عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 24 - 12 - 2013, 02:30 PM
((المركز الأعلامي)) ((المركز الأعلامي)) غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 19 - 12 - 2013
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
((المركز الأعلامي)) is on a distinguished road
رد: جديد ( رواية امرأة استثنائية ) للآديب الاماراتي علي ابو الريش

الاعتداء عليها. قلت: لا يبدو أن القطة، من تلك الحيوانات الأليفة، وأنها تنبش في الذاكرة. قلت: القطط في هذه الأيام تبدو متوحشة، خائفة، لأن البيوت على اتساع أفنيتها ما عادت تألف القطط، هذه الحيوانات التي كانت تنام في فراش الصغار، تستنكفها الصدور اليوم، وتروغها بعيداً، بل كل ما تناله من طعام إنما من خلال براميل القمامة، وبفدائية تخوض القطط صراعاً مريراً مع الشوارع المتوحشة، فلا يمر يوم إلا تجد هرة، مسحوقة على الأسفلت..
قلت لقد أجهشت بالبكاء مرة عندما شاهدت قطة كبيرة تقف بجوار قطة صغيرة، وقد سحق نصفها الخلفي، على الرصيف، بينما القطة الكبيرة تقف مندهشة من عنفوان البشر وتهورهم، وانصياعهم للحماقة.. وهي تتلفت وكأنها تلعن من صنع هذه المركبات الحديدية، لتقع تحت طائلة من يجهل قيمتها ولا يرحم خلائق الكون.. تأملت هذه القطة وهي، تقشر قطعة الخبز، رويداً رويداً، وتلتهم بأناة بعد أن اطمأنت أن لا أحد يراقبها وقد كنت قد أخفيت جسدك خلف الستارة، وبقيت تطل عليها من خلال شق ضيق.. انتهت القطة من الأكل، وانقطع العواء. قلت: المسكينة كانت جائعة، وكانت تنادي، لعل من يستجيب.. شكرت نفسك على فعلك النبيل، أيقنت أنك قدمت خدمة جليلة لكائن لا يملك غير الاستغاثة.. عدت إلى فراشك، مستنداً، هادئاً شيئاً ما، ألقيت بدنك على الفراش، وحضنت الوسادة، بلهفة.. قلت: كم هي دافئة، كصدر امرأة حنون.. غصت في مخمل الهدوء، وأنت تغطس وجهك في نعيم المخدة الوادعة.. قلت: ليت النساء كالمخدات.. ولو كن كذلك، لما أتعبن من يعتلي أبدانهن، ولا يفرضن الشروط الطائلة.. دافئة، وساكنة، ووادعة، هي المخدة.. أما النساء، فهن أشرس من الضواري إذا لم يعرف الرجال فن المعالجة لأجسادهن الملتهبة.. تغوص في المبهم، تهيم.. تدوم في اللحظة الراهنة، وتختصر عمرك، في معانقة القماشة المحشوة بالقطن.. تقول: يجب أن أنام لأصحو باكراً، وأذهب إلى أبي سيف.. بالتأكيد هو ينتظرني، ليس لاصطحابي إلى الكاهن، بل لسرد بطولاته، ومنجزاته الحضارية العظيمة مع حسنائه البديعة.. سوف يقول لي ما لم يقل في الحكايات الأسطورية، ويفرد ذراعيه مفتوناً بنفسه.. وسأجلس أنا كالتلميذ النجيب الذي ينصت ولا يسأل إلا حين يسمح له بالسؤال..



عند الرجل الجليل، الشيخ ضاوي، تصلبت أنت، وشخصت البصر، تتبين الوجه الناحل، المعشوشب بالشعر الأبيض واللحية الطويلة.. عيناه الحمراوان تدوران كجمرتين، وأسنانه البيضاء التي يفركها بالمسواك بين الفينة والأخرى تبرز من فم، تدلت شفتاه الذابلتان..
تقول إنك كنت مشدوداً، ومتوتراً، وزادت هيبة المكان رهبة في قلبك، الغرفة الصغيرة المزدحمة بالكتب والأوراق، والأقلام، والأواني الخزفية تتناثر بلا نظام، والملابس المعلقة في مشابك ثبتت عند زاوية من الجدار، ولكن ما كان يشعر بجلال المكان، هذا الصمت الخفي لكل ما يدور من حولك، والنور الخافت الذي، انسل منه الشيخ ضاوي كالسيف القديم قدم الدهر.. قبل أن ينطق بأي كلمة، قلت إنك اقشعر بدنك وبدأ قلبك يخفق خفقات ضارية، خشيت أن تقع مغمى عليك وتسقط أمام الرجل ولا تحظى بمرادك، وتعود خاوي الوفاض.. أجل قلت إنك خفت أن تفشل في هذه الجولة، وبالطبع لن تكون بعدها جولة أخرى، لا شك في أن أمثال الشيخ ضاوي يهمهم أن يكون الشخص الذي يجلس أمامهم، يشعر بالرهبة، فالسيطرة على مشاعر الطرف الآخر لا تتوافر إلا بالاستيلاء، على إرادته، وكلما كان الشخص ضعيفاً، سهلت المهمة.. مهمة، السطو على عقله وجعله وسيلة مطيعة، للإقناع.. قلت إنك لبثت هكذا متماسكاً شيئاً ما، أو بالأحرى، أنك تحاول أن تتشبث بخيط الصمود لتتمكن من قلب هذا الرجل الذي يبدو عليه ومن خلال هذه الأكوام من الكتب، أنه يملك معرفة واسعة، بالشأن الذي جئت من أجله، كان صديقك أبو سيف يجلس بجوارك، متحكماً في أعصابه، بل إنه يشبع الرجل بابتسامات عريضة، قلت.. أيقنت أن أبا سيف أكثر صلابة منك، أو أنه يحاول أن يخفي ما يكنه في جوفه، لكي لا يضعف.. قلت في نفسك: أنا أيضاً أستطيع أن أكون مثل هذا الزنديق.. أستطيع أن ألجم خوفي، كما يفعل هو.. ولماذا الخوف من رجل كسائر البشر؟ فلا يحمل سلاحاً، ولا منجلاً كما تفعل أم الدويس.. إنسان عادي بطبيعة عفوية، وربما تكون سحنته تختلف عن سواه، كونه يعيش في هذه العزلة، ولا يهتم بهيئته.. تقول، عندما فتح الشيخ ضاوي عينيه، ورفع بصره، ليطل عليك، بشعاع، أو أشبه بوميض البرق، ارتعدت فرائصك، قرفصت ساقيك الباردتين، وفرقعت أصابع يديك، وتلمظت، حاولت أن تشيح قليلاً ناظراً إلى صاحبك، الذي أسرف في التحديق فيك وكأنه جاء لاستجوابك، وليس لسؤال الشيخ ضاوي، لبثت هكذا مضطرباً حقيقة، وجفناك يطرفان، بتوتر، وأنت تحاول أن تلتزم النظام، تحاول أن تخرج من شرنقة الخوف، تريد أن تطير قليلاً لتحلق في السقف.. قلت في نفسك: لو أن إرادتي تحملني قليلاً إلى فوق، وأظل معلقاً في سقف الحجرة الخشبية، سوف أطرد هذا الشيطان الذي يسكن تحت جلدي، ويهز جذعي، كأنني جذع نخلة تشوهت، شعرت بأنك تتشوه أمام الشيخ الجليل وأنت الجامد كالخشب المسند، لا تملك إرادة الكلام، وصاحبك ينظر إليك، يلاحق خفقات قلبك ثم يشيع الشيخ وكأنه يريد أن يحثه على الكلام، طالما يئس من تحريك لسانك المتبلد.. تقول: تنحنح الشيخ، وتزحزح معتدلاً، مسنداً ظهره إلى الأريكة القطنية، ثم أطرق: ما اسمك يا ابني؟
قلت: فيروز.
