرة تليق بك؟
كانت هي زينب.
10- نيسان
- 1 -
شقوتي في حبي وهجراني
في محبتك لا مفرّ منك
وفي هجرانك لا فرار إلا إليك
أنت الذي اصطفيتني لنفسك
فلمَ تطيل أمد قبضتي؟
يا معاشر العشاق:
أنا شاهنشاه العُصاة
لكن التي تحبني وأهجرها
تراني سيد الشهداء
من ذاك الذي سطا على ماضيَّ: العائلة.. السلطة.. مارتوف، أم نخلة خرَّت على دجلة، فسقطت مع طلّيعها إلى ماء يغتسل فيه الشرف، وتسبح فوق سطحه جنوبيات تحنَّين بالدم واغتسلن بالفضيلة؟
يا شبابي:
يا أيام الصهد وعواصف الرمل والحجرات المظلمة.. الأسلاك الشائكة والانهداد في آخر الليل متوسداً خاصرة جواد نفق تواً، صخب الحانات وافتقاد الصداقة.. القبلة الأولى وانتحاب المنابر... القراءات الغجرية والرضع يموتون بعد التهليلة الأولى..
من صادرك: نيزان، فوشيه، الجيلاني، رابعة، أم طاووس النساء: زينب؟
- 2 -
نخلةٌ توضأت بالعود ومالت إلى النهر
وصلَّتْ »ركعتين للعشق«
أبعد من كل الآفاق
فضيلة ما بعد الحب
عين ولام وياء الاسم
تلك هي: زينب
هَجَرْتُ الطريق، فاختارتني الطريقة
أودى بي الطريق إلى السوق والخان والمؤسسة، بينما قادتني الطريقة إلى قارعة نفسي: الوحشة، حيث أنا صورته، وزينب صورته، وحيث شاهدني الشاهدُ والمشاهد.
نعم، أنا الجمل الأجرب منبوذاً من القافلة، لكن رغائي لا تسمعه سوى العصافير الحمر النجائب.
نعم، أنا المريض الميؤوس من شفائه كما تقولون: لكن علتي لن تبريها سوى زينب: سمراء ميسان.
نعم، قفر هذا الطريق،
والطريقة سيدة الفراديس.. زينب.
* *
خلع عليّ الملكُ تاجه
والسلطان ناولني صولجانه
لم أشكرهما
قلت للملك: أتعرف كم تاجاً طوته الغبراء؟
وقلت للسلطان: لك الصولجان ولي قلبي.
بعد هذا وجهت وجهي إلى فاطر السماوات والأرضين، وقلت:
سبحانك ما أعظم شأنك.
فترجّع الصدى:
سبحانك ما أعظم شأنك.
14 – رجب
* البتول في القيلولة *
مرمدة مدلاة فوق الأفق الغربي.
وتحت الرماد روحي جمرة صفراء فاقع لونها/ تستقي زيتها منها/ هي تستحم في محطة من عينك، عينك التي حجابها سيف بابلي/ فلماذا أيتها الجميلة وهبتني رطلاً من كافور وحفنة من حنطة ونصف أوقية من زبيب وجوز، فلم يبق في ملكوت روحك إلا مرديّ من رحمة/ وهذا أنا زندي موسوم باسمك، وتحت ثديي الأيسر بقية من خضابك/ وبين عينيّ نجمة زيت، ولبان ومرّ، وخاتم استدار على سبابتك ذات مساء.
يا جميلات ميسان وفارعات الخليج:
اطلعن إلى حافات قلبي/ من دلمون والوصل/ من الحيرة وداس/ من جبيل وجميرا/ من الدوحة والطائف/ من الماجدية والخرّان/ من الصحراء والحضر/ من اليابسة والبحر/ من باطن الآبار وماء أعذاق النخيل/ من المكتبات المنسية ونزهات العشاق/ من الرماد والجمر/ من المكاحل وهفهفة النفانيف/ لأن التي تهواها نفسي وترغب بها روحي/ استفاقت الآن من رقدة القيلولة/ ووقفت في حوش قلبها نوراً يستضاء به ومرديّاً من رحمة.
* الخضر *
بين مسافي ودبا، أوقفني الخضر.
وقال:
أيها المنذور للمحبة/ المحنّى بطين الفراتين/ المعترك مع نفسه/ المزنّر بسبعة أقواس من لهب/ الغريب حتى بين أهله/ السائح العابد التائب وسط فساد السوق/ المنجذب والمجذوب/ المقفل على نفسك كل الأبواب إلا بابه هُوْ/ الغارق في فتر ماء والعوّام في بحر الظلمات/ من أين احتطبت كل هذا الصبر لتصل إلى هذه القمة؟
لم أحر جواباً.
فهذا أمير العشاق يسأل عن حال من يجهل حاله، ويتحرى أمر من استوحش الطريق وقلة الصحب والزاد، ويعاين مهزولاً لم يبق منه سوى قلب، قلب بحجم عين حوار.
غير أني بعد أن حمدت الله وأثنيت عليه وصلّيت على محمد وآله وصحبه، رأيتني مَرْمَدة مدلاّة فوق الأفق الغربي، ثم خرجت روحي، جمرة كروية صفراء فاقع لونها.
وقلت:
يا عم
البتول التي شعر رأسها حتى حجليها
الطالعة كسفينة من غمار أدخنة بحر دلمون
المانحة للظل السكينة كما شجرة لوز في الحيرة
الفاتنة كما رازقية باذخة في مساء ميسان
الصابرة مثل »غويفة« في بحر رمل
يا عم
تلك البتول التي تآخت مع الفضيلة، مرت الآونة من هنا.
وعند هذا الموقف تخشب لساني داخل فمي، وتجمدت دموعي عند مآقي عينيّ، وارتجفت ساقاي، ولم أعد أسمع دقات قلبي، وغادرني تنفسي، وانطبقت عليّ السماء والأرض
ولم يبق لدي إلا سمعي
وسمعت الخضر يصيح:
يا رؤوس الجبال
أنت أيها البحر، وأنت يا صحراء
يا برق يا رعد يا عواصف
يا كل الطير والشجر والحجر والهوام
أشهدكم جميعاً، أنا راشد الخضر
أن هذا الفتى روح البتول.
* جدائل البتول في ميسان *
في ذلك المساء الماطر افتقدت جسدي.
هذا أنا أبدو للمعاين عبر زجاج حائط المطعم الخشبي، مثل مَرْمَدةِ عُرفاء بين نخلتين بصراويتين، بينما نفسي تحت الرماد الذرّي المتماسك، تبدو لقلبي مثل جمرة صفراء فاقع لونها، أضيئت فسحة من ظلام أبيد يتأبى أن يسترشد بالنور.
تجلس نفسي إلى طاولة خشب مستديرة.
ثمة قدح وماء، قصاصات ورق تنتظر مشروعاً مؤجلاً منذ أربع عشرة سنة، لا بل أحقاب.
أنا هو ذلك المشروع المؤجل.
وإذ تقابلني سنوات العمر، وتبدأ إحداها بتلاوة سورة الإخلاص، يعود جسدي إلى نفسي، ألملم أوراقي، وأغادر المكان.
مطر، مطر سماوي تستقبله اليابسة والأشجار والناس، ومطر داخل روحي، أتنزه بكليتي تحت المطر، ثمة رايات وجنود، جنود بسيوف من فضة وعمائم من حرير، جنود بدروع من عقيق وأحزمة من لهب، جنود مجندون لمنازلة الدجال، جنود مجتبون ليوم من أيام الله.
أرتصف مع الكتيبة النورانية، فتظلني رايات سود من كل حدب وصوب، بينما الشمس تنهض فوق مغربها، كرة صفراء فاقع لونها، ترسل إلى الكتيبة أحزمة ضوء مبصرة، مثل جدائل تلك البتول التي اختارت النور مقاماً. جدائل تمطر نوراً.. تلك هي زينب وليست مرمدة!
تجليات
وقف سعدون المجنون على حلقة ذي النون المصري في الفسطاط فسأله: يا ذا النون...متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟
فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلم ير في الضمير إلا الخبير.
قال الراوي: حلَّ علينا رجل من بابل، يبدو عليه الوقار وَسَمْتُ الأحبار، فأفردنا له مجلساً، ذات يوم جمعة، بعد صلاة الجمعة، على شاطىء نهر الكرخة.
تحدث البابلي طويلاً عن بلده وأهله، وأنشد شعراً يحكي قصة مليكهم جلجامش الذي ذهب يبحث عن سر الخلود في بلاد الأرز.
قال الراوي: وكان المجنون حينها، منتصب الأذنين، يتابع باهتمام ما يرويه البابلي، وما إن وصل ضيفنا إلى ذكر جلجامش، حتى هبَّ المجنون منادياً: انكيدو.. انكيدو..
قال الراوي: وبينما نحن ننظر متعجبين إلى ضيفنا البابلي، أخذ المجنون بأطراف دشداشته وأنشد يقول:
كانت في النية
عند السور
امرأة
أم طيف
تدهن نهديها
بالكافور
وروح الصيف
عند السور
طيفٌ
امرأة حبلى
تدهن نهديها
بالكافور وروح الصيف
وتناجي الربّ
عند السور
امرأةٌ
بابلُ هي
وروح الرب
* *
عند السور
امرأة
في النية
يا امرأةً في النية
لم يخلقها إلا الله
عند السور
امرأة،
لم يعرفها
إلا هو
يا هُوْ:
يا الأسماء الحسنى
وقدس الأقداس
هبني امرأتي
التي
في النية.
هبني امرأةً
هي مجدك
كانت في النية
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في النية
* *
يا امرأة في النية
عند السور
سبيَّة
لست أُخيَّة هارون
ولست المجدلية
سوسنة العرش
أنت؟
أم روح نبيَّة؟
كعبتي أنت
مصلاّي و»تربتي«
وأول حلم الله
قبل أن يوجِد الله
هذي البرية
يا امرأة كنت أردتها
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في الذات العلية
وحي
أوحى إليّ الله
أن عينيك
فردوسي وناري
وأنك
مكتبتي وداري
وقال لي
- إذ رآني أبوس باطن كفيك -
يا فتى:
هذي نعمتي إليك
فتقدم من نعمتي ولا تداري
وخذ ما تشاء من رحمتي
ولا تداري
وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودك إلى المسجد
قلبي
آخر المحاريب
فادخلي بسلام
دار السلام
قلبي: الكعبة الأولى
فصُّ عقيق
إني أصلّي
- بين يديك -
لفاطرك
فسبحان شفتيك
صبوة
أشتهيك.
كما أنت. كما كنت
امرأة
أو جدولاً يلتقي نهراً
أو نهراً يصل بحراً
وبحراً.
أشتهيك
كما كنت. كما أنت
امرأة
وبحراً.
اشتهاك الله
فخلقك
وبعث بك إليّ
أحببتك
فأهديتك
إلى الله
يا صاحب الجلالة!
هذي محبتك
ردَّتْ إليَّ.
سبحانه..
ما أعظمه،
أفاض على نفسه
فسوَّاك
وصلّى عليّ
سبحانه ما أعظمه
سوَّاك
وصلّى علينا
ثم سوَّاك
وصلّى على عباده الصالحين
أنا الأعمى والمجنون
أنا السكران
أشتهي بابلية تقودني
إلى السور
وحدي..
أرفع العرش
وحدي
أحرس المسجد
وحدي
أصلّي على زينب.
صلاة.. فوق العرش
- 1 -
أجلسني على عرشه
وقال: تمنَّ
قلت: أنت وهي
زينب المحبة
وأنت الحبيب
وأنا - بينكما - المعذب
- 2 -
لقد أغلقت أسيجة حدائقي
وأقفلت أبواب قلبي
وها أنا وحدي
أواجه وحدتي
إذن لم يبق - يا مناي -
إلا إياي مع إياي
ولم تبق إلا صورتي
في المرآة
وأنت صورتي التي في المرآة
- 3 -
رباه..!
لأنني أحبك
لا أقبل غيري
في شراكة محبتك
رباه..
ما سجدتُ لغيرك
فكيف أسجد لغيرك؟
إن غفرت لي فأنت الرحيم
وإن عاقبتني فلأنت العدل
- 4 -
ومن هي روحي؟
وهذا البوح، لِمَ يأتي في هذه اللحظة؟
ألأني ثمل،
أم لأنني ألبس التاج؟
رباه..
