عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 24 - 12 - 2013, 02:27 PM
((المركز الأعلامي)) ((المركز الأعلامي)) غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 19 - 12 - 2013
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
((المركز الأعلامي)) is on a distinguished road
رد: جديد ( رواية امرأة استثنائية ) للآديب الاماراتي علي ابو الريش

تقول: بالتأكيد أعجبتني، ولكن سؤالي عن هذه الصور؟
يقول: لبشر من دم ولحم..
تضحك ضحكة باهتة..
يقول: ما الذي أدهشك في الأمر؟
تقول: آسف أنك كرست كل هذه السنوات في الجمع والالتقاط.. أليس كذلك.. وهل أجمل من الجمع.. والالتقاط أيضاً..
ولكن ما جدوى هذه الصور، مادمت حظيت بأصحابها..
إنها، رسم مثير تجعلني لا أنسى، الوجوه التي قبلتها..
وهل قبلت كل هذه الوجوه؟
يقول: وإنما لماذا أحتفظ بصورها.. أنا لا أفعل خيراً دون جزاء.. عقيدتي هي هكذا..
تهز رأسك، يأكل صدرك الغيظ من فجاجة صاحبك، رغم محبتك له، وينهش قلبك، أوان الموعد المشؤوم.. تقول في نفسك: لماذا استعجلت في الأمر؟ كان ينبغي عليّ أن أتريث، حتى تستتب مشاعري، وأهيئ نفسي لهذا اللقاء.. أخشى أن أضعف أمام الرجل، وتذوب كل قدراتي لسؤاله.. سأبوء بالفشل الذريع، سأتحطم وأندم أنني تسرعت.. تقفز من مكانك، تدع الألبوم جانباً، تنحيه بالقرب منك.. تقول لصاحبك.. ما رأيك لو أجلت موضوع لقاء الكاهن إلى يوم آخر..
فيغضن حاجبيه، ويزم شفتيه، قائلاً: هذا شأنك.. أنت الذي تريد مقابلته، ولك الخيار متى ما أردت.
ترتاح نفسك، وكنت تخشى من سخريته منك، واتهامك بالخوف والتردد، لكن يبدو أنه بغطرسته فهم الأمر، ولم يعترض.. صحيح بدا من لهجته شيء من الامتعاض، لكنه لم يرق إلى درجة الغضب.. قلت في نفسك هذا مريح، أشعر الآن بالسعادة، إذ سيأتي المساء من دون مواعيد، وأعتقد أنني أكره المواعيد والالتزامات منذ الصغر، وقد تكون هذه الحالة مرتبطة بنفسي منذ أيام المدرسة، كنت في طفولتي، أشعر مساء كل جمعة بحزن رهيب ينتابني، إلى درجة أنني كنت أنكفئ في مكان منعزل، وأظل منتحباً وكأنني سأساق إلى المقصلة، وأتصور أن الإحساس باللوعة مرتبط بالخوف من الفراق، كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق، كنت أبلل ثيابي ليلاً، حتى تظل أمي إلى جانبي، تنظفني، وتغسل أعضائي التناسلية، بل وكنت ألتذ بالملامسة الحانية التي تبديها..
تقول الآن، أشعر وكأنني تخلصت من السجن، تريد الآن أن تغادر الغرفة، لتطلع على مشاريع صديقك الزراعية، رغم أنها متواضعة وليست ذات أهمية إلا أنه يعتبرها من المهمات الجليلة التي أقدم عليها بالفعل، فإنه اختار الطريق الصحيح بالنسبة له، مثل هذا الكائن لا يستطيع أن يمارس حياته المعتادة، وسط زحام الناس.. الناس سوف يرجمونه بالحصى، فيما لو شاهدوا تصرفاته، فهو لا يتورع أن يعانق فتاة، طليقة في مكان عام، لا يرتدع عن فعل أي شيء في اللحظة ذاتها متى ما سنحت له الفرصة، فإذا إن هذا الملاذ الآمن يصبح بالنسبة له، ساتراً وواقياً من الفضائح..
تنظر إليه، تقول: أريد أن أخرج من عتمة الغرفة، أريد أن أتجول في المزرعة، لأشم رائحة العشب..
يقول.. وهو يلتقط ألبومه، الذي تركته مطوياً عند المسند المجاور لمسندك، ألم تعجبك أي منها؟
تقول ساخطاً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط..
يضحك.. مزمجراً.. أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس..
ترمقه بنظرة وأنت تدلف من الباب، تلج المزرعة، ومع انكسار الضوء، وزحف الظلال على الرمل الطيني، أحسست برغبة في فسخ نعليك، لتتلقف الأرض الباردة شيئاً من الدافئة أكثر، قدميك الحافيتين، شعرت بلذة، وكأنما شيء ما في داخلك يطويك طياً، ويدفعك إلى الدفء.. في الدفء حكاية مديدة تقطن روحك، أنت قد لا تحب ممارسة الحب الجسدي، أكثر من توقك إلى الدفء، لذلك شعرت بالاشمئزاز وشيء من المرارة، عندما سألك الصديق، عن اختياراتك، أحسست بأنه يناوئك المشاعر، فهو يمارس الحب لإشباع الغريزة الجسدية، وأنت تبحث عن الظل، تسأل عن الدفء، والدفء لا يأتي إلا من أحضان امرأة مرهفة أجلت مطالب الجسد إلى حين يمتلئ القلب، بسعراته الحرارية..
جلست الآن أنت عند المجرى المائي، وبين الفينة والأخرى صرت تمد يديك، تبللهما بالشلال ذي الرغوة البيضاء، الناصعة.. ترشف شيئاً من القطرات، تقول: الماء هنا، ليس بالعذوبة التي نتوخاها، في السابق كانت مياه الآبار أشد عذوبة، وربما يكون ذلك بسبب النزيف اليومي من قبل المزراعين الذين لا وسيلة لديهم غير هذه العيون، شبه الفاضية.. لم يرافقك أبو سيف، وبطبيعة الحال، فإنه منشغل في إعداد شاي المساء، أبو سيف صاحب مزاج وحس مرهف في تعامله مع الطبيعة، لكن على ما يبدو فهو على خلاف ذلك، في علاقته بالمرأة.. الذي يحترم روح المرأة، لا ينبغي أن يكدس الأشكال والأصناف، كما أنه هاوٍ لجمع الحيوانات أو أي أشياء أخرى..
