عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 24 - 12 - 2013, 02:23 PM
((المركز الأعلامي)) ((المركز الأعلامي)) غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 19 - 12 - 2013
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
((المركز الأعلامي)) is on a distinguished road
رد: جديد ( رواية امرأة استثنائية ) للآديب الاماراتي علي ابو الريش

مذعورين من المستقبل، الأمر الذي يجعلهم يصبغون الحكاية المزيفة كأنها الحقيقة، ولا يسعك إلا أن تخذلهم، وتنكفئ على ذاتك لتحقق نداء الحقيقة..
ولما استقللت الحافلة الصغيرة، وكانت وجهتك المناطق الرملية الواسعة، وكنت تنوي مزيداً من الاكتشاف، لارتكاب معصية المعرفة، ويبدو أنك لا تفكر فقط لمعرفة التضاريس، بقدر ما كنت تريد معرفة نفسك، أي مطاردة ذاك المجهول الخفي الذي لم يزل يسكنك، وتريد أن تلحق به، وتمسك بتلابيبه، لعل وعسى تستريح من وهدة التصدع الداخلي.. الرمل المعتق، اللون الذهبي، الاكتساح الرهيب لفضاء يتسع، ويرسم صورة وادعة، خلدت على مر السنين.. الرمل يوحي لي بأن علاقة جسدية ارتكبت على كل ذرة من ذراته، وأن فضيلة ما منحت لهذا التراب لأن يكون النعيم الذي تأتي منه الأجساد، ثم تعود إليه ذائبة في نسيجه.. عندما تغوص الأقدام، تشعر بالدغدغة، نتيجة لحركة الحبات الناعمة بين أصابع القدمين، وتحس بكائنات غريبة تراودك عن نفسها، فتنتشي، والهواء الرشيق، يغدق عليك بنسائمه الأنيقة، فتشعر بأنك ملك، وأنك تحكم هذه المملكة الخرافية بنفسك ولا أحد يشاطرك النفوذ، تصعد على تلة ثم تهبط إلى قصر، ثم تستريح قدماك، عند منبسط رمل جاف، وقد فرش بسجادة رمادية تميل إلى البياض، بفعل تيبس الملح، مع التراب بعد نوبة أمطار الشتاء التي مرت، وأنت تحلم بهذا التكوين العجائبي ومخلوقاته الفريدة، والآن تفصلك عن جزيرتك المغتصبة مئات الأميال، لكن الحلم أسرع من الضوء، عندما يستوعبك في جناحيه ويطير بك في اتجاه الشرق.. ما يشبه تضاريس الجزيرة بهذا المكان هو هذه السكينة، وأنت كونك رغبت في العزلة، واستهويت مساحتها الوادعة، تشعر الآن بعظم الصيرورة وأنت تطأ الرمل المنقوش بأعشابه البرية، والمرصع بأغصان أشجار الغاف، والملون بوجوه النساء العابثات بسحر الكون.. عند جادة قريبة من شجرة فارعة، لمحت النجمة.. وبرق الفضاء، بوجه امرأة، تحاشت فضول الجائلين بعباءة أشف من أرواح الجميلات الناعسات الكواعب.. استيقظ المارد داخلك، صارع قواك العقلية الكامنة والرابضة عند مربط الإحباط، تمهلت قليلاً، وتربصت بخطواتها، كانت تسير وإماؤها ترعى النوق البيض.. أنت على يقين بأنك لا تحلم الآن وأن الحوريات لا يظهرن في الصحراء، الصحراء فقط موطن الأساطير، ومدونات الطبيعة، لمحت الضوء الخفي يتسرب إلى نفسك، تشجعت، هرولت قليلاً كي تلحق بركابي المتبعثرة بين الرمال، وسدت رأسك على خاصرتي الآهلة، وذهبت تائقاً نحوها.. قلت في نفسك من أين جاءت هذه المهرة، البارعة، كيف انحرفت عن السرح، واتخذت جادة ثانية، المكان لا يبدو آمناً، وبخاصة للنساء، فالطرقات الوعرة مسكونة بالطيش والحماقات، ولا توجد مضارب