عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 24 - 12 - 2013, 02:41 PM
((المركز الأعلامي)) ((المركز الأعلامي)) غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 19 - 12 - 2013
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
((المركز الأعلامي)) is on a distinguished road
رد: جديد ( رواية امرأة استثنائية ) للآديب الاماراتي علي ابو الريش

بهذه الذات الناتجة عن خضم الحثالات والأوساخ التي تتلبد في أذهان الجهلة.. نظرت إلى الرجل، كان شبه غائب، كان هو أيضاً يستأنف حواره الداخلي، ربما كان يفكر فيك، ويقول في نفسه: من يا ترى هذا البائس الذي اقتحم عزلتي، وأثار الغبار من حولي.. هو أيضاً ربما يكون منزعجاً كونك قلّبت مواجع وأثرت فواجع، وانتزعت سكونه، لتجلجل داخله النيران، وتحرض اللهب، بألسنة حارة وموجعة.. قلت: هذا الرجل يستوطن المقبرة، ويعيش مع الأموات وصرير الأحجار، ونعيق الغربان، وصراع الحشرات الضالة، وكل شيء يحيط به، مدعاة للفزع، والاشمئزاز، والقرف، كل شيء يبات معه هنا على هذه الأرض الوسخة، يمرغ القلب في وحل السأم، والكراهية.. لقد بانت على سيمائه علامات البغض، واتشح وجهه، بالحزن.. لا شك في أنه ليس حزيناً على الأموات الذين اندثروا تحت التراب، فهو اعتاد هذه الجثث وفي كل يوم يرى أكثر من جثة، ويشارك في دفنها وإهالة التراب عليها، هو كالطبيب، لا يجزع من رؤية الدم، والجروح المثخنة، لأنه يمارس هذه العادة المشروعة، مرات ومرات، حتى كادت تصير جزءاً من حياته. لكنه إذاً لماذا يغطس في هذا المستنقع الحزين؟ تفرست في وجهه وكأنك تراه للوهلة الأولى، ولم تمض على لقائك به أكثر من ساعتين.. تمعنته، تفحصته، تأملت رموشه الطارئة والمرتبكة، قلت: هذا الرجل ناقم على الأحياء، لكنك لا تعرف سبب هذه النقمة.. قلت في حيرة: ربما لأنه لم يخالط الناس كثيراً، أو بالأحرى ربما لأنهم لا يقتربون منه إلا ساعة حملهم نعوش موتاهم، ولا كلام عند دفن الموتى، فإذاً هو لا يحتك بالأحياء كثيراً، أو يجد من جانبهم نفوراً تجاهه، وبالتالي فإنه يكرههم.. وتضيف.. إذاً يشعر بأنه كسائر الأموات الذين تحت التراب يزوره الناس ساعة الدفن، ومن ثم يغادرونه بلا رجعة.. وهذا ما يشعره بأنهم بشر بلا مشاعر.. ويشعر بأنه ميت، والميت لا يحب أحداً، الميت نائم أبدي، وغائب إلى أمد بعيد، فلا حاجة له لحب الآخرين.. وكذلك فإن الميت لا يشعر بالجوع، ولا يحتاج إلى مأكل، أو مشرب أو ملبس أو مأوى، لذلك فهو ينفض يده من الحاجة إلى الآخرين. ومادام لا يحتاجهم فهو لا يخافهم.. الحاجة هي التي تجعل الإنسان يخاف الآخرين، يخاف من منعهم لقضاء حاجته، ويخاف من اغتصابهم لما يحتاجه، ويخافهم لأنه يخاف أن يكونوا عقبة كأداء، في أداء حاجة أو طلب غرض.. تصمت.. تتأمله.. تقول، هذا الرجل يبدو كتمثال عاجي، جامد، لا غرض له في الحياة، يقف عند حافة مسننة، كمن ينوي الانتحار والخلاص. الإنسان الذي يفقد شهوة الحياة، يخسر رغبته في التشبث بعلاقاته بالناس، وبالتالي فإنه لا يشعر بوجودهم..
بصوت متحشرج، يقول لك الرجل: أتود أن تشرب شاياً..
أومأت إليه بالإيجاب قائلاً: لو تفضلت..
قال: الشاي الساخن يملح الرأس..
ابتسمت شاكراً..
قلت في نفسك: على الرغم من فتور لهجته، إلا أنك لم تلحظ تململاً في سلوكه، لم يتثاءب، أو يبدِ لك إشارات تدل على أنه يريد أن تفارقه.. لكنه يظل طيلة الوقت صامتاً.. ساهماً، ولا يجيب إلا عن الأسئلة، وبمباشرة، واختصار تام تشعر بالرغبة في انتشال نفسك من موقف كهذا، لكن أسئلتك تتوارد تباعاً بإلحاح، تجد نفسك كمن يحتال على أخرس، ويريد أن يستنطقه، تشرب الشاي، وتستأذنه في إشعال سيجارة، يناولك علبة الكبريت، وتشكره وأنت تشعل قداحتك، حتى يحمر وجهك، إثر اشتعال النار، ومرور اللسان الذهبي بالقرب من أنفك، الذي بدا تحت الوميض كمنقار دقيق..
قلت متسائلاً وأنت تنفخ الدخان الكثيف: يا ترى من سيجلب لي أم الدويس..
يضحك ضحكة مجلجلة ولأول مرة، منذ جلست معه، تسمع صوته، يهدر كالرعد، ويقول ساخراً: رب العالمين..
تقول، في صوت رزين: أنا لا أمزح..
يقول بصوت جاد: وأنا كذلك..
تقول: أنا أعني من بني البشر..
يقول: من بني البشر، لن يستطيع أحد إلا إذا كان ذا نسب مع هذه الشيطانة الشريرة، وإلا فلا..
تقول: كفاك سخرية.. ما أقصده أنني أريد أن أعرف المزيد عنها.
يقول: كلامك يدعو إلى السخرية، ثم يحدق في وجهك.. قائلاً: فكيف تتصور أن يجرؤ إنسان ويقول لك، أنا أستطيع أن أجلبها لك..
تصمت.. وتشعر بفداحة، وسخافة سؤالك، ثم تطرق.. وهل يستطيع أحد أن يأخذ لها صورة، تدلل على وجودها حقاً..
يقول محدقاً في السقف: يبدو أنك تخرف.. قلت لك إن هذه الشيطانة تجعل الكبار قبل الصغار يتبولون على أنفسهم لمجرد سماع اسمها، فكيف يستطيع أي إنسان أن يصورها..؟
قلت: ألهذه الدرجة، هي مرعبة..؟
قال: أتريد أن تجرب؟
قلت: كيف؟
اقضِ في هذا المكان عدة ليال، بمفردك، فلعلك تراها، ومن ثم احكم بنفسك..
تشعر بالرجفة.. يخض قلبك كلامه، لكنك تقول مكابراً: أنا لا أخافها..
يهمهم قائلاً: يبدو أنك تحب المجازفة.. فلتفعل..
قلت: كيف؟
يقول: قلت لك، نم هنا، وبجانب أحد القبور، وسوف ترى..
تتخيل نفسك تنام في العراء، عند أحد القبور، والحشرات تحيط بك من كل جانب، وصرير الأحجار يرن في أذنيك، كأجراس مرعبة، والعتمة تخيم على كاهلك، تتخيل أنك ميت كسائر الذين يقطنون هنا بسلام.. تجحظ عيناك وتشعل سيجارة أخرى، تتفرس في وجه الرجل، الذي غرس ناظريه في وجهك، مبتسماً ابتسامة متهكمة، ثم تقول.. هذا ليس حلاً مجزياً..
يضحك قائلاً: بطبيعة الحال، إنه حل مجنون، ولكن ماذا تريد أن أفعل وأنت تصر على انتزاع إجابات قسرية، ولا تخطر على بال بشر..
تشرد قليلاً.. بدأت في سرد المقارنة بين ما يقوله العلم، وبين ما تسفر عنه عقلية هذا الرجل، ثم تعتدل في جلستك قائلاً: ولكن العلم يرفض مثل هذه المفاهيم.. يعتبرها مجرد خرافات وأوهام مزروعة في رؤوس الناس، فقط..
يفتح عينيه جيداً، ويقول: إذاً فسر لي لماذا يراها الناس..
قلت: الناس لا يرونها، وإنما يرون خوفهم منها..
يمتعض الرجل.. وهل الخوف كائن حي؟
قلت أجل.. إنه كائن حي..
يقول: كيف؟
تقول: العلم يقول، الإنسان كائن ضعيف، المتعلم والجاهل على حد سواء، لكن، الفرق بين الاثنين، أن المتعلم يفسر الظواهر، ضمن أدلة علمية ملموسة، ولذلك فهو يطرد خوفه بفهم الأشياء على علتها علمياً، بينما الجاهل، لأنه لا يعرف عن مدلول الأشياء علمياً، فيلجأ إلى الخرافة، يصور الأشياء كما يتوهمها، حتى يكاد يصبح الوهم يقيناً لديه.. وبالتالي، يتنامى الخوف من وهمه.. الذي صنعه من واقع تخيلاته..
يلبث الرجل، باهتاً، ساهماً، مندهشاً، يتلمظ، ويداه تكادان تقبضان على عنقك، يشعر بأنك تريد أن تقتحم سوره العظيم الذي توارثه، من أسلاف وسلالات التاريخ القديم، وأنت على يقين من أنه لن يسلمك رقبته ويقول لك أفلحت..
يقول لك: ما تقوله موجود في الكتب. أما الواقع فلا.. الواقع ما عرفه الناس، وما عايشوه.. ولا تفكر أبداً أن يصدقك الناس كونك تسرد لهم، حكايات من الكتب وتقول لهم هذا من وحي العلم.. العلم، لن يقف في وجه أم الدويس يوماً، ويقول لها أنت خرافة..
تصطك أسنانك بارتعاشة، غيظ، تشعر بأنك تؤذن في خرابة، تشعر بأنك تصرخ في وسط خلاء موحش، تشعر بأنك تريد أن تصطاد سمكاً في عرض صحراء قاحلة، تشعر بأنك تريد أن تزرع زهراً في أعماق البحر.. ينبجس قلبك.. يتفجر داخلك، يستبد بك حنق فظيع.. يتعالى الصخب في داخلك، وتنكفئ أنت وتغور عيناك في إناء المحجرين، الجامدين، تنهض.. تقول: أتسمح لي بأن أغادر..
حملق الرجل متأسفاً، يقول: لا تجزع يا سيد.. سوف تفكر كثيراً، وتنبش الكتب، وتمخر النظرات، لكنك لن تجد الحقيقة إلا في عيون الناس.. الناس الذين سوف يمقتون ما تقوله، ويعدونه على ما تدعي أنه خرافة.. وثق بأن الخرافة متى ما أصبحت، من زرع الواقع، فهي الحقيقة.. وما عدا ذلك، مجرد زيف لا يجدي..
غادرت مكتظاً بإرهاصات.. لم تكن مقتنعاً بكلام رجل المقبرة، لكنك لم تستطع إثبات العكس.