تقول: على الرغم من إحساسي بأن أبا سيف من أقرب الأصدقاء، وأكثرهم حميمية، لكنني أمقت هذا المزاج الشخصي الذي لا يتلاءم مع أخلاقه كإنسان، محب، ورقيق، ولا أدري كيف تجتمع شخصيتان في شخص واحد.. تهز رأسك، قانطاً، ثم يلفت نظرك طائر الغراب، الذي يحوم فوق رأسك.
قلت: هذا الطائر اللص، يقولون إنه لا يخدم نفسه بنفسه، وإنما من خصاله أنه يسرق ما لدى غيره.. أراه الآن يلوي فوق رأسي، يظن أنني أضم بين يدي طعاماً.. صوته أشبه بصوت مزمار سيارة عتيقة.. محشرج دائماً، لا يثير الشفقة أبداً، عدواني إلى درجة أنه يهيم في الفضاء، ويصطدم بالأشياء بعنف وكأنه طائر أعمى.. تنظر إليه وهو، يتعسف بالأغصان، وعندما يهبط، وعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه يثير ضجيجاً، فتفر منه العصافير، وطيور الحمام البري.. تنهض.. تعود أدراجك إلى مأوى الصديق..
الشاي رائع.. ترشف رشفات خفيفة، ثم ترشق في فمك حبات لب البطيخ، ثم تقذف بقشورها في وعاء النظافة.. تسترخي مستريحاً عند حلول الظلام، يقول لك أبو سيف.. وقت الأصيل في حوش المزرعة، الهواء عليل، ومنعش..
تقول: بالفعل هذا رائع..
في المخدع المتواري بين جدران، وأشجان، قلت لطفك.. طوقني.. حاول بكل جهد أن تستحضرها، لتحميك من خوف، وتدفئك من برد.. ارتعشت قليلاً ولما طواك الشرشف القطني السميك شعرت بالهدوء.. ففي الليل الأشياء تلبد، وتسكن، ما عدا شياطين الشوارع الذين يلوبون ليلاً ونهاراً، ولا تخمد نفوسهم من الدوران، وطحن الأسفلت بعجلات الحنق والحمق.. تتذكر صديقك وتستعيد ما سرده من أمجاد، بين أفخاذ نساء، تنوعت أشكالهن وألوانهن، ولم تتغير رغبته عن حب الشهوات والنزوات.. لا تدري لماذا أنت تلومه، ولكن كلما حاولت أن تجد له عذراً انقبض قلبك، وشدك دافع عنيف قائلاً لك: لا تندفع نحو الضلالات.. تريث، تعود أدراجك إلى أيامك الغابرة، تقول ما أجمل هذا الصديق لو أنه تخلى عن مجونه.. وتقول أيضاً هو سيقول، ما أروعني فقط لو انتهيت من فلسفة الأشياء، وتركت الحياة بجبلتها من دون قوانين، ونظم صفها البعض لأغراض أنانية لا غير.. وتقول لا أريد أن أكون أنانياً، فليمضِ صديقي في طريقه، وليبقَ صديق العمر، في شأن سلوكه الشخصي بعلاقتي به.. تستريح الآن قليلاً، تشعر بأنك تخلصت قليلاً من النقمة.. تعود ثانية تحاول أن تستدعي تلك الفتاة العابرة، تقول في نفسك النساء العابرات أشد فتكاً من اللواتي يجاورن الجسد، ألهذا السبب لم ينفرد صديقي بواحدة، حتى يتخلص منها، ليصبو إلى أخرى.. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البناؤون لا يرون ما أنجزوا جيداً إلا عندما يتقهقرون بعيداً، فيكون الإحساس بالجمال أدق.. ولو أنني اعتليت بدنها لأول وهلة، ستصبح بلا قيمة بعد ذلك.. الأشياء التي تأتي بصعوبة تكون أشهى وألذ.. المرأة المراوغة تستقطب المشاعر أكثر من المرأة التي تسقط بسهولة كثمرة فاسدة..
أنا على يقين لم تكن عاهرة.. قلت.. أجل نيران، ربما كانت تواجه مأساة كسائر الفتيات اللائي يمررن في فترة المخاض.. كانت أشبه بالحمامة التائهة، وكانت تود لو أنني أنقض عليها، وألتهم بدنها، وأمارس الحب معها بصورة نهائية ونموذجية، ولكن لم أكن لأفعل.. تقول بغضاضة.. هذه أساليب حيوانية أن يطأ الرجل امرأة، في عرض الصحراء، ولا لحاف لهما غير سقف السماء العاري.. الحمير تفعل ذلك، لأن فطرتها تتيح لها ذلك. أما أن يمارس ذلك الإنسان فذلك فعل من أفعال الهبل..
تحاول أن تغادر الفراش، لقد سخن السرير، وصارت عظامه المتهالكة تصرصر، كأحجار الجدران القديمة. تقف عند النافذة، تفتح الستارة المخملية، ثم الشيفون الشفاف، ثم الزجاج الداكن للنافذة، تطل على الشارع، الساهر وحده على حراسة الأشجار، والحيوانات الصغيرة، الدائبة ليلاً بحثاً عن فرائس.. تلمح عن بعد مطاردة عنيفة، ومواء أشبه بالاستغاثة، قط شرس، برأس مدبب دائري، ينقض على أنثى صغيرة الحجم، تحاول أن تلقمه بحجر، لكن ليس لديك ما تلقمه إياه.. الهرة الصغيرة تستلقي على الأرض الحجرية، وترفع سيقانها إلى الأعلى، تحاول أن تدافع عن مصيرها، بيد أن العدوان أقوى من المقاومة، بعد فترة سمعت الهدوء، همدت الأصوات، ويبدو أن الهرة الصغيرة وجدت مفراً، فلاذت بالفرار، الروح أغلى من أي شيء، ومن له حيلة لا بد أن يحتال، ربما وجدت الهرة الصغيرة من وسيلة، خدعت بها القط المهاجم، فهربت.. كان في إمكاني أن أفعل ذلك ساعة العدوان المباغت، وأحمي بدني من الانتهاك، لكن الحيلة أحياناً تكون ضئيلة أمام عدوان غاشم، لا يردعه استجداء، ولا يمنعه احتواء، ولا ينفك عن فعل جريمته إلا بعد أن يقضي ما أمره شيطانه..