قريبة هنا، توجست قليلاً، وبدأ قلبك ينذر بخفقات الفزع، لكنك، بدافع من الفضول، فضلت أن تمضي نحوها، وقلت في نفسك ربما تاهت الطريق، فالواجب أن أكون في تصرفها، اقتربت وخزتك بابتسامة بارعة، مرسومة، بإتقان واعٍ وهي تميل بحرير الجسد بعناية فائقة، خفق قلبك، تدفق وعياً شمولياً، وتساقطت على رأسك حبات الاستفاقة، ساورك الظن أن هذه الفتاة من سكان هذه المنطقة، وإنما خرجت للتنزه وشم النسيم.. فكرت في ذلك للوهلة الأولى، كونها لم تستغرب شيئاً في وجودك ولم ينتابها أي قلق جراء اقترابك من مكانها.. لم تنبس الفتاة ببنت شفة، ولكنك تبعتها، سارت بخطوات متئدة، واثقة بدون ذنب الخوف، وأنت خلفها وكأنك ظلها، وقوتك العاطفية تدفعك في اتجاهها، بعفوية الرجال، الكهان، الذين يعشقون عطر المرأة، ويرتوون من نظراتها.. بعد هنيهة، التفتت الفتاة، نظرت إليك بعينين متقدتين، بشعاع مضيء، أيقظ حسك العاطفي، لكنك لم تتفوه بكلمة ولا هي أيضاً، ماذا إذاً تفعل، يبدو أن صمت الصحراء مسح على شفتي هذه المرأة، فزمت بوزها، واتخذت جانباً، تسير بخطوات متأنية، وأنت تلتهب، وتتحرق جمراً، لكن مرت الثواني ولم تفوه بكلمة.. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصورات المبهمة.. عند شجرة عشبية كثيفة، توقفت، قطفت زهرة صفراء، وضعتها عند أنفها، شعرت بأنها تستنشق أفيون الوجود، ذكرتني بالرائحة.. تذكرت، انتشيت، وكأن الإصبعين اللذين يكتبان اسمهما على جذر الوردة يلامسان أنفها، هي تشم رائحة الورد، وأنا أتفرس جيداً، وأتسلل نحوها، لأشم جسدها.. هكذا وجدتني فجأة قريباً منها، وهي ثابتة، تعيرني انتباهاً تفصيلياً، تتحرى وجهي، وتتهجى التفاصيل، منسجمة مع رائحة الوردة.. قلت بشجاعة، بعد محاولات جادة.. ما اسمك يا جميلة.. ببلاغة الشفتين الدقيقتين قالت.. نيران، وأشاحت جانباً.. نيران..
في أول الوقت، كنت وحدك مستفرداً، بوجود هذه الفتاة، وسط الصحراء النائمة على برزخ أساطيرها، وأقدام الحفاة الذين جابوا بطحاءها بكل سرور، لكن الآن، وقد امتلأت الكثبان بضجيج المركبات ذات الدفع الرباعي، وكذلك الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وكذلك الصبية الصغار، الذين أمسكوا بزمام الجريد المقوس، المعقود من طرفيه بحبل دقيق وصنعوا منه دراجاتهم البدائية، لاهين بين الرمال، وتحت قرص الشمس المستدير، كدوران سقف السماء الحارة.. شعرت بشيء من الضجر، تذمرت كون المنطقة تعكرت بعواقب الفوضى، ونكبت أنت بفوات الفرصة، أو هكذا تخيلت لتعطي نفسك فسحة من الأعذار، التي قد لا تلازمك فيما لو استمر الوضع، كما هو، ساكناً خالياً من أنفاس البشر، بينما لبثت الفتاة تدقق في تفاصيل الصحراء، وترسم على الرمل صورة مثلى لخيالها الخصب كخصوبة الجسد الذي احتوى روحها اليافعة. والجدير بالذكر هنا أنك لا تنوي فعل أي شيء يناوئ الأخلاق، أو أنك لا تجرؤ، وقد تعاقب عقاباً شديداً جراء الإتيان بأي فعل، ومن سيعاقبك هو أنت نفسك، وما إن فرغت الفتاة من الخربشة على سفح الرمل، سألت ثانية: قلتِ اسمك نيران؟
أومأت برأسها، نيران.. ثم أردفت ألم يعجبك الاسم؟
قلت: بل أدهشني..