يا من قَسَّمت الرحمة
على نفسك،
وأقسمت بالرحمة
على نفسك
لماذا بقيت روحي عزلاء
وفوق رأسي تاج ملكوتك؟
- 5 -
يا روحي:
لماذا أهيم بك
وهذا التاج فوق رأسي؟
سبحانيات
في الصباح..
ومع بداية المساء
وكما أقف أمام الله
خمس مرات في اليوم..
يتوجه قلبي إليك
متوسلاً قلبكِ
ورحمتك الوسيعة
لقد دعوت »الروح«
إلى سفرة العشاء
فاختار الجلوس بين يدي
ولم يكن أحدٌ
على يساري أو يميني
لأنك غائبة عن هذا المكان
في الفجر
يوماً بعد يوم
يُقرِئني اللهُ السلامَ
لكنني أرجوه دوماً
أن يُرسل سلامه إليكِ،
إليكِ فقط.
تضطربُ الأشجارُ
عندما تلامس جذورها الأرضَ
وتفرح قيعان المحيطات
بصمتها.
أنا - وحدي - الفَرِحُ بك
حاضرةً وغائبة:
في حضورك أقبّل باطن كفيك
وفي غيابك
يُطهرني عطرُ أصابعك
استويتُ لا أتذكرك
لفرط ما أتذكرك
كلٌّ له أمل
وحلم.
كلّ له امرأة وحبيبة
أو عشيقة
كلّ له حياته وموته
أنتِ وحدكِ
روحي الأخرى
طريق جلجلتي
وزلزالي الذي لن يهدأ
ليسَ عجباً
أننا التقينا
قبل أن نولد
ابسطي كفكِ
ها أنا خط المصير
في راحة كفك اليسرى
تكتمي عليّ كما تشائين
لا فرق عندي
بين المعالنة والتستر
فأنا الفضيحة
عندما أحب.
ولأنني صرت
الفضيحة
بعدما أحببتك!
لو أنني
رقيتُ سُلّماً إلى جبهتك
فرأيت عينيك
ولمست خديك
وعاينت علامات قيامتي في نحرك
فإني..
سأهبط ثم سأهبط
حتى ألامس قدميك
ومثل صرخة الرضيع الأولى
سأصرخ:
أحبك
لا تغسلوني بالماء
ولا تطهروا ثيابي بالكافور
لا تدلكوا شفتي بأوراق السدر،
أبعدوني عن هذا كله
وخذوني إلى صدر زينب
لنا يومان
يوم لك
ويومنا الثاني
هديتي إليك
في لغتي
كلمتان:
أولاهما أنت
والثانية أنت
محراب
تزهر أشجار الشوق
في بساتين قلبي
لأنك مسجد صغير
في قلبي
وأنا المحراب
سلام عليك
تزيَّني.
سلامي عليك
تزيَّني وادخلي بسلام
محراب قلبي.
أخفُّ من ريشة
أجمل من زهرة
أكبر من البحر
أوسع من السماء
تلك هي زينب
ماذا أبقيتِ لي فيَّ
بعد أن أخذتني
مني إليك؟
سلامٌ عليّ
يوم وَلدتُ
ويوم عرفتكِ
ويوم أموتُ بين ذراعيك
سلام علينا
يوم نبعثُ من جديد
توأمين
مثل زهرتين
جاورتا العرش
من عليائه
نظر إليَّ الله
فرآني أقبل يديك
استحيا - سبحانه-
وجلس ينظر إلى نفسه
فرآنا قبالته
لا تخافي
فلا شيء سواك
هنا أو هناك
لا شيء سواك.
لماذا أنت
حلوة كخمرة العنب؟
لماذا أنت
جميلة
كعاصفة في دمي؟
لماذا أنت
ألذ من الخمرة
وأجمل من العاصفة؟
لماذا أنت
خُلقت كما أنت؟
[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]- 1 -
لا هذا الليل أنا
ولا ذاك النهار أنتِ
كلّ سيمضي إلى منفاه
مثل شجرة رمان خاصمها الربيع.
لم يكن شتاء، ولا كان ربيعاً. فصل ما: خرّت السحابة البيضاء خلف السور، وكانت قُبّرةٌ بلون الرمل تتكىء على نهاية عمود صغير مدبب عند الرأس، وتضرب بمنقارها الذي بلون الديرم على السلك الشائك المكهرب، رفعت القبّرة جسدها قليلاً فوق السور، مصطفقة الجناحين، ثم عادت إلى مطرحها، وطفقت تنود لفترة وجيزة، ومدت رقبتها باتجاهي، حتى خلتُ أنها تريد مساررتي بشيء ما.
كنت مبتلاً بالمطر الصحراوي المفاجىء »عادت السحابة بيضاء بعد أن نفضت ريشها الداكن فوق المكان« بينما بقيت القبّرة منفردة تنظف ساقيها ومفارق أصابعها من وضر المطر الصحراوي.
قبّرة بحجم قلب مراهق دَيْرَمَتْ منقارها »كانت مثل عروس تخرج من الحمام توَّاً« ولم تمهلني لحظات قليلة لاستقصاء تاريخها، بيد أني أعرف هذا السور وتاريخي »هل للفتيان المراهقين تاريخ؟« ومع ذلك لم يكن تاريخي سوى مكتبة متنقلة، وحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة لا تتخلى عن الله، وكان هذا كله يحدث في الرأس، أحلام: ترى بماذا تحلم القبّرة الآونة؟ ولماذا عليّ - أنا فقط - مواجهة قبّرة لا تعرف سوى الطيران بين فسحات السور، منطلقة من الغدير، بينما السحابة البيضاء، »كانت غيمة غير ولود« ارتفعت بعيداً، في قلب السماء النائية عن السور، مفردة جناحين أرجوانيين، مثل قبّرة لا تعرف إلا حرية الطيران.
تعثرتُ بأطماري وكيس من الدفاتر التي دونت فيها تاريخ السور »نعم تاريخي هو تاريخ السور« بينما أخذ السور يتقدم نحوي، مهيباً مثل طائر الرُّخ ففزعت إلى القبّرة أشاكيها:
تعالي أيتها المفتونة بالطيران، المتديرمة بحناء أول أيام العيد، نتبادل المواقع ونتقايض الأدوار، أنت أنا، وأنا القبّرة، بي شوق إلى أن أسقط خلف هذا السور لتذروني الرياح مثل أزهار شجرة تفاح أو رمان خاصمها الربيع.
قالت القبّرة:
أنت لا تطلب مستحيلاًً، هيا... افرد جناحيك »مثلي هكذا« وعندها ستطير.
توهمت أنَّ لديَّ أكثر من جناحين، حاولت الطيران، لكن ساقيّ انشدتا إلى الأرض.
عندها سمعت القبّرة تصيح عليّ:
أيها الطيني المنذور للعدالة، المحكوم عليك بنعمة الابتلاء...
أنت تحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة، ولا تتخلى عن الله، لكنك نسيت معاينة هذه الطيور التي في مملكة الله!
من أين - إذن - يتأتى لي مجاورة الحكمة، إذا لم أكن، من قبل، قد فكرت في حكمة القبّرة؟
- 2 -
هذا النهار أنتِ
وذاك الليل أنا
سنمضي معاً، مثل قبّرة بساقين سليمتين يوحدنا الموت بعد أن فرقتنا الحياة.
شتاء. شتاء جديد، فصل دافىء أورقني شجيرة حناء على قوس بحيرة ميسان، ومثل هزار ارتوى من جاني التين، أسكرتني نهايات الفجر »لماذا ينتهي الفجر يا عذابي؟« عندما طلعت الشمس، كرة برتقالية من أفق البحيرة: نصف برتقالة فوق البحر، والنصف الثاني هو أنا، لا لم أكن أحلم، اكتملت مملكتي، ولم يكن ثمة أي سور »إلا ذكرى الحجل الذي ما تزال آثاره في خاصرتي« كما لم تكن هناك قبّرات بينما اصطخبت النوارس، ولبطت الاسماك الصغيرة دافعة أفواهاً حُمراً دقيقة إلى سطح الماء.
فجأة تعالت الشمس البرتقالية فوق الأفق، امرأة محناة اليدين بخضاب قهوائي، تلمع شفتاها بالديرم الأرجواني، فعرفت أنني اكتملت وانكشفت، فنادتني شجيرة الحناء:
أيها »الحوار« الصغير الأعمى.. أية حظيرة تليق بك؟
كانت هي زينب.
10- نيسان
- 1 -
شقوتي في حبي وهجراني
في محبتك لا مفرّ منك
وفي هجرانك لا فرار إلا إليك
أنت الذي اصطفيتني لنفسك
فلمَ تطيل أمد قبضتي؟
يا معاشر العشاق:
أنا شاهنشاه العُصاة
لكن التي تحبني وأهجرها
تراني سيد الشهداء
من ذاك الذي سطا على ماضيَّ: العائلة.. السلطة.. مارتوف، أم نخلة خرَّت على دجلة، فسقطت مع طلّيعها إلى ماء يغتسل فيه الشرف، وتسبح فوق سطحه جنوبيات تحنَّين بالدم واغتسلن بالفضيلة؟
يا شبابي:
يا أيام الصهد وعواصف الرمل والحجرات المظلمة.. الأسلاك الشائكة والانهداد في آخر الليل متوسداً خاصرة جواد نفق تواً، صخب الحانات وافتقاد الصداقة.. القبلة الأولى وانتحاب المنابر... القراءات الغجرية والرضع يموتون بعد التهليلة الأولى..
من صادرك: نيزان، فوشيه، الجيلاني، رابعة، أم طاووس النساء: زينب؟
- 2 -
نخلةٌ توضأت بالعود ومالت إلى النهر
وصلَّتْ »ركعتين للعشق«
أبعد من كل الآفاق
فضيلة ما بعد الحب
عين ولام وياء الاسم
تلك هي: زينب
هَجَرْتُ الطريق، فاختارتني الطريقة
أودى بي الطريق إلى السوق والخان والمؤسسة، بينما قادتني الطريقة إلى قارعة نفسي: الوحشة، حيث أنا صورته، وزينب صورته، وحيث شاهدني الشاهدُ والمشاهد.
نعم، أنا الجمل الأجرب منبوذاً من القافلة، لكن رغائي لا تسمعه سوى العصافير الحمر النجائب.
نعم، أنا المريض الميؤوس من شفائه كما تقولون: لكن علتي لن تبريها سوى زينب: سمراء ميسان.
نعم، قفر هذا الطريق،
والطريقة سيدة الفراديس.. زينب.
* *
خلع عليّ الملكُ تاجه
والسلطان ناولني صولجانه
لم أشكرهما
قلت للملك: أتعرف كم تاجاً طوته الغبراء؟
وقلت للسلطان: لك الصولجان ولي قلبي.
بعد هذا وجهت وجهي إلى فاطر السماوات والأرضين، وقلت:
سبحانك ما أعظم شأنك.
فترجّع الصدى:
سبحانك ما أعظم شأنك.
14 – رجب
* البتول في القيلولة *
مرمدة مدلاة فوق الأفق الغربي.
وتحت الرماد روحي جمرة صفراء فاقع لونها/ تستقي زيتها منها/ هي تستحم في محطة من عينك، عينك التي حجابها سيف بابلي/ فلماذا أيتها الجميلة وهبتني رطلاً من كافور وحفنة من حنطة ونصف أوقية من زبيب وجوز، فلم يبق في ملكوت روحك إلا مرديّ من رحمة/ وهذا أنا زندي موسوم باسمك، وتحت ثديي الأيسر بقية من خضابك/ وبين عينيّ نجمة زيت، ولبان ومرّ، وخاتم استدار على سبابتك ذات مساء.
يا جميلات ميسان وفارعات الخليج:
اطلعن إلى حافات قلبي/ من دلمون والوصل/ من الحيرة وداس/ من جبيل وجميرا/ من الدوحة والطائف/ من الماجدية والخرّان/ من الصحراء والحضر/ من اليابسة والبحر/ من باطن الآبار وماء أعذاق النخيل/ من المكتبات المنسية ونزهات العشاق/ من الرماد والجمر/ من المكاحل وهفهفة النفانيف/ لأن التي تهواها نفسي وترغب بها روحي/ استفاقت الآن من رقدة القيلولة/ ووقفت في حوش قلبها نوراً يستضاء به ومرديّاً من رحمة.
* الخضر *
بين مسافي ودبا، أوقفني الخضر.