تفكر الآن فيما قاله صديقك أبو سيف.. تقول وأنت تحت وطأة القلق. تقول وأنت مستريب من كلام الصديق.. لماذا حاول أن يحبط ذلك، الرجل بهذه الهالة السحرية، حتى جعلني أرتعد.. لماذا كانت عيناه تجحظان وهو يسرد القصة عن صاحبه العجوز، وكأنه يقص قصة من حكايات ألف ليلة وليلة.. صحيح أنه اعتاد دوماً ومنذ الصغر أن يفخم الأشياء، ويضخم الأحداث، لكن هذه المرأة كانت أكثر مبالغة من ذي قبل.. تشعر بصراع، تمسك رأسك بيدك، تعقد جبينك، تحاول أن تمسد الجبهة، ثم تذهب إلى الدرج المجاور للسرير، تفتح الدرج، وتنزع علبة الفوكس، تمسح جبينك بالدهان الساخن، ومع ارتفاع درجة حرارة الدخان، تخف ضربات الصداع، تعود ثانية إلى المناظرة، تسمع طرقات خف على صلابة الأسفلت، تتبين الهيئة، شخص ما يمر بجوار النافذة، شخص يلمع وجهه تحت ضوء النيون الخافت، يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يسير معه، لكنه يتكلم، يكلم نفسه، يحث خطى مسرعة، وكأنه يريد أن يلحق بركب ما، لمحت عصا فوق الكتف، وعلق حبال قفة من سعف النخيل، عرفت أنه أحد الصيادين الذين يرتادون البحر في هذه الساعات من الليل، وربما كان قد تأخر عن موعد الوصول إلى المركب الذي سيقله مع مجموعة من رفاقه.. قميص قطني بنصف كم، وإزار مخطط بالأبيض والأحمر، مرتفع قليلاً عن الكعبين، ليس تديناً وإنما لحاجة العمل في البحر، ولإنجاز المهمات الصعبة، في أقصى سرعة.. الكادحون وحدهم الذين يسيرون في الليالي وتحت جنح الظلام، ويمخرون عباب البحار، متفانين من أجل لقمة العيش، بينما المستهترون يهلكون أنفسهم وينفقون أموالهم في لحظات طيش مميتة..
يبتعد الرجل، ويبقى صدى صوته، تقول، الليل يستر كل شيء عدا الأصوات، فهذه الذبذبات تتسرب إلى الآذان مع الهواء، فلو أن امرأة شهقت في عراء الليل، لأسمعت من به صمم.. تبتسم أنت، تعود أدراجك إلى السرير بعد شعورك بالتعب من الوقوف، تقفل الزجاج، وتسدل الستارة، تعدل الوسادة، تسند ظهرك، تتذكر سيجارة كنت قد خبأتها منذ فترة، شعرت بالشوق، إلى رائحة الدخان، على الرغم من أنك، لم تدمن التدخين، لكن في ساعة وله، تشتاق إلى الدخان، تفتح العلبة، وتأخذ سيجارة، تأخذ شهيقاً عميقاً، يتغلغل الدخان في رئتك، حتى تنتابك دوخة طفيفة ثم بعد استراحة قصيرة تستعيد أنفاسك. تمز مزة أخرى لكن بتأنِّ، وعيناك ملتصقتان في السقف.. عاودك السؤال، لماذا أراد أبو سيف أن يهول من شخص صاحبه.. أهو حقاً يستحق ذاك التهويل؟ وهل سيستطيع أن يقدم لي شرحاً وافياً عن هذه الساحرة.. تصمت قليلاً.. تأخذ مزة، ثم تخمد السيجارة في المنفضة، تنظف يدك من الرماد، تقول: كيف سيكون شكله، وجهه، هيئته، قامته، طويل أم قصير، سمين أم نحيف، قبيح أم جميل؟ وتقول: عادة ما يكون هؤلاء، أشبه بالأشباح، يكونون قبيحي المنظر، لأنهم، يهملون أنفسهم، ولكي يعطوا أنفسهم هيبة ومهابة، فإنهم يطيلون اللحى ويكثفون الشوارب، ويجحظون أعينهم ويكونون دوماً جاهمين، واجمين، عابسين، لا يبتسمون، إلا في حالات الضرورة، وإن ابتسموا فإنها تكون باهتة وجامدة. تقول: إذا كنت أنا، أوقن تمام اليقين، أن كل هذه التصرفات ليست إلا تهويمات وإيحاءات، وخدع بصرية، لا أساس لها في الواقع، تقول مرة أخرى: إذا كنت واثقاً بأنها خرافة فلماذا أتعمد البحث في تفاصيلها، وأجهد نفسي، وأعرض نفسي لمتاعب أنا في غنى عنها.. ثم تعود ثانية لتذكر نفسك بالبحث الذي نذرت نفسك من أجله.. لا.. لا بد من التعب، بل أشعر بيقين أنني سوف أقف عند نقاط مهمة، في مسألة أم داس، وعلاقتها بأمور كثيرة.. إذاً يجب أن أعود إلى صديقي في أقصر وقت، لأذهب بصحبته إلى ذلك الكاهن.. أريد أن أعرف سر هذا الرجل، كما أريد أن أتقصى السر الأكبر.. أم داس.. آه، تقول وأنت تتأوه: كم لعبت هذه الشيطانة اللئيمة، بالعقول، وكم أمرضت وأماتت.. أجل كانوا يموتون خوفاً لمجرد سماعهم صوت خشخشة من خلف الجدران، أو قبل ذلك، خلف جريد الخيام المتداعية.. الأطفال بالذات كانوا يتبولون في فراشهم.. تقول: أنا كذلك كنت أتبول، وأمي كانت تنهرني، وتمقت هذه العادة السيئة، لكني لم أذكر قط أنها أخبرت أبي بأمر هذا التبول.. تقول: بعض الأمهات عظيمات تستحق الواحدة منهن أن يبنى لها تمثال في شارع عام.. كانت تعرف أمي، لو علم أبي بالأمر، فإنه لن يستطيع فهمه على أنه تبول لا إرادي، لكنه سوف يشبعني ضرباً، ويوسعني زجراً ودون فائدة.. الآباء طبيعتهم الخشونة، والأمهات الليونة. لذلك، يحن الأبناء إلى الأمهات أكثر من الآباء..
تقول: يجب أن أنام، تحاول أن تطفئ النور، أطفأته، وسحبت الملاءة القطنية حتى غطت وجهك، تريد أن تغيب عن العالم، لا تريد أن ترى شيئاً. تعود منذ زمن، عند النوم لا بد أن تغطي وجهك، تقلبت كثيراً، نفخت متذمراً، النوم لا يأتي بالسهولة المعتادة لكثير من الناس.. تقول: الليل سبات، وراسي لا يسبت، ولا يخفت.. أحب اليقظة كثيراً، لكنني أيضاً أحب أن أرتاح.. يجب أن أرى أبا سيف غداً، وليس في استطاعتي تأجيل الأمر إلى يوم آخر..