تقول إنك تخاف منها، ولكنك لا تريد أن تبوح بذلك.. تقول إن المرأة، عندما تكون شيطانة وشريرة، تكون مرعبة، وتحوم حولها الأساطير، والحكايات ويكتب عنها التاريخ، ويسرد المؤرخون قصصاً، وحوادث، وأحياناً جرائم.. الشيخ ضاوي تحدث بطلاقة عن بطولات أم الدويس، وفتل شاربيه، وأجزل في التهريج، والتأويل، وامتشق سيف المعرفة وتمطى مسربلاً، بغوغائية ما يجيش في وجدان الناس.. كنت تعرف أن الشيخ ضاوي قد لا يعرف أم الدويس، وقد لا يكون رآها، وهو كذلك، لكنه نقل ما يدور في الذاكرة، وما صورته أحاسيس الآخرين، وما استوطن في لاشعورهم.. كذلك رجل المقبرة، فعندما أومأ بيديه، ولوح، وشوح، وأزبد وأرعد، كان يفضي إليك بأسرار ما أفصحت عنه، مخاوف الآخر.. تقول إنك تخاف لكنك لا تريد أن تبرز خوفك أمام الآخر، تريد أن تبحث وتدرس، وتعرف عن الأسرار الخفية، لامرأة، تعتبر أعظم امرأة وهمية في التاريخ، وعندما يبحث الإنسان في المجهول، فلا بد أن ترتجف يداه، ولا بد أن ترتعد فرائصه، وأن يعيش حياة المطارد، والمشرد، يبحث عن ملاذ في وجدان الآخرين.. ولا تستطيع أن تقول عن هذه الساحرة المفترضة غير أنها اللعنة الجميلة، لأنها فتقت ذاكرة الناس عن قصص اخترعوها بأنفسهم، وأحاطوا حولها الحواشي والهوامش، وداروا من خلفها، وضعوها إلى حيث تستقر النجوم، وتطير الكواكب في الأفلاك النائية..
تقول: إن رجلاً أصيب قبل سنوات بجلطة في المخ، ذهب على أثرها في غيبوبة، لسوء الحظ أن هذا الرجل اعتاد أن يزور بستان النخل، قبل غروب الشمس بساعة، ويعود قبل أذان المغرب، في هذه المرة، شاء حظه أن يتأخر، لأسباب لا يعلمها إلا هو. فيضطر إلى الذهاب إلى النخل بعد أذان المغرب، وقد كان الجو حاراً والرطوبة عالية، وهو يعاني أساساً ارتفاعاً في ضغط الدم.. لم يكد يصل إلى منتصف المسافة في داخل السور المحيط ببستان النخل، إلا ويشعر بصداع حاد، ثم يقع على أثره على الأرض.. ويصادف في تلك اللحظة أن يكون الخادم موجوداً، لم يسعه إلا أن يهرع مذعوراً لما أصاب سيده، اقترب منه، ناداه، صرخ في أذنه، إلا أن الرجل قد فقد الوعي، وذهب في عالم آخر غير عالم أم الدويس، هرول الخادم، واستدعى الأهل والجيران، وحمل الرجل على الأكتاف إلى أن وصلوا به إلى داخل المنزل.. اتفق الجميع بداهة أنه صفع.. من صفعه.. الجن.. الجن وحدهم الذين يجولون تحت جنح الليل.. ما الحل، لا حل غير المطوع، جني بالرجل الأشيب ذي المسبحة الطويلة، اللحية البيضاء، الكثة والشارب المحلوق، إلا من شعيرات خفيفة.. قرأ المعوذتين، وآية الكرسي.. ثم تلا ذلك بسورة يس.. فلا جدوى، فالرجل مسجي على الفراش بلا حراك، وعيناه مفتوحتان، شاخصتان، وشفتاه تتمتمان بصوت مخنوق، أشبه بمن يكون في بئر عميقة، وبعد فترة، فقد الصوت. لبث المطوع يتلو آيات من القرآن الكريم، ويبسمل ويحمدل، ويومئ برأسه يمنة ويسرة، ويضع يده على جبين الرجل، ثم يطلب ماءً فاتراً، يحاول أن يمسح وجه الرجل، ويقرأ الشهادتين، ثم ينهض.. قائلاً بصوت جهور: دعوه تحت رحمة ربه، إن كان له عمر فسوف يشفى، وإلا فهذا قدره. ثم يطرق: واعلموا أن الجن الذي صفعه ليس ذكراً. هو أنثى، وصفعة الأنثى أشد ضراوة وقسوة على الرجل من صفعة الذكر.. يأخذ الرجل نصيبه من الأجرة ويغادر، ويدع الرجل ينسحق تحت وطأة الانفجار الكوني الذي حل برأسه.. لبث الرجل هكذا إلى أن انتزعه أحد أبنائه، وسار به إلى أحد المستشفيات العريقة في البلاد، فقيل له إن والده لا علاج له، لأن الجلطة في المخ أحدثت نزيفاً عالياً، وهي نتيجة لإصابته أساساً بضغط الدم الذي لم يتلقّ عنه علاجاً.. أعيد الرجل إلى مأواه، ومكث لمدة عام، ثم توفي..
تقول: الناس لا يجهلون معنى الضغط.. ولا يجهلون الجلطة.. ويعرفون جيداً مكان المستشفيات، إلا أنهم يصرون على أثر الصفعة.. وتقول: إن الخوف الوهمي من الجنية، وبالذات الأنثى، لا يخلص أحداً من براثنه.. الخوف الوهمي أقوى من العلوم والاختراعات.. يكذب رجل المقبرة عندما وصف الآخرين بالجهل، والدليل على ذلك أنه هو أيضاً يخاف من أم الدويس، بمعنى أنه يختزن جرعة كافية من هذا الوهم، لا يستطيع الخلاص منه..
تقول: ربما تشعر بقليل من الارتياح، كونك توصلت إلى جزء من المعضلة الكبرى، لكنك لن تستطيع أن تتطهر من كل هذا المخزون التاريخي، ذي الامتداد الأسطوري من الأزل.. تقول أنت الآن، لا يهمك أن تخاف أو لا تخاف، كل ما يشغلك أن تبحث في سر هذا الخوف، في المخزون الذي ألف هذه القصة الخارقة.. تريد أن تتوصل إلى مضمون القصة، فحواها، جذورها، ومن صنعها.. أهو رجل أم امرأة.. تريد أن تعرف لماذا قال المطوع: إن الصفعة جاءت من أنثى، لأنها قوية وعصبية، ولماذا تخيل أن صفعة الأنثى أقوى من صفعة الرجل، مع العلم أن الأنثى في التاريخ الأسطوري هي الطرف الأضعف.. فكيف تنقلب الحال هناك لتكون هي الأكثر جبروتاً، وعنفاً؟ أهو الحقد على الأنثى.. أم محاولة لإطالة أمد الاستبداد في حق الأنثى؟ أهو الخوف من تمردها على سيدها الرجل بعد أن طال هذا الاضطهاد الذكوري أو أصبح أمراً غير مبرر؟ ولذلك، ولكي يصدق التبرير حوله، فلا بد أن تحاك القصص المرعبة حول المرأة، والإتيان بصور مغايرة لهيئة المرأة، بوصفها العملاقة، وذات الذراعين العملاقتين..
تقول: إن علم النفس توصل بواسطة التحليل النفسي، إلى أن المرأة تعاني من عقدة الكترا، بمعنى أن المرأة شديدة التعلق بأبيها، على عكس الذكر الذي يكون أكثر تشبثاً بأمه من أبيه، والأمر يعود، كما يفسره علم النفس، إلى أن المرأة كونها تعاني من عقدة النفس الناتجة، من صغر البظر وهو رديف القضيب عند الرجل، يجعلها أكثر تشدداً، وتعلقاً بالرجل والذي هو الأب، لتعوض ما فقدته من جسدها..
إذاً كيف ينقلب الحب إلى عدوانية وشراسة، وانتقام؟ تقول إنك تريد أن تبحث في هذا السر.. وهل هو حقيقة فطرية لدى المرأة، تجعلها، تخلط ما بين الحب والكره، وأحياناً تقلب الحب كرهاً، وفي أحيان أخرى تقلب الكره حباً، ما يجعلها أكثر تقلباً وجدانياً من الرجل.. ولهذا السبب قيل عنها ناقصة عقل كونها تفكر بالعاطفة.. أم هذا وهم، لا يعيشه إلا الرجال، كونهم يريدون أن يحافظوا على المكتسب التاريخي في بسط النفوذ، ولذلك فإنهم يهيلون التراب على كل بريق يخدم مصلحة المرأة، ويلجأون إلى التشويش والتشويه، لتبقى المرأة الكائن الأبدي، الملاحق قضائياً وأخلاقياً من قبل الرجل، ثم صدر ذلك إلى عقل المرأة، إلى ذاكرتها، حيث أصبحت مقتنعة بشبح أم الدويس، بل إن المرأة تقوم في كثير من الأحيان بدور الراوي، الذي يختلق القصص حول أم الدويس وتاريخها الدموي، كما تحتفظ به ذاكرة الناس، تقول إنك، قد لا تجد الدليل على سبب الفكرة وانتشارها، لكنك تجد من الواجب أن تعتني بقصة تاريخية عريقة، شكلت وجدان الناس على مدى قرون، ولم تزل تمارس بطشاً وغطرسة على عقول الأجيال المعاصرة..
تقول: ما جدوى البحث في قصة تافهة، وكيان وهمي، غير مرئي، مخلوق ماورائي، صنعه كائن أهوج مريض، أراد من خلاله، أن يصنع تمثالاً في التاريخ ليحدد نسل المشاعر، إن كانت ذكرية أم أنثوية؟ ثم تردف: هذا صحيح، وكأني هنا أحاول أن أضع السؤال بين غواية المرأة وشهوة الرجل، ولا أعتقد من الإنصاف أن نسأل عن من المسؤول في مثل هذه الحالات، لأنها قوى داخلية أعظم بكثير من أسئلتنا التي تبدو ساذجة وعقيمة في ما لو تعاظم تكرارها..
تقول: ما جدوى ذلك، ولكن، الحقيقة، التي تستحق البحث، هي هذا الوجدان، الإنساني العظيم، هذا المخزن الهائل والمذهل لمكونات الحياة البشرية، وما يختلجها من عواصف تغيرات وزلازل، خوفاً من هذه التغيرات..
تصمت قليلاً ثم تقول: جذر المسألة من أين جاء.. كيف صنع الإنسان خوفه، من أم الدويس؟ وكيف شكلها وصاغ حيلها، ووضع المنجل في يدها، ثم اختفى هارباً من بطشها؟
تقول: ما الغرابة في ذلك؟.. ألم يصنع الإنسان صنمه، وبيديه، ثم صار يتعبد عن قدميه خاشعاً، متصدعاً، متورعاً، طالباً الشفاعة والمغفرة، من حجر صلد، لا حراك فيه، كيف كان يحصل هذا من إنسان يمتلك القدرة على التصوير والإبداع، في خلق القصة، ونسج خيوط المعرفة، بالتاريخ والكون.. الإنسان تخيل الكواكب، النجوم، والأجرام السماوية قبل مجيء المجسات الفضائية، والمكبرات والكاميرات.. إذاً فهذا الإنسان لديه من الحدس الداخلي والقوة الفعلية في صياغة العقل، ما لا يمكن الاستهانة به.