قال: ونعم الأسامي.. ثم أردف هل تعرف أن الفيروز هو من الأحجار الكريمة..
قلت: نعم وأنت تهز رأسك..
قال: وأنت فيروز..
قلت: شكراً سيدي..
وكانت إجاباتك وردودك مقتضبة، ومتلعثمة..
قال في لهجة، باردة، وجادة..
أنت مرتبك؟
أومأت برأسك.. لا.. لا سيدي..
قال: بلى..
زممت شفتيك والتزمت الصمت..
يتدخل صاحبك.. هو دائماً هكذا.. خجول وقليل الكلام..
يبتسم الشيخ.. ثم يغمض عينيه، وكأنه يبحث عن كلمة ما.. قال..
الحياء من الدين، ولكن أحياناً يخسر الإنسان جراء حيائه الكثير الكثير من المواقف.. ثم يستطرد.. لا يا ابني.. عند مجالسة الرجال يجب أن تفتح قلبك وعينيك، ولا ترتبك، حتى تستطيع أن تصل إلى ما تريد بوضوح.. قلت: شعرت بأنك كالصبي الصغير، يتلقى التعليمات، كرهت نفسك.. احتقرت تصرفك المشين، قلت: كان عليّ أن أكون أكثر جرأة، وأن أتخلى عن خوفي.. هو وصف تصرفي بالخجل، لأنه لا يريد أن يحرجني، لكني أعرف أنه يقصد أنني جبان. ثم أردفت.. كيف أعد نفسي مثقفاً كبيراً، وأجتهد لحل معضلة شغلت الناس، كما شغلتني وأنا أجبن أمام رجل أشيب، أقرب إلى الهيكل العظمي..
يتدخل صاحبك قائلاً.. بلهجة، مترفة: فيروز جاء ليستعين بك يا شيخ..
تنحنح الشيخ ضاوي.. أبشر.. نعين ونعاون..
قال صاحبك: فيروز يريد أن يجمع معلومات عن أم الدويس، وهو مشغول بها كثيراً، ويريد أن تساعده..
يضحك الشيخ ضاوي.. يفتل لحيته، وعيناه مسقوفتان في الأعلى، ثم يطرق: ماذا يريد أن يعرف عنها.. فهي لم تشغله هو فقط، بل شغلت الناس أجمعين، وخوفتهم وأرعبتهم، وبخاصة منهم الجهلة، وقليلو المعرفة بهذه الكائنات، الماورائية، العملاقة..
استيقظت خلايا جسدك.. واستقرت الجمرات تحت جلدك، قلت إنك لما نطق كلمة الماورائية، شعرت وكأنه يريد أن يغوص، بك في أعماق غائرة، أو أنه يريد أن يفض بكارة المبهم في هذا العالم.. تحريت وجهه الجامد، قرأت تفاصيل بشرته السمراء الناحلة، سحرتك بلاغته.. أحسست بأنك صغير جداً أمامه.. كنت تتخيل أنك ستقابل رجلاً طاعناً، يحفظ قصصاً خرافية، قد تفتح لك مجالاً للشك لا أكثر، بينما الآن وأنت تجلس قبالته، يواجهك كائن خرافي عجيب، يطل عليك، بمحيا، واجم لكنه ليس مكفهراً، بقدر ما هو مرسوم على شكل إنسان قديم، جاء من عالم ماورائي، ليحكي للناس عن قصص الجن، والكائنات العملاقة والمهيبة..
كان صاحبك يرقب الموقف عن كثب، كان ينصهر قلقاً من ارتباكة أصابعك، كان يخشى أن تخذله. فقد وصفك بالباحث، والمثقف، والأكاديمي، الذي يهم بإجراء دراسة عن أم الدويس، بينما تبدو الآن أمامه كطفل مرتعد يكاد يتبول على نفسه..
قلت: كان الشيخ فطناً، محنكاً، أدرك أنك لم تزل لم تألف الموقف، وحتى يخفف من وطأة اضطرابك، استأذن ليعالج إبريق الشاي.. غاب برهة، فلكزك أبو سيف قائلاً: ما بك، تنتفض هكذا.. ألست أنت الذي طلبت مقابلة الرجل، ها هو يجلس أمامك، رجل مسالم، رزين، وذو شيمة عالية، فليس ساحراً، ولا دجالاً، ولا مشعوذاً..
قلت إنك.. تمتمت، بلهجة أقل اضطراباً.. لا عليك، دعني قليلاً وسوف أعيد ترتيب مشاعري، رهبة الموقف، ولأول مرة، أجد نفسي أمام رجل كهذا وبهذه القامة المهيبة، فلا بد أن أكون مرتبكاً.. ثم وأنت تربت على ظهر صاحبك، هون عليك، وسوف أستعيد طاقتي، وأوجه الأسئلة إليه تباعاً.. زم صاحبك شفتيه، ملتزماً الصمت.
أخذ صاحبك كأس الشاي قائلاً: من يد لا نعدمها..
وأخذت أنت كأسك، شاكراً فضل الشيخ..
يتربع الشيخ بجوارك، وابتسامة مشرقة تتراقص بين شفتيه..
قلت: شعرت بالارتياح، ربما من سخونة الشاي، أو من الابتسامة، المهم، أنك شعرت بشيء من ارتخاء الأعصاب، وأمسكت الكأس الكبير بيديك، وعيناك تشخصان في وجه الشيخ، قلت في نفسك متحدياً، هذه المرة لن أدعه ينتصر عليّ، لن أتركه يشيع الفزع في نفسي، ويبدو أنه رجل وديع، بوداعة الكائنات النبيلة الوادعة.. لا بد أنه بدا لي كذلك متوحشاً أول الأمر، أو أنني أنا الذي تصورته هكذا، بينما هو على غير ما تخيلت..
قال صاحبك وهو يثبت كأس الشاي قريباً منه: قلت لي إنك تعرف الكثير عن أم الدويس، وسبق أن أعطيتني موجزاً عن كنهها، وفيروز جاء ليعرف من هي أم الدويس، لأنه في واقع الأمر يريد أن يكتب بحثاً علمياً عن قصتها..
الشيخ ضاوي، تتغير سحنته، وتلمع عيناه، ببريق، على أثره اغرورقت عيناه، وهو ينظر إلى السقف، فقد تحول من النظر إلى الرفيقين، لينظر إلى سقف الغرفة.. قلت: لقد شممت رائحة تاريخ، وحكاية قديمة قدم الزمان، وعلى الرغم من إحساسك ببقايا الارتباك، إلا أنك شعرت برغبة جامحة، لسرد الشيخ، وكأنه كان في تلك اللحظات يستجمع مفردات ما سيقوله، أو أنه يريد أن يزرع هالة فخمة على حديثه كعادة كل من يملك معلومة، يجهلها الآخرون.. سررت جداً، من لباقته وفخامة لهجته، وسرعة بديهته، وهو يحاول أن يمهد للحديث عن أم الدويس.. وكان صديقك يترقب الموقف على الرغم من عدم اهتمامه بما سيقوله الشيخ لأنه لم يفكر قط في أن يعرف عن أم الدويس، بل عن كائنات أخرى تهمه كثيراً..