تقول: لم أنم إلا ساعات قليلة، لم تتجاوز الثلاث ساعات.. نهضت مفزوعاً، أسناني تصطك، وركبتاي ترتجفان، وشفتاي ترتعشان، وجسدي كله أشبه بسمكة مقذوفة على الرمل، أحاول أن أمتلك لساني، أو أن أمسك بشيء ما جامد كي أخفف من الانتفاضة العارمة التي عمت جسدي، لم أستطع فعل أي شيء، كان الحلم مفزعاً، مرعباً، شكل جهنمي تراءى لي، على هيئة طائر ضخم، بمنقار طويل وحاد، رأيته يقترب من وجهي، ويرفرف بجناحيه العريضين، وكأنه يريد أن يخطفني.. حاولت أن أتحاشاه بيد أنه كان يطوق المكان أكثر مما يطوق بدني النحيف، احترت ماذا أفعل، لجأت إلى الملاءة، خبأت جسدي تحتها، خبأت وجهي، انكببت على وجهي، وغطست في بحر الوسادة القطنية، كان ينهق كالحمار، ولا يزغرد كالطيور، كان يحرحر كالوحش الضاري، يقف على ظهري، شعرت بثقله فقدت أنفاسي، صرخت دون جدوى، كان يصفعني بأحد جناحيه كي ألجم فمي، همدت ولم أتحرك، عيناه أشبه بجمرتين متقدتين، أنفاسه تخرج من جوفه ساخنة كالجحيم، مخالبه كمسامير الحديد، ماذا أفعل.. قلت لم أفعل شيئاً سوى أنني سكنت كالذبيحة على مقصلة الإعدام، وبانتظار ما سيسفر عنه هذا الغزو الغاشم، أسرفت في النحيب الداخلي، كطفل مختون، أكظم حنقي كي لا أستفزه بنظرات استجداء، لكنه لم يكن يأبه لمحاولاتي في استعطافه.. بعد مضي فترة، رأيت مجموعة من طيور أخرى، تهيم في فضاء الغرفة، وتصدر زمجرة مرعبة، أسمع صفقات أجنحتها العظيمة فأنكفئ مختبئاً في جلدي المقشعر لا أحد سواي في الغرفة وليس بجواري من أستعينه، لبثت متحيراً كي أستطيع التخلص من هذه الورطة.. بينما العدوان يزداد شراسة. بعد فترة وجيزة، تغيرت صورة الطائر الضخم، وبرز أمامي بهيئة كائن قبيح المنظر، يرتدي عباءة، يخرج من أطرافها شعر كثيف، يداه بطول قدميه، أو أقل بقليل، لكنهما تنفردان كجناح نسر جبلي، يقف عند رأسي، وتخرج من عينيه، شذرات من لظى وحميم، شفتاه غليظتان متدليتان، وأنفه ضخم، بحجم حبة الباذنجان، وجهه أسود فاحم، يحمل بإحدى يديه فأساً حديدية.. قلت عندما استيقظت صرت تبحث عن الشبح المرعب، تلفت كثيراً، بحثت عن نفسك قبل أن تبحث عن الصورة المفزعة.. عدت إلى الفراش، استلقيت، حاولت أن تسترجع المشهد المروع، وعيناك تغرقان بالدموع.. عدت إلى علم النفس.. حاول أن تفسر، أن تحلل، أن تصل إلى تيمة الحلم، وجدت نفسك تعاني من خوف شنيع لم يسعفك على التقصي.. فتحت الدرج، شعرت بحاجة إلى حرق أي شيء.. أشعلت السيجارة، دخنت، زممت العقب بعنف وبشراسة، وبمحبة أخذت الدخان إلى صدرك، سحبته امتلأت رئتاك جيداً، ثم زفرت، طردت الدخان بتنهيدة عميقة، كررت بانتظام أخذ الدخان، شعرت بأنك بحاجة إلى كأس شاي دافئ، لكن قدميك لا تحملانك، بعد الحلم، وبعد الاستيقاظ، ترهل جسدك برداً، ونزف العرق من مسامه، غزيراً، أسندت ظهرك إلى الوسادة، تأملت السقف وحلقت في فضاء الغرفة التي كانت ممتلئة، بالضجيج والصور، المخيفة.. قلت.. هذه سلبية من سلبيات الوحدة، العزلة قد تلهمك الهدوء والسكينة، لكنها لا تنقذك من أحلام الليل عندما تباغتك.. قلت لو أن امرأة حافية تنام هنا، لو أن امرأة تجاور جسدي الآن، لنهضت، وأعانتني بكأس شاي ساخن وأسعدتني بهدهداتها، وقبلاتها، وتمسيدها على جبيني..
تغمض عينيك على صورة مثلى لحلم اليقظة.. قلت، كم هي الفجوة واسعة، بين حلم النوم وحلم اليقظة.. الشيء الذي تستحبه النفس لا يأتيك، وأنت قد أرخيت أعصابك، واستسلمت لعدم النوم، أو الأشياء اليقظية حتى، كالوحش الضاري يداهمك، ليلاً، ليقضي على آخر رمق في حياة هدوئك..
تقول: أحياناً أشاطر أبا سيف رغبته الجامحة، في حب النساء، لأنهن كائنات نبيلة، عندما تكون بجوارك كأنها تنعش مسام الجسد، وتطرد الشياطين، وتقودك إلى نعيم الجنات الخالدات.. تصمت قليلاً.. تقول: ليس فـيّ ما يخيف وما هو إلا مجرد حلم.. ثم تستعيد ذاكرة مجونك.. لكن الحلم لا يأتي من فراغ.. الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور.. إذاً أتكون هذه هي أم داس، التي أبحث عن تاريخها ولم لا؟ قد تكون ولكن ما يهمني الآن أن أعرف الأشياء الغامضة عن هذه الشيطانة.. تتراءى لي مجرد رموز مبهمة، لا تعنيني في شيء.. أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوراً بهذه الهيئة.. والأحلام في كثير من الأحيان تتشابه، ثم تضيف.. لا ضرر.. عليّ أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قدماً لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين.. لا شك في أن الرجل الذي تحدث عنه صديقي سوف يعينني على الفهم.. أنا أفكر في أن أجد حلاً لمعضلة الجهل الملازم للخرافة.. تتشجع.. تنهض، تذهب إلى مطبخك الصغير، وتصنع الشاي تعود إلى السرير، تضع الكأس على الكوميدينو، وأنت تلهج.. يجب أن أذهب اليوم، فلا أوان، للتأجيل..