تقول إنك فعلاً تشعر بالذهول، وكلما تعمقت في القضية، ازدادت تعقيداً، وكلما تبينت بصيصاً، غرقت في عتمة البحث.. لكنك مع كل ذلك، تشعر برغبة جامحة في الولوج في عقر دار هذه القصة، ولا بد أن تصل إلى لغة مشتركة بينك وبين الواقع الذي تعيشه.. لا تريد أن تصير مثل أبي سيف، يمقت الوصول إلى الناس، لكنه لا يتخلى عن شغفه بالنساء، وهنا جزء من عالم الناس، أبو سيف يتحدث كثيراً عن القيم البالية، ثم يمارس بعضها أو كلها خفية.. أبو سيف لا يستطيع التخلص من مخزون اجتماعي عريق، تأسس منذ قرون، لكنه يقول إن هذا الإرث بائس وعقيم..
تقول: لقد اشتقت إلى هذا الصديق، البائس، تروعني تصرفاته البوهيمية، لكن يبقى مع كل ذلك شخصاً لطيفاً ويمكن أن يحبه الإنسان بسهولة.. لذلك فإن النساء يحببنه وينجذبن نحوه، كالذباب المنهمر على قطعة سكر.. لكن أبا سيف ليس ذلك الشخص البارع في وسامته، على الرغم من أنه ليس قبيحاً.. لكن لغته، لسانه يبدو أنه من سلالة غير سلالة البشر. تقول إن أبا سيف يستطيع أن يقلب الأبيض إلى أسود، من دون أن يبذل جهداً عصياً، ويستطيع أن يتحول من فاسق، متأصل في النزق، إلى شيخ وواعظ، تستسيغ لسماعة الأذن.. على العموم، هذه ليست سمة سيئة، ربما هي تضايقك وتثير لديك نزعة الغضب في أوقات معينة، لكنك أحياناً تشعر بأنك في حاجة إلى هذا الصديق.. ربما كنت تغضب منه لأنك عاجز عن فعل ما يقوم به، كالإحساس بالعجز، يجعلك تناهض العقل، وتغضب على صاحبه، بحجة واهية، قد لا تقنعك أنت فكيف بغيرك؟
تقول: لن تنسى آخر لقاء، كان شخصاً آخر، كان وجهه أشبه بخرقة مبلولة بالماء، لشدة ما تصبب منه العرق، وهو يحلف بعمره أنه يشعر بالذنب حيال ماضيه.. واعتبر أن الفتاة الأذربيجانية، الغانية، هي سر الانقلاب الجذري في حياته، يدين لها بكل هذا التغيير.. كان يعتبرها الإلهام الذي نزل عليه من السماء، ليطيح بكل مآثره السوداوية، وعديمة المعنى.. تقول.. إنه قال لك، ومع ذلك، فإنه ضاجع فتاته، ليلة كاملة..



تنهض باكراً، تنوي زيارة الصديق، في هذا الصباح، الرطوبة عالية جداً، والضباب يزحف على الأمكنة كجحافل متوحشة، يملأ فمك بالدخان كأنه سجائر قديمة ضربت بالشمس، فأصبحت حارقة تكوي سقف الحلق.. تطوي الطريق طياً. مشياً على الأقدام، ولا تفكر في استقلال سيارة أجرة، تريد أن تملأ صدرك بالدخان السماوي، المهيب، تريد أن يتهاوى قفصك الصدري أمام جدار كثيف من الضباب القادم من علو شاهق، والمتسلق درج الفضاء، كسلاحف بغيضة حانقة.. الشارع مزدحم بالناس، والسيارات، والأشجار التي اقتلعتها الجرافات السخيفة، بحجة أنها تأوي الحشرات الضارة، وأنت تنظر إلى العراء، تشعر بأن كائناً متوحشاً حل على الأرض، ليخلع ثيابها الخضراء، ويصبغ حياتها بلون رمادي قميء.. بعض المباني الشاهقة انتصبت بعجرفة، مدت لساناً ساخراً، ولونت الفضاء بسخرية بائسة.. تمضي لعلك تصل إلي طرف، وادع، لكن الطرق ضجت بأصوات مزمجرة، هادرة، تشعر كأنك تقترب من جهنم، حيث الحر القائظ، يتساقط حمماً بركانية، ولا تستطيع أن تميز بين طرف الشارع والحواف الرملية المحاذية، كالأسفلت ذاب تحت سياط العابرات، الساخطة، والرمل زحف بشهوة عارمة، ليغتال الفاصل الأسمنتي الأقدم من عمر الإنسان، والأبهت من التاريخ والقصص الخيالية، تقتعد تلة خفيضة، ثم تنزلق على جرفها المتهاوى، التلة هي ركام رملي مخلوط بأحجار، وقطع أسمنتية، يبدو أنها بقايا مبنى قديم، شيد مكانه صرح جديد، ولا يبدو شيء جديد في هذه البلاد، فالأشياء تتشابه، كما هي وجوه الناس، التي كحلت بالغبار، والتعب، والحزن البيولوجي، المنبعث من باطن الأرض، كما تنبعث الحمم البركانية، حينما يحبل باطن الأرض، بصراع الصخور في أجوافها الغائرة..
تلفظ أنفاساً ساخنة، تنظر إلى المسافة التي تبعدك عن مأوى الصديق.. بضعة كيلومترات، لكنها أشقى من تسلقك مدارج السماء.. تتوقف، تنتظر سيارة، تعبر بنفسك الطريق.. سيارات الأجرة هنا نادرة في الشارع العام، والتي تمر من حولك تكون مسرعة، بدرجة أن أصحابها لا يرون الواقف على الرصيف.. يسوقك الحظ، أن تمنى بسائق شهم، يتوقف، ويفتح الباب، يقول لك: تفضل يا سيد الجو حار، ولا يمكنك انتظار سيارة أجرة.. تبهت.. تستغرب كيف حصل هذا، فليس من العادة أن يتوقف سائق خصوصاً لرجل لا يعرفه.. السيارات في أغلب الأحيان، تسير مغلقة الأبواب والنوافذ، ولا ترى أصحابها إلا من خلال زجاج ملون بالأسود، بل ترى شبحاً، لا تعرف إن كان رجلاً أم امرأة.. الأصدقاء والأقارب كذلك لا يتوقفون، بل يومئون بالأيدي، وأحياناً يكتفون بزعقة خفيفة من بوق السيارة، ثم يدلفون ويختفون إلى الأبد.. أشياء كثيرة هنا تختفي إلى الأبد ولا تعود، لأنها تتوه في الزحام، تغيب في الخضم من الصخب والضجيج..
جلست صامتاً، كتلميذ مؤدب، وكان يزم شفتيه على عقب سيجارة، وينقر أصبعه على مقود السيارة، وعيناه تشخصان في الأمام.. مضت برهة ثم التفت ناحيتك قائلاً: الجو يفور بنيران جهنم.. كان يريد أن يستنطقك.. التفت نحوه.. قلت: كان الله في عون المساكين..
قال من هم..؟
أشرت بيدك إلى مجموعة من العمال المنكبين في حفر الأرض، لإعدادها في وضع أنابيب الماء..
قال: صدقت..
قلت: لا أدري، كيف سيكون حالنا لولا هؤلاء..
قال: في تحدٍّ.. سنكون نحن الذين نحفر الأرض..
قلت: وهل سنتخلى عن حياتنا هذه..
قال: الحاجة وليدة الاختراع..
قلت: لكننا نسينا الاختراع منذ زمن..
قال: لا بأس.. لكن آباءنا فعلوا ذلك، وأكثر من ذلك..
تفحصت وجهه.. استدرت نحوه، ونظرت إلى السيارة الباذخة.. وقلت آباؤنا لم يركبوا هذه السيارات، بل سكنوا العريش والخيمة، وساروا على أقدامهم، قاطعين المسافات الطويلة..
يبتسم قائلاً: قلت الحاجة.. والإنسان ابن بيئته.. الظروف هي التي تخلق طبائع الإنسان وليس هو..
تقلب ناظريك في وجهه، الباسم، تحرجه.. تقول: صدقت.. وتصمت..
يقول بصوت هامس: أين وجهتك..
تقول: قبل دوار المطار..
يقول: ألديك مزرعة..
تزم شفتيك.. لا: بل ذاهب لزيارة صديق..
يقول: لديه مزرعة..
تقول: أجل.
يقول: مزرعة خاصة، أم تجارية..
احترت.. قلت: لا أدري، بل كل ما أعرفه، أنه مستقر فيها..
يضحك: صديقك رجل، صاحب مزاج..
رفعت حاجبيك.. قلت كيف؟
قال: الذين يستقرون في المزارع، أناس مجوا حياة المدن، واختاروا راحة البال.. ثم يستطرد: تعرف أنا أحب الحياة الريفية، أحب العيش في الأماكن البعيدة عن صخب السيارات والزحام..
تدخلت.. ولماذا لا تشتري لك مزرعة، لتعيش سعيداً..
يغضن حاجبيه منبجساً.. يقول بلهجة غامضة: تعرف أن المزارع تحتاج إلى عناية وتكاليف، رعايتها مكلفة وأنا لا أملك المال الكافي..
عند النقطة المراد الوصول إليها.. أشرت إليه بالتوقف.. رميته بابتسامة عريضة، شكرته.. قلت: وسع الله من رزقك، وأعلى من قدرك..
رمش بعينيه، قائلاً: ربنا يسمع منك. يبدو أنك رجل طيب..
استنفر محرك سيارته، ولبثت ناصباً عينيك في اتجاه دخان السيارة، الذي اختلط بالضباب، إلى أن اختفت السيارة خلف الحجب الضبابية..
في الطريق الذي يأخذك إلى مزرعة الصديق، وهي على مسافة قريبة.. استيقظت في داخلك أحلاماً، وأنت تقفز برشاقة من فوق الأحجار متناثرة كالعصفور، تقفز لاهثاً، انتابك شعور بالكبرياء، تداولت كلمات الرجل الذي حملك إلى هنا في سيارته الفارهة. فقد قال، في سقم إنه لا يملك المال الذي يجلب به مزرعة توفر له راحة البال.. وعندما نظرت إلى هيئة الرجل، كنت متأكداً أنه ليس معدماً، واقتناؤه لسيارة بهذا الحجم، وهذه الرفاهية، يعني أنه رجل على أقل تقدير مكتفٍ.. لكن، نفسه كانت أفقر بكثير من جيبه.. وتخيلت الرجال المنكبين في داخل الحفر العميقة، المتشظين باللهيب، وهم يضحكون، ويمرحون، ويتمازحون محملين بعواطف عفوية، ومشاعر تخلصت من عبث اللهاث، تخيلت هؤلاء وشعرت بأنهم أبطال حقيقيون وبواسل، يذكرونك بالأسلاف، الذين صنعوا التاريخ، وتركوا صفحاته مفتوحة للذين سيأتون من بعدهم، لكن للأسف، الذين جاؤوا لم يقرأوا جيداً.. لقد قال الرجل عن صديقك وهو يأتي بذكر المزرعة، كمن بترت شهوته قبل بلوغ الذروة، رجل، تلمظ ولعق ريقه، وهو يتحدث عن مزاج الصديق.. لكن الصديق الذي امتدحه الرجل، بل وحسده على نعيمه، لم يزل بائساً.. صديقك، لا يشعر بقيمة الرخاء الذي تضفيه المزرعة، كما فكر الرجل.. قلت: وماذا سيقول العمال عن سيارته، هل سيقولون إنه رجل صاحب مزاج رفيع، كونه اختار هذا الصنف من السيارات الفارهة، التي تضفي على أصحابها برزخ الفخامة والعظمة..