وقال:
أيها المنذور للمحبة/ المحنّى بطين الفراتين/ المعترك مع نفسه/ المزنّر بسبعة أقواس من لهب/ الغريب حتى بين أهله/ السائح العابد التائب وسط فساد السوق/ المنجذب والمجذوب/ المقفل على نفسك كل الأبواب إلا بابه هُوْ/ الغارق في فتر ماء والعوّام في بحر الظلمات/ من أين احتطبت كل هذا الصبر لتصل إلى هذه القمة؟
لم أحر جواباً.
فهذا أمير العشاق يسأل عن حال من يجهل حاله، ويتحرى أمر من استوحش الطريق وقلة الصحب والزاد، ويعاين مهزولاً لم يبق منه سوى قلب، قلب بحجم عين حوار.
غير أني بعد أن حمدت الله وأثنيت عليه وصلّيت على محمد وآله وصحبه، رأيتني مَرْمَدة مدلاّة فوق الأفق الغربي، ثم خرجت روحي، جمرة كروية صفراء فاقع لونها.
وقلت:
يا عم
البتول التي شعر رأسها حتى حجليها
الطالعة كسفينة من غمار أدخنة بحر دلمون
المانحة للظل السكينة كما شجرة لوز في الحيرة
الفاتنة كما رازقية باذخة في مساء ميسان
الصابرة مثل »غويفة« في بحر رمل
يا عم
تلك البتول التي تآخت مع الفضيلة، مرت الآونة من هنا.
وعند هذا الموقف تخشب لساني داخل فمي، وتجمدت دموعي عند مآقي عينيّ، وارتجفت ساقاي، ولم أعد أسمع دقات قلبي، وغادرني تنفسي، وانطبقت عليّ السماء والأرض
ولم يبق لدي إلا سمعي
وسمعت الخضر يصيح:
يا رؤوس الجبال
أنت أيها البحر، وأنت يا صحراء
يا برق يا رعد يا عواصف
يا كل الطير والشجر والحجر والهوام
أشهدكم جميعاً، أنا راشد الخضر
أن هذا الفتى روح البتول.
* جدائل البتول في ميسان *
في ذلك المساء الماطر افتقدت جسدي.
هذا أنا أبدو للمعاين عبر زجاج حائط المطعم الخشبي، مثل مَرْمَدةِ عُرفاء بين نخلتين بصراويتين، بينما نفسي تحت الرماد الذرّي المتماسك، تبدو لقلبي مثل جمرة صفراء فاقع لونها، أضيئت فسحة من ظلام أبيد يتأبى أن يسترشد بالنور.
تجلس نفسي إلى طاولة خشب مستديرة.
ثمة قدح وماء، قصاصات ورق تنتظر مشروعاً مؤجلاً منذ أربع عشرة سنة، لا بل أحقاب.
أنا هو ذلك المشروع المؤجل.
وإذ تقابلني سنوات العمر، وتبدأ إحداها بتلاوة سورة الإخلاص، يعود جسدي إلى نفسي، ألملم أوراقي، وأغادر المكان.
مطر، مطر سماوي تستقبله اليابسة والأشجار والناس، ومطر داخل روحي، أتنزه بكليتي تحت المطر، ثمة رايات وجنود، جنود بسيوف من فضة وعمائم من حرير، جنود بدروع من عقيق وأحزمة من لهب، جنود مجندون لمنازلة الدجال، جنود مجتبون ليوم من أيام الله.
أرتصف مع الكتيبة النورانية، فتظلني رايات سود من كل حدب وصوب، بينما الشمس تنهض فوق مغربها، كرة صفراء فاقع لونها، ترسل إلى الكتيبة أحزمة ضوء مبصرة، مثل جدائل تلك البتول التي اختارت النور مقاماً. جدائل تمطر نوراً.. تلك هي زينب وليست مرمدة!
تجليات
وقف سعدون المجنون على حلقة ذي النون المصري في الفسطاط فسأله: يا ذا النون...متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟
فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلم ير في الضمير إلا الخبير.
قال الراوي: حلَّ علينا رجل من بابل، يبدو عليه الوقار وَسَمْتُ الأحبار، فأفردنا له مجلساً، ذات يوم جمعة، بعد صلاة الجمعة، على شاطىء نهر الكرخة.
تحدث البابلي طويلاً عن بلده وأهله، وأنشد شعراً يحكي قصة مليكهم جلجامش الذي ذهب يبحث عن سر الخلود في بلاد الأرز.
قال الراوي: وكان المجنون حينها، منتصب الأذنين، يتابع باهتمام ما يرويه البابلي، وما إن وصل ضيفنا إلى ذكر جلجامش، حتى هبَّ المجنون منادياً: انكيدو.. انكيدو..
قال الراوي: وبينما نحن ننظر متعجبين إلى ضيفنا البابلي، أخذ المجنون بأطراف دشداشته وأنشد يقول:
كانت في النية
عند السور
امرأة
أم طيف
تدهن نهديها
بالكافور
وروح الصيف
عند السور
طيفٌ
امرأة حبلى
تدهن نهديها
بالكافور وروح الصيف
وتناجي الربّ
عند السور
امرأةٌ
بابلُ هي
وروح الرب
* *
عند السور
امرأة
في النية
يا امرأةً في النية
لم يخلقها إلا الله
عند السور
امرأة،
لم يعرفها
إلا هو
يا هُوْ:
يا الأسماء الحسنى
وقدس الأقداس
هبني امرأتي
التي
في النية.
هبني امرأةً
هي مجدك
كانت في النية
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في النية
* *
يا امرأة في النية
عند السور
سبيَّة
لست أُخيَّة هارون
ولست المجدلية
سوسنة العرش
أنت؟
أم روح نبيَّة؟
كعبتي أنت
مصلاّي و»تربتي«
وأول حلم الله
قبل أن يوجِد الله
هذي البرية
يا امرأة كنت أردتها
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في الذات العلية
وحي
أوحى إليّ الله
أن عينيك
فردوسي وناري
وأنك
مكتبتي وداري
وقال لي
- إذ رآني أبوس باطن كفيك -
يا فتى:
هذي نعمتي إليك
فتقدم من نعمتي ولا تداري
وخذ ما تشاء من رحمتي
ولا تداري
وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودك إلى المسجد
قلبي
آخر المحاريب
فادخلي بسلام
دار السلام
قلبي: الكعبة الأولى
فصُّ عقيق
إني أصلّي
- بين يديك -
لفاطرك
فسبحان شفتيك
صبوة
أشتهيك.
كما أنت. كما كنت
امرأة
أو جدولاً يلتقي نهراً
أو نهراً يصل بحراً
وبحراً.
أشتهيك
كما كنت. كما أنت
امرأة
وبحراً.
اشتهاك الله
فخلقك
وبعث بك إليّ
أحببتك
فأهديتك
إلى الله
يا صاحب الجلالة!
هذي محبتك
ردَّتْ إليَّ.
سبحانه..
ما أعظمه،
أفاض على نفسه
فسوَّاك
وصلّى عليّ
سبحانه ما أعظمه
سوَّاك
وصلّى علينا
ثم سوَّاك
وصلّى على عباده الصالحين
أنا الأعمى والمجنون
أنا السكران
أشتهي بابلية تقودني
إلى السور
وحدي..
أرفع العرش
وحدي
أحرس المسجد
وحدي
أصلّي على زينب.
صلاة.. فوق العرش
- 1 -
أجلسني على عرشه
وقال: تمنَّ
قلت: أنت وهي
زينب المحبة
وأنت الحبيب
وأنا - بينكما - المعذب
- 2 -
لقد أغلقت أسيجة حدائقي
وأقفلت أبواب قلبي
وها أنا وحدي
أواجه وحدتي
إذن لم يبق - يا مناي -
إلا إياي مع إياي
ولم تبق إلا صورتي
في المرآة
وأنت صورتي التي في المرآة
- 3 -
رباه..!
لأنني أحبك
لا أقبل غيري
في شراكة محبتك
رباه..
ما سجدتُ لغيرك
فكيف أسجد لغيرك؟
إن غفرت لي فأنت الرحيم
وإن عاقبتني فلأنت العدل
- 4 -
ومن هي روحي؟
وهذا البوح، لِمَ يأتي في هذه اللحظة؟
ألأني ثمل،
أم لأنني ألبس التاج؟
رباه..
يا من قَسَّمت الرحمة
على نفسك،
وأقسمت بالرحمة
على نفسك
لماذا بقيت روحي عزلاء
وفوق رأسي تاج ملكوتك؟
- 5 -
يا روحي:
لماذا أهيم بك
وهذا التاج فوق رأسي؟
سبحانيات
في الصباح..
ومع بداية المساء
وكما أقف أمام الله
خمس مرات في اليوم..
يتوجه قلبي إليك
متوسلاً قلبكِ
ورحمتك الوسيعة
لقد دعوت »الروح«
إلى سفرة العشاء
فاختار الجلوس بين يدي
ولم يكن أحدٌ
على يساري أو يميني
لأنك غائبة عن هذا المكان
في الفجر
يوماً بعد يوم
يُقرِئني اللهُ السلامَ
لكنني أرجوه دوماً
أن يُرسل سلامه إليكِ،
إليكِ فقط.
تضطربُ الأشجارُ
عندما تلامس جذورها الأرضَ
وتفرح قيعان المحيطات
بصمتها.
أنا - وحدي - الفَرِحُ بك
حاضرةً وغائبة:
في حضورك أقبّل باطن كفيك
وفي غيابك
يُطهرني عطرُ أصابعك
استويتُ لا أتذكرك
لفرط ما أتذكرك
كلٌّ له أمل
وحلم.
كلّ له امرأة وحبيبة
أو عشيقة
كلّ له حياته وموته
أنتِ وحدكِ
روحي الأخرى
طريق جلجلتي
وزلزالي الذي لن يهدأ
ليسَ عجباً
أننا التقينا
قبل أن نولد
ابسطي كفكِ
ها أنا خط المصير
في راحة كفك اليسرى
تكتمي عليّ كما تشائين
لا فرق عندي
بين المعالنة والتستر
فأنا الفضيحة
عندما أحب.
ولأنني صرت
الفضيحة
بعدما أحببتك!
لو أنني
رقيتُ سُلّماً إلى جبهتك
فرأيت عينيك
ولمست خديك
وعاينت علامات قيامتي في نحرك
فإني..
سأهبط ثم سأهبط
حتى ألامس قدميك
ومثل صرخة الرضيع الأولى
سأصرخ:
أحبك
لا تغسلوني بالماء
ولا تطهروا ثيابي بالكافور
لا تدلكوا شفتي بأوراق السدر،
أبعدوني عن هذا كله
وخذوني إلى صدر زينب
لنا يومان
يوم لك
ويومنا الثاني
هديتي إليك
في لغتي
كلمتان:
أولاهما أنت
والثانية أنت
محراب
تزهر أشجار الشوق
في بساتين قلبي
لأنك مسجد صغير
في قلبي
وأنا المحراب
سلام عليك
تزيَّني.
سلامي عليك
تزيَّني وادخلي بسلام
محراب قلبي.
أخفُّ من ريشة
أجمل من زهرة
أكبر من البحر
أوسع من السماء
تلك هي زينب
ماذا أبقيتِ لي فيَّ
بعد أن أخذتني
مني إليك؟
سلامٌ عليّ
يوم وَلدتُ
ويوم عرفتكِ
ويوم أموتُ بين ذراعيك
سلام علينا
يوم نبعثُ من جديد
توأمين
مثل زهرتين
جاورتا العرش
من عليائه
نظر إليَّ الله
فرآني أقبل يديك
استحيا - سبحانه-
وجلس ينظر إلى نفسه
فرآنا قبالته
لا تخافي
فلا شيء سواك
هنا أو هناك
لا شيء سواك.
لماذا أنت
حلوة كخمرة العنب؟
لماذا أنت
جميلة
كعاصفة في دمي؟
لماذا أنت
ألذ من الخمرة
وأجمل من العاصفة؟
لماذا أنت
خُلقت كما أنت؟
[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]في الحضرة
يبدو لنا أن طيران العصافير في النهار بلا هدف، إلا أن العصافير في المساء تبدو كأنها وجدت لنفسها مقصداً، فهي تطير صوب مقصدٍ معين. وهكذا، ربما، في مساء الحياة..
(ألبير كامو)
قال الراوي:
رأينا المجنون - في أحد أيام شهر تموز - يدخل سوق القماشين، وقد بدا في حبور وسرور، ثم توقف قليلاً عند دكان يعرض عباءات وشالات نسائية.