ينبري الشيخ ضاوي معتدا بنفسه، متباهياً بقدرته الفائقة على استدعاء معلوماته من مخزن الذاكرة، وأنت تستمع بإمعان، ورهافة حس، تشعر بأنه يسليك، ببلاغة لفظه وطلاقة لسانه وحسن ترتيب أفكاره، وبداهة تنظيم مشاعره، وهو ينسج خيوط الكلمات تباعاً، بإبرة الفكرة الحادة..
قال.. يا ولدي، قصة أم الدويس ليست حكاية تنفرد بها بلادنا، بل هي موروث إنساني، تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، والدهشة والخيال الجامح، ولأننا جزء من هذه الحضارات العريقة، وامتداد لها، وتقول الروايات إن أم الدويس امرأة.. ويدق بإصبعه قائلاً: انتبه إنها امرأة، جبارة، ماكرة، مخادعة، ذكية وعدوانية، شرسة، لم تتخصص في إرهاب الأطفال كما هو شائع، بل كانت يدها العملاقة تمتد لتطال الرجال والنساء.. ثم يضيف الشيخ ضاوي، وهو يعتدل في جلسته منسجماً مع حمية القصة الرهيبة قائلاً: تقول الروايات، إن كورونوس، وهو اسم قديم لحضارات قديمة، ابن لملك الجن أورانوس، وكانت زوجة أورانوس غايا امرأة عنيدة، عنيفة، أنجبت لأورانوس، خمسين من الأبناء الذكور، جاءوا مشوهين بعاهات مزرية، وقد لعن أورانوس هذه الولادة البغيضة، فأراد أن ينتقم من زوجته غايا، فاسترق الوقت، وأخذ الأبناء المشوهين ليدفنهم في حفرة عميقة ويتخلص منهم، بيد أن غايا استنكفت فعل الزوج، ووجدت في سلوكه ما يشين، ويجحد أبسط معاني الأبوة، فاستطاعت بذكاء الأنثى أن تحبط هذه المؤامرة الكونية، فأخفت عن الزوج أحد الأبناء، والذي هو كورونوس وربته على كره والده، ولما كبر الابن، أوغرت صدره بالحقد على أبيه، وفكرت في خطة جهنمية مفادها، أن تنصب كميناً للزوج، وتهدي الابن منجلاً.. يرفع ضاوي حاجبيه، انظر ماذا فعلت، أهدت كرونوس الابن منجلاً، وطلبت منه أن يهوي على رأس أبيه بهذا السلاح الفتاك ليتخلص منه، وينقذ إخوانه الذين أقصاهم والده.. لكن، الابن لقلة خبرته في القتال لم يستطع أن يقضي على أبيه، بضربة المنجل، فظل أورانوس ينزف، وهو يهدد ويتوعد بالثأر من الزوجة والابن، لأنه فهم أن المؤامرة مدبرة من قبل غايا زوجته، فما كان للزوجة من وسيلة، كي تنجو من ثأر الزوج، إلا لتأخذ المنجل، وتذهب إلى المكان الذي ينطرح فيه الزوج جريحاً، وتهوي عليه بالمنجل بضربة قاضية، أنهت حياة رجل حافلة بالجرائم.. ولما انتهت من المهمة، طالبها الابن بالمنجل ليحمي نفسه من الأعداء، الذين تضامنوا مع ملكهم أورانوس، لكن غايا أصرت على أن تحتفظ بالمنجل كونه السلاح الذي سيمكنها من معاقبة أي رجل يحاول أن يعتدي عليها، ومنذ ذلك التاريخ الضالع في جذور الجغرافيا، وهذه الجنية تتأبط منجلها، أو فأسها، كما نسميها نحن في بلادنا، وصدرها يفور عدوانية ضد الرجال، وهي لا تستثني النساء أيضاً، كونهن جزءاً من الأصلاب الرجولية.. ثم يحملق الشيخ ضاوي في وجهك، قائلاً: هل رأيت يا فيروز كم هي المرأة عدوانية وشرسة، إذا داهمها الخوف على مصيرها.. كان رفيقك ساهماً، شارداً، متوغلاً في وجه الشيخ ضاوي، الذي بدأ يتلون ويتشكل منفعلاً بأحداث القصة، وأنت يرتعد في داخلك كائن آخر غيرك أنت.. أنت تحاول أن ترتب أفكارك..
ثم تقول متسائلاً: وهل هذه قصة حقيقية يا شيخ؟
يهز رأسه، قائلاً: بالتأكيد.. ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً: أتعرف ماذا تعني أم الدويس؟ افهمها أنت كما شئت.. إنها الموت.. الموت المحقق الذي يغتال الأغبياء والضعفاء والذين يرفضون الحياة.. ثم يستطرد الشيخ ضاوي.. أورانوس يمثل في حقيقة الأمر الكائن الأناني، المتفرد، وأم الدويس، تتجلى في صورة القدرة فائقة العتمة، الماورائية الجبارة، تمثل الصراع الأزلي بين الحياة والموت، بين القوة والضعف، بين الحب والكراهية، قل بين المتناقضات بمجملها..
تبهت أنت، تتفرس في وجه الشيخ ضاوي، تتأمل حركات وجهه، وإسرافه في عض شفتيه وهو يهيل اللعنات على أي شكل من أشكال العدم.. ثم تقول: ولماذا المرأة بالذات؟
قال: لأنها الطرف الذي نال ما ناله من ظلم واضطهاد، على مدى التاريخ الإنساني.
تقول: وهل فعلاً أم الدويس تحمل منجلاً.. فأساً؟
يقول: أجل.. أجل، هذا شيء أكيد.
أرأيتها؟
نعم رأيتها.. ثم يتلمظ.. ويلوك لسانه في حلقه..
وكيف رأيت شكلها؟
امرأة عملاقة، تحمل ذراعاً أشبه بالمنجل العملاق..
وأين رأيتها؟
في مكان ما.. لا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك..
ولم لا؟
يقول: أخشى من الضرر..
ممن؟
من أم الدويس..
وهل هي تسمعنا الآن؟
يهمس بصوت خفيض.. أجل تسمعنا..
وهل هي تجوب الأمكنة ليلاً ونهاراً؟
الشيخ ضاوي.. يأخذ نفساً.. يعلو صدره وينخفض.. قائلاً بلهجة جادة: يا ولدي يا فيروز.. يجب أن تعرف أن علاقة أم الدويس ليست مرتبطة بالبشر، بل هي بالكواكب، والذي لم تعرفه أن ألد أعداء البشر هو كوكب زحل هذا هو رمز الكون والعالم، وهو المسيطر، والأسود وسبب النهاية، وهو الدمار والموت، وجالب الخراب، والباطش المستولي على الأرواح.. ثم يتوقف الشيخ ضاوي برهة، يسترد أنفاسه، ويستطرد قائلاً: زحل هو هذا الكائن المتوحش، قابض الأرواح الذي تنطلق منه أم الدويس..
تتقطع أنفاسك، وكأنك، جلبت حجراً ثقيلاً على صدرك بمسافة عشرة كيلومترات، تحاول أن ترتب مشاعرك المبعثرة، تحاول أن تستعيد ما قاله الشيخ ضاوي، تحاول أن تصدقه.. تحاول أن تكذبه.. تحاول أن تقف في منتصف الحيلتين، لكنك تقع في مستنقع بأسك، تتدهور في الوحل، تتهور، تفكر أن تصفعه، وتفر هارباً بجلدك الذي برد وتعجرف، تحاول أن تقبله على جبينه وتقول له، عافاك الله، لقد أفدتني.. تحاول أن تنهض، زاماً شفتيك، ولا تنطق بأي كلمة.. تتلفت، تنظر إلى صديقك الذي ذاب في المكان منبهراً، والابتسامة تطوف على وجهه، كحشرة ملونة بألوان الطيف..