تقول عنها صومعة، لما دخلت الصومعة، كان الصديق يرتدي بيجامة قطنية مخططة بالأزرق والأبيض، بياقة عريضة عقدت بزر عند أسفل الرقبة، استقبلك بود مشيعاً إياك بابتسامة لطيفة.. شعرت بالإحراج قليلاً لما لقيته من حفاوة الصديق، وبشاشة وجهه المشرق، بنداوة صباحية، اكتسحت محياه المزخرف بالفرح.. ويبدو أنه كان، يتحين فرصة مجيئك إلى منتجعه، بحضور الحسناء، هيفاء العود، لدنة البشرة..
قلت: ما اسمها؟
قال: اسألها..
قلت: ما اسمك يا جميلة..؟
قالت بصوت عذب.. ماسة..
أحسست بأنها تنام على صدرك وهي تنزل الجفن الناعس على مقلة شعت بنضارة الشباب الأنثوي اليافع..
تلعثمت.. انعقد لسانك.. كان لا بد أن تمضي في الحديث معها، حتى تكسر حاجز الصمت، وتهزم خجلك.. لكنك، شعرت بأن الكلمات تتيبس على شفتيك الناشفتين، حاول أن تستنجد بصديقك، بيد أنه بدهاء الأخ المجرب تلهى في صناعة الشاي، تاركاً إياك وحيداً في صلب المعركة الوجدانية تقاسي مرارة عجزك.. بينما كانت الحسناء تفتل خصلة شعرها، متلمظة رعونة الفتيات، ذوات الأصول الشيطانية العريقة. تتنحنح أنت، تلعق شفتيك المصفودتين بأغلال الوجل المريع، تتلفت بينما جلس الصديق يراقبك من بعد عن كثب ويرسل إشارات مبهمة إلى الحسناء التي اقتعدت مسنداً كملكة متوجة..
قلت في سرك.. بؤس الشرف الوضيع..
أيعجز أربعيني مثلك عن مداعبة حسناء صغيرة، ولو بكلمات تفضي عناق الصمت المريب؟ لماذا أتصلب هكذا كالمتهم؟ ولا أستطيع أن أنبس بكلمة تفتح باب حوار على أقل تقدير تنتشلني من وهدة الارتباك. قدم أبو سيف كأس الشاي، لك، وللحسناء، وأخذ كأسه، وانزوى قريباً من الحسناء.. قال مشاغباً مشاعرك: ما رأيك، في هذا الطير؟
ابتسمت أنت، ازدردت ريقك بصعوبة، قلت بلهجة مرتبكة، رائعة.. وصمت منتزعاً نفسك من خيط بؤسك ثم رفعت الكأس، متشبثاً به وكأنك تريد أن تفر من موقفك العصيب..
قال الصديق.. ماسة من أذربيجان.. مسلمة..
لم تفه بكلمة، لكنك قلت في نفسك، ونعم المنتج الإسلامي، عالي الجودة.. قطع الصديق حبل أفكارك.. قائلاً.. ماسة، خريجة علم البيولوجيا، جاءت إلى هنا في زيارة قصيرة، من أجل التعرف إلى حضارة بلادنا، تعرفت إليها صدفة في أحد المتاجر، وبسرعة فائقة تعمقت العلاقة.. نظرت إليه مستخفاً بكلامه، وهززت رأسك محيياً الفتاة، ورشفت من كأسك، وقلبك يخفق مضطرباً، وودت لو أنك لم تأتِ في هذا الوقت، أحسست بأنك جئت في الزمن الخطأ، كما تحث خطاك دائماً إلى الأماكن في الأوقات غير الملائمة..
قال الصديق: تقول إن لديها صديقات كثيرات في بلادنا، وهن يزرن بلادنا بين فترات متعاقبة، تمضي الواحدة منهن أسبوعين أو ثلاثاً، بعد أن تتبضع، وتملأ حقائبها بمشتريات نادراً ما يجدنها في بلادهن..
وخزك قلبك.. فهمت مغزى حديثه، لا بد أنه يريد أن يعلق شباكك بواحدة منهن، أو أنه يريد أن يفهمك ألا تضع عينيك على رفيقته. وتزيح عن كاهله، مغبة شكوكه.. قلت بلهجة جادة: بلادنا بخير بل وصارت مقصداً لجميع الشعوب.. هذه حسنة من حسنات الانفتاح، مع غض النظر عن السيئات التي لحقت بهذا الاكتساح الرهيب للقيم.. يهز رأسه برماً.. يقول: أي قيم يا سيدي، وعلى من هذه الترهات، نحن بحاجة إلى تحسين النسل، وإضافة محسنات بديعية، على أجساد نسائنا، ألا تجد في هذه الحسناء ما يثيب الذين انفتحوا، ويرفع عنهم وزر أخطائهم.. ويرشف من كأسه، متسلطاً، وبعجرفة يستطرد قائلاً: انظر إلى الهيئة البريئة، انظر إلى المكانة العالية لوجه يحترم الأصول الحضارية لشعوب ناضلت من أجل استقلال المرأة وحريتها..
تتمتم.. تقول في لهجة ضارعة: لكنهم أيضاً ضحية لبطش شعوب أخرى.. أليس كذلك؟
يقول محتجاً: لا.. لا تفكر بهذه الطريقة العشوائية.. الاستغلال شيء وممارسة الحياة بعفوية شيء آخر..
وكانت الحسناء، تستمع إلى الحوار بلا مبالاة، كونها لا تفهم اللغة العربية، ولكنها تستشعر من الحديث أنك لم تكن راضياً كل الرضا عن وجودها في حضرة الصديق، لذلك كانت تشبعك بنظرات استرابة على الرغم من ابتسامتها الباهتة المتربعة على خدين، ناصعين..
سألت الصديق: هل له أن يصحبك إلى الكاهن..
قال، متململاً: لا أعتقد أننا سنجده اليوم.. فقد جئت في اليوم الخاطئ، حيث إنه في كل يوم خميس يذهب لزيارة أهله في عمان..
أيقنت أنك لم تأتِ في الوقت المناسب، وأن حدسك لم يخنك عندما قلت إنك دائماً تأتي في الوقت الخطأ..
قلت: إذاً يجب أن أعود إلى حيث أتيت..
الصديق أمسك بيدك، راجياً قائلاً: انتظر حتى الغداء.. ثم يردف غامزاً ألم تعجبك هذه الجلسة الشاعرية..
قلت: لا شكراً.. دعني وشأني، سأذهب الآن وأعود في وقت آخر..
يقول: وقت آخر.. متى بالضبط؟
غداً.. أليس الوقت مناسباً..