فجأة وقع المجنون على الأرض جثة هامدة.
تجمع السابلة من الرجال حوله، لكن النسوة تجنبن الوقوف عنده، إلا زينب... فقد دنت منه وأسرَّت في أذنه بضع كلمات.
وما هي إلا هنيهات، حتى استفاق المجنون، فجلس متربعاً والعرق يتفصد من جبهته، وقال: زارتني الحبيبة قبل لُحيظات، وقالت: صفني.
وقف المجنون على قدميه، وأنشأ يقول:
في حضرة البتول
كُنْتِ
قبل الماء
وأنتِ
سوسنة الكون بعد الماء
وأنت
روحي الأولى
وقصيدتي المؤجلة
* *
لَسْتِ ليلى
ولن تكوني بثينة،
أنتِ
كلمة لم يطلقها أحد
أنتِ
أهديت السماء لونها
وأنت
سفينة نجاة الأمم
إلى الله
* *
في صباي
كتبت اسمكِ على جدار المدرسة
في شبابي
كنت حلمي بين البنات
في كهولتي
أنت حلمي وخبزي الكفاف
وفي شيخوختي
أنت ريحانة الدنيا
* *
لقد خُلِقْتُ مرّتين:
الأولى بـ »كن«
والثانية بين شفتيك
* *
تمنّى الليل
أن يكون بعضاً
من كحل عينيك
وعندما حلم بك النهار
كنت ضياءه
* *
ذات أصيل
مَرَرْتِ في خاطرالربيع
فاستحيا من نفسه
لأن الأزهار تعلقت بأذيال نفنوفك
والأرض تنفست تحت قدميك
* *
والخريف - نسيت أن أخبرك -
ينسى اصفراره
عندما تجاورين أشجاره
* *
أنا المنفيّ عن وطني والناس
أيقظني الملاك المخلّص
عندما تمتم بحرفين
من اسْمكِ
اسمكِ:
أملٌ وحلمٌ وارتقابٌ
وكل الحنين
اسمُكِ:
حِرزٌ يحرس بابل
اسمكِ:
دعاء الحزانى في ميسان
ونخلة فرعاء في جلفار
وأنت
التين والزيتون
وباسمك
يأمن البلد الأمين
* *
للزاهد صومعته
للنواسي خمرته
لجميل فتنة بثينة
مثلما لقيس فراق ليلى
وللناس - كل الناس - الفراديس المرتجاة
أنت وحدك
فردوسي
* *
غَيْري سيعرض عليكِ
قصوراً ورياشاً
سواي سيقول فيك شعراً
أنا...أهديك
مكحلة أمي
واسمي »الحزبي«.
قال الراوي:
خرجت البتول من خيمتها ذات صباح مسفرة عن وجه نوراني، وقامة هي عمود من نور إلهي، وقالت تحدث نفسها لتسمعها المخلوقات والعناصر:
- اليوم اكتملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
سمعت الرويح ما قالت البتول، وكذلك البشر والمخلوقات الناطقة والعجماء، الجبال والمياه والنار، الجن وسكان العوالم السفلى، النمل والهوام والطير، السماوات والأرضون..
كانت خيمة البتول على منحدر في مواجهة النهر، تحيطها الأزهار، وتطير في فضائها الطيور، تحرسها سباع الأرض وحيّات المياه والرمال،
وكانت وفود البشر والجن والطير والدواب والماء والنار والجبال، تتجه إلى الخيمة حيث البتول أسفرت كشمس الربيع.
وحده، انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ينظر منه إلى البتول، ويستمع إلى حديث الكائنات.
ا
الأمم في حضرة البتول
عربٌ
بَدوٌ، حَضَرٌ، وأعراب
أبناء عدنان وقحطان
عَرَبٌ من كنانة
آخرون من طيِّئْ ولام وكَعْبْ
أناخوا حمر النعم حول خيمتك
بَدْوٌ من نجد
بَدْوٌ ملثمون من إفريقيا
بَدْوٌ من سوريا ومصر
والعراق
عرافون من سِنَّار وشعراء من مَرَوِي
حَضَرٌ سومريون وأشوريون
عَرَبٌ من رؤوس الجبال
ومزون
حَضَرٌ من تطوان حتى جلفار
بَدْوٌ وحَضَرٌ قال قائلهم:
هذي هدايانا لبتول النساء
هدايانا،
أسلحتنا، حجول نسائنا،
كتبنا الأولى ومرّ عمان،
هدايانا،
نياقنا والصافنات،
أشعارنا وحرف الضاد
وها نحن بين يديك
نقول: أسلمنا
قال الراوي:
قالت البتول:
اليوم أكملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني
قال الراوي: منفرداً وحيداً، حيث انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ارتقى صخرة تطل على النهر وخيمة البتول، وأنشد يقول:
وحدي..
بعيداً عن قوافل البدو والحضر
أناديك باسمك
وأتعبدك
الكعبة
هاجرت مرتين
الأولى اليك
والأخيرة اليك
وصيّتي:
احفظيني فَصّآً
في محبسك
للناس مواقيتهم
قلبك وحده
ميقاتي
أخذ »ابن صيفي« بيدي
وقال: يا ولدي
دُلّني على بتول العرب؟
قلت: لمَ.. يا أبه؟
قال: لأرى نور الله في عينيها
ولأحدث عنها الأمم
في صحراء الطّف
وحدي رأيتك
تعيدين رأس الحسين
إلى جسده
في حضرتك ينساني الكلام
تهجرني الأبجدية
بيد أنك - يا صنو روحي -
آخر الأرصفة.
قال الراوي: أصبحنا ذات يوم - والملك كلّه لله - على صباح ما ألفناه. وجدنا »المجنون« وقد نصب خيمة قصاد دار »البتول« خيمة خلقة، بباب واحد، جلس »المجنون« يطيّر طيّارة من قرطاس، فوق دار »البتول« وعندما لم تساعدها الرياح سقطت، فوجدنا هذه السطور مكتوبة على ورقها:
قلب في طيّارة من ورق
* معجزة *
عقب أن ولدتني أمي بساعة..
مُتُّ
قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه
مرّ يوم وأسبوع وشهر
مرّت سنة، تبعتها عشر
ثم عشر عجاف وعشر سمان،
وكان
جسدي الرضيع في المهد مزهراً
مثل نار لم تنس ذاكرتها
وكما حدث ليعقوب
حَدَثَ أن مررتِ جوار مهدي
ألقيت بمنديلك عليْ
فَعُدْتُ للحياة... كهلاً
* أحجية *
هي امرأة تختصر كل النساء
واسم رددته قبلي الملايين
الأرض قرطاس بيانها
الماء مداد يراعها
وقلبي الدواة
* قسم *
والحُبِّ
والصُّبْحِ وما رأى
ما ضرّني
إن كنت شاعراً
أو مجنونك الأخير؟
* حلول *
يا عين الاسم
لم يبقَ إلاّ إيّانا
بعد أن باركنا ياؤه
* حنوط *
ترابُ خَطوكِ حَنوطي
يا أصغَرْ الأمهات
يا أميّ
يا.....
* وصية *
لا تخذليني..
أقولها للمرة الألف
وقبل أن يهيلوا عليّ التراب
أنا آخِرُ البكائين في حضرتك
وأنا ضجيج
آخر حرفين من اسمك
* مقارنة *
ما أكثر الحور العين في غيابك
وما أقلهن
في حضورك.
قال الراوي: »وفي يوم تالٍ أصبحنا - والملك كلّه لله - فرأينا المجنون عائداً إلى حيث دار »البتول« بعد أن دمّر الرعاع خيمته. كان يرْتدي دشداشة بيضاء نظيفة، وحول وَسطِهِ حِزامٌ من جلد سمك القِرْش، حاسر الرأس، حافي القدمين. وقف المجنون طويلاً قصاد بوابة دارة »البتول« دون أن يطلق نأمة، وبعدها سقط مغشياً عليه، عند ذلك هجم عليه نفر من الرعاع وسرق أحدهم حزامه، لكن أحد عقلاء الحي، استرد الحزام، وعرضه بعد يومين على جلاّسه، وعندما تملينا الحزام جيداً وجدنا هذه الأسطر على أحد وجهي الحزام..«.
لحظات من الساعة الخامسة والعشرين
في يوم من أيام المجنون
1
ا لهنائي!
جنة المأوى والغُرفة
بين يديكِ،
بينما الفراديس تتبع خطاك
يا لهنائي!
حدث هذا، لأن الله أراد أن تكوني
أجمل من يوسف، وأرقَّ من الرحمة
حدث هذا لأنَّ الله استجاب لدعائي
فالتفت إليك
- 2 -
رأى يوسف أحد عشر كوكباً
والشمسَ والقمرَ
له ساجدين
عندما حباني الله بمنزلة العبودية
رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً
والشمس والقمر، ومثلها أضعافاً
صافنة في حضرتك
تُسبّحُ لله الذي فطرَك، وجاد عليك بنور منه، هو صبغتك التي في قلبك
وإذ كنتُ أقترب منكِ، رأيت تلك الكواكب والشموس تدنو ثم تدنو منك، لتستوي حبات لؤلؤ في راحة كفك اليمنى، أخذت أجمعها لؤلؤة إثر أخرى حتى صارت عقداً
عند ذلك زنّرت جيدَك بالعقد
آه...يا جميلات الكون!
آه...أيتها الحور العين.
ها هي الجميلة، مشرقة كما الكوكب الدريّ، توقد بابتسامتها كواكب الفراديس، وتنير بالتفاتة من جيدها أرواح الغابات وقلوب الجبال وأعماق المحيطات.
آه...أيتها الجميلات!
ما أجمل حبيبتي
- 3 -
أيتها الحبيبة!
عندما كان الصّمْتُ أنتِ، تَحَدَثْتِ إليّ طويلاً، في لغةٍ غير لغةِ البشر، عن العشّاق المهابيل، والشعراء المجانين، والقلوب التي صارت حبَّاً خالصاً.
إذ ذاك، كنت أنا الصمت، فلم ينطق لساني بحرف، لأنني رأيتُ اللّه في عينيك.
حينها خرَّ كلانا ساجديْن لله، شكراً وضراعة وخشية.
يا مولاي العظيم!
ما أجمل الصمت.
لأنه حبيبتي.
- 4 -
ارتحلتْ ليلى إليكِ، وتبعتها فَرَحْ
أنتِ، وحدكِ، الواقفة عند السدرة، أصفى من بحيرةٍ صامتةٍ، بل إنّكِ الصمتُ.
قُلت لليلى: ماذا بعد التبتل؟
وقلت لفرح: الآن.. استويت أقرب إلى الصمت.
وكنتُ، جوارك عند السدرةِ، أرقبُ صعود الجميلتين إلى قلبك، وقلبي الصغير الذي مثل قبضة كفّ رضيع، كان يحاور قلبك الصغير الذي مثل رحيق زهرة بنفسج. توقفنا نحن الثلاثة: القلوب الثلاثة، قلبي وقلب ليلى وقلب فرح، نرقب صمتكِ، بينما زهرة البنفسج تُدخلنا في إهابها، لنصير صمتاً
آه... أيها الصمت
ما أجملك... لأنك فيضٌ من حبيبتي
- 5 -
أيتها الحبيبة!
ما كان ليدي أن تتحرك، إلاّ لأنها صافحت يدك
وما كان لعيني أن تبصر الأشياء إلاّ لأنها بعضٌ من كحلِ عينيك
ما كان للساني أن يكون »ترجمان الأشواق« إلا لأنه سمع منك الآفاق التي هي أكثر بعداً من الأشواق
وما كان لقلبي أن يكون معبداً، إلا لأن نقطة من دم قلبك، امتزجت بنقطة من دم قلبي.
ما كان لهذا الفقير الذي يخاطبك بهذه الجسارة، أن يعاف ثروة قارون، إلاّ لأنه اكتفى بهمسة منكِ
يا إلهي العظيم... تقدست أسماؤك الحسنى
ما أكبر نعماءَك
لأن الحبيبة، أهدتني..
لحظة من صمتها..
فواصل الرضا والهجر
ما أشدَّ تلفي!
في القربِ يُبعدني الامتثالُ
وفي البعد تدنيني المحبّةُ
ما أشدَّ تلفي
وَحدي مَعي
وَحْدي.. زرعتُ قلبي في أصيصِ القُرب
وارتحلتُ إلى مجرات الهجران
ما أشدَّ تلفي:
وحْدي.. أحْمِلُني
إلى أين الامتثالَ
ما أشد تلفي:
وحدي.. أمضي إليّ
تنعاني العواصفُ
وترثيني المجراتُ
أيّها الأحباءُ
ما أشدّ تلفي:
وُلِدْتُ فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأيْن:
المسجدُ، وزاويةٌ في جُلفار
2 -
يُناديكِ..