تهز رأسك.. تتوقف وتشعل السيجارة، ثم تزفر الدخان يختلط بالضباب، تذوب أنت في تمازج اللونين، تقول: الأشياء الخرافية عندما تصبح واقعاً تبدو قميئة، ومزرية ومرعبة.. يتصور أن المزرعة ستجلب له السعادة، ويتخيل الذي يقطن في محيطها ينعم بالحياة الهانئة. وأنت تتسلق الأرض الحجرية، تغمرك الفكرة، معتمرا ضباب الصحراء، وكأنك تجوس في كون هلامي فياض، وتفيض بك الأرض، المفروشة بالصلابة، واختلاجات العشب، ونشيج الحيوانات الباحثة عن ثمرة الجنة..
مغامرة، قلت متحداً مع وجودك: مغامرة أن يتعرى داخلك، وسط مكونات الطبيعة التي تحللت من أردية الكون، المخادعة، وتصير في النهار تحت بياض الأرض، التي استقبلت أشعة الشمس اللاهبة باستسلام، وتلحفت بغشاء شفاف من العشب الصحراوي، الأشبه بشعر رأس رجل، أصلع إلا من شعيرات متناثرة عند قمة الجمجمة.. تقول إنك، خلي القلب وأنت تجوس الصحراء الواعدة، بعراء مهيب، تقول إنك شيء باهت من هذه الأشياء، الشاحبة، المعطرة بتواريخ مجهولة، وكأنها قطعة أثرية، بلا معنى.. الذين، استوطنوا هذه البقعة الجغرافية كانوا أبطالاً، بحق، بواسل إلى درجة التفاني من أجل إحياء رميم التراب، المتعافي من رهط الطبيعة القاسية، الصخور وحدها هنا التي تتلاقح عن يقين رغبة في البقاء، والصمود، بجرأة، كنساء هذا المكان اللاتي كن يخضن معارك البقاء، ويجلبن على رؤوسهن عطاء الأرض اليابسة من أجل لقمة تسد الرمق.. تتذكر الرجل، الذي أخذ أجرك وحملك مشكوراً بسيارته عندما تلمظ بشهوة يافعة وهو يسمع كلامك عن صديقك ومزرعته المترامية، في جغرافية المكان المتناهي إلى فحولته.. تتذكر رضابه الذي سأل، متوجعاً، متألماً من دون قناعة تذكر، وكذلك، تتذكر عمال الحفر، الذين يحلبون التراب ليجلبوا الحصى مختلطاً مع العرق، واللهاث المريع. تقول: يظل الوهم رغبة قابعة في الصدر، تمتد جذورها إلى ما لا نهاية، والخوف من الفناء، مساحة ضوئية، ضالعة في التأثير منذ الأبد. يسلبك التذكر، وأنت رحى تدور حصاتها دون توقف، تطحن دقيق القلب، وتنفض عرقاً، ثم تقدح الروح، بمسحل الحلم الفتاك، عندما داهمك أبو سيف بأفكاره الجديدة، امتعضت، ولم تتوسم فيه خيراً، لأن يقينك يقول: مادامت المرأة لم تزل تهيم بين أضلعه كالجرادة الجائعة، ويطعمها هو من نزيف نزواته بلا توقف، فلا داعي للوهم، ولا أمل في أن يخرج الرجل من شرنقة عبثيته التاريخية.. عندما نظرت إلى عذاب، ولمحت الشعاع الكينوني يفيض من مقلتيها، شعرت بأن الرجل لم يزل في غي السنوات العجاب، ولم يزل يستحم بعرق الشهقات السادية.. هذه المرأة العملاقة، تجرد مساميرها الحادة، لتنغرس في روحه، فتبقيه كما هو وإن حاول أن يتباهى بدنيوية جديدة مغايرة..
عند باب المزرعة، تقف، الوقت نصف النهار تقريباً، تنادي بصوت متعب، من حنجرة مضخمة بالبصاق.. تبصق أنت، ولا تدري، لماذا تقذف بصقتك بعنف، أهو تذمر، أم تمرد، بالفعل لا تدري، ولكن، شيء ما كتم على صدرك، وشعرت بالضجر يتسلل إلى صدرك. وتتصفد بالاختناق.. يأتي الخادم مسرعاً، يصفق ساقيه النحيلتين، السمراوين، المعفرتين بالغبار، وطين التعب، يقف أمامك ناظراً إليك بعينين ذليلتين، تشفق على حالته، تتضامن معه عاطفياً، تبتسم، ويشيعك بابتسامة باهتة.. تقول: لا أشك أبداً في أنه يكرهني في داخله، كما أنه يكره سيده..
فهو لا يحب أبا سيف.. الذين يجلسون في القاع، يحقدون على الذين يتربعون عند القمة، أياً كانوا، من يحرث الأرض بأظافره لا بد أن يرمق من يستخدمه بعين الشرر، فقد قال الشيخ ضاوي: إن أم الدويس لعنت زوجها وأرادت أن تنتقم منه لأنه فكر في اغتيال ابنائها، كونهم جاؤوا مشوهين.. الانتقام حيلة من يسقط تحت سياط الظلم..
استقبلك الصديق بترحاب جم، احتضنك، ولف ذراعيه حولك، في لقاء حميم.. وكذلك فعلت وأنت تشعر بالطمأنينة..
رغم المسافة التي تشق ندبها بينك وبين الصديق، إلا أنك تشعر بالسعادة، وتدخل إلى قلبك مشاعر هادئة، لما تجد نفسك في حضرة أبي سيف.. لم يحضر أحد عنده اليوم.. ازداد شعورك بالأمان، وهو يجلس قبالتك بملابسه الداخلية.. القميص القطني والإزار الأزرق المخطط بالأحمر والأبيض.. لم يسألك عن رغبتك، بل سارع على الفور ليعد الشاي الذي تفضله على الطعام والشراب.. ساورك الظن وأنت تتأمل هيئته الواجمة شيئاً ما، أنه قد تشاجر مع إحدى عشيقاته.. ولما قدم لك كأس الشاي، قلت متسائلاً: وجهك شاحب.. أتشعر بوعكة..
همهم ضاحكاً.. لا بالعكس، أنا في أتم العافية.. يبدو أن ضوء الشمس، الذي ضرب عينيك، بدل اللون الزاهي بالشاحب..
لكنك لم تغير رأيك.. صمت غير مقتنع بما يقوله، لكنك لم تبادر في مناقشته، فقد لا يعنيك الأمر كثيراً، في المجادلة حول قضية قد تبدو تافهة، المهم أنه يشعر بالعافية، حتى وإن كانت ظاهرية..
تتلفت.. تنظر في أركان الغرفة..
يفاجئك قائلاً: التي تبحث عنها سافرت إلى بلدها..
ترفع حاجبيك، وكأنك مشغول بشأنها.. سافرت.. لم..؟
يقول: وهل يهمك الأمر كثيراً..؟
تقول، متبجحاً: لا، بل مجرد استفهام..
يقول: هي في الأصل جاءت إلى هنا بتأشيرة زيارة..
تقول مازحاً: وأنت تصطاد كل اللاتي يأتين بتأشيرة زيارة كونهن يمثلن بضاعة طازجة لم تدنس بأيدي الغير.. أليس كذلك..
يهمهم.. مبتسماً.. لا.. أظن أنك تبالغ، هي الصدف التي تخلق مثل هذه اللقاءات، وكما تعرف صاحبك تمتع بمشاعر رقيقة ولا يهون عليه ترك عابري السبيل، بلا ملاذ..
مستفيداً من رابطة العلاقة التاريخية المديدة. تقول معنفاً إياه: ألا تجوز عن تصرفاتك الشنيعة: أيعقل أن تمرغ عمرك في الرغبات الطائشة..
يجلجل ضاحكاً.. قائلاً بعبارة تهكمية: أليست أفضل من أن أهيم في البراري بحثاً عن وهم، لا جدوى من نتائجه، سواء أكانت سلبية أم إيجابية..
تمتعض قليلاً.. تغضن حاجبيك، مبتئساً، قائلاً بلهجة جافة: الوهم الذي تتحدث عنه هو الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا، أنت لا تبالي بكل هذا لأنك مأخوذ بعلاقات جنسية عابرة، وتعيش هنا في برجك العاجي، متسكعاً بين أجساد النساء، وتضاريسهن التي تشبه بعضها..
يقول واجماً: لا تظن بصاحبك هذا الظن السيئ، أنا لست دونجوانياً، ولا أنا زير نساء، كل ما أفعله هو مجرد إسعاد نفسي والأخريات بقدر الإمكان..
تقول محتداً.. تسعد نفسك على حساب ضعف من لا حيلة لهن غير بيع لحومهن..
يلوح بأصبعه: لا يبعن لحومهن، بل يقدمنها طواعية وعن طيب خاطر.. ثم يستطرد: يا أخي، لماذا لا تريد أن تفهمني، أنا لست مستغلاً، ولا طاغية.. أنا إنسان طبيعي، وأشبهك في كثير من الصفات، فقط الأسلوب..أسلوبي الفج هو الذي يجعلك تنفر من تصرفاتي.. المرأة يا سيدي زينة الحياة الدنيا، المرأة التي تخشاها أنت، هي المحتوى والمضمون..
يرتعد بدنك.. تشعر بأنه، يقصم ظهرك، بكلمة «تخشاهن»، تشيعه بنظرة عتاب، تتفحصه.. وتشع من مقلتيك دمعة، حبيسة.. تقول بصوت متحشرج: أنا لا أخشى النساء، وإنما أتحاشاهن، لأنني أخاف من تلويث الذات..
يضرب كفاً بكف.. قائلاً بحسرة: تلويث الذات.. وهل هن كلاب..؟
قلت: لا.. لم أقصد ذلك، ولكن اللهاث خلف الجنس تلويث للفكرة التي أسعى إلى تحقيقها..
يقول برماً: يا أخي.. أتعبت نفسك، وأتعبتني.. ما هذه الفكرة الجهنمية التي تريد أن تفجرها في وجه العالم.. ألم تتعب من البحث أم أن علم النفس شوه الأشياء في عينيك إلى درجة أنك لم تعد قادراً على معرفة الحقيقة؟
تقول، منبجس القلب: علم النفس لم يشوهني كما تدعي، بل إنه فتح أمامي مجاهيل كثيرة، قد لا تعيها أنت..