الشيخ ضاوي، يمقت الصمت.. ينهض ليجلب الشاي..
يشرب صديقك.. وتشرب أنت، لتذيب مرارة حلقك، تدلق نصف الكأس في فمك، تحرقك السخونة، لكنك لا تبالي، تضيف النصف الآخر..



في البيت، وقد رفضت أن تمضي ليلتك في ضيافة الصديق، كما اتفق، كانت النجوم تتساقط على رأسك، وكنت تتوخى الحذر من تسليط زحل، لمنجله على عنقك.. كنت تضحك أحياناً من سذاجة الشيخ الذي ظن أنك طفل أراد أن يهدهد مشاعرك لتنام على فخذه مستريحاً، ثم تنتفض مسترجعاً الحديث عن المرأة الجبارة المخادعة، تذكرت نيران، الفتاة الصحراوية، التي نبتت على الرمل فجأة، ثم ذابت مع أعشاب الكثبان، وتختفي إلى الأبد.. داهمك المساء، وكنت تنوي الذهاب إلى الصحراء، وتبحث عن نيران، تبحث عن المرأة الجبارة، لتسطو على جسدها في لحظة انهيارها، ثم تعود أدراجك، لتخيب ظن الشيخ ضاوي، الذي تمثل شخصية أم الدويس، كعملاق، ختار، مكار، جبار، مخادع، ومجرم فتاك.. تخيلت المرأة الأجنبية التي تمر في كل يوم بجوار نافذتك، تخيلتها وهي تهوي على رأسك بقضيب حديدي، وتجعلك تنزف إلى أن تموت وحيداً في غرفتك المعزولة.. تخيلت الموت.. قلت: الموت.. هل هو أنثى؟ هو أيضاً يقبض الأرواح، ويحيل البشر إلى العدم، الموت، يجعل الأشياء تذهب إلى اللاشيء، الموت يبكي، ويحزن، ويعذب.. قلت: قم يا فيروز، وأحكم إقفال باب غرفتك، ففي الصباح رباح.. ثم، أطرقت قائلاً: وإلى أين ستذهب؟ الموت في كل مكان، والشيخ ضاوي أكد، بيقين العارف، أن زحل، قابض الأرواح، وزحل يقف الآن فوق رأسك.. لن تستطيع أن تهرب بعيداً فهو في كل مكان..



قلت يائساً: سأبحث عن ماذا الآن.. عن زحل.. عن أم الدويس.. عن المرأة.. أم عني أنا.. أنا لا شيء في حضور امرأة، تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل..
تقول إنك تخاف منها، لكنك ترغب في أن تراها، تقول إنك تشعر وكأنك ذاهب إلى الجحيم، لكنك تتمنى أن تراها، لتملأ عينيك، بزهو التفاصيل، الفخمة.. ماذا لو أطلت عليك الآن، من بين كثبان الرمل، ورمقتك بعينين لامعتين، وقالت لك: هيت لك..
تقول إن بدنك بدأ يسح بالعرق الغزير، وإن قلبك صار مضغة منبجسة جراء الحرقة الداخلية.. تحاول أن تكذب كل ما رواه الشيخ ضاوي حتى لا يثبت مقولتك إن المرأة كائن فظ غليظ القلب مهما تحايل على مشاعر الرجل، وأفصح عن مكنون هو غير جبلته.. تذهب بعيداً والصحراء الغارقة بتاريخها المجيد تطويك كطي السجل، تأخذك بين أحضانها، تضمك، وأنت طفل، روعته الثقافة، خذلته المرأة، طعنته الجهات المتوحشة.. صديقك أبو سيف، لم يبالِ بما قاله الشيخ ضاوي، قال لك جملة واحدة، لم تزل تطن في أذنيك.. دعك منه.. ولا تدري لماذا إذاً ساقك إلى مأواه؟ ولماذا وصفه في البداية بالكاهن؟ وبعد سماع حديثه عن أم الدويس، استحال إلى مناهض، أهو أيضاً خائف لكنه يريد أن يدس خوفه في حزمة كلمات غامضة.. أم أنه أصبح لا ملاذ له غير جسد المرأة، فلا يستطيع أن ينفر منه، أو يستعديه ضده؟.. تحتار أنت، تفتح علبة السيجارة التي خبأتها في جيبك، ثم تستل صلباً وتشعله.. تدخن بشراهة، وتنفخ الدخان، في فم الصحراء المفغور، وتتأوه.. الوقت لم يزل مضاء بالأشرطة الذهبية، المنبثقة من قرص الشمس، المستدير عند الغسق، أصفر لامع، يميل إلى البرودة شيئاً ما. قلت متذمراً: تحدث عن زحل، وربطه بالموت ولم يقل شيئاً عن الشمس.. كم من البشر دفنوا هنا تحت هذه الرمال، لأن الشمس امتصت الماء الذي يشربونه، ويسقون منه الزرع، ويروون به ركابهم.. لم يفه بكلمة عن الشمس، ويبدو أنه من أبناء زحل.. تضحك بمرارة، ثم تطرق: أليست هذه حكاية غرائبية.. يتحدثون عن زحل الذي لا يرونه ويشيحون عن الشمس؟
تمضي.. تتوغل في الرمل، القرص الأحمر، يذبل، يتهاوى شيئاً فشيئاً، يتوارى خلف حجب الكون.. وأنت لا تضيء طريقك سوى بعض أنوار البيوت السفلية المضاءة، بالجنريترات الخاصة.. تكتسب الصحراء وقاراً مسائياً، وأنت على يقين أن الفتاة التي تبحث عنها لن تجدها، وربما جئت في هذا الوقت بدافع باطني.. اللاشعور يحفزك على عدم الالتقاء بها، يخوفك من المرأة، يهز جذعك بعنف وأنت تقترب من منازل المخيمين صيفاً.. تسمع أصواتاً وضحكاً، وصراخاً، وأغاني في بعض الأفنية.. يشدك نشيد قديم إلى الأغاني الشعبية، تتوقف، وتنصت، لكن عينيك تبحلقان في العراء، ربما تبزغ نيران من بين أكفان هذه البيوت المتلفعة بالجريد وجذوع النخل.. عند منحدر رملي تسمع صراخ شبان، غطست مركبتهم في بحر من الرمل، زئير سيارة الفورويل، وهي تحاول أن تنتشل أقدامها من الرمل الذي غطست في أحشائه، وكذلك الدخان، والغبار، سحابة في فضاء متوحش، تسير بالجوار ولا تقترب، أنت تقول، إنك حريص على عدم الاقتراب من الشباب في هذه الأماكن، وبخاصة وقت المساء، أغلبهم يكون قد عبأ رأسه بالخمر وتاه في الصحراء بحثاً عن نقاهة، صرت الآن في مواجهة المركبة، صرت بعيداً قليلاً لكن تسمع الأصوات، وتختلس بمسمعيك أيضاً ضجيج نساء، إذاً الشبان بصحبة نساء، فقد يكن من أقاربهن وقد لا يكن.. الليل هذا، مجمع ثقافات، كما أنه وعاء تختلط فيه الأجساد، والأمزجة.. ابتعدت قليلاً، سمعت صوتاً يناديك.. صوتاً يريد المساعدة، سمعت في الصوت لون استغاثة، لكنك صممت على عدم الانصياع لضميرك الذي هش لإنقاذ مأزومين.. قلت يبدو أنهم في حاجة حقاً إلى المساعدة، لكنك تزم شفتيك، قائلاً: وما شأني أنا بهم.. دعهم يعانوا قليلاً، كما يعاني الآن الفقراء في هذا البلد، الذين يشقون، ويكدون ويكدحون، ويحفرون الصخر من أجل لقمة العيش.. المترفون يجب أن يشعروا بقيمة التعب..