بيتٌ في ميسان
أو عريش في الهُور
يفتديكِ..
بيتٌ في جُلفار
أو كهف في رؤوس الجبال
يشتاقُ إليكِ..
بيتٌ في الخانِ
أو معتزلٌ في الخُوْر
يَتضرَّعُ إليكَ..
قصر الرمل في عجمان
أو دربٌ في الذيد
ما أشدّ تلفي:
ولدتُ، فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأينْ:
قلبكِ وزاويةٌ في جُلفار
- 3 -
قَبِلْتُكِ
فَرَعَفَتْ روحي، مثل شجرةِ سدر مجروحة،
في غفلةٍ من حراس الفضيلة.
قَبِلْتُكِ..
فوَجَدْتُني نخلةً يتيمةً، بعيداً عن غدران
الفراديس
َبِلْتُكِ
فباركتُ نفسي، ورضيتُ لها مقامها الذي
في الميقات
قَبِلْتُكِ..
في نقطة الرضا
وخط الهجران
قَبِلْتُكِ..
فقامتْ من رقدتها الأسماء
قَبِلْتُكِ..
فَكنتُ الفراغْ
- 4 -
لماذا هَجَرَتْ بساتينُ الأكوان مطارحها
والبحارُ غيرت أسماءها؟
ولماذا عافت الأرض خزائنها، والأبراجُ بدَّلتْ
أبعادها؟
والجبال..لماذا خَشَعَتْ.. وبكتْ؟
وعندما أشرقتْ روحي على نفسها.. لماذا
هَجَرَتْني وامتثلتْ لبُعدك؟
- 5 -
بين أينٍ وأينْ
توقظني يقظتي
ناعساً ومُتّقداً
مثل زهرةٍ منسية في كتاب
- 6 -
أيها العشّاقُ:
ما أكثر العقلاء
ما أقل المخابيل
- 7 -
ما أشدّ تلفي
في القرب يُبعدني الامتثال
وفي البعد تُدنيني المحبة![/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]في الحضرة
يبدو لنا أن طيران العصافير في النهار بلا هدف، إلا أن العصافير في المساء تبدو كأنها وجدت لنفسها مقصداً، فهي تطير صوب مقصدٍ معين. وهكذا، ربما، في مساء الحياة..
(ألبير كامو)
قال الراوي:
رأينا المجنون - في أحد أيام شهر تموز - يدخل سوق القماشين، وقد بدا في حبور وسرور، ثم توقف قليلاً عند دكان يعرض عباءات وشالات نسائية.
فجأة وقع المجنون على الأرض جثة هامدة.
تجمع السابلة من الرجال حوله، لكن النسوة تجنبن الوقوف عنده، إلا زينب... فقد دنت منه وأسرَّت في أذنه بضع كلمات.
وما هي إلا هنيهات، حتى استفاق المجنون، فجلس متربعاً والعرق يتفصد من جبهته، وقال: زارتني الحبيبة قبل لُحيظات، وقالت: صفني.
وقف المجنون على قدميه، وأنشأ يقول:
في حضرة البتول
كُنْتِ
قبل الماء
وأنتِ
سوسنة الكون بعد الماء
وأنت
روحي الأولى
وقصيدتي المؤجلة
* *
لَسْتِ ليلى
ولن تكوني بثينة،
أنتِ
كلمة لم يطلقها أحد
أنتِ
أهديت السماء لونها
وأنت
سفينة نجاة الأمم
إلى الله
* *
في صباي
كتبت اسمكِ على جدار المدرسة
في شبابي
كنت حلمي بين البنات
في كهولتي
أنت حلمي وخبزي الكفاف
وفي شيخوختي
أنت ريحانة الدنيا
* *
لقد خُلِقْتُ مرّتين:
الأولى بـ »كن«
والثانية بين شفتيك
* *
تمنّى الليل
أن يكون بعضاً
من كحل عينيك
وعندما حلم بك النهار
كنت ضياءه
* *
ذات أصيل
مَرَرْتِ في خاطرالربيع
فاستحيا من نفسه
لأن الأزهار تعلقت بأذيال نفنوفك
والأرض تنفست تحت قدميك
* *
والخريف - نسيت أن أخبرك -
ينسى اصفراره
عندما تجاورين أشجاره
* *
أنا المنفيّ عن وطني والناس
أيقظني الملاك المخلّص
عندما تمتم بحرفين
من اسْمكِ
اسمكِ:
أملٌ وحلمٌ وارتقابٌ
وكل الحنين
اسمُكِ:
حِرزٌ يحرس بابل
اسمكِ:
دعاء الحزانى في ميسان
ونخلة فرعاء في جلفار
وأنت
التين والزيتون
وباسمك
يأمن البلد الأمين
* *
للزاهد صومعته
للنواسي خمرته
لجميل فتنة بثينة
مثلما لقيس فراق ليلى
وللناس - كل الناس - الفراديس المرتجاة
أنت وحدك
فردوسي
* *
غَيْري سيعرض عليكِ
قصوراً ورياشاً
سواي سيقول فيك شعراً
أنا...أهديك
مكحلة أمي
واسمي »الحزبي«.
قال الراوي:
خرجت البتول من خيمتها ذات صباح مسفرة عن وجه نوراني، وقامة هي عمود من نور إلهي، وقالت تحدث نفسها لتسمعها المخلوقات والعناصر:
- اليوم اكتملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
سمعت الرويح ما قالت البتول، وكذلك البشر والمخلوقات الناطقة والعجماء، الجبال والمياه والنار، الجن وسكان العوالم السفلى، النمل والهوام والطير، السماوات والأرضون..
كانت خيمة البتول على منحدر في مواجهة النهر، تحيطها الأزهار، وتطير في فضائها الطيور، تحرسها سباع الأرض وحيّات المياه والرمال،
وكانت وفود البشر والجن والطير والدواب والماء والنار والجبال، تتجه إلى الخيمة حيث البتول أسفرت كشمس الربيع.
وحده، انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ينظر منه إلى البتول، ويستمع إلى حديث الكائنات.
ا
الأمم في حضرة البتول
عربٌ
بَدوٌ، حَضَرٌ، وأعراب
أبناء عدنان وقحطان
عَرَبٌ من كنانة
آخرون من طيِّئْ ولام وكَعْبْ
أناخوا حمر النعم حول خيمتك
بَدْوٌ من نجد
بَدْوٌ ملثمون من إفريقيا
بَدْوٌ من سوريا ومصر
والعراق
عرافون من سِنَّار وشعراء من مَرَوِي
حَضَرٌ سومريون وأشوريون
عَرَبٌ من رؤوس الجبال
ومزون
حَضَرٌ من تطوان حتى جلفار
بَدْوٌ وحَضَرٌ قال قائلهم:
هذي هدايانا لبتول النساء
هدايانا،
أسلحتنا، حجول نسائنا،
كتبنا الأولى ومرّ عمان،
هدايانا،
نياقنا والصافنات،
أشعارنا وحرف الضاد
وها نحن بين يديك
نقول: أسلمنا
قال الراوي:
قالت البتول:
اليوم أكملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني
قال الراوي: منفرداً وحيداً، حيث انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ارتقى صخرة تطل على النهر وخيمة البتول، وأنشد يقول:
وحدي..
بعيداً عن قوافل البدو والحضر
أناديك باسمك
وأتعبدك
الكعبة
هاجرت مرتين
الأولى اليك
والأخيرة اليك
وصيّتي:
احفظيني فَصّآً
في محبسك
للناس مواقيتهم
قلبك وحده
ميقاتي
أخذ »ابن صيفي« بيدي
وقال: يا ولدي
دُلّني على بتول العرب؟
قلت: لمَ.. يا أبه؟
قال: لأرى نور الله في عينيها
ولأحدث عنها الأمم
في صحراء الطّف
وحدي رأيتك
تعيدين رأس الحسين
إلى جسده
في حضرتك ينساني الكلام
تهجرني الأبجدية
بيد أنك - يا صنو روحي -
آخر الأرصفة.
قال الراوي: أصبحنا ذات يوم - والملك كلّه لله - على صباح ما ألفناه. وجدنا »المجنون« وقد نصب خيمة قصاد دار »البتول« خيمة خلقة، بباب واحد، جلس »المجنون« يطيّر طيّارة من قرطاس، فوق دار »البتول« وعندما لم تساعدها الرياح سقطت، فوجدنا هذه السطور مكتوبة على ورقها:
قلب في طيّارة من ورق
* معجزة *
عقب أن ولدتني أمي بساعة..
مُتُّ
قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه
مرّ يوم وأسبوع وشهر
مرّت سنة، تبعتها عشر
ثم عشر عجاف وعشر سمان،
وكان
جسدي الرضيع في المهد مزهراً
مثل نار لم تنس ذاكرتها
وكما حدث ليعقوب
حَدَثَ أن مررتِ جوار مهدي
ألقيت بمنديلك عليْ
فَعُدْتُ للحياة... كهلاً
* أحجية *
هي امرأة تختصر كل النساء
واسم رددته قبلي الملايين
الأرض قرطاس بيانها
الماء مداد يراعها
وقلبي الدواة
* قسم *
والحُبِّ
والصُّبْحِ وما رأى
ما ضرّني
إن كنت شاعراً
أو مجنونك الأخير؟
* حلول *
يا عين الاسم
لم يبقَ إلاّ إيّانا
بعد أن باركنا ياؤه
* حنوط *
ترابُ خَطوكِ حَنوطي
يا أصغَرْ الأمهات
يا أميّ
يا.....
* وصية *
لا تخذليني..
أقولها للمرة الألف
وقبل أن يهيلوا عليّ التراب
أنا آخِرُ البكائين في حضرتك
وأنا ضجيج
آخر حرفين من اسمك
* مقارنة *
ما أكثر الحور العين في غيابك
وما أقلهن
في حضورك.
قال الراوي: »وفي يوم تالٍ أصبحنا - والملك كلّه لله - فرأينا المجنون عائداً إلى حيث دار »البتول« بعد أن دمّر الرعاع خيمته. كان يرْتدي دشداشة بيضاء نظيفة، وحول وَسطِهِ حِزامٌ من جلد سمك القِرْش، حاسر الرأس، حافي القدمين. وقف المجنون طويلاً قصاد بوابة دارة »البتول« دون أن يطلق نأمة، وبعدها سقط مغشياً عليه، عند ذلك هجم عليه نفر من الرعاع وسرق أحدهم حزامه، لكن أحد عقلاء الحي، استرد الحزام، وعرضه بعد يومين على جلاّسه، وعندما تملينا الحزام جيداً وجدنا هذه الأسطر على أحد وجهي الحزام..«.
لحظات من الساعة الخامسة والعشرين
في يوم من أيام المجنون
1
ا لهنائي!
جنة المأوى والغُرفة
بين يديكِ،
بينما الفراديس تتبع خطاك
يا لهنائي!
حدث هذا، لأن الله أراد أن تكوني
أجمل من يوسف، وأرقَّ من الرحمة
حدث هذا لأنَّ الله استجاب لدعائي
فالتفت إليك
- 2 -
رأى يوسف أحد عشر كوكباً
والشمسَ والقمرَ
له ساجدين
عندما حباني الله بمنزلة العبودية
رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً
والشمس والقمر، ومثلها أضعافاً
صافنة في حضرتك
تُسبّحُ لله الذي فطرَك، وجاد عليك بنور منه، هو صبغتك التي في قلبك
وإذ كنتُ أقترب منكِ، رأيت تلك الكواكب والشموس تدنو ثم تدنو منك، لتستوي حبات لؤلؤ في راحة كفك اليمنى، أخذت أجمعها لؤلؤة إثر أخرى حتى صارت عقداً
عند ذلك زنّرت جيدَك بالعقد
آه...يا جميلات الكون!
آه...أيتها الحور العين.
ها هي الجميلة، مشرقة كما الكوكب الدريّ، توقد بابتسامتها كواكب الفراديس، وتنير بالتفاتة من جيدها أرواح الغابات وقلوب الجبال وأعماق المحيطات.
آه...أيتها الجميلات!
ما أجمل حبيبتي
- 3 -
أيتها الحبيبة!