يتدخل ضارعاً.. صدقني.. أنا أحبك كثيراً، وأتفق معك حول مفاهيم كثيرة، لكن كل ما أريده، أن تخرج قليلاً من هذه العتمة التي ورطت نفسك فيها، ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً بحدة: اخرج يا أخي.. اخرج..
تتورط أنت في حواره، تحاول أن تنسحب، تتقهقر قائلاً: اسكب لي كأساً ثانية..
يسكب، وعيناه تحملقان في وجهك، ثم يقول: لا تجزع، أعرف أن هذا الكلام يسري في صدرك مسرى السيوف الحادة، ولكني أردت فقط أن أمازحك..
تبرد قليلاً.. تفتل شاربيك، تتأمله، تفكر فيه، وأنت تعرف أنه يعيش حياته هنا، وفي صدره غليل النيران، ولم يختر منفاه هنا إلا لأنه رفض التعاطي مع الآخرين بالشكل الذي يريدونه، لكنه اختار أيضاً الطريق الخطأ.. تعرف أنه مثقف جليل، لكن إحباطه ألزمه العزلة الطوعية، ولأنه لم يعبأ، بالعقائد كثيراً، استحال إلى شخص ماجن، إنما سجيته ليست كذلك. قلت متسائلاً: ألم تقل لي إنك لفظت الماضي التليد الذي كنت جزءاً منه.. هل مازلت على العهد أم لا..؟
يخفض بصره، يزم شفتيه، ثم يرفع رأسه قائلاً.. صدقني أنا كائن آخر، أنا الآن أشعر وكأنني انسلخت من قوقعة ودخلت في رحاب واسع.. الفتاة التي مقتها، كانت سبباً في خروجي من الظلمة إلى النور.. أنا الآن، أشع بنور وضياء لا تتصور مدى حجمه وتأثيره في نفسي..
شعرت بالفرح.. قلت: ولم إذاً تجادلني..؟
قال في اهتمام بالغ.. لكن يجب أن تفهم، الخرافة التي تعتني بها، أنا لست مقتنعاً بها، ولن أقتنع..
عندما حلف لك بألا تغادر مكانك لتبقى معه هذه الليلة، انتابك شعور بالفرح، حاولت أن تتملص مجاملة، لكنك، تحت وصاية إصراره، أحسست بأنه يستجيب لرغبة داخلية، لديك، فنزعت القندورة، والمعصم، وقذفت بالعقال أيضاً، واسترخيت.. لازمك شعور بأنك لتمضي ليلة شاعرية، في خميلة صاحبك، وزقزقة العصافير، الحالمة بحثاً عن ملاذاتها، وحفيف الأوراق، المشاغبة وهي تترنم، بأيقونة الوجود الكلي.. تقول: إن الأشجار والأحجار، والأرض والكائنات الحية الأخرى، تتوحد ليلاً، تنسجم، وتعود إلى جبلتها الأولى، وتفتح الأرض، دفاتر التاريخ تتلو صفحاته على كائناتها التي تكونت من نفس معادنها.. في الليل، تتستر أشياء وتشهق أشياء، ويسيل رحيق الحياة، على ترائب الأرض المخلدة وتتذكر الأشجار، أشجار الغاف بالذات، يد قاطعي أغصانها، وحارقي حطبها، وكذلك همسات النساء اللاتي اختلين بعشاقهن، ساعة غفلة من الملأ، والطيور، تبدو حارسة، مجلجلة، متلجلجة وهي تسبح في الفضاء، تتبعها عيون النجوم المشعة، والناس بعضهم من غط وبعضهم ربما يبدأ سهرته في الساعات المتأخرة من الليل، لا متأملاً، ولكنه متزمل بما طوقته به دنيانا المليئة بالأحداث والتصاريف المحزنة..
جلست وطلبت من صاحبك أن يسقيك شاياً.. في هذه الليلة سيكون هو الخادم، النادل، والساقي الذي لا يكف عن إروائك بالسائل الأحمر الذي تحبه..
تقول إنك، انشغلت بكلام أبي سيف، ولمحت في عينيه بريقاً، يخطفك إلى أماكن بعيدة، وشاهقة، رشيقة، قلت لا يمكن أن ينبع من هذا المعدن إلا ما هو نفيس، أبو سيف حتى وإن كان نزقاً، إلا أنه ينتمي إلى فكرة سامية، وراقية، وهذا ما يجعلني أحبه، وأحس بالدفء وأنا أقابله، ولا أستطيع أن أقول إنني أحب هذه الأماكن الموحشة، كما يحبها هو، لكني أحببتها فعلاً، كونه يقطن فيها..
أبو سيف، صديق عمر، تربينا معاً، في الطفولة، وأيام الدراسة المدرسية، وفي الجامعة أيضاً، لكنه اختار الدراسة الجامدة، العلمية، ولم يكن، يعبأ بالنظري، بل كان يقول، هذه دراسات لا تؤكل عيشاً.. كان يضحك مني عندما يجدني أحتضن كتاباً في الفلسفة، ويسخر قائلاً: نعم يا فيلسوف زمانك، إلى ماذا توصلت.. أتريد أن تخترع نظرية جديدة في الكون؟ أتريد أن تفجر العالم باكتشاف جديد غير الذي جاء به داروين.. ويضيف.. بالتأكيد، ستقول إن أصل الإنسان، حمار، لأنه ليس لدينا هنا قرود، إنما الحمير تملأ الصحارى، وكذلك البيوت، ثم يجلجل ضاحكاً، لم أكن آخذ كلامه على محمل الجد.. لم أكن أمتعض منه، لأنني أحبه وهو أيضاً يشاكسني لمجرد إثارة جو من المتعة..
وتقول، ما يحزنني الآن هو هذه المسحة الغامقة من الحزن، التي تشوب وجهه، على الرغم من أنه يحاول أن يغطي ذلك بالابتسامات الباهتة، والنكات أحياناً، إلا أن نبرة الصوت التي أسمعها، لا تخرج من صدر منشرح، بل تندفع، كالحميم من جوف يختزن آهات وأنات.. تشرب الشاي، ويجلس أبو سيف قبالتك، يشيعك بنظرات ترحيبية، وأنت سعيد بجبوره، سعيد بقضاء ليلة بعيداً عن تلك الغرفة، الصامتة الجامدة، صحيح تشعر بوله، وشيء من الغربة الداخلية، لكن أحياناً.. تقول: إن هذا الإحساس يشيع لذة في النفس، كما هو الألم.. تستدرك: طبعاً أنا لست مازوخياً، ولكن طبيعة بشرية تتخللها أحياناً بعض التناقضات، والغرائبية..
يقول صاحبك: اشرب الشاي، وتكلم معي.. لا تنشغل بالشاي وتدعني أنظر إليك، كما ينظر الإنسان إلى تمثال حجري..
تضحك.. تقول: أحياناً الصمت أبلغ من الكلام، الصمت فلسفة الناس الذين ينظرون إلى الحياة نظرة عمق..
لم يتضايق، لكنه هز رأسه، بتململ مصطنع.. قائلاً: يا أخي، أوجعت رأسك ورأسي بهذه الفلسفة، ثم يستطرد: إن لبدنك عليك حقاً.. أعط هذا الرأس فترة من الراحة، فكر قليلاً كما يفكر الآخرون بسذاجة.. أحياناً السذاجة تكون فلسفة، لكنها فلسفة الناس الأبرياء العفويين، الأنقياء، الذين لم تشوههم النظريات المعقدة..
تنظر إليه، وتعلو وجهك ابتسامة عريضة، تتخيله وهو ينظر، وكأنه بوذا، ولكن بثياب عربية، وطموحات أبي سيف الذي تعرفه.. تقول.. كل شيء في هذه الحياة فلسفة، ولو أردت الهروب من الفلسفة فلن تتمكن، وها أنتذا، جئت إلى هنا، لذت بالعراء، طوقت نفسك بعزلة قاتمة، جلست خلف الظلمة، اختبأت عند زاوية من الصمت، وحبست أنفاسك، كي تتلصص عليك النجوم، فهل تشعر حقاً بالسعادة التامة؟.. هل حققت كل ما أردته لمجرد أنك وجدت في هذا المكان القصي؟
يضع سبابته في صدغه، يتفرس في وجهك، يطرف جفنيه طرفات متدثرة، ثم يقول: لا بالطبع لم أشعر بالسعادة..
تقول إذاً لماذا تخدع نفسك وتظن أنك فعلت المستحيل حتى طلقت الحياة العادية وهجرت الناس..
يهاجمك قائلاً: وأنت كذلك انقطعت عن الناس.. أليس كذلك..؟
تقول: أجل.. فعلت ذلك، ولكن ليس لأجل أن أمضي أوقاتي في بيت بلا معنى، وأتصور أنني قد نجحت في تحقيق الذات..
يقول: لم آتِ هنا لتحقيق الذات..
تقول لماذا إذاً؟
يقول.. لأنني سئمت أشياء كثيرة.. لا أحبها..
تقول: الابتعاد عن الشر لا يحل المشكلة.. المواجهة هي الحل..
يفتح بصره، ويحدق دهشاً: مواجهة.. مواجهة من؟
تقول: مواجهة الحقيقة..
يصفق بيديه.. برما.. أمازلت متمسكاً بهذه الحقيقة التي تقتلني بها؟
تقول: بدونها، تبقى الحياة غائمة بلا مطر..
يقول: استحلفك بالله.. لا نريد أمطاراً، وأنت تعلم ماذا تفعل الأمطار في شوارعنا، وأحيائنا، وبيوتنا.. الجفاف أهون من المستنقعات..
تبتسم.. تقول: دعك من الأمطار التي تأتي بها غيوم السماء، ما أقصده أمطار الحياة، أمطار الناس، الأمطار التي تعشوشب لها القلوب وتتخلص من الخرافة، والأوهام، والأحلام المؤجلة..
يغضن حاجبيه، وينظر إليك بعجرفة.. يقول: وتعتقد أنك تستطيع أن تغير كل هذه الأشياء بمفردك..
تقول: لا بالطبع.
يقول: إذاً كيف ستحل هذه المعضلة؟
تقول: بك..
يشير إلى نفسه، واضعاً سبابته في صدره قائلاً: أنا؟
تقول: نعم أنت.. ولم لا؟
بهز رأسه، قائلاً: عفواً سيدي الفيلسوف، أنا لا أنفعك أبداً..
تقول: ولم؟
يقول: جئت متأخراً..
تقول: متأخر.. ثم تقول بإصرار.. مازلت شاباً يافعاً، وتستطيع أن تفعل الكثير، وإمكانك أن تخرج من هذه العزلة، لآفاق أرحب..
يقول: لم أقصد العمر، ما قصدته أنني خرب من الداخل..
يستفزك.. تثب. تقول: هذا يأس وليس خراباً.. أنت سمحت لليأس بأن يتغلغل داخلك واكتفيت باستقباله بترحاب، وجلست متقاعساً، راضياً، في هذه الحياة التي لا معنى لها..
ينهض أبو سيف.. اعتقدت أنه سيقول لك، انصرف من هنا.. اغرب عن وجهي.. مد لك يده، قال: قم..
بحلقت.. تقول إلى أين؟
يقول: إلى الخارج..