يهز رأسه.. لا غداً لن نجده.. ألم أقل لك إنه ذهب إلى عمان، والرحلة إلى هذه البلاد تستغرق يومين، بمعنى أنه سوف يعود بعد غد..
حسناً.. بعد غد ستجدني في الوقت الملائم.. وكنت تنظر إلى الحسناء وكأنك توجه الحديث إليها، حيث إنه قال إنها سوف تغادر غداً إلى أذربيجان.. اصطحبك حتى ولوجك الفسحة الخارجية من المزرعة، وكان يضغط على يدك معتذراً، مودعاً بحرارة، وكنت تملص أصابعك من أصابعه، متخلصاً من الحرج، وسوء الطالع، والانكسار الذي داهمك، إثر عودتك، خاوي الوفاض، إلى جانب أنك كنت تتمنى تحاشي مثل هذه المواقف التي تعتبرها أوقاتاً عصيبة، تغرق بإحساس الضيم، بما يعقبه من تأنيب ضمير، وانشغال مشاعرك بآلام العجز.. ابتعدت عن محيط المزرعة، لكن صورة الحسناء تطاردك بنظرات الإذلال، ولا بد أن الصديق سوف يشرح للحسناء ظروف فرارك وأنت خالي اليدين، ولا بد أنه سوف يسبغك بأسوأ الأوصاف لينبري هو أمامها الفارس المحض، الصنديد الذي لا يساويه مخلوق.. أجل سيقول عنك ذلك، وهذه صفة الرجال الماجنين، عندما يكونون في حضرة النساء، اليافعات الناضحات بشهوة الحضارات القديمة، المعطرات، برغبات هائلة تنثال من أنوفهن المفتوحة على رائحة الجنس.. تمضي في الطريق، في اتجاه الشارع العام، تحت اللظى، ممتقع ممتحن، تخفي حثالة الكلام الذي سمعته، والذي سيقال عنك في غيبتك.. تفكر في صديقك الذي حنط المشاعر القديمة، واستبدلها بقائمة من العواطف البلاستيكية المهجنة، والمصفدة بشكل لا يدع مجالاً لانثنائها أمام أي موقف أو حالة من حالات الإحراج.. فكرت ملياً في هذا الصديق، الذي خرج من كومة ركام أخلاق. واعتلى تلة أخرى، ووقف على رأسها ليؤذن في الناس، مبشراً إياهم بميلاد عصر جديد.. زمن يختصر المراحل، كما يختزل القيم ليضعها في حفنة ضئيلة، وقميئة، لا تفرج إلا عن رغبة واحدة.. شهوة ذكورية عارمة، حازمة، حاسمة، كاسرة، في ذروة فجورها، وانهيالها باتجاه الأنثى.. أنثى الركوب، والسطوة الغامضة، وأنت في الحافلة، تمر على المحلات التجارية الصغيرة، المعقودة في صفوف متراصة، وكأنها في طابور مدرسي تمر على الأشجار المعمرة، البساتين، ولكن رأسك معلق في مشنقة الصديق، الذي فجر الكرة الأرضية في وجهك، ومنحك الرجوم والشظايا.. لم تكن مفاجأة أن تعرف أنه رجل نسائي بالدرجة الأولى، ولكن ربما لأنك، صعقت حين قارنت نفسك بالصديق.. ستأتي بين السماء والأرض، لا فرق بين رجل وآخر، في كل المواثيق، إلا أن الصفة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون، هكذا شعرت، وكأنك وقعت في قعر بئر سحيقة، طوتك الظلمة والوحشة، والشلل، حين حاولت أن تعالج عجزك، بكلمات مختصرة، فلم تعبأ بك تلك الحسناء، لأنها أنثى، والأناث ساحرات، في فهم معاني الرجال.. من أول وهلة، عرفت أنها تحتقرك، وتقلل من شأن حضورك، فلم تلق بالاً لوجودك، بل انشغلت في حساب الوقت ومتى ينتهي موعد زيارتك المشؤومة.. بقدر ما كنت تحب صديقك، بقدر ما كنت حملت ضده كرهاً، شعرت بأنها مصيدة لاختبار قدراتك، وفخ المراد منه، استعراض عضلات الصديق، الذي دائماً ما يتباهى، بمصائده الزاخرة بالصيد الثمين.. قلت.. ولكن، يجب أن أمرن نفسي على مثل هذه المواقف مادمت قد قررت الاستعانة به، للمعرفة..
قلت ما المرأة.. ما هذه المخلوقة العجيبة التي أتحاشى الوصول إليها.. ولماذا الاقتراب منها يبلد الجسد، ويجمد القلب، وتتصلب الشرايين لمجرد رؤيتها؟ من فوهة هذا الفندق، المنصوب كالوهم، عند شاطئ البحر، في البلدة المسحورة، والمذعورة من ظلام سمائها، واكفهرار ترابها، تمر أنثى، كل مساء، مرتدية بنطالها الأبيض المحزوز عند الردفين، وقميصها الأحمر الفاقع، المربوط عند دائرة السرة، فيبرز جزء من البطن مشاغباً الفراغ وأعين المتلصصين بشظف الرغبات المؤجلة، أو المسربلة بالتأويلات وتراتيل أصحاب التعاويذ السماوية.. أنظر إليها.. تقول إنك تنظر إليها، وتتفحص التفاصيل بعناية، ولما ترمقك، تنتفض، كطفل ضبط يلعب بعضوه التناسلي.. تقول إنك تفعل ذلك، عندما تغرقك التضاريس الأنثوية بسيل من المشاهد المزدحمة بصور النهايات القصوى للجسد، المكتوي بنيران اللظى الصيفي، المحاصر بفراغ غير منته.. هي أيضاً، تستدعيك بنظرات عفوية، وقد لا تقصدك، لكنك تشعر بأن النداء الداخلي يستجيب، لكنك تردعه، تقمعه، بكل ما أوتيت من وجل، وترتجف أطرافك وكأنك تخشى الوقوع من علٍ إلى أسفل محفوف بمخاطر جمة.. تحاول أن تشيح، لكن قوة تسطو على إرادتك، تجعلك تخنع بضراعة، وهشاشة، تظل هكذا بين البين بين، لا تقاوم، لا تقدم، لا تحجم، لا تفعل شيئاً غير أنك، تعصر القلب، فينزف.. تقول إنها، ماضية في الإغراء، وأنت مستمر في الإطراء، عيناك غزالتان فارتان من ناب ومخلب، قلبك أرنب مذعور، يفتش عن ملاذ، لكن القدرة الأنثوية الفائقة، تتغلغل في أحشاء الرغبة