عندما كان الصّمْتُ أنتِ، تَحَدَثْتِ إليّ طويلاً، في لغةٍ غير لغةِ البشر، عن العشّاق المهابيل، والشعراء المجانين، والقلوب التي صارت حبَّاً خالصاً.
إذ ذاك، كنت أنا الصمت، فلم ينطق لساني بحرف، لأنني رأيتُ اللّه في عينيك.
حينها خرَّ كلانا ساجديْن لله، شكراً وضراعة وخشية.
يا مولاي العظيم!
ما أجمل الصمت.
لأنه حبيبتي.
- 4 -
ارتحلتْ ليلى إليكِ، وتبعتها فَرَحْ
أنتِ، وحدكِ، الواقفة عند السدرة، أصفى من بحيرةٍ صامتةٍ، بل إنّكِ الصمتُ.
قُلت لليلى: ماذا بعد التبتل؟
وقلت لفرح: الآن.. استويت أقرب إلى الصمت.
وكنتُ، جوارك عند السدرةِ، أرقبُ صعود الجميلتين إلى قلبك، وقلبي الصغير الذي مثل قبضة كفّ رضيع، كان يحاور قلبك الصغير الذي مثل رحيق زهرة بنفسج. توقفنا نحن الثلاثة: القلوب الثلاثة، قلبي وقلب ليلى وقلب فرح، نرقب صمتكِ، بينما زهرة البنفسج تُدخلنا في إهابها، لنصير صمتاً
آه... أيها الصمت
ما أجملك... لأنك فيضٌ من حبيبتي
- 5 -
أيتها الحبيبة!
ما كان ليدي أن تتحرك، إلاّ لأنها صافحت يدك
وما كان لعيني أن تبصر الأشياء إلاّ لأنها بعضٌ من كحلِ عينيك
ما كان للساني أن يكون »ترجمان الأشواق« إلا لأنه سمع منك الآفاق التي هي أكثر بعداً من الأشواق
وما كان لقلبي أن يكون معبداً، إلا لأن نقطة من دم قلبك، امتزجت بنقطة من دم قلبي.
ما كان لهذا الفقير الذي يخاطبك بهذه الجسارة، أن يعاف ثروة قارون، إلاّ لأنه اكتفى بهمسة منكِ
يا إلهي العظيم... تقدست أسماؤك الحسنى
ما أكبر نعماءَك
لأن الحبيبة، أهدتني..
لحظة من صمتها..
فواصل الرضا والهجر
ما أشدَّ تلفي!
في القربِ يُبعدني الامتثالُ
وفي البعد تدنيني المحبّةُ
ما أشدَّ تلفي
وَحدي مَعي
وَحْدي.. زرعتُ قلبي في أصيصِ القُرب
وارتحلتُ إلى مجرات الهجران
ما أشدَّ تلفي:
وحْدي.. أحْمِلُني
إلى أين الامتثالَ
ما أشد تلفي:
وحدي.. أمضي إليّ
تنعاني العواصفُ
وترثيني المجراتُ
أيّها الأحباءُ
ما أشدّ تلفي:
وُلِدْتُ فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأيْن:
المسجدُ، وزاويةٌ في جُلفار
2 -
يُناديكِ..
بيتٌ في ميسان
أو عريش في الهُور
يفتديكِ..
بيتٌ في جُلفار
أو كهف في رؤوس الجبال
يشتاقُ إليكِ..
بيتٌ في الخانِ
أو معتزلٌ في الخُوْر
يَتضرَّعُ إليكَ..
قصر الرمل في عجمان
أو دربٌ في الذيد
ما أشدّ تلفي:
ولدتُ، فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأينْ:
قلبكِ وزاويةٌ في جُلفار
- 3 -
قَبِلْتُكِ
فَرَعَفَتْ روحي، مثل شجرةِ سدر مجروحة،
في غفلةٍ من حراس الفضيلة.
قَبِلْتُكِ..
فوَجَدْتُني نخلةً يتيمةً، بعيداً عن غدران
الفراديس
َبِلْتُكِ
فباركتُ نفسي، ورضيتُ لها مقامها الذي
في الميقات
قَبِلْتُكِ..
في نقطة الرضا
وخط الهجران
قَبِلْتُكِ..
فقامتْ من رقدتها الأسماء
قَبِلْتُكِ..
فَكنتُ الفراغْ
- 4 -
لماذا هَجَرَتْ بساتينُ الأكوان مطارحها
والبحارُ غيرت أسماءها؟
ولماذا عافت الأرض خزائنها، والأبراجُ بدَّلتْ
أبعادها؟
والجبال..لماذا خَشَعَتْ.. وبكتْ؟
وعندما أشرقتْ روحي على نفسها.. لماذا
هَجَرَتْني وامتثلتْ لبُعدك؟
- 5 -
بين أينٍ وأينْ
توقظني يقظتي
ناعساً ومُتّقداً
مثل زهرةٍ منسية في كتاب
- 6 -
أيها العشّاقُ:
ما أكثر العقلاء
ما أقل المخابيل
- 7 -
ما أشدّ تلفي
في القرب يُبعدني الامتثال
وفي البعد تُدنيني المحبة![/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]الصحيفة الميسانية
هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.
مالرو - اللامذكرات
قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.
قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.
كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:
إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
فقال لتابعه أنكيدو:
أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم
ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي
فأجابه تابعه انكيدو:
بلغ أوتو، البطل أوتو
فتلك الأرض في رعاية أوتو
أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو
فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض
وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا
وبيده أمسك العصا الـ... الفضية
وقال مخاطباً أوتو:
أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.
فأجابه أوتو:
إنك لـ... حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟
أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ
وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.
في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.
يفنى الرجل حزين الفؤاد.
أنظر من فوق السور
فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
وأرى أني سأغدو مثلها حقاً
فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً
ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً
وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم
سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.
فتقبل أوتو دموعه قرباناً
قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض، وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.
عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:
يا أحمد... يا نور النور
بحقك..
يا هرمس الهرامسة
قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.
ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.
قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:
»يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور«
بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:
لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا
أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد
نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء
فَسَقَطَتْ جزيرة العرب
في الماء
لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً
أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.
لستُ زين الشباب
يُتْمٌ صافٍ - أنا -
وخشب ينزف ماء
فتعالي - يا روح ميسان -
نمزج ماء بماء
قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:
التي أحبها... أهدتني ورداً
وخداً
وقالت: أُدْنُ
التي تحبني.. أهديتها ورداً
وقبلة
ثم ذبنا
التي أحبها..هي كل الأسماء
من قبل همزة الألف
إلى أبعد من لا نهايات الياء
هي ماء ينزف ماء
وهي الراية الحمراء
في كربلاء
التي أحبها... لم أرها ولم تلمسني
التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها
فمبارك - يا مجنون -
هذا الحب.
الذي يقود الفناء إلى الفناء
قال الراوي: وقفنا جميعاً، رجالاً ونساءً، نرى إلى هذا المجنون الذي أتى بعجب لم نألفه من مخابيلنا القلة. ومما زاد في عجبنا أكثر، أن المجنون غرف بكفيه غرفتين من ماء نهر الكرخة، ورشهما.. واحدة باتجاه خيمة الرجال، والثانية باتجاه خيمة النساء، وواصل إنشاده:
حُبي، قنطرة خشب شائخ
وقصب مزرق الشفتين
يرتقب قطرة ماء
وأنا آخر غرغرة روح
لوتر واحد في عود
لم تهزمه الأنواء
فتعالي - يا ناسخة الألواح -
نجمع قلبينا
ونرتحل في نور الماء
قال الراوي: عند هذا الحد، رأينا الروح العالي، يهبط من قارب العلماء، وحاملي الألواح، ويقف وسط مياه نهر الكرخة.
ثم رأينا زينب تشق صفوف النساء وتقف قريباً من جرف النهر، بينما أخذ المجنون يتمايل كقصبة في مهب الريح، وهو يقول:
يا لزاي... يا لياء
يا لنون.. وأنت يا لباء
يا أصل الماء
يا نجوى السماء
هبيني قداسة »الكاف« ودورة »النون«
لأحتمل هذا العناء
قال الراوي: تقدم الروح العالي حتى وقف جوار المجنون، رافعاً يديه باتجاه الشمال، بينما خاضت زينب في الماء، أما المجنون، فإنه أطلق صوته عالياً ليقول:
أيتها الشفيعة!
اسفري
- فدى عينيك -
اسفري
فهذا زمن
لم يعد يليق.. لنقاب
كان الغروب يقترب عندما انحدرت الشمس ليختفي نصفها عند الأفق القصي من نهر الكرخة، وفجأة تحركت جموع الرجال والنساء إلى النهر، وأحطنا بالمجنون الذي اقتربت منه زينب، وكانت كتفه اليسرى تحتكُّ بالكتف اليمنى للروح العالي.
وسمعنا زينب تعيط بأعلى صوتها: لبيك.. لبيك أيها الحبيب.
قال الراوي: كان أمراً عجباً ذلك الذي رأيناه بعد ذلك، فلقد اقترب الروح العالي من زينب والمجنون، ثم ضم كفيّ زينب إلى كفيّ المجنون، ونثر على جسميهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.
علا صوت الروح العالي باكياً، وأطلت أسماك النهر برؤوسها فوق سطح الماء، ومرقت علينا نسمات رقيقة حملت معها عطر عذوق النخيل، بينما كان النجم الأحمر يتوسط كبد السماء.
قال الراوي: ثم سمعنا كلاماً من المجنون، لم نسمعه لا من العرب ولا من العجم. كان المجنون يبكي صامتاً، ثم إنه قال كلاماً أنقله دون أن أعرف معناه:
»..روشمي إلاوي لا هو بنورا ولا هو بمشا ولو هو دْشيها
روشمي مشا رشومي يردنا ربا دميا هي دافش بهيلي لا مصي«.
استغلق الأمر علينا، فنحن لم نفقه شيئاً من كلام المجنون، ولكن الذي زاد في حيرتنا أن النجم الأحمر أخذ يتّقد بنور أحمر لم نعهده فيه قبلاً، كما أن الروح العالي طفق في نوبة بكاء لم نألفها عنده. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: اقترب جسدا زينب والمجنون حتى التصقا تماماً ببعضهما، ثم رأيناهما حزمة نور أحمر، تماماً كما كان النجم الأحمر يتقد حينها. وإذ ذاك سمعنا صوتاً صادراً من زينب والمجنون:
».. صم لغريكون من فرجيا بنكيلا
ولا تشرون آلما دْ نافقتون من فقر يكون
لا نهفيكون روهنانا لملكيا وشلطانا
ومريا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا
شاجيش تغرا وازليا بنورا باشليا«.
قال الراوي: هبط الليل علينا، لكن عمود النور الذي يشع من جسدي زينب والمجنون، كان يضيء البرية كلها. ثم إنهما افترقا، وعمود النور ما يزال منتصباً، وغطسا في الماء ثلاث مرات، ثم سمعنا المجنون ينشد ويقول:
»ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد، حاء وميم ثانية، والدال وميم أوله، داله دواؤه، ميمه محله، حاؤه حاله، ميم ثانية مقاله«.
قال الراوي:رجعنا إلى بيوت القصب، لنختلي، كعادتنا في ليلة النصف من شعبان. إلا زينب والمجنون، فقد بقيا في وسط مياه الكرخة، والعمود النوراني بينهما، يتبعهما ذات اليمين وذات الشمال. أما مياه نهر الكرخة، فكانت بيضاء مثل لبن جاموسنا.
قال الراوي: وما حدث بعد ذلك، كان هو العجب العجاب، عندما أخذ العمود النوراني يبث أشواقه في حضرة زينب والمجنون:
إلهي..
أَتُراكَ بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟ أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني؟ أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..
حاشا لوجهك الكريم أن تخيّبني.
ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربني
وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني/ وبقربك وجوارك خصصتني/ فتقرّ بذلك عيني/ وتطمئن له نفسي
إلهي..
هل تسوِّد وجوهاً خرَّت ساجدة لعظمتك/ أو تخرس ألسنةً نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك/ أو تطبع على قلوب انطوت على محبتك/ أو تصم أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك في إرادتك/ أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك/ أو تعاقب أبداناً عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهرتك/ أو تعذب أرجلاً سعت في عبادتك..
إلهي..
لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك/ ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك.