تقول إنك وقفت على تلة.. ربوة رملية، محاطة بشريط من الأعشاب الشائكة، والظلام قد يخفي حشرات ودواب، والأفاعي السامة، هي المستوطنة هنا منذ الأزل.. كثيرون ذهبوا ضحايا هذه الوحوش، القاتلة، الحطابون، والمزارعون، والسقاؤون.. على الرغم من أن ضجيج المركبات الهادرة طرد الكثير من هذه الحشرات، إلا أن الأمر لا يخلو من بعضها المتربص بالضحايا بين هذه الأعشاب..
رميت بدنك على الرمل، المغسول بالندى، بعيداً عن التلة قليلاً عند المنحدر، ألقيت بأشواقك، مختلطة بأحزانك، ممزوجة بدهشتك، صرت تبحث عن الفكرة الضائعة، صرت تفتش عن زحل بين النجوم.. قلت لنفسك: أنا مجنون.. زحل، أي زحل، ليس هو إلا في رؤوس الذين يختبئون في عباءة أم الدويس.. بعد برهة، سمعت خشخشة بين الأعشاب القريبة، فرت عيناك، من محجريهما، انتفضت، جلست، ثم استقمت، قلت.. يجب أن أغادر المكان، حذراً، يبدو أن حشرة ما تكمن هنا.. تمشيت الهوينى، سرت بعيداً، بعد فترة، لمحت حيواناً صغيراً يهرول، في اتجاه المنحدر، بعيداً عن مكانك، تفحصته، تمليت شكله، فهمت.. قلت هذا ثعلب.. كيف جاء إلى هنا هذا الماكر المخادع.. الثعلب يجري بسرعة فائقة ثم يقع.. ظننت أنه يخدعك، تقدمت نحوه، وقفت قريباً منه، ركلته بقدمك، فلا حراك.. قلت.. يبدو أنه أصيب بلدغة.. قلت الحمد لله الذي فكرت في الابتعاد عن مكان العشب.. هذه لدغة أفعى مميتة.. لم تمر دقائق، على ارتطامه على الأرض، حتى انتفخ الثعلب، وذهب مع الريح.. قلت: مسكين، الثعلب غدار، لكنه يجد من يغدر به، ويلقيه صريعاً، ثم تطرق: إلا أم الدويس، فلا أحد يستطيع أن يفتك بها.. إذاً فهي إله، كما يقول الشيخ ضاوي. هي إله الموت في جميع الثقافات، منجلها يعني الحصاد، والانتهاء من الأشياء ساعة البطش..
الليل، مسامر، مقامر، مهاجر في معصية النور، لكنه خير دليل على صدى الهمسات، عندما تختلس جنحه، فتطير مع النسيم المبلل بقطرات السماء.. يصون الليل، شرف الناعسات الفارعات اليافعات المترفات، بمجون الأحلام الصبية، تقول إنك كنت وادعاً في مشيتك، متلاطفاً مع الشعاب الرملية الطبيعية، فإذا بك تسمع ضحكة، اخترقت شغاف القلب، توجست، بهت، كيف لهن، تسللن بين ما يعرشون، ويطفن الأمكنة كأنهن الفراشات التائهة.. كيف أودعن الخشب المسند بين الجريد المسقوف، وجئن إلى المنحدر.. انحدرن، بكعوبهن العالية، يخفقن، بصدور كواعب، ويهززن أردافاً ممتلئة بالفخر والاعتزاز.. تنحيت وأنت تمر بالقرب من عطرهن الأخاذ، تحريت الأنفاس، المشتاقة إلى رائحة التراب، تمليت العيون الملتصقة من خلف حجب السواد، اللعين، والمحتال على ثقافة البؤس.. كانت اللفتات، الملهمة، تجري في الدم جريان الشلال، في أحشاء وادٍ مقفر..
خففت من وطء قدميك، ولكن قلبك الذي هبط من علو مجده تخبط كثيراً، وأنت ما بين النزعة إلى اللحاق بركب السائرين، ورغبة التلحف بملاءة الليل، والتعوذ من رغبة الشيطان.. أنت ما بين البين، أنت في وسط الشلال المتدفق بين الشرايين والأوردة.. أنت تسمع بإنصات إلى زمجرة الداخل، الممتعض من الهرولة، الممتقع من هول المفاجأة.. نساء في هذه الساعة من العتمة، أين هن ذاهبات؟ لا تدري ولكن قلبك حدثك عن سر.. أن المرأة المتشحة بالسواد، المشنشلة بالجواهر، المعبقة بالعطر الساحر.. امرأة مكافحة من أجل المصير.. مصير أنثاها النائمة تحت جلدها، اللابدة بين الشريان والوريد.. قلت هل أتبعهن، وأجازف؟ فتلك مراهقة رعناء.. أم أمضي في طريقي بسلام؟
سيخبرك صديقك بالنبأ اليقين.. ويقول هازئاً بجفولك.. يا لك من رعديد جبان.. كيف لم تلبّ واجب الوطن؟
ستقول: وما علاقة الوطن.. بنساء، طارئات..
يقول: هن بنات الوطن.. خرجن للاطلاع على آخر مستجدات الطريق، وللأسف فإنهن قابلن مصدراً من مصادر البلادة، واليأس..
ستضحك، مستخفاً بعباراته الركيكة.. لكنك، سوف تفتح مصراع الباب الداخلي ستشعر بأنك متخاذل إلى أبعد الحدود.. الرديف الداخلي، سيؤنبك، ويوجه إليك إصبع الاتهام، بأنك شخص غير مرغوب فيه، في المكان الذي مررت به.. ستقول لماذا؟
سيقول لك، لأنك، حشوت الفؤاد بحزمة، من الأزمات الداخلية، حين اقشعر بدنك لمجرد أن صادفت نساء، كن يتوخين منك اللطف بالقوارير..
تضحك ساخراً.. لا تدري ممن تسخر.. من نفسك.. من صديقك.. أم من هذا المتوهم الداخلي، الذي بدأ يزلزل كيانك، ويجلجل مصرحاً بأنك بالفعل كائن جبان.. تقول.. جبان.. ثم تضرب الأرض بقدمك، وتنهزم من المكان، ناقماً، محتدماً، متورماً، متأزماً.. وفي الطريق، تبحث عن مركبة تقلك، تسأل عن خيرين يأخذونك إلى مأواك الأمين..
تقف على الرصيف متحاذراً من التائهات في حماقة.. يطير بدنك مع الهواء المنسحب بسرعة فائقة إثر مرور هذه الصواريخ الأرضية.. يتوقف شاب، يقول: لن تجد سيارة أجرة في هذا الوقت من الليل.. تفضل لأصحبك إلى حيث تريد..
شكراً.. تقول شكراً، وتلبد على الكرسي الأمامي، بجوار السائق، كتلميذ مهذب، لم تنبس بكلمة.. وكان يرمقك بنظرات خاطفة، ثم يحلق في الطريق..
نزلت وشكرته ثانية، وودعته بابتسامة حنونة، وغادر هو ممتناً..