ولماذا؟
قلت: يا سبحان الله، كيف تتصادف النيران مع النيران ولا تلتقيان؟
ماذا تعني؟
قلت: لا أعتقد أن لقاء حميمياً يمكن أن يحدث بين نارين؟
قالت: وهل اسمك نار؟
قلت: بل النيران في صدري..
ضحكت بجلجلة، مبتهجة.. ولا يسعد المرأة أكثر من إحساسها بفخامة وجلال قدرها لدى الرجل..
قلت: ماذا يضحكك؟
قالت: أنت مهرج فظيع..
شعرت بانتكاسة.. وبخت نفسك إذا لم يسعدها وضعك..
أشاحت نحوك.. عن ماذا تبحث هنا؟
قلت متجاسراً: عن نفسي..
ضحكت قائلة.. يبدو أن هذا عنوان مسرحية هزلية.
قلت.. بل مسرحية جادة..
ضحكت.. وهل وجدتها؟
قلت: ربما.. أجدها..
تحركت الفتاة متشنشلة بجواهر لمعت على حرير الجسد، وتبينت أنت عنق الغزال الأصيل، والتصقت عيناك بالبياض، شعرت بأنك تغدق اللهفة بالقبلات، وتلحس الرضاب بعد فورة من العض، تبتعد هي قليلاً على مدى خطوات، وتتبعها أنت، تحبس الأنفاس، غائر العينين، متحدر إلى عالمك السفلي، متضور تلوي خلفها وهي منتشية بمشيئة هذا اللحاق المزري، ولا تنوي أن تغادر هي المكان، ولا أنت، بإمكانك أن تفارق الصحراء، فأجلت جل هفواتك، واحتفظت نجيبتك أن هذه المرأة مشتهية إلى حد الإنعاش السريري، ولكن لا يبدو أن المكان يناسب انبطاح مثل هذا الجسد، الأرق من ورقة اللوز.. ما العمل؟
قلت أتقطنين في هذا المكان؟
هزت رأسها بدلال جم.. لا بل أزوره مع أسرتي أسبوعياً.. ثم تشير بإصبعها، هناك الخيام الرابضة في الشرق، هي مأوانا..
حملقت أنت، وضعت كفك فوق مستوى الحاجبين، لتبصر جيداً.
زممت شفتيك متيقناً من المكان، شعرت بأنها تململت من أسئلتك البديهية، وهي المتشكلة بمخيلتها الخاصة، شعرت بأنك لم تزل جاهلاً مآرب النساء، أو أنك تحاول أن تنأى عن مناطق الخطر خشية الوقوع في أفخاخ ما بعد الرضا..
قلت في نفسك.. أما بعد.. ماذا في إمكاني أن أفعل فيما لو أناخت لي البعير، وقالت هيت لك نفسي.. هل أستطيع أن أطأ الأرض المحرمة، وأجازف بقدراتي التي لا أثق بها؟
التفتت الفتاة.. نظرت إليك، بعمق، تحرت عينيك وشفتيك، واشتقت أنت إلى فحولة، تمتطي ظهر المهرة القابعة أمامك ولا يبدو أنها صعبة المراس، لكنك، قد لا تفعل شيئاً..