إلهي..
نفس أعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك/ وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك.
إلهي..
أَجِرْني من أليم غضبك/ وعظيم سخطك/ يا حنّان/ يا رحيم يا رحمن/ يا جبّار يا قهار/ يا غفّار/ يا ستار/ نَجّني برحمتك من عذاب النار/ وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار/ وحالت الأحوال وهالت الأهوال/ وقرب المحسنون وبعد المسيئون/ ووفيت كل نفس ما كسبت/ وهم لا يظلمون.
قال الراوي:
وما حدث بعد ذلك، هو العجب الأعجب، فلقد اقترب عمود النور من زينب والمجنون، حتى استحالا عموداً من نور، وأخذا يعرجان إلى العُلا.
ابو ظبي - الشارقة
1996 - 1995
إشارات
يرد في هذا الأثر، ذكر مدن وبلدات ومواقع من الحضارات العراقية القديمة والفترات اللاحقة للفتح الإسلامي للعراق، إضافة إلى مدن أخرى في شبه جزيرة العرب.
وترد في هذا الأثر أيضاً، أسماء ملوك وشخصيات عرفانية وأدبية ذكرتهم مدونات الآداب السومرية والبابلية والأشورية والعربية والإسلامية.
ويتضمن الأثر مقتبسات من القرآن الكريم، والأدب البابلي، وأقوال بعض المتصوفة، إضافة إلى أدعية إسلامية، ونصوص من الأدب الديني المندائي.
وهناك تواريخ ومواقيت، ترد خاصة في فصل »مذكرات« لها دلالات عميقة، باعتبارها مفاتيح للنصوص السردية.
إن مدينة »ميسان« هي المسرح الكبير الذي يرمح هذا الأثر بين جنباته. وشهدت هذه »المدينة« أو »المنطقة« فترات مزدهرة نتيجة تأثر أهلها بحضارتي سومر وبابل. ويقول مستشرقون وكتاب عراقيون، بينهم الراحل طه باقر في كتابه »مقدمة في الحضارات« وعزيز سباهي في كتابه »أصول الصابئة - المندائيين ومعتقداتهم الدينية« إن »ميشان« أو »ميشون« شهدت حضارة مزدهرة قبل نحو ألفي عام.
أما الكرخة، النهر والمدينة، فهي بلدة بين محافظة »ميسان« العراقية الحالية ومنطقة »عربستان« أو »الأحواز« في إيران. وقد بناها الإسكندر المقدوني وسماها »الإسكندرية« وكانت قاعدته للانطلاق نحو بلاد الهند.
وقدمت مدينة »العمارة« التي هي مركز محافظة »ميسان« أسماء مقتدرة للحركة الوطنية العراقية والثقافة العراقية المعاصرة.
والآن، هنا تعريفات موجزة بالمدن والمواقع والشخصيات والمقتبسات والتواريخ والمواقيت التي يتضمنها هذا الكتاب، فصلاً بعد فصل:
رؤيا الطيِّبة
* حسين بن منصور، هنا، هو إنابة عن الحسين بن منصور الحلاج، العرفاني الأشهر، والأبيات العمودية الثلاثة الواردة في هذا الفصل تنسب إلى الحلاج.
* الدعاء الذي يبدأ هكذا: إلهي.. كَسْري لا يجبره إلا لُطْفك وحنانك ...إلخ، مستل من كتاب »مفاتيح الجنان« لصاحبه الشيخ عباس القُمّي. والدعاء عنوانه »مناجاة المفتقرين« - ص: 174 - 173 .
* أمِتْ.. أمِتْ: كلمة رددها الجيش الإسلامي أثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام.
* »وعنده مفاتيح الغيب...... إلخ« قرآن كريم.
مذكرات
* في المقدمة »قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير...إلخ« يرد ذكر ليلة الحادي والعشرين من رمضان في إشارة إلى ذكرى طعن الإمام علي بن أبي طالب، أما عبارة »فُزتُ ورب الكعبة« فهي الجملة التي قالها علي بن أبي طالب بعد طعنه.
* 10 محرم: يوم واقعة كربلاء المشهورة.
* 11 حرم: يوم الوحشة الذي مرَّ به آل الحسين بن علي، حيث برز دور السيدة زينب بنت علي، كما روته كتب السير.
* 14 محرم : يوم تسفير آل الحسين بن علي من كربلاء إلى دمشق.
* 21 آذار: الانقلاب الربيعي، وعيد النيروز لدى الفرس، وعيد قومي لدى الأكراد، أما عرب جنوب العراق فيحتفلون بهذا اليوم باعتباره يوماً للخير.
* الطيب: بلدة إيرانية عند الحدود مع العراق، وقد بناها الإسكندر المقدوني عندما فتح بلاد ما بين النهرين.
* الدعاء: »سجد لك سوادي وخيالي...إلخ« مستل من كتاب »مفاتيح الجنان«.
* الدعاء: »اللهم إني فقيرة إليك... إلخ« مستل من المصدر السابق، لكنني جعلته على لسان امرأة، بينما هو في الأصل على لسان رجل.
* الدعاء: »قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك...إلخ« من دعاء »مناجاة العارفين« من كتاب »مفاتيح الجنان - ص 174«
* »كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً... إلخ« تكييف من قبلي لمقولة مشهورة للإمام علي هذا نصها: »إلهي... كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب«
* 1 أيار: عيد العمال العالمي.
* 14 تموز: في يوم 14 تموز 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالنظام الملكي في العراق.
* 10 نيسان: الربيع.
* 14 رجب: رجب هو شهر الأحداث الكبرى التي تشير إليها مدونات الإخباريين وأصحاب الملاحم حول أشراط الساعة.
* دلمون: البحرين. الوصل: دبي. الماجدية: مسقط رأس الكاتب، وإحدى محلات مدينة العمارة مركز محافظة ميسان.
* الخضر: هو شاعر الإمارات المعروف: راشد الخضر، له ديوانان مطبوعان. يتسم شعره بالعفة والمواقف الاجتماعية الشجاعة. أما »مسافي« و »دبا« فهما منطقتان مشهورتان في دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رؤوس الجبال: مناطق سكنى الشحوح في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
تجليات
* جلجامش: هو الملك السومري المشهور، وأنكيدو صديقه.
* تربتي: »التربة« طين معجون من أرض كربلاء.
* وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودكِ إلى المسجد
هنا تناص مع نص »جلال الدين الرومي«: أنا مجنون وأنت سكران، فمن يوصلنا إلى البيت.
في الحضرة
* جلفار: أحد الأسماء التاريخية لمنطقة »رأس الخيمة«
* مزون: هي سلطنة عمان الحالية.
* سِنَّار ومَرَويْ: حضارتان سودانيتان.
الصحيفة الميسانية
* الروح العالي، حاملو الألواح، العلماء: مراتب دينية لدى المندائيين. والمندائيون فرقة غنوصية استوطنت العراق، يُسمون بـ »الصابئة« أحياناً وبـ »قوم يحيى« أحياناً أخرى. وهناك من يقول إنهم وفدوا إلى جنوب العراق من فلسطين، لكن الثابت أن لهم دوراً كبيراً في جنوب العراق قبل نحو ألفي سنة، وكان من بينهم رجالات ذوو شأن علمي رفيع أيام خلافة المأمون بن هارون الرشيد.
* المقطع الشعري الذي يبدأ هكذا:
إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
هو جزء من نص عنوانه: »جلجامش في أرض الأحياء« يصور جلجامش وهو يمضي ليخوض صراعاً مع وحش رهيب سعياً وراء تخليد ذكره ورفع اسمه: مغامرة العقل الأولى - فراس السواح - ص 219.
* »يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور« من سورة النجم آية رقم 4
نص منسوب إلى الحلاج »أخبار الحلاج«
* »روشمي إلاوي لاهو بنورا....إلخ«
نص من الأدب الديني المندائي، ترجمته الحرفية كما يلي، نقلاً عن كتاب »أصول الصابئة« لعزيز سباهي:
»رسمي العالي لا يجرى بالنار ولا يجرى بالزيت ولا يجرى بالمسح. إنه مرسوم بالماء الجاري العظيم. ماء الحياة الذي لا يدرك الإنسان قدرته«
* »صم لغريكون من فرجيا بنكيلا....إلخ« هو أيضاً نص من الأدب الديني المندائي، ورد في الكتاب آنف الذكر، وترجمته كالتالي:
»لا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا لذهب وفضة، ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقوداً للنار الحامية«
* »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد.....إلخ« ينسب إلى الحلاج في كتاب »الطواسين«
* الدعاء: »إلهي.. أتراك بعد الإيمان بك تعذبني.....إلخ« من »مناجاة الخائفين« كتاب الحاج عباس القمّي »مفاتيح الجنان - ص 166«[/align]
-
رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪
[align=center]الصحيفة الميسانية
هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.
مالرو - اللامذكرات
قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.
قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.
كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:
إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
فقال لتابعه أنكيدو:
أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم
ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي
فأجابه تابعه انكيدو:
بلغ أوتو، البطل أوتو
فتلك الأرض في رعاية أوتو
أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو
فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض
وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا
وبيده أمسك العصا الـ... الفضية
وقال مخاطباً أوتو:
أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.
فأجابه أوتو:
إنك لـ... حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟
أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ
وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.
في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.
يفنى الرجل حزين الفؤاد.
أنظر من فوق السور
فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
وأرى أني سأغدو مثلها حقاً
فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً
ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً
وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم
سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.
فتقبل أوتو دموعه قرباناً
قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض، وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.
عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:
يا أحمد... يا نور النور
بحقك..
يا هرمس الهرامسة
قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.
ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.
قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:
»يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور«
بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:
لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا
أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد
نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء
فَسَقَطَتْ جزيرة العرب
في الماء
لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً
أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.
لستُ زين الشباب
يُتْمٌ صافٍ - أنا -
وخشب ينزف ماء
فتعالي - يا روح ميسان -
نمزج ماء بماء
قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:
التي أحبها... أهدتني ورداً
وخداً
وقالت: أُدْنُ
التي تحبني.. أهديتها ورداً
وقبلة
ثم ذبنا
التي أحبها..هي كل الأسماء
من قبل همزة الألف
إلى أبعد من لا نهايات الياء
هي ماء ينزف ماء
وهي الراية الحمراء
في كربلاء
التي أحبها... لم أرها ولم تلمسني
التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها
فمبارك - يا مجنون -
هذا الحب.
الذي يقود الفناء إلى الفناء
قال الراوي: وقفنا جميعاً، رجالاً ونساءً، نرى إلى هذا المجنون الذي أتى بعجب لم نألفه من مخابيلنا القلة. ومما زاد في عجبنا أكثر، أن المجنون غرف بكفيه غرفتين من ماء نهر الكرخة، ورشهما.. واحدة باتجاه خيمة الرجال، والثانية باتجاه خيمة النساء، وواصل إنشاده:
حُبي، قنطرة خشب شائخ
وقصب مزرق الشفتين
يرتقب قطرة ماء
وأنا آخر غرغرة روح
لوتر واحد في عود
لم تهزمه الأنواء
فتعالي - يا ناسخة الألواح -
نجمع قلبينا
ونرتحل في نور الماء
قال الراوي: عند هذا الحد، رأينا الروح العالي، يهبط من قارب العلماء، وحاملي الألواح، ويقف وسط مياه نهر الكرخة.
ثم رأينا زينب تشق صفوف النساء وتقف قريباً من جرف النهر، بينما أخذ المجنون يتمايل كقصبة في مهب الريح، وهو يقول:
يا لزاي... يا لياء
يا لنون.. وأنت يا لباء
يا أصل الماء
يا نجوى السماء
هبيني قداسة »الكاف« ودورة »النون«
لأحتمل هذا العناء
قال الراوي: تقدم الروح العالي حتى وقف جوار المجنون، رافعاً يديه باتجاه الشمال، بينما خاضت زينب في الماء، أما المجنون، فإنه أطلق صوته عالياً ليقول:
أيتها الشفيعة!
اسفري
- فدى عينيك -
اسفري
فهذا زمن
لم يعد يليق.. لنقاب
كان الغروب يقترب عندما انحدرت الشمس ليختفي نصفها عند الأفق القصي من نهر الكرخة، وفجأة تحركت جموع الرجال والنساء إلى النهر، وأحطنا بالمجنون الذي اقتربت منه زينب، وكانت كتفه اليسرى تحتكُّ بالكتف اليمنى للروح العالي.