أيقنت أنك عدت بخفي حنين..



شهر أغسطس ذروة الصيف، والحرارة في هذه البلاد تصل إلى الخمسين درجة مئوية.. بمعنى أنها حرارة تبلي الحديد فكيف بأجساد البشر.. قديماً كانوا عندما يصاب شخص بضربة الشمس، يقال إنه أصيب بمس.. أي أنه صفعه جني. ضحايا كثر ذهبوا جراء اضطهاد الطبيعة وظلم الناس للناس.. البيدار هذا خادم النخل، والمعني بشؤونها بدلاً من صاحبها، الذي يقف كالمتفرج، مقابل مبلغ زهيد من المال، وأحياناً لا شيء يأخذه هذا البيدار سوى ما يملأ بطنه من التمر وخشاش الأرض الذي يطعم به ماشيته قليلة العدد..
اليوم تغيرت الحال، البيدار سكن البيوت المكيفة، وصاحب النخل عافها، لتصير إلى إعجاز خاوية، تنحني جذوعها منتحية شاكية إلى الأرض، التي هي أيضاً فقدت نصيبها من الماء الذي ترطب به طينها..
كل شيء يبدو يابساً، أعجف، ولو زرت إحدى المزارع، ستظن أن حرباً طاحنة دارت رحاها على هذه الأرض، فخلفت الخراب والدمار، وعبوس البساتين التي كانت..
مررت عند شارع خال من المارة والسيارات ولا أحد غير عمال يسدون الطريق، ويعكفون على الحفر بالمناجل وقضبان الحديد، إيذاناً لرصف شارع، ضمن شبكة من الطرق، المزمع إنشاؤها.. تطور مذهل تشهده البلاد، وحشود من العمال الآسيويين، يتقاطرون على المكان، وشركات كبرى عالمية ومحلية، تنسج خيوطاً من العمل اليومي الدؤوب..
تقول.. أذهلك منظر وجوه العمال السابحة بالعرق، تحت جحيم ناري، يصلب أجسادهم السمراء الناحلة، وقفت تتأمل، وتتفرس في المشهد الجنائزي، الذي يعيشه البشر هنا، عصر من العصور الوسطى، يمارس في القرن الواحد والعشرين.. تُلِفتَ في داخلك.. هذه هي الرأسمالية المتوحشة، تأكل أجساد البشر، وتكوي قلوبهم، بالضئيل من المقابل المادي الذي لا يساوي شهقة عامل، ساعة الإنهاك..
انبجس قلبك وأنت ترقب الرجال المنهمكين المنهكين في مقارعة حمى الوقت بسواعد تورمت عروقها من سطوة التعب، لمست شيئاً من العار الذي ترتكبه الإنسانية عندما يموء وجدان بشر، تحت لظى الموت البطيء، بينما يختال آخرون مبتهجين بالسعادة الكونية التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النفط.. قلت في نفسك.. أتخيل هذا الزيت الأسود كذراع أم الدويس، العملاقة التي تهوي على الرؤوس، فتهشم عظامها.. غضب بشري، يقع على كاهل بشر آخرين.. ولكن الحياة يجب أن تستمر.. لا بد أن يموت أحد ليحيا أحد.. هذه سخرية من سخريات القدر، حينما يلهج الناس وراء النمو الحضاري، على حساب أرواح آخرين، تزهق، تحاول أن تأخذ مكاناً في الظل، لتحمي عظام رأسك من السياط اللاهبة، تحاول أن تكون بعيداً عن السعير.. قلت: ما الذي دفعني لأن أغادر البيت، وألتقط هذه النيران على قلبي.. أشعر بالموت وأنا أشاهد هذه النفايات البشرية تجمع هنا لتكون قرباناً لمن يريدون أن يسيروا بعجلات سياراتهم من دون ضجيج أو خضات توتر بطونهم المليئة بغازات الأكلات البروتينية.. قلت: لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي وأكتفي باتصال هاتفي أخبر أبا سيف بتغيير موعد اللقاء، كوني لا أستطيع الذهاب إليه اليوم؟ ولما عدت إلى منزلك، هاتفت صديقك، ولم تجده، أو بالأحرى أنه لم يرد..
قلت: لا بد أنه أمضى ليلته في أحضان إحدى فتياته، وأخذته نومة صباحية مفعمة برائحة جسد أنثوي رائع..
لبثت في مكانك، وصورة العمال الآسيويين تشاغب مخيلتك، فكرت ملياً، قلت: ما الذي يجعل الإنسان يمعن في طلب الاسترخاء، في الوقت نفسه الذي يقوم بإجبار آخر ليقوم بالمهمة نيابة عنه.. لأن الظاهرة أصبحت عامة، ولم تقتصر على قلة من البشر.. مجتمع بأكمله يتثاءب نهاراً، ويسهر ليلاً، في أوعية الملذات والشقاء الجسدي المجنون..
تخيلت صديقك، المدون ضمن قائمة الذين انبهروا بالحضارة، لكنه اتخذ زاوية قصية من الناس، وتنحى عن مزاولة المجالس، دافئاً بعزلته ليمحو كل ما تأخر وما تقدم من ذنوب الحراك الإنساني المشين.. قال لك ذات مرة: أنا نفضت يدي من الناس، ولم أعد أثق بالأصدقاء، واخترت لنفسي منهجاً جديداً.. ولما سألته عن منهجه.. قال: أمارس لذتي في العزلة، وبين أفخاذ العاريات الكاسيات.. ثم أكد لك.. قائلاً: المرأة السخية هي الحسنة الوحيدة، في هذا العالم، وكل ما عدا ذلك، فهو هراء.. لا تصدق ما يقولون.. وسخر من بحوثك، وقال: إن كل ما تفعله مجرد، لعب في الوقت الضائع، العالم ذاهب إلى زوال، طالما انحشر الجميع في فوضى، إما السياسات الخربة، أو الخرافات المتعجرفة.. تذمرت من لهجته الفظة، مقته، وأوغرت صدرك بسخرية لاذعة تجاهه، لكنك لم تستطع بغضه، لأنه صديق العمر، وتعرف عن نقاء طويته، وأنه ما فعل ذلك، إلا لأنه عجز عن إيجاد الحلول، للاندماج في محيط الناس..
تقول: طامة كبرى أن ييأس الإنسان.. ولا تشك أن صاحبك يعاني من أيام عصيبة على الرغم من تظاهره باللامبالاة.. قلت: عدم مسايرة الناس لا يعني الولوج في معمعة السلوكيات المستهترة.. ما يفعله أبو سيف ضرب من ضروب الانتحار.. والانتحار هزيمة، والهزيمة دلالة على الهشاشة والضعف..
الإحساس بالهزيمة هو خرافة أيضاً.. أبو سيف، يحاول أن يداوي الداء بالداء، والأمرّ من ذلك أنه يمارس الجنس ليس كفضيلة فلسفية المراد منها تطهير الروح من الاحتقان، وإنما يمارس هذه العادة كتعويض عن نقص..
الجنس الذي يمارسه ليس عفوياً، ولا فطرياً، إنما هو توغل مقيت في الهروب واستئناف الاضطهاد الذي ينتقده بطرق ملتوية.. حينما تحول المرأة إلى آلة تفريغ للشهوة، فهذا في حد ذاته إمعان في الاستغلال.. ماسة لم تحبه لذاته، بقدر ما تقوم بمسعى غير بريء لكسب المادة..