بنبرة هامسة، قالت: من أين جئت؟
قلت: لا أدري، فقط وجدت نفسي هنا على هذه الأرض..
ضحكت.. كانت ضحكتها مثيرة جداً، وملهمة، وقالت: جئت طائراً..
انفرجت شفتاك عن ابتسامة باهتة.. قلت: لا.. بل جئت مستقلاً الحافلة.. وهبطت هنا..
قالت جادة: بلا هدف جئت؟
قلت: أجل.. بلا هدف.. وخفضت بصرك، كمن ارتكب جرماً، ثم انتهيت على صوتها.. السير بلا هدف كمن يفكر في القفز من أعلى إلى أسفل، فإنه لا بد أن يقع، ومن يقع يخسر..
قلت: لقد وقعت من زمن ولا جدوى من النصح..
رفعت حاجبيها، مندهشة، قالت: أأنت محبط؟
رفعت بصرك، نظرت أنت إليها، تمعنت العينين، زارك اليقين، أنها امرأة ثاقبة إلى حد الدهاء.. قلت: الإحباط صنو للإحساس بالفراغ..
قالت.. متحايلة، فخورة، بنعمة الجسد، ولكن هذه الكبرياء لم تخلُ من شعور بالرغبة في ملء الفراغ الداخلي.. أحسست بأنها لا تخلو من معضلة.. لا أحد يخلو من معضلة..
«الفراغ.. تتحدث عن الفراغ، بماذا يملأ الفراغ»..
أنت بنفسك لا حل لديك، شعرت بأنك في هذه اللحظة بالذات، لا مجال لديك للإجابات، وأنت الكاره البغيض للإجابات الجاهزة، كل ما توده الآن كيف تعالج حرقة جسدين، امرأة، اعتدت متكأ، وسلت سكين الرغبة، ورجل، يقايض الرغبة برغبة، ويقاوم كائناً شرساً، احتدت أنيابه إلى درجة الفتك.. توجست أنت، وتهيأت هي، وكلاكما يحطب في صحرائه، لكن أعوادك أكثر صلابة ويبوساً، وهي لا تبدو أكثر صلابة منك، فماذا تفعل.. الآن تشعر بانكسار أشد حدة من ذي قبل.. بعد أن داهمك ذلك الوغد، وحشر جل فجاجته في أغوارك..
لما نظرت إلى ساعة معصمها الذهبية. وقالت تأخرت..
تقول انسلت من المكان كخيط حريري من ثقب إبرة، أو أنها انحلت من خاتم القلب. وجدت نفسك في مأزق. نيران تشعل النار وتدع الحريق يلتهم الكثبان ويطوي نياط القلب بلا رحمة، وما كنت أتوقع أنني سأتعلق بامرأة، كما تشبثت بها، وأعلم جيداً أنني لست بذاك الذكر الذي يمكن أن يستولي على أنثى، ويختطف قلبها، ويحتويها، ويروض مشاعرها، لكن هذا ما بدا لي في الوهلة الأولى، حيث لبثت ساهماً، واجماً، متحسراً، ليس لأنها سوف تختفي عن ناظري، بل لأنني هكذا دوماً، أهيم مع فوات الفرص، الفرص التي تحط وتطير فجأة، وكأن شيئاً لم يكن، لم يكن لأنني أواجه شرخاً مفصلاً لمعضلات التكوين، وعلاقة مباشرة مع اليأس والقنوط، القنوط الذي يجلد الذات، ويحاصرها بحزمة من الانكسارات.. قالت لي أمي ذات يوم: يا فيروز، أنت من صنف الرجال الذين يفقدون الأشياء عندما تكون في مرأى العين وبين اليدين، لذلك لا تمنّ القلب كثيراً بالحظوظ لأنك توأمت الروح مع الفقدان.. ولما لملمت عباءتها وطارت شعرت بأنها كالحمامة التي تغادر العش، في ساعة غفلة من صاحبها، حماقتي هذه ذابت مع الفراغ، ولأن الشمس تلاءمت مع شفق الغياب، وانحسرت في الغياهب المعتمة، فإن الزمن الآن يتوقف.. يا إلهي ما الزمن سوى طية من سجادة. لا نهاية لها، والعمر عقدة في هذا الحبل، والحظوظ تبدو كألياف بعضها مهترئ وبعضها متين، تتفتق عنه انبهارات مبهجة..