وسمعنا زينب تعيط بأعلى صوتها: لبيك.. لبيك أيها الحبيب.
قال الراوي: كان أمراً عجباً ذلك الذي رأيناه بعد ذلك، فلقد اقترب الروح العالي من زينب والمجنون، ثم ضم كفيّ زينب إلى كفيّ المجنون، ونثر على جسميهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.
علا صوت الروح العالي باكياً، وأطلت أسماك النهر برؤوسها فوق سطح الماء، ومرقت علينا نسمات رقيقة حملت معها عطر عذوق النخيل، بينما كان النجم الأحمر يتوسط كبد السماء.
قال الراوي: ثم سمعنا كلاماً من المجنون، لم نسمعه لا من العرب ولا من العجم. كان المجنون يبكي صامتاً، ثم إنه قال كلاماً أنقله دون أن أعرف معناه:
»..روشمي إلاوي لا هو بنورا ولا هو بمشا ولو هو دْشيها
روشمي مشا رشومي يردنا ربا دميا هي دافش بهيلي لا مصي«.
استغلق الأمر علينا، فنحن لم نفقه شيئاً من كلام المجنون، ولكن الذي زاد في حيرتنا أن النجم الأحمر أخذ يتّقد بنور أحمر لم نعهده فيه قبلاً، كما أن الروح العالي طفق في نوبة بكاء لم نألفها عنده. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: اقترب جسدا زينب والمجنون حتى التصقا تماماً ببعضهما، ثم رأيناهما حزمة نور أحمر، تماماً كما كان النجم الأحمر يتقد حينها. وإذ ذاك سمعنا صوتاً صادراً من زينب والمجنون:
».. صم لغريكون من فرجيا بنكيلا
ولا تشرون آلما دْ نافقتون من فقر يكون
لا نهفيكون روهنانا لملكيا وشلطانا
ومريا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا
شاجيش تغرا وازليا بنورا باشليا«.
قال الراوي: هبط الليل علينا، لكن عمود النور الذي يشع من جسدي زينب والمجنون، كان يضيء البرية كلها. ثم إنهما افترقا، وعمود النور ما يزال منتصباً، وغطسا في الماء ثلاث مرات، ثم سمعنا المجنون ينشد ويقول:
»ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد، حاء وميم ثانية، والدال وميم أوله، داله دواؤه، ميمه محله، حاؤه حاله، ميم ثانية مقاله«.
قال الراوي:رجعنا إلى بيوت القصب، لنختلي، كعادتنا في ليلة النصف من شعبان. إلا زينب والمجنون، فقد بقيا في وسط مياه الكرخة، والعمود النوراني بينهما، يتبعهما ذات اليمين وذات الشمال. أما مياه نهر الكرخة، فكانت بيضاء مثل لبن جاموسنا.
قال الراوي: وما حدث بعد ذلك، كان هو العجب العجاب، عندما أخذ العمود النوراني يبث أشواقه في حضرة زينب والمجنون:
إلهي..
أَتُراكَ بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟ أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني؟ أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..
حاشا لوجهك الكريم أن تخيّبني.
ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربني
وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني/ وبقربك وجوارك خصصتني/ فتقرّ بذلك عيني/ وتطمئن له نفسي
إلهي..
هل تسوِّد وجوهاً خرَّت ساجدة لعظمتك/ أو تخرس ألسنةً نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك/ أو تطبع على قلوب انطوت على محبتك/ أو تصم أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك في إرادتك/ أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك/ أو تعاقب أبداناً عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهرتك/ أو تعذب أرجلاً سعت في عبادتك..
إلهي..
لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك/ ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك.
إلهي..
نفس أعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك/ وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك.
إلهي..
أَجِرْني من أليم غضبك/ وعظيم سخطك/ يا حنّان/ يا رحيم يا رحمن/ يا جبّار يا قهار/ يا غفّار/ يا ستار/ نَجّني برحمتك من عذاب النار/ وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار/ وحالت الأحوال وهالت الأهوال/ وقرب المحسنون وبعد المسيئون/ ووفيت كل نفس ما كسبت/ وهم لا يظلمون.
قال الراوي:
وما حدث بعد ذلك، هو العجب الأعجب، فلقد اقترب عمود النور من زينب والمجنون، حتى استحالا عموداً من نور، وأخذا يعرجان إلى العُلا.
ابو ظبي - الشارقة
1996 - 1995
إشارات
يرد في هذا الأثر، ذكر مدن وبلدات ومواقع من الحضارات العراقية القديمة والفترات اللاحقة للفتح الإسلامي للعراق، إضافة إلى مدن أخرى في شبه جزيرة العرب.
وترد في هذا الأثر أيضاً، أسماء ملوك وشخصيات عرفانية وأدبية ذكرتهم مدونات الآداب السومرية والبابلية والأشورية والعربية والإسلامية.
ويتضمن الأثر مقتبسات من القرآن الكريم، والأدب البابلي، وأقوال بعض المتصوفة، إضافة إلى أدعية إسلامية، ونصوص من الأدب الديني المندائي.
وهناك تواريخ ومواقيت، ترد خاصة في فصل »مذكرات« لها دلالات عميقة، باعتبارها مفاتيح للنصوص السردية.
إن مدينة »ميسان« هي المسرح الكبير الذي يرمح هذا الأثر بين جنباته. وشهدت هذه »المدينة« أو »المنطقة« فترات مزدهرة نتيجة تأثر أهلها بحضارتي سومر وبابل. ويقول مستشرقون وكتاب عراقيون، بينهم الراحل طه باقر في كتابه »مقدمة في الحضارات« وعزيز سباهي في كتابه »أصول الصابئة - المندائيين ومعتقداتهم الدينية« إن »ميشان« أو »ميشون« شهدت حضارة مزدهرة قبل نحو ألفي عام.
أما الكرخة، النهر والمدينة، فهي بلدة بين محافظة »ميسان« العراقية الحالية ومنطقة »عربستان« أو »الأحواز« في إيران. وقد بناها الإسكندر المقدوني وسماها »الإسكندرية« وكانت قاعدته للانطلاق نحو بلاد الهند.
وقدمت مدينة »العمارة« التي هي مركز محافظة »ميسان« أسماء مقتدرة للحركة الوطنية العراقية والثقافة العراقية المعاصرة.
والآن، هنا تعريفات موجزة بالمدن والمواقع والشخصيات والمقتبسات والتواريخ والمواقيت التي يتضمنها هذا الكتاب، فصلاً بعد فصل:
رؤيا الطيِّبة
* حسين بن منصور، هنا، هو إنابة عن الحسين بن منصور الحلاج، العرفاني الأشهر، والأبيات العمودية الثلاثة الواردة في هذا الفصل تنسب إلى الحلاج.
* الدعاء الذي يبدأ هكذا: إلهي.. كَسْري لا يجبره إلا لُطْفك وحنانك ...إلخ، مستل من كتاب »مفاتيح الجنان« لصاحبه الشيخ عباس القُمّي. والدعاء عنوانه »مناجاة المفتقرين« - ص: 174 - 173 .
* أمِتْ.. أمِتْ: كلمة رددها الجيش الإسلامي أثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام.
* »وعنده مفاتيح الغيب...... إلخ« قرآن كريم.
مذكرات
* في المقدمة »قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير...إلخ« يرد ذكر ليلة الحادي والعشرين من رمضان في إشارة إلى ذكرى طعن الإمام علي بن أبي طالب، أما عبارة »فُزتُ ورب الكعبة« فهي الجملة التي قالها علي بن أبي طالب بعد طعنه.
* 10 محرم: يوم واقعة كربلاء المشهورة.
* 11 حرم: يوم الوحشة الذي مرَّ به آل الحسين بن علي، حيث برز دور السيدة زينب بنت علي، كما روته كتب السير.
* 14 محرم : يوم تسفير آل الحسين بن علي من كربلاء إلى دمشق.
* 21 آذار: الانقلاب الربيعي، وعيد النيروز لدى الفرس، وعيد قومي لدى الأكراد، أما عرب جنوب العراق فيحتفلون بهذا اليوم باعتباره يوماً للخير.
* الطيب: بلدة إيرانية عند الحدود مع العراق، وقد بناها الإسكندر المقدوني عندما فتح بلاد ما بين النهرين.
* الدعاء: »سجد لك سوادي وخيالي...إلخ« مستل من كتاب »مفاتيح الجنان«.
* الدعاء: »اللهم إني فقيرة إليك... إلخ« مستل من المصدر السابق، لكنني جعلته على لسان امرأة، بينما هو في الأصل على لسان رجل.
* الدعاء: »قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك...إلخ« من دعاء »مناجاة العارفين« من كتاب »مفاتيح الجنان - ص 174«
* »كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً... إلخ« تكييف من قبلي لمقولة مشهورة للإمام علي هذا نصها: »إلهي... كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب«
* 1 أيار: عيد العمال العالمي.
* 14 تموز: في يوم 14 تموز 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالنظام الملكي في العراق.
* 10 نيسان: الربيع.
* 14 رجب: رجب هو شهر الأحداث الكبرى التي تشير إليها مدونات الإخباريين وأصحاب الملاحم حول أشراط الساعة.
* دلمون: البحرين. الوصل: دبي. الماجدية: مسقط رأس الكاتب، وإحدى محلات مدينة العمارة مركز محافظة ميسان.
* الخضر: هو شاعر الإمارات المعروف: راشد الخضر، له ديوانان مطبوعان. يتسم شعره بالعفة والمواقف الاجتماعية الشجاعة. أما »مسافي« و »دبا« فهما منطقتان مشهورتان في دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رؤوس الجبال: مناطق سكنى الشحوح في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
تجليات
* جلجامش: هو الملك السومري المشهور، وأنكيدو صديقه.
* تربتي: »التربة« طين معجون من أرض كربلاء.
* وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودكِ إلى المسجد
هنا تناص مع نص »جلال الدين الرومي«: أنا مجنون وأنت سكران، فمن يوصلنا إلى البيت.
في الحضرة
* جلفار: أحد الأسماء التاريخية لمنطقة »رأس الخيمة«
* مزون: هي سلطنة عمان الحالية.
* سِنَّار ومَرَويْ: حضارتان سودانيتان.
الصحيفة الميسانية
* الروح العالي، حاملو الألواح، العلماء: مراتب دينية لدى المندائيين. والمندائيون فرقة غنوصية استوطنت العراق، يُسمون بـ »الصابئة« أحياناً وبـ »قوم يحيى« أحياناً أخرى. وهناك من يقول إنهم وفدوا إلى جنوب العراق من فلسطين، لكن الثابت أن لهم دوراً كبيراً في جنوب العراق قبل نحو ألفي سنة، وكان من بينهم رجالات ذوو شأن علمي رفيع أيام خلافة المأمون بن هارون الرشيد.
* المقطع الشعري الذي يبدأ هكذا:
إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
هو جزء من نص عنوانه: »جلجامش في أرض الأحياء« يصور جلجامش وهو يمضي ليخوض صراعاً مع وحش رهيب سعياً وراء تخليد ذكره ورفع اسمه: مغامرة العقل الأولى - فراس السواح - ص 219.
* »يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور« من سورة النجم آية رقم 4
نص منسوب إلى الحلاج »أخبار الحلاج«
* »روشمي إلاوي لاهو بنورا....إلخ«
نص من الأدب الديني المندائي، ترجمته الحرفية كما يلي، نقلاً عن كتاب »أصول الصابئة« لعزيز سباهي:
»رسمي العالي لا يجرى بالنار ولا يجرى بالزيت ولا يجرى بالمسح. إنه مرسوم بالماء الجاري العظيم. ماء الحياة الذي لا يدرك الإنسان قدرته«
* »صم لغريكون من فرجيا بنكيلا....إلخ« هو أيضاً نص من الأدب الديني المندائي، ورد في الكتاب آنف الذكر، وترجمته كالتالي:
»لا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا لذهب وفضة، ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقوداً للنار الحامية«
* »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد.....إلخ« ينسب إلى الحلاج في كتاب »الطواسين«
* الدعاء: »إلهي.. أتراك بعد الإيمان بك تعذبني.....إلخ« من »مناجاة الخائفين« كتاب الحاج عباس القمّي »مفاتيح الجنان - ص 166«
* نهـــايــة
روايــــــة
مجنــون زينـــــب
[/align]