تقول: الخارج.. وماذا نفعل في الخارج، وسواد الليل يغطي المكان، وأنا أكره الظلمة الموحشة..
يقول: وأنا أحبها، ثم مازحاً.. أنا صاحب البيت وليس أنت.
تضحك.. تذعن لرغبته. يأخذك إلى مصطبة، حجرية، أضيء ما حولها بإضاءات خافتة، فبدت كجوف قاعة، سرية، لا يطأها إلا الخاصة..
تقول: لم جئت بي إلى هنا.. كنت مستريحاً في الغرفة، والجو لطيف..
يقول: بل هنا ألطف.. ثم يمزح.. أنت عالم نفس، ولك أن تتأمل في خلق الله البديع. لك أن تنظر إلى هذا الكون الفسيح نظرات منفتحة.. الخروج أحياناً من الحوارات المنغلقة يسنح للعقل بأن يلتقط الإشارات الضوئية الصحيحة، فيرى نور الحقيقة.. ويمزح ثانية: ألا تريد أن ترى الحقيقة؟
تضحك، لكنك كنت تشعر بأزمة داخلية.. تريد أن تمسك بزمام الحديث، وهو يحاول أن يتهرب كطبعه في معالجة القضايا..
يقول أبو سيف.. ألا تريد أن ترى أم الدويس بعينيك؟
تقول، ساخراً: لو كنت تعرف أن أم الدويس ستأتي هنا لتبولت في ثيابك، وخررت صريعاً في مكانك..
يضع يده على كتفك.. يقول: كم أنت جميل، ورائع، حتى عندما تكون حانقاً..
تقول بصوت شجي: لأنني أحبك.. أحبك كثيراً يا أبا سيف، وليس لي أصدقاء أعز منك.. لكنك.. وتغضن جاجبيك..
يقاطعك: لكن ماذا؟ قل ولا تتردد..
تزم بوزك.. لا أدري.. ثم تطرق.. أشعر بأنك تبتعد عني أحياناً كثيرة..
يفرك جفنيه.. يقول لك، أنت بحاجة إلى امرأة..
تقول محتجاً: وماذا أفعل بها؟
يقول: أنت تعاني من احتباس..
تضحك بسخرية.. تقول: احتباس؟ وكيف اكتشفت ذلك يا ذكي..
يقول: صدقني.. لا أمزح.. المرأة لديها مؤهلات تستطيع أن تخلصك من حياة التأزم..
تهز رأسك نافياً.. لست متأزماً..
يقول: بلى.. والدليل، أنك تنظر إلى الحياة وكأنها حقل جاف.. وهذا دليل أنك بحاجة إلى من يرطب لسانك..
تتفرس في وجهه.. تقول: أنت جاد..
يومئ برأسه، أجل.. يجب أن تفك هذه العقدة..
تتزلزل الأرض من تحتك، تشعر بأنه قصمك إلى نصفين، وأطاح برأسك.. تقول.. والكلمات ترتجف على شفتيك الناشفتين: أدعوتني للمكوث معك هنا لكي توبخني، وتطعنني في الصميم..
يقول بلهجة هادئة: أرأيت.. قلتها بنفسك.. أطعنك.. ثم يستطرد: لم أرد إهانتك، ولكن هذه هي الحقيقة.. وأنت قلت قبل قليل، يجب مواجهة الحقيقة..
تستدير جانباً، وكأنك تريد أن تهرب.. تريد أن تقفز قفزة واحدة، توصلك إلى غرفتك المعتمة.. تنام على فراشك الهادئ من دون زلزلة.. تقول: الحقيقة.. أنا أبحث عن الحقيقة.. ولكن الحقيقة تبدو كامنة في أشياء أخرى، وليست بين أفخاذ النساء..
يقول مازحاً: ليس من الضروري أن تبحث عنها بين الأفخاذ، خذها من أماكن أخرى، تضاريس النساء واسعة، ورحبة وسخية، وعليك أن تختار، ثم يسقيك كأساً آخر، يقول: اشرب من خمر المسلمين، ادلق كأساً ساخناً لعلك تهدأ قليلاً..
تقول: لست متوتراً..
يقول: بلى.. لكنك لا تريد أن تقول الحقيقة..
تضحك برماً، وأنت تشيح وجهك جانباً.. تقول: منذ أن عرفت كلمة الحقيقة وأنت تلوكها كما تمضغ النسوة اللبان.. صدقني أشعر بالتقزز من أسلوبك، وأود لو أغادرك إلى مكان آخر..
يقول منزعجاً: تغادرني؟! كيف يهون عليك صاحبك، تتركه وحيداً في وحشة الليل البهيم؟ ألم تعدني بأن تنام هنا..؟
تقول بلجلجة: سئمت من حديثك الفارغ، وأشعر بأنك لا تملك غير الكلام المسف، وأن العزلة فرغتك من مضمونك..
يقول معاتباً: كل هذا لأنني قلت إنك تحتاج إلى امرأة.. لماذا تكره النساء هكذا؟ هل أضرتك إحداهن؟ قل لي أنا سوف أقتص لك منها..
تقول: لا تمزح كثيراً يا صديقي.. يقولون إن كثرة الضحك تميت القلب، وقلبك لا يحتاج إلى مزيد من الهلاك، فهو هالك لا محالة..
يضحك.. يضحك.. يصدر سعالاً حاداً، ويقول: سامحك الله، كيف تتمنى لصديقك، صديق العمر، أن يهلك قلبه.. فمن سيبقى لك من بعدي؟
تقول: لا أقصد أنه متوقف عن الحياة، بل ما قصدته أنه لا يحس، أنت أصبحت براجماتياً عفناً، وأنا لا أطيق هذه المشاعر..
يقول: الواقعية، أجمل من الخرافة..
تقول: ليس كل ما في الواقع جميلاً، بل إن هناك معطيات تسمم البدن..
يقول: كلامك صحيح، لكن التعامل مع الرذيلة بواقعية، يذهب فاعليتها..
تقول: أنت تخادع نفسك..
يقول: وأنت تكابر..
تقول: إذاً لماذا نتناقش؟
يقول: لنصل إلى الحقيقة..
تقول: حقيقة ماذا؟
يقول: حقيقة كل شيء..
تقول: كل شيء؟
يقول: أجل..
تقول الأشياء لا تؤخذ بالجملة، فأنت لست في سوق البطيخ..
يقول: الحياة بطيخة كبيرة..
تقول ساخراً: كيف؟
يقول: قد تكون حمراء وقد تكون خضراء..
تقول: وكيف تكتشفها؟
يقول: عندما نقترب منها، ونبحث في تفاصيلها..
تقول: الشيطان يكمن في التفاصيل..
يقول ممتعضاً: هذه خرافة.. معرفة الأجزاء توصلنا إلى الكل..
تقول: وما هي أجزاء الحقيقة؟
يقول: جزءاً منها المرأة..
تبتئس: عدت أيضاً إلى المرأة..
يقول: ولم لا؟ هي جزء من الحقيقة..
تقول: كيف؟.. أفهمني..
يقول: عندما يتحاشى رجل مثقف مثلك الاقتراب من المرأة، فهذه معضلة يجب الاقتراب من فحواها، يجب دراستها..
ترتعد فرائصك، يسخن بدنك، تعرق، تقول: لكني لا أخشى المرأة..
يقول: إذاً لماذا تتحاشاها؟
تهز رأسك: لا أعتقد أنها مجدية..
يقول: ولماذا إذاً خلقت.. لأجل أن نكرهها..
تقول محتجاً: أنا لا أكره المرأة..
يقول: الابتعاد عنها، شيء من الكراهية..
تقول: لا تفهمني خطأ.. أنا لا أكره المرأة..
يقول: ولماذا إذاً، عندما شاهدت عذاب، شعرت وكأنك تلاقي أم الدويس.. أليست تلك امرأة.. وحسناء؟
تتبدد أفكارك، وتلتصق جدران الغرفة، من حولك، تفرقع عظامك، تريد أن تصرخ، تقول: لنعد إلى غرفتنا، أشعر بالاختناق هنا، أشعر وكأن وحشاً ضارياً يطاردني..
يقول: هذه المرأة التي تكرهها..
تقول بصوت مزمجر، أرجوك، لا تحطمني بأقوالك العقيمة، دعني وشأني.. تفر من المكان، تذهب إلى الغرفة، يتبعك، تدلفان يجلس قريباً منك، يربت على كتفك، يقول: اهدأ.. سأصنع لك شاياً ساخناً يعمر طاسة رأسك..
تلجم فمك.. تنكفئ مرتعداً، معرقاً، مكتوياً.. تردد في سرك.. المرأة.. المرأة.. أيعقل أن أم الدويس امرأة، وهل صحيح أنها تملك ذراعاً عملاقة وقوية؟ يا إلهي، أريد أن أشاهدها وأموت بعد ذلك، لا أريد أن ألهث خلف سراب.. المخرفون يتحدثون عن فظاعتها، يفصلون ويؤولون ويسورون، العقل بهالات خرافية، مذهلة.. أريد أن أرى هذه المرأة الهائلة، أريد أن أقبض عليها متلبسة بجريمة، لأقتنع بحقيقتها..
يقدم لك أبو سيف الشاي، يقول مبتسماً: جرب السكر.. مناسب.. ترشف الرشفة الأولى، تهز رأسك، تقول: جيد..
يقول أبو سيف.. الآن حلق كما شئت، اشرب الشاي وطر، أينما تريد أن تسير، ولن أتدخل أبداً، لن أشاغبك، ثم وهو يربت على كتفك.. قائلاً: لا تنزعج مني، ولكن أنا على يقين، ستقتنع بعد زمن قليل بكل ما قلته.. ثم يضيف قائلاً: مشكلتك ليست مع أم الدويس، وإنما مع قضية أخرى، لن أقول المرأة حتى لا تتهمني باستفزازك، ولكن كل ما أريده أن تسأل نفسك بنفسك، لماذا لا تشكل المرأة بالنسبة إليك قضية محببة، تدفعك إلى الاقتراب منها؟ أليست المرأة جزء من الناس؟
تقول: نعم جزء من الناس..
يقول: إذن، لا تجزع من الحديث حولها..
تصمت.. تفكر..
تقول في سرك: عندما تحضر المرأة، تستحضر معها الأسئلة الغامضة، والمخيفة، وربما يكون صديقك على حق، لكنني لا أستطيع أن أفشي أسراري بهذه السذاجة.. تمقت هذه الفكرة.. تقول: لا أشعر حيالها بأي بغضاء، هو مخطئ عندما يصفني بالمعقد، وربما يريد من وراء حديثه تبرير سيئاته التاريخية الفظيعة، ربما يريد أن يتخلص من بعض عقده التي تلازمه على مدى أيامه.. أحياناً أشعر بأنه يريد أن يكفر عن ذنوبه بمجرد الإطاحة بأفكاري العظيمة، هو يعلم أنني فيلسوف غارق حتى أذنيّ في البحث والتقصي، فلماذا يصمني بعار الكراهية للمرأة.. تلبث هكذا، تحك صدغك، وتفتل شاربيك، وتتلمظ، تريد أن تخرج من دائرة مغلقة لكنك تشعر بتحطم عظامك، وأنت تغوص في التفاصيل الشائكة.. المرأة.. المرأة.. كلما استأنفنا الحديث عن الحياة، أقحم المرأة على الطاولة، وصار يلعق رضابه بتشهي كأنه الظامئ، ثم يبدأ في كيل الاتهامات المؤذية لي.. لقد مضى على صداقتنا عقود من الزمن، أي أنه صديق طفولة، لكنني لم أعد أفهمه جيداً، متقلب، متغير، مزدوج الشخصية، ورع ملتزم في ساعة، وفي ساعة أخرى نزق، شهواني إلى درجة تقديس جسد المرأة.. أرغب أن أخرج من مجالسته في يوم، وأنا مقتنع بأن لي صديقاً يكافئني على جهودي العلمية، بالإشارة، والإطراء، لكنه للأسف دائماً ما يفاجئني بالخذلان، ويضطرني إلى أن أكرهه..