الليلية، تزلزلها، وتهز جذعك، ولكن بلا ثمار.. تقول إنك لا تكره النساء، بل إنك تشم في رائحتهن طيب الحياة، ولكن لا شيء يدهشك عندما تقترب، أو عندما تنوي الإطاحة بمقمع النفس.. تقول إنك كم مرة ومرة زعقت في وجه فيروز.. قلت يا فيروز، لقد ذبحتني هذه السوءات وأطواق الموت، أشعر بالاختناق، وأنا أجوس كالمغلل بالأصفاد، أحاول أن أهرب من شيء ما، أحاول أن أفك عقال هذه العقدة المحكمة حول عنقي، لكني بعد حين، أجدني أتقهقر، تقول إنك تصرخ بعنف.. تلعن الظلام الذي لا يريك غير الحلكة، ويغيب عن ناظريك النجوم والأقمار وعيون الإناث اللامعة، بالشهوات المباركة.. تستعيد صورة ماسة، صديقة أبي سيف، تجسدها أمام عينيك، تحاول أن تقرأ الحروف الهجائية في عينيها، تمرر إصبعك على شفتيها، تشعر بالدفء، لكنك فجأة تشد يدك بعنف، تشعر بالحرقة، تحاول أن تهدئ من روعك، لكن ماسة التي لم تطقها، تصدقك، تضحك بجلجلة ساخرة، ممتقمة، وتشيح في وجوم، لاعنة سلسبيل الرجال الأنذال الذين لا يصلون إلى الذروة. ولا يحققون غير الخذلان.. تقول رأيت في عين ماسة، لعنة شيطانية، تطحن رأسك، ترديك صريعاً، ثم تضع هي قدمها على عنقك، تقول لك باشمئزاز مت أيها النذل، أذهب إلى الجحيم.. تقول إنك حاولت أن تنهض وتصفعها، لكن رغبتها الجامحة، هيضت قوتك، بل صرت أنت الذي تلحس عرق الأرض، وتمد خطمك كالحمار البائس، تحاول أن تستعيد الصورة مرة أخرى، بيد أن ماسة تختفي فجأة، تاركة وراءها النقمة، وفجور النساء، المسحوقات بالغبن.. تقول إنك تعود ثانية، تنظر إلى المرأة التي لم تزل تمارس غيها تجاهك، وتسرف في سحق إرادتك، وأنت تتأمل الوجه بإمعان، تتحرى الدقة في تصوير الردفين الناهضين، وكذلك ترنو إلى المنتصبين في الصدر، تود لو أن لك قارباً يمخر عباب ما بين الشاهقين، ثم تضع لسانك الظامئ على شفة الجبل، البنية، وتظل تلعقها حتى تحمر، ويلتهب جلدها.. تذهب بعيداً، تفر عميقاً، تتصور أنك قد تفقد عقلك فيما لو استمرأت هذا الخيال اللعين، ربما أراد صديقك أن يغري روحك، ويأسرك بما جاءت عليه الطبيعة، من أجساد لا تفنى ولا تزول، فهو الذي يجدد نسيجها، ويلون الأرض، بحاملات الصدر الزاهية، عندما تقذف على جانب السرير، لتكتمل حلقة العناق البوهيمي، وتتطور العفوية إلى شهقة ما قبل الذروة.. تقول إنك في حيرة من أمر هذا الصديق، تحبه لأنه عفوي، وتنفر منه لأنه سمج، وماجن إلى حد الانتحار.. تقول إنك تحاول أن ترتب هذه الفوضى في داخلك، تشعر بأنك، كالوعاء المهشم، نثارك يزعجك، وينهك قواك العقلية تقول إنك لا تريد أن تفقد عقلك، تريد وعيك، لكي تكمل البحث الذي بدأته، تقول إن المدهش في الأمر أن النساء اللائي تريد تحاشيهن، يتوافرن بكثرة، وينتشرن في الأمكنة كالأحجار الملونة، تتحاشى إحداهن، فتتعثر بأخرى، ولا تدري ما الذي يجعلك تتعثر ثم تتبعثر، ثم تنثر تأوهاتك حتى تنصهر الشمس التي تغسلك بالعرق..
تقول بحسرة.. ها هي، قد عادت، ويبدو أنها تريد أن تختزل الزمن في لحظة، وكثيرات هن اللائي، يعتبرن اللحظة تاريخاً يمتد إلى عقود، وتقول: لو أن هذه المرأة فكرت أن تتعرى، وتنزع كل ما على جسدها، وتأتي تواقة إلى هنا، إلى حيث أجلس في هذه الغرفة. ثم تبدأ في تهجي تفاصيل جسدها، فقرة فقرة.. يا ترى ماذا سأفعل.. هل سأكظم غيظي وأحبس أنفاسي، وأغمض عيني، إلى أن تنطفئ وتزول؟ أم أني سأرتعش خوفاً، ويخفق قلبي، ثم يغمى عليّ.. وألا أصحو إلا وأجدها تعتلي جسدي، وقد نفضت ما في جوفها، ثم تصدمني بعنف قائلة: نذل.. جبان.. رعديد..
تقول بتوجس، هل صحيح كما يقول بعض الرعناء، إن الرجل الذي لا يطفئ رغبة امرأة، إنما هو حشرة حقيرة، تستحق الإبادة؟
تهز رأسك، وتزم شفتيك، ممتعضاً.. تقول: في المجتمعات الذكورية تقاس الفحولة بقدر امتطاء الخيول الأصيلة، وهذا وهم..
تقول إنك، تسأل نفسك ثم تجيب عن سؤالك، وأنت كما أنت، لم تزل تشعر بالأسى، عندما ترمقك هذه الأنثى بعينين، تشعان بلمع الجمرات.. تقول: الحل أن أقفل النافذة، وأنكفئ على السرير، ولا أدعها تمارس الفحولة المضادة.. تقوم، وتوصد النافذة، وترخي سدول الستارة، ثم تنط على السرير كالطفل المرتجف، تأخذ سيجارة، تقول إنك صرت تداوم على التدخين، وربما لأنك تريد أن تطرد كائناً ما بدخان الغليون الخانق.. تمز الدخان، ثم تقذف بالكتلة الرمادية، خارج فيك، تتصعد ولهاً في داخلك قوة صارمة، تدعوك لأن تفتح النافذة، أو على أقل تقدير أن تطل من خلال الزجاج.. تنهض، تتردد، تعود وتجلس على السرير، لكنك تنهض مرة أخرى، ترفع الستارة، تلصق وجهك بزجاج النافذة، تلتصق أنت بكامل بدنك، المرأة تصول وتجول ولكنها هذه المرة، ابتعدت قليلاً.. يبدو أنها أنهكت جسدها ركضاً.. تلاحق شبحها المتواري، خلف سدول الظلام، وهي تتجه نحو الإضاءة الخافتة لمصابيح الفندق.. تيأس، تعود ثانية إلى مخدعك..