ذهبت عنك يا فيروز، بل كنت في داخلك تتمنى أن يحدث ذلك، لأن يقينك يقول إن هذا يحدث لشخص مثلك، عجزت قواه الذكورية عن أن تروض أنثى، وتجلبها إلى حلبة الصراع الكينوني.. كن ما شئت، اصرخ في هذا العراء الوسيع، لن يكون لصوتك صدى، لأنك تبينت منذ البدء قدراتك، وصولاتك ما هي إلا مجرد عواء في خواء.. هي نيران لم يكن بمقدورها أن تفك عقال بعيرها وتخب لو أنها حظيت برائحة جسد تفور منه رغبة السلالات القديمة، هي لم يكن في وسعها أن تعصى أوامر الجسد، لو أنها احتست شيئاً من رضاب ذكوري، يحرك مكامن الروح، ويفسد نداء القيم البائدة، هي هكذا شعرت بما يثبط همم القلب، ففكرت أن تفر برغبتها المجنونة وشبابها اليافع، ونهوض صدرها المتقد، لكي لا تخجل بعد حين من الفرصة الفاسدة..
وقفت وحدك، عاينت العراء، تشدقت بعشب الفصول الناضرة، والتحمت مع الشجر، والتراب، واللون الرمادي ما قبل الغروب، هنا لا أحد يراك سواك، هنا لا كائن ينظر إلى خنوعك إلاك وشيء من الغبطة اعتراك، لأنك لن تتصبب عرقاً مادام لا وعيك لم يشهد سوى أنت.. بدأت الأضواء، أضواء السيارات، تتسلل إلى مقلتيك، تؤذيك لأنك تود في هذه اللحظات أن تختفي، وأن تخفي ما سرقته.. لقد سرقت وضاعة الأخلاق عندما لم تلجم الخيل التي مرت من حولك، وكتمت النيران في صدرك، ثم صرحت بأنها لم تلقنك شهوة الإناث البارعات في التصدي لرعونة الرجال الأماجد.. أوصدت باب الرغبة، وركنت حلماً عند زاوية خلف رمال الصحراء، الصحراء التي تكشف العورات ولا تستحي أن تبوح بالحقيقة، وحدهم الأنذال الذين يمارسون الرذيلة تحت جنح الظلام، وحدهم الخائنون للأخلاق الذين يترددون عندما تفتح الصحراء صفحات التاريخ، وتفسر للأميين معاني الحلم الكريم.. لقد أفرطت كثيراً في التأويل، وتماديت في عصابك القهري، عندما ارتجفت وحملقت في الآيات المتساقطة كالثلج في مقلتي الأنثى الفارعة، لقد كفرت فعلاً، ومن هو لا يكفر عندما لا يشيع سر الرغبة أمام أنثى تمادت في الصهيل الداخلي حتى احترقت أعشاب الصحراء، وتهاوت أشجارها إجلالاً وقدسية لما يكمن في الباطن.. ما كان لنيران أن تقول لك هذا مربط الفرس، فخذ بإرادتك ما تشتهيه النفس، لا.. لا يمكن أن تفعلها حواء الأصيلة..