أبو سيف ينهض.. يحاول أن يغير مجرى الحديث، يتحرك في محيط الغرفة جيئة وذهاباً، ثم يتجمد عند طرف قريب منك.. يقول: يسعدني دائماً أن أراك مبتسماً لكنك وللأسف قلما تفرج شفتيك عن ابتسامة تكافئ هذه الطبيعة الباهرة على إبداعها المذهل.. أريدك أن تتحرر من الانطواء المزري، أريدك أن تحلم بحياة أزهى، ويستطرد.. دعنا من الآخرين.. فإذا كانوا منحرفين وغير أسوياء، فلماذا لا ننجز نحن عالمنا الخاص؟ أو لماذا لا نتخلص من سوداوية الآخرين؟ كنت تمنحه ظهرك.. تستدير، تنظر إليه بإمعان تقول: وكيف نتحرر من الأصفاد والأقفال بأيديهم..؟ ألست أنت الذي قلت إنهم أوغاد، وأنذال، يمضغون الخرافات كما تجترها العاهرات قبل أي منازلة جنسية خسيسة؟ فلماذا الآن تنقلب رأساً على عقب، وتبدو كأنك، الملاك الذي يهبط من السماء ليحرر العالم، من رجس الشياطين؟
يقول: مشكلتك أنك لم تفهمني.. صحيح أنك صديق عمر لكنك مازلت تجهل توجهاتي، ومشاريعي الإنسانية..
تقول: وما هي مشاريع الصديق العزيز..؟
يقول: هي أن أعيش متصالحاً مع نفسي، أن أتطهر من غبن الآخر، وأن أحيا حياة البوذيين.. وهي تعجبني جداً..
تقول دهشاً: إذاً أنت بوذا جديد..
يقول: لا.. بل أنا معجب فقط بهذه الانثيالة النفسية الرهيبة، التي تمنح الإنسان القدرة على الحلم، والتمسك بالقيم الإنسانية الرفيعة، من دون الإمعان في الإضرار بالآخر..
تطقطق.. تهز رأسك. مستغرباً.. تقول: ليتك تتخلص من هذا الاحتيال الفكري.. بوذا لم يكن زير نساء، بوذا لم يتعبد عند فرج امرأة..
يحنق.. وأنا لم أفعل ذلك، هذا وهم أنت ترتكبه فحسب، كما تتوهم، أشياء أخرى... قلت إنك لم تفهمني، وهذا جلي الآن في لهجتك الحادة..
أحسست بأنه احتقن، فأردت تطييب خاطره.. تقول: لا تجزع هذه مصارحة صديق لصديقه، وإن كنت قد قسوت عليك فسامحني..
يتجرد من كظمه.. يحاول أن يغبطك بالمحبة التاريخية التي سارت عليها الصداقة العريقة.. يقول.. لن يزعجني انتقادك، بل هذا يدفعني إلى أن أفهمك وألتذ، وإذا فهم كل منا الآخر نستطيع أن نحلم معاً بقاسم مشترك واحد..
تقول: عافاك الله، ونعم الصديق، ولكنني أريد أن تفهم شيئاً واحداً، هو أنني رجل شديد المراس، ومن يريد أن يتبعني لا بد أن يتحلى بأخلاق، وأنا من قيمي ألا أتطرق إلى قضايا المرأة وأقحمها في أتون القيم الكبرى..
يعتدل في جلسته.. يقول بلهجة جادة وحادة.. صديقي العزيز، لو لم نتطرق إلى المرأة، فإننا نكون كمن يريد أن يتسلق الفراغ.. المرأة، ليست جنساً كما تعتقد، المرأة كائن شائك، يحتاج إلى قدرات خارقة كي تفك الشفرات، وأستميحك عذراً، لأقول، إن التخلف المزري الذي ترزح تحت طياته الثقيلة سببه بؤس المرأة ورجس الرجل..
تأخذ نفساً عميقاً.. تشعل سيجارة، تقول: لقد أتعبتني اليوم، أشعر بأنك شخص آخر غير الذي كنت أعرفه، تخوض في قضايا، لا تجعل الحوار معك سهلاً..
يقول ضاحكاً: ألست أنت الفيلسوف.. فلا بد أن يكون معك الحوار شائكاً..
تقول: لكنه أيضاً، تافه في بعض جوانبه..
يقول برماً: كيف؟
تقول: لأنك توغل الأشياء في الأشياء، وتوغر صدر محدثك، بحقن سامة، ما يستدعي الملل والسأم.. دعنا نتحدث رويداً رويداً.. ثم ننتقل إلى موضوعات الساعة التي تريد مناقشتها..
يقول في حيرة: وماذا تريد أن نتحدث عنه؟
تقول: أم الدويس..
يضرب كفاً بكف.. يقول، حانقاً: عدنا لنفس الموضوع.. ثم يستطرد قائلاً: أنت لا تريد أن تخرج من هذه الدائرة المغلقة.. أنت حبست نفسك في سجن أم الدويس، ولا تريد فك الأغلال من معصميك..
تقول بإصرار: هذه قضيتي.. إن شئت فساعدني وإن لم تشأ فهذا شأنك ولن أرغمك على شيء لا تحبذه..
يقول مضطرباً: وماذا تريد من أم الدويس؟ لقد شرح لك الشيخ ضاوي ما يكفي شرحه، وأوضح لك كل التفاصيل التي تريدها.. ماذا بعد؟
تقول: لقد قال القصة الكلاسيكية، ولم يفصح عن علاقتها بالمرأة.. ما أريده.. لماذا أم الدويس امرأة، وليست رجلاً..
يضحك.. يقول بسخرية: هي هكذا، الله خلقها امرأة، ماذا تريدنا أن نفعل؟ أتريدنا أن نعيد خلقها من جديد ونحولها إلى رجل..
تقول متهكماً: اسمح لي أن أصفك بالغباء.. فعلاً فأنت غبي..
يبتسم.. يقول: مقبولة منك..
تقول.. معتذراً: لقد حيرتني، وتجيب عن الأسئلة يستنكف طالب في الابتدائي أن يجيب عنها.. فما علاقة الله بأم الدويس؟
يقول متواطئاً مع أفكاره اللامبالية.. إذاً ألا تقل لي من خلقها.. أنت.
تقول محتجاً: بل الجهلاء..
يقول: الجهلاء؟ كيف حصل هذا؟
تقول: أم الدويس صناعة بشرية وليست ربانية.
يبهت.. يقول: إذا كان الإنسان هو الذي صنعها، فلماذا يخافها..؟
تقول: نحن بني البشر هكذا.. نصنع الأصنام ونعبدها، وقد قلت لك ذلك سلفاً، ونصنع كذلك المارد الضخم فنهابه.. والأمور تجري هكذا..
يقول: إذا أنت حللت المسألة المعقدة، فلماذا تجهد نفسك في البحث؟
تهز رأسك ممتعضاً.. تقول: أبحث عن البداية، أبحث عن السبب..
يقول: سوف تتعب يا صديقي.. ثم يستلقي على فراشه قائلاً.. صباحك ورد..
تقول: وتتركني وحيداً وأنا ضيفك..
يقول.. أنت لست ضيفاً.. أنت أخ.. واعذرني فقدت أرهقت.
في الصباح الباكر تستيقظ.. تقول، لم أنجز شيئاً يستحق الاحترام.. هذا الغبي يريدني أن أكون مثله.. يريد أن أنام كالقطط مستريحاً بعد إطعام معدتي.. يجب أن أغادر، وربما أكون قد أثقلت، ربما أكون قد فهمته خطأ بحق..
تودع صديقك، وتغادر منزله، وقلبك مملوء بتوجسات المقبل من الأيام، تقول: ماذا جرى لعقلي، لقد أقحمته في متاهات هو أعجز أن يفهمها.. كان في إمكاني قضاء ليلة مخملية، أستذكر معه أيام الطفولة، وأستعيد ذكريات ماضية جميلة.. أبو سيف رجل شهم، ونقي السريرة، لو أنني أطلعته على رحلاتي في العراء، وأخبرته عن الفتاة نيران، لانفرجت أساريره، وبحلق عينيه، وسال لعابه حتى غطى لحيته الكثة.. أبو سيف يريد أن يسمع عن قصص النساء، وكان في إمكاني أن أختلق القصص، وأصيغ جملاً رائعة تلهب وجدانه، يستفيق على أثرها قلبه الأخضر، المعشوشب بشهيق النساء الغارقات من تعب اللهاث، وشقاء الأحلام الوردية.. لكنني كنت صلفاً، متعجرفاً، متزمتاً، متعنتاً، نعته بأوصاف لا ينعت بها إنسان، وأنا على علم بأنه رجل رقيق وشفاف، يحب الإطراء، ويعشق التغزل بصولاته النسائية، فهكذا يجد نفسه، وهكذا يتطور نسله، وهو يزبد ويرغي أثناء الكلام عن امرأة، ضاجعته من المغيب حتى شروق الشمس، ومنحته جسدها بسخاء الطيبين الأفذاذ، ورطوبة الماجدات، الناعسات الكواعب.
تقول موبخاً نفسك.. خسئت.. لقد أحبطته، وثبطت همته، وكسرت عزيمته، لذا، انزوى بعيداً مكظوماً، منحطاً، ونام في أسفل المشاعر المكسورة..