قلت: تملكني الخوف وأنا أجثم على السرير، وأزم شفتيّ، وعيناي منتصبتان في السقف.. قلت لو أصبت الآن بوعكة صحية، فمن سيأخذني إلى الطبيب، من سيساعدني على النهوض من هذا المخدع؟ قلت: سوف أفطس بعد أن أنفق كالحيوان الموبوء، وسوف تطير رائحتي إلى أنوف الجيران، ولن يتجرأ أحد على الاقتراب من جيفتي العفنة.. سوف يستعينون برجال الإسعاف، والإنقاذ، سوف تأخذني سيارة الإسعاف ملفوفاً بقماش أبيض.. لا.. لا.. بل سوف يطوون جثتي بنفس الملاءة التي أنام عليها، سوف يقذفون بي في حفرة عميقة، وكأن شيئاً لم يكن.. بمعنى أن هذا الكائن الذي يفكر، ويتحرك، ويسرد القصص والحكايات، وينقم على هذا، وينتقد ذاك، ويحقد على غيره، سوف ينتهي إلى لا شيء.. الحشرات التي تنفق يستفيد منها أكلة اللحوم، وكذلك الأشجار التي تتغذى على بقاياها كسماد.. أما أنا فلن تستفيد مني البشرية ولا الحيوانات ولا النباتات.. إذاً أنا أشبه بالعدم.. قلت.. ما العدم؟ أهو كائن حي، أطلق عليه العدم، كونه لا يرى؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الفضاء يعج بكائنات لا نراها، وقد تكون ضخمة بضخامة هذا الكون الفظيع.. قلت.. ماذا جرى لعقلي؟ أصرت أهذى؟ العزلة تفعل بالإنسان ما يفعله السحر.. السحرة والكهنة يعيشون العزلة، لزرع تخيلاتهم وتصوراتهم حول الكون.. أبو سيف يعيش في عزلة لكنها عزلة غير التي يعيش فيها المشعوذون، لأنه رجل ملأ كونه بالنساء، وتشبع برائحة أنفاسهن. أما الرجل الذي حكى عنه فهذا بحق كاهن يصنع الخيال بنفسه، ويحيك القصص، وقد يسرد لي عندما أقابله قصصاً وهمية عن أم داس، لا أساس لها في الواقع.. وقد تكون أم داس هذه مجرد وهم.. ولم لا؟
تقول.. أما أنا، ما أشعر به هو شيء من الهلوسة، لو أن امرأة ما تجلس هنا في حضني، فألعق شفتيها، وأمرر يدي على جسدها، فتعطرني بأنفاسها الحارة، فلن أشعر بالوحدة.. يقولون: الذي أنجب ما مات.. الأبناء يعيدون صياغة الكيان الأبوي..
تتأفف.. تضجر.. تشعر بأنك كمن يحاول أن يتسلق جبلاً وهو عاري البدن، نزيف داخلي، إثر انسحاق قلبك بحاسة العدم.. تقول، العدم، لو نظرنا إلى أشياء كثيرة، تبدو أشبه بالعدم.. لأن تلك الحسناء.. ماسة.. بالنسبة إليّ عدم.. لأنني لا ألمسها، وشيء لا تلمسه هو عدم، لا شيء.. تضحك.. لأول مرة منذ زمن تضحك، يرتفع صوتك وترتطم الجلجلة بالجدران، فيرتد الصدى، مزلزلاً بدنك.. تأخذ نفساً عميقاً، وتقول يا الله.. كم هو الضحك مريح، أشعر بأنني أزلت عن صدري حجراً ثقيلاً.. أحس أنني أذبت جبلاً جثم على قلبي.. تنهض من الفراش تتوجه إلى النافذة، الظلام يكسو الفراغ أمامك، لا ترى غير هامات الأشجار السوداء، وهي تبحلق في الفضاء من خلال الجدران المتهالكة في البلدة القديمة.. وأنت تحاول أن تحملق لترى شيئاً ما يسعدك، تقول لا شيء.. كل الأشياء داكنة ما عدا أنوار الفندق، الذي يبدو نافراً وهو يطل على البلدة بخيلاء وبطر، كونه المكان الوحيد، الذي يتزحلق على أضواء تلألأت كالنجوم واستقر بنيانه الشاهق على الأرض الرخامية.. مكان أشبه بشجرة غريبة نبتت في تربة قاحلة.. تقول في امتعاض.. لماذا يشيدون مثل هذه المنشآت التي تقفز على مراحل التاريخ، فتبصق في وجه البيوت المتهالكة بسخرية مرة.. وتضيف، البلدة تبدو كلقمة ممجوجة أمام هذا العمران المترف، بأحجاره الكريمة، والسيراميك المنقوش بأشكال هندسية خلابة..
تقول إنك شعرت بضجة حادة في قلبك المنجبس، كمن يسحق مسماراً حديدياً على لوح زجاجي، عندما ماءت قطة تحت النافذة، من خارج الغرفة.. تقول إنك فعلاً توجست، وتخيلت في البدء أن هذا الصوت يصدر من حنجرة امرأة، تفاقم جسدها بنيران، وجودية صارمة.. توجست، حين انتهك سكونك المواء البغيض، نهضت، أطللت من النافذة، وكان قلبك يخفق، ويضرب قفصك الصدري، بضربات عنيفة، تذرعت بالصبر، أصغيت جيداً، ولما لمحت القطة، خشع قلبك، ولم تتوانَ عن الشهيق، تبينت القطة كي تتأكد أنها ليست خيالاً، تأكدت من وجودها تحت النافذة، فكرت أن تلقمها حجراً، لتهشم رأسها، لكنك، غيرت رأيك، تناولت قطعة رغيف ملفوف حول إصبع نقانق، رميته، قفزت القطة في البداية مذعورة، ثم تقدمت نحو المادة الملقاة أمامها، بخطوات حذرة، قربت أنفها من لفة النقانق، ثم انقضت عليها، ملتهمة إياها دفعة واحدة.. وأنت تتفرج على فم القطة وهي تمضغ الطعام، وعينها متربصة بأي خطر داهم، لا شك في أنها تعرف أنك أنت الذي أطعمتها، لكنها لم تزل متوجسة، وتخشى أن يكون الطعام طعماً من أجل
رد مع اقتباس