تذهب نحو الشاطئ، عند صخرة مسطحة، وقفت في البعيد تلمح المباني الكبيرة، قلت بلهجة محايدة.. ربما كان الخرافيون على حق، عندما انسحبوا إلى ذواتهم، وذهبوا بعيداً في معتقداتهم، لأنهم لم يروا شيئاً مجسداً غير أم الدويس التي تقصف الأرواح، وتبيد تاريخ البشر بضربات منجلها.. وتذهب أنت بعيداً، إذ تقول: ماذا سيطعم العمال الأجانب لولا أنهم ما جاءوا إلى هنا، ورضوا بالأمر الواقع.. إذا القضية تمر ضمن حلقة مستديرة، لا ينقطع وصالها إلا بتوقف حركة الكون.. تمرغت الفكرة في رأسك وأنت تحوم حول ما يدور في هذا الرأس، تشعر بأنك أيضاً تحوم في حلقة مفرغة.. تجتهد.. تجهد نفسك لكي تلقي حجراً في المياه الآسنة.. البحر الآن ساكن، لكن نفسك تقرر بمعطيات لا يبدو لك أن لها نهاية.. تبحث في قائمة الأسماء، في هاتفك، تريد أن تتصل بأصدقاء الماضي، قوة رهيبة تستيقظ داخلك، توقظك، تنبهك، بأن الزمن دار دورة سريعة، وأخفى أسماء، وأطل بأسماء، وأسماء أخرى لم تزل تتموضع عند حافة الذاكرة، لكنها لا تتذكرك.. كنت أنت الذي بادرت بالانفصال، وانشغلت في البحث وتحري الحقيقة، حقيقة من؟ لا تدري، حقيقة نفسك الضائعة في خزائن التاريخ الهارب من جلده، أم حقيقة أم الدويس، التي لم تزل مجرد أحفورة في الذاكرة، تقول: لا شك في أن الناس الآن نسوا شيئاً اسمه أم الدويس، والأضواء الكاشفة أذابت الكثير من الطلاسم، ولكن هل تذيب هذه الأضواء الصدأ أيضاً.. في النفوس صدأ، وفي النفوس شوائب تتطور أشكالها، لكن مضمونها يبقى متشبثاً في الباطن إلى أجل غير مسمى.. تقول: يا ترى من يسمي الأشياء بأسمائها؟ لا أحد.. لأن كل واحد يريد أن يهرب، كل واحد يريد أن يتغير. الجلابيب التي كانت رمادية بفعل القذارة، أصبحت الآن بيضاء ناصعة، المخاط الذي كان يسيل كالصديد من فتحات الأنف، اختفى الآن.. أشياء كثيرة رديئة تلاشت.. أشياء كثيرة قميئة اضمحلت، لكن هل تلون الكون بالجمال الكلي..؟
تقول: ما الجمال الكلي.. أهو أن يضع الناس جمهوريتهم المثالية على أعقاب ماضٍ ملوث.. تهز رأسك.. تقول ممتعضاً لا.. الأشياء هنا لم تتغير هكذا. أنا مثلاً.. أعد نفسي مثقفاً.. أليس كذلك؟ تقول: نعم.. لكن هذه الثقافة، التي اكتسبتها بفعل القراءة والبحث، لم تزل بعد، مسجونة بين أنقاض الشك.. ثم ترفع حاجبيك.. تقول: آه.. الشك هذا العملاق العظيم الذي لم أستطع أن أهزمه.. كما لم يهزم غيري أم الدويس.. ولكن.. تقول، في حيرة: لو هيئ لي وهزمت الشك.. ماذا سأكون بعد ذلك؟ هل معنى هذا أنني سأكون أمسكت بزمام الحقيقة.. وما هي الحقيقة.. إنها الوهم، الذي نلهث خلفه ولا نجده.. إذن هو الشك.. إذن هو أم الدويس.. تدخن.. تشعل سيجارتك، وتنفث الدخام بكثافة، تزفر نفساً ساخناً، وتنظر إلى البحر.. البحر الذي يطوق اليابسة، البحر الذي يمارس وعياً جنسياً فظيعاً عندما تزمجر موجاته حافرة جوف الأرض برعونة الشباب اليافع، لكنه الآن يستريح، ويبدو أنه يمارس الاستدراج، من أجل صولات جديدة، تدفن العقب في الرمل المبلل، تدفن الفكرة، تنهض، تقول: يجب أن أعود إلى البيت، بدأت الشمس، تخنع للذبول، وصار الشفق الأحمر، كخد أنثى خجلى، وانعكاسه يراوغ الماء، ويسجي لوناً تاريخياً مهيباً، على الفضاء.. الفضاء يطارد طيوره، العائدة إلى أعشاشها، تقول: الأشياء عندما يقفل الوقت ساعته، تعود عودة مباركة بالانتصارات وأخرى مخيبة بالهزائم.. لا بد أن يكون طوال هذا النهار، أن دارت معارك بين الطير والطير، وبين الطير وطرائده.. والكل يهم بالظفر على الكل.. وفي النهاية، تبقى الأزمنة تتوالى، والقاسم المشترك أحلام لا تتحقق..



من جديد تحرى أبو سيف نظرات الفتاة المتمددة بجواره.. كانت شبه عارية إلا من حمالة الصدر وسروال قصير شفاف.. قال في نفسه: أحب أن أكون وحيداً مع أنثى تستسلم بكل ضراعة، وتسلم جسدها لي من دون تمنع.. والشمس تشرق في الخارج، وتتلصص من خلال زجاج النافذة، ثم تمد لساناً خافتاً من النور تسقط على جسد عذاب.. عذاب أشبه بالنائمة وهي تسبل جفنين ذابلين، مخدرين، تحت توهج لمسات الأصابع التي تمر على التفاصيل وكأنها تعيد خارطة الجسد من جديد..
قال في سره: أبداً لن أكون السبب في خسارتك..
تقولين إنك خسرت جل مدخراتك، في غرفة الفندق، عندما هرعت للرد على المكالمة، في الطابق الأرضي، وتركت باب الغرفة مشرعاً..
قال: وماذا سنفعل إزاء هذه الكارثة؟
مرر أبو سيف أنامله على جيدها.. قائلاً: لا تجزعي، كل شيء معوض..
قالت: كيف؟.. إن ما فقدته يوازي مبلغاً كبيراً..
قال: كم..؟
قالت: لا أدري بالضبط.. لكنه.. يساوي شقاء العمر.
قال في لهجة بارعة: عمرك الأبقى..
قالت: وما فائدة العمر من دون مال..
قال.. لا تقنطي.. سأعوضك كل ما فقدته..
انبجس قلبها.. ورفعت رأسها، مسندة جزءها العلوي على زند أبي سيف..
أصحيح ما تقول؟
قال وهو يهز رأسه: أنا لا أخذل أحداً..
قالت بابتسامة غانجة: كل أحد..
قال: لا.. فقط المخلصين..
قالت: وهل ستجدني مخلصة..
قال: بلى، ولكنك قلقة إلى حد ما..
قالت: ولم لا أقلق.. أتعرف أن هذا الذي فقدته، هو اللقمة التي ستعتاش منها أسرة بكاملها..
حدق في وجهها.. تغرس في الجسد الحار، فكر في من يفكرون في أسرهم، فقال في سره: ما هذه الخدعة البصرية التي يسمونها أسرة.. إنها أكذوبة.. خرافة.. الحرية أجمل من كل الأساطير الأسرية.. ثم أردف.. أأنت متزوجة؟
قالت: كنت.