مشيت على قدمين، متهالكتين، يخضك قلب منعدم، وروح تغوص في سحيق الاندحار المريع.. عند الشارع العام، حاولت أن تستجدي العربات المجنزرة، التي تخوض معارك الوجود، بيد أنك فشلت، لا أحد هنا، يلتفت لعابري السبيل.. لا أحد في المكان النائي يتوخى الصبر في السير على الأسفلت.. السيارات تبدو كالصواريخ منطلقة إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن ترى صاحبك الذي أقلك بالأمس، لكن لا جدوى، الأمنيات هنا مجرد سراب، وذاك الرجل لا يتكرر كما لا تتكرر العادات القديمة والنبيلة.. الناس يبدو أنهم خائفون.. مماذا؟ لا تدري، ولكن لا أحد يجرؤ على التوقف في الشارع العام، ويسأل شخصاً ما عن مكان وجهته.. أنت وحدك الذي مازلت تفهم بعض القيم، وتتمنى ألا تزول، ولكن دوام الحال من المحال في مجتمع تطحنه أمواج التغيير من كل حدب وصوب. تشعر باليأس، تحرك قدميك، المتيبستين، تشعر بأنهما ليستا ملكك، تشعر بأنهما تريدان أن تنفصلا عن جسدك، وتفكر أنت أن تمارس غي المشي، رغم التهالك وانسداد الأوعية الدموية عند قاع القدمين.. تمضي قدماً متماسكاً، تقول.. لماذا لم يفكر أبو سيف أن يأخذني بسيارته إلى مأواي، ثم تستدرك: لقد تركته، والنعاس يملأ عينيه، تركته ولم تلتفت إلى نداءاته وترجياته لك بأن تبقى معه وقتاً أطول. فأحس بأنك ماضٍ في قرارك، فترك لك الخيار، لكنك في قرارة نفسك كنت تتمنى في هذا اليوم بالذات، أن يسهم أي مخلوق في مساعدتك.. فسهرة الليلة الفائتة كانت مضنية، هشمت عظامك، وحطمت معنوياتك، صرت كالشيخ الضرير الذي يتوكأ على صخور الصحراء، فتلكمه، بالصلادة، بعدوانية.. لمست بعض الراحة، عند ظل شجرة الغاف.. قلت يجب أن أمنح نفسي بعض النقاهة، ثم أواصل. كانت رائحة الورد الأخضر تفعم أنفك، وتحس بنشوة الناهض من غفوة، جلست على سطح صخرة صغيرة، نظرت إلى الخلاء، ورغم كل ذلك، فالجو اليوم مثالي، لأن الشمس بدأت تتهاوى قليلاً، وشهر سبتمبر، أعدل طقساً من سلفه القابض على الجمرات.. أخذت قسطاً من الراحة، واستأنفت المشي، بعد أن استعدت بعضاً من قواك الجسدية.. استعدت بعض أشياء نفسك المبعثرة، رتبت مشاعرك.. تقول: رغم كل فجاجته إلا أنه صديق يتحمل كل غلظي.. هذه محسنة من محسناته البديعة.. استعدت نشوتك عندما حطت قدماك أرض المنزل..
بعدما فعلت فيك تلك الليلة حامية الوطيس، بعد الاحتقان المزري، بعد المواجع التي تحركت وتصهدت حتى احمر وجه الليل، وارتجفت الجدران، وارتعش السقف الخشبي، وناءت الأشجار في الخارج من ثقل الأنفاس، التي خرجت من شقوق الباب القديم، مسام الغرفة الطينية.. وبعد أن فررت في الصباح الباكر، ليس مهزوماً، وإنما مكظوماً، مثلم المشاعر، تخرجت لا تلوي على شيء، مطوقاً بأحزانك وانفعالاتك التي هدرت وزمجرت حتى ارتعد داخلك ما أهلك جسدك، وجعلك تسير كالمصاب بالدرن..
هل تغادر البيت إلى مكان آخر، إلى أي مكان؟.. أم أنك تحرم الخروج لمدة أيام أو أسابيع.. أو حتى شهور..؟
تقول: لا بالطبع.. ما جرى كان لا بد أن يدور بين صديقين مختلفين في التوجه، وكان من الطبيعي أن يحتد النقاش، وتتصاعد وتيرة اللغة، وأحياناً أسف أنا وأحياناً يسف هو، لكن كل هذا التشعب لن يفسد الود التاريخي بيننا كصديقين.. ثم إنني أعرف صديقي جيداً، رجل طيب القلب، نقي السريرة، مسامح، لا يضمر شراً لأي مخلوق، صحيح أنه ناقم لقيم معينة، لكن هذا لا يعني أنه يكره أحداً بالذات.. وأنا كذلك إن كنت أشد منه فظاظة، وغلظة وهذه سجيتي ولا أستطيع التملص منها، لكن في نهاية الأمر أحبه، وزياراتي له سوف تتكرر، وسأكون أكثر تشدداً في مبادئي، وليكن هو كذلك.. هذا الصديق، كل ما لديه من خصال تعجبني حتى التي لا أتفق معه فيها، ما عدا واحدة.. وهي اعتقاده أن المرأة محور الكون، وليس لأنه يبجل عقلها دائماً لأنه رجل حالم بجسد المرأة، عابد، ناسك، معتزل من أجل اختزال التاريخ، في شهقة أنثوية، تعيد له توازنه.. أنا لا أشك أبداً أنه يعاني تناقضاً في حسه تجاه المرأة، فهذه الأنثى التي يتغنى بها ليل نهار، ويطلق الأناشيد الصباحية لأجلها، هي نفسها الأنثى التي يغتال خصوصيتها، ككائن حي يستحق ألا ننظر إلى أسفله أكثر مما نحترم، ما فوق الأسفل..
تقول.. لقد أغاظني كثيراً عندما تحدث بفجاجة، وصار يرعد ويزبد، عندما جاءت سيرة المرأة، شعرت بأنه تحول إلى كائن آخر، كائن مشتهٍ ومتورم بالجنس حتى آخر رمق.. تصمت.. ثم تستطرد قائلاً: ولكن لا أدري ماذا جرى لعقلي عندما حمي وطيس الحوار، وصرنا، نحن الاثنين، ننبح ككلبين مسعورين، ولو شاهدنا أحد سيقول إن هذين الرجلين يتنازعان على إرث، أو أن لديهما ثأراً قديماً.. كنت أرتعش، وكان يحتد غضباً، على الرغم من أنه كان يشيعني بابتساماته الباهتة بين الحين والآخر، ولكنها كانت كالماء البارد عندما يصب على حديد محمي، ليبرد ويتخذ صلابته، كان يفعل ذلك بهدوء بعد ضراوة، وكان يخفض من لهجته بعد عدوانية شرسة، وكذلك، كنت.. متشبثاً بآرائي، متيبساً كعكب شجرة القرط لا ألين ولا أميل، يجتهد محاولاً أن يطوعني، وأنا أزم شفتي، متعجرفاً.. وهو كذلك حاولت مرات ومرات أن أهدئ من روعه، وأن أستميله، بيد أنه كان يقف متصلباً كالجبل، متزمتاً كشجرة عجفاء بلا ثمر..
تصمت قليلاً.. تفكر.. تقول، متسائلاً: لماذا الارتعاشة. أجل كنت أرتعش عندما توغل في الحديث وعندما حضرت المرأة بقوة في جمله الاستعراضية.. كنت أشعر بالتوجس، وكان قلبي ينبجس، ويتقعر، وينكمش، حتى صرت أحياناً أشعر بأنه سوف يقفز من صدري، ويلتطم في وجهه ليسكته.. تكرر.. المرأة.. المرأة.. تتوتر الآن، تحملق في السقف، تنظر إلى اللاشيء، تبدو لك صورة أنثى شامخة، ضخمة الجسد، عيناها حمراوان، وأنفها ضخم.. تقول: يا إلهي، صورة أم الدويس، كما سجلها لي الشيخ ضاوي في الذاكرة.. كيف دخلت هنا في هذه الهدأة؟ ما علاقتها بالمرأة التي تحدث عنها أبو سيف.. يبدو أنني بدأت أخرف.. ولم يزل البحث الذي أردته في أولى حلقاته.. ماذا جرى لعقلي حتى أسدد كل هذه الضربات القاصمة لصديقي وأرتجف.. أفعلاً كنت أتخيله يتحدث عن أم الدويس، وليس عن المرأة، الإنسانة.. قال لي أنت معقد.. وفعلاً هذه التصرفات المشينة تشي عن نفس مرتبكة، وروح مخذولة، لكني في الحقيقة لم أبدأ البحث لأجل ذلك.. لم أبدأ البحث لأني أريد أن أفك عقدة شخصية.. كنت أنوي أن أدرس هذه الأسطورة.. الخرافة، كنت أريد أن أشبع رغبة طفولية، لازمتني من قديم..
يقولون.. الإنسان عندما يحب موضوعاً ما، فإنه يتلبسه.. يصير جزءاً منه، وهذا الآن يحصل معي، أنا الآن أعيش هذه الحالة..
تهز رأسك.. تطقطق.. لا.. لا.. لست أنا كذلك.. أنا فقط، يلتبس عليّ الموضوع.. تنتفض، تدخن سيجارة، تنفث الدخان، تضرب يدك على صدرك، تقول: أريد أن أنتهي من هذه القصة في أسرع وقت، لقد أرهقتني، أحب أن أعيش حياتي حراً، ولا منغصات، ولا نكدات.. ولكن كيف، أنا مازلت أبحث، والبحث جار على قدم وساق، رغم أن ساقي ترهلت من شدة التجول.. تقول: قال أبو سيف.. أنت تكره المرأة، وكان يصر على اتهامه لي.. لكنني في الحقيقة تلعثمت، انتابتني قشعريرة، وتلبسني كائن آخر غير أني في تلك اللحظة، وددت لو أهم بوضع يدي في عنقه، وأنتزع حنجرته المبحوحة التي كان يطلق منها الكلام الجارح.. فعلاً أحسست بالجرح.. تصمت.. ثم تقول: إذاً لم يكن هو على حق.. لماذا لا أبحث عن الكراهية.. كراهية الرجل للمرأة.. تمقت هذه الفكرة، تلفظها، تقول: هذه سخافة علمية، لا تستحق أن أبذل من أجلها الجهد.. ولو فعلت سوف يؤولون الأمر ويتهمونني بكراهية المرأة، وأول شخص سوف يهلل ويكبر ويقول، لقد صدقت نبوءتي عندما قلت إنك تكره المرأة.. أبو سيف.. لا أدري لماذا أصبح نداً.. لماذا يراودني هذا الشعور عندما أتذكره، رغم حبي له، ألأنه الشخص الوحيد الذي أثار هذه القضية، التي ما كنت أفكر فيها.. ثم تقول: كوني لا أفكر فيها هذا لا يعني أنها غير موجودة.. تصرفات كثيرة نقوم بها ولا نعي كيف قمنا بها، وأشياء كثيرة، تحزننا وتفرحنا ولا نعي أيضاً مصدرها.. هذه ثابتة في العلم.. ثم ترفع يدك عالياً.. تقول: هاه.. أهي ترتجف الآن، لمجرد الحديث في الموضوع نفسه، ترتجف.. تنظر من النافذة، تطل على الخارج، قبل منتصف النهار، أي الضحى، والطقس يبدو معتدلاً، ربما تشوبه بعض الرطوبة، لكنها محتملة.. رطوبة سبتمبر أهدأ مما قبلها.. والوقت سانح للخروج.. إلى أين.. لا أدري، في الطريق سوف أقرر..



من نافذة العراء انطلقت، ولجت الرقعة الفسيحة وأنت ضجر ضيق الصدر، في هذا الصباح وددت أن تخالف المألوف، وتخرج إلى مكان ما ربما يكون سفوح شمل الصخرية، وفعلاً قادتك قدماك إلى هذا المتسع الرهيب، تقول عنه إنه رهيب، لأنه مكان أشبه بالمنفى، مكان ناتئ، مقفر، مكفهر، الطين الذي تغوص في أحشائه قدماك يبدو كجسد رخو، وبعد كل