تساقطت النجوم، وهوت السماء على رأسك، وحمم بركانية انفجرت فجأة، احترقت أنت، حيث رفع الغطاء عن رأسك، ونامت الأرض، وتحايلت الأشجار على الوقت لكي تصمد لكن أنفاسك الحارقة بعثرت الأوراق، وانشق الزمن عن فضيحة كونية لا يمكن سترها.. حثثت الخطى، سرت في الدهاليز الرملية الوعرة، تشعبت تائهاً، ضائعاً، لا تلوي على شيء، لعنت هذه السيارات التي سورت الطرقات بالضجيج والفوضى العارمة، لكنك لا بد أن تعود أدراجك إلى منزلك، حيث الهدوء والسكينة.. ماذا تريد من صحراء، تجثم على الصدر كأنها الوغد الحقود.. شعرت بحقد دفين تجاه نيران أحسست بأنك لو أمسكت بعنقها الرهيف، وضغطت على الشرايين حتى طفر الدم من فمها، ولازمك هذا الشعور وأنت تجرد الطريق، وتصطبر على الوعورة المنهكة، حتى تشاء أن تصل إلى الجادة الأسفلتية، وهناك تستقل أي حافلة أو أي حمار أو ما يأخذك إلى مأواك..
توقفت كثيراً، والرطوبة تغسل جسدك، ولا تعلم إن كان الماء المالح المتصبب من جلدك هو نتيجة لتوترك أم أن الحر القائظ يندي حتى لحاء الشجر.. المهم أنت الآن لا تفكر في شيء سوى أنك تعود أدراجك، وبأقل الخسائر.. خسائر ماذا، لقد خسرت وطويت سجادة الفقدان، واختفت نيران إلى الأبد.. وأنت من أنصار الأبدية، فكل شيء في حياتك أبدي وسرمدي، لا نهاية له، واعتنقت الفكرة منذ أن غادرت الجزيرة وأيقنت أنه لا رجعة ولا نهاية للاحتلال، مادامت المسافة بين الضفتين أصبحت تقاس بحيل التاريخ، ولا يملك التاريخ غير الأقوياء..
وأنت في سيارة الأجرة، والرائحة النتنة تنفخ رأسك، وتدمع عينيك، حاولت أن تهرب، من دخان الإبط العفن المجاور لأنفك، فتحت النافذة، لعل وعسى، أن تحفظ الود مع السائق وألا تتهور، وتلطم خده المتورم، بغليون البان، وتصبح الفضيحة مجلجلة أو قد يعيد لك الصاع صاعين، ويغيبك عن الوجود بضربة قاضية من ساعده الأشبه بالجذع.. طفت بين البساتين الضالعة في الخضرة، بعشبها الشاب، وأشجار نخيلها السامقة، وكان السواد يسيطر على المكان، ما عدا بعض الأضواء المنبعثة من البيوت الرابضة في المنحدرات النائية، والهواء الرطب يلفح أرنبة أنفك فتغريك الرائحة، تود لو أن الطواف يستمر إلى حين، ولكن من دون هذا السائق المتمرس جيداً في نشر قطرات عرقه، مبثوثة مع بصاقه، وأنت كثير التمني، وكثير الإخفاقات في البيت وأنت تهبط على السرير، وتخفي ساقيك بالشرشف القطني، تمارس الغيبوبة المفتعلة، مغمضاً عينيك، تريد أن تستعيد شريط الذاكرة، تكرر المشاهد الخلابة، وترسم صورة مثلى لتلك الفتاة الأسطورية، تقرأ عينيها الواسعتين، وأنفها الدقيق، وشفتيها الليميائيتين، وقوامها الأنيق، ومازالت رائحة عطرها تعلق في أنفك أو هكذا تصورت، ومازلت أنت على موعد مع حلم لن يطوى سجله طالما حاصرتك كلماتها ونظراتها، بقيت هكذا، موشحاً بتأملاتك، راشحاً بالأفكار والأمنيات قابعاً على سريرك كالأرنب المذعور، ولا تدري لماذا ترتجف أطرافك، على الرغم من ذهاب مصدر
رد مع اقتباس