والآن.. ليس لي غير هذا الجسد، يحملني كالقارب إلى بلاد العالم، لأجلب من خلاله ما يجعل أسرتي تعيش بلا معاناة..
قال مازحاً: جسدك هذا ليس قارباً، بل أيقونة الزمان، والمكان.. ثم يستطرد.. أنت يا عذابي، تملكين ما لا يملكه ملوك وأباطرة..
قالت متسائلة: ماذا تقصد..؟
مشيراً إليها: هذا الجسد.. لديك ثروة هائلة تستحق التقدير..
قالت يائسة: ثروة بائرة..
قال مندهشاً: كيف..؟
قالت: عندما لا تعلي الثروة شأن صاحبها، فإنها أشبه بالنقمة..
قال: كيف..؟
قالت: جسدي هذا الذي تعتقد أنه كنز، تداوله زوج جاحد، خانني بعد مضي سنة من زواجنا، وبعد أن انتقم من جسدي، وجدتني في الشارع، أبحث عن الحقيقة الضائعة..
يرفع حاجبيه.. الحقيقة الضائعة؟!
قالت: أجل الحقيقة الضائعة.. ألا تعرفها..
قال.. في قنوط: لا..
قالت: الحقيقة الضائعة يا سيدي، هي المرأة في حد ذاتها..
قال في سذاجة: المرأة نصف المجتمع..
أجابت في فتور يبطن غيظاً: نصف المجتمع عندما يمور تحت سوط العهر، فإنه أمر مقرف، ومسيء إلى الإنسانية..
بهت أبو سيف.. كيف تصفين نفسك بالعاهرة..
قالت محتجة: أنا.. وأنت.. وهم، الجميع لا يصفونني إلا بالعاهرة..
أومأ بيده، قائلاً: لا.. لا، لا تفكري في الأمر بهذه النفسية المحبطة..
لست أنا المحبطة، بل جل نساء العالم محبطات..
لماذا..؟
قالت: لأنهن مضطهدات..
ومن اضطهدهن..؟
أنت وهو...
شعر أبو سيف بتأنيب ضميره.. انتابه شعور بالخزى، وهو مستلقٍ عارٍ بجوار امرأة محبطة، وأطرق قائلاً: ألا تمارسين الحب بطواعية وعن رغبة..
قالت وهي تأخذ نفساً عميقاً: لا توجد امرأة في الكون تقدم جسدها لأكثر من رجل، عن رغبة وحب.. إنما دوافع أخرى، ترغمها على فعل ذلك..
تصهد الرجل، ذابت كل خيالاته التي نصبها قبل سماعه هذه الكلمات السامة، ذبل جسده، وخابت مساعيه النفسية في استنهاض القوة السحرية، لجأ إلى السيجارة، دخن بنهم، وعفر فمه بالدخان، وملأ صدره بغبار ما يقذفه عقب السيجارة من ثاني أكسيد الكربون، وتمنى أن يعاقب نفسه أكثر، إذ أوقع نفسه في شرك امرأة يائسة، حانقة.. فكر أن يرفسها بقدمه لتقع عن السرير مضرجة بدمائها.. فعلاً انتابه شعور بأن هذه المرأة لم تأتِ للمؤانسة، وإنما جاءت لتكيل له الضربات القاسية.. أحس بأنها العقاب الذي حل به جراء عدم اختياره للمرأة التي تنحاز لشهوته، أكثر مما تنفر منه، لتؤكد أحقيتها في الوجود..
لكنه أيضاً، وجد من الضروري أن يلملم شتاتها، وأن يحاول بقدر الإمكان طمأنتها بأنه لا يريد من جسدها شيئاً إذا لم تكن راغبة..
قال لها بحنكة المجرب، وبلهجة هادئة.. عليك أن تطمئني أنني لم أصطحبك إلى هنا من أجل الاستمتاع بجسدك.. إنما لأنني أعزل، فأحب مؤانسة أنثى تشاطرني لغة الحوار الدافئ..
نظرت إليه بشيء من الريبة.. قالت بلهجة مكسورة: أرجو المعذرة.. يبدو أنني تجاوزت الحدود.. حدود العلاقة بين رجل وامرأة، لم يسبق لهما معرفة بعضهما بعضاً.. مدت يدها تمسح على صدره الكث.. سامحني..
أخذ نفساً عميقاً وقد نهشت الحيرة صدره.. وتجاذبته الأفكار، فكيف يمكن له أن يخرج من هذا اللقاء من دون خسائر، وخير ما يريحه من الفتاة التي تقع بجواره، ممارسة، هادئة بلا منغصات فلسفية..
قال بصوت مشروخ: لا تقلقي. كل ما تودي أن تحصلي عليه فهو ملبى ثم ينظر إلى عينيها اللامعتين، بشعاع أنثوي، رهيب.. سأعوضك كل ما فقدته من دون مقابل.. وأشعر بأن من واجبي أن أكون رجلاً لا يقايض امرأة من أجل الحصول على اللذة..
لبثت عذاب بين ذراعيه، لبدت كأرنبة تتوخى الدفء.. قالت في صوت متحشرج، اعذرني لم أقصد مضايقتك..
قال متشجعاً: لا بل أنا في أتم السعادة..
قفزت عذاب، هاجمت شفتيه بشراسة، بينما هو أسلم جسده بهدوء، غرقت عذاب، في مجون رغبة طالعة من أعماق جسدها، أعطته كل شيء، ولج فيها بذكورة يافعة، تهادى فوق جسدها، وارتمت هي كأفعى تتلوى شظفاً.. غابت الكلمات وذابت الفلسفات، وحمي وطيس الجسدين في غيبوبة الآمال المؤجلة.. شعر أبو سيف بأنه يخرج تواً من أحشاء أنثى ويصرخ، متوهجاً، وأحست عذاب بأنها من جديد تعيد ترتيب مشاعرها، وتخصب العالم بشهقة أنثوية، مدوية، تتفجر الأرض من تحتها، كما تنهمر فوق أبي سيف شلالات من الرغبات والأمنيات مفرغاً حثالاته النائمة في باطنه في جوف اللحظة الراهنة، كل شيء تحرك فجأة بعد مخاض عسير، كل شيء تنامى كالزهر في أرض صحراوية، حاول أن يقتص من بقايا العمر المأزوم، ولأول مرة يشعر بأنه يمارس الحب مع أنثى تتوارى تحت جسده، كنجمة تذوب في ريعان سطوع القمر، يهتدي أبو سيف إلى جل التضاريس الغائبة في المجهول، يتحرى ما اختفى من ضوء ساعة ما انبلج فجر وعي المرأة الغارقة في خصومات قديمة مع الذكور.. الآن يشعر بأنه تحدى طيشه، وتجاوز حدود ما أغمض عنه العينين، الآن فقط، بدأ يفكر في كلام صديقه فيروز.. قال في سره: صحيح أنه كائن يثبط الهمم، لكنه في الحقيقة قد يرى ما لم أكن أراه.. هذه المرأة أيقظت حساً غريباً في نفسي، ولما تمادت في صلبي على لوح التأنيب، علمت أن الممارسة البديهية ليست إلا ضرب من ضروب البؤس البشري..
نفضت عذاب جسدها، كهرة مشبعة، واستدارت ناحية أبي سيف قائلة..
أتصدق أنني لم أشعر بمكانة جسدي إلا الآن.. معك..
اغتبط الرجل، تنحنح، قال مسروراً: شكراً لك يا عذاب..
فتح محفظته.. قال، خذي ما يرضيك يا سيدتي..
رد مع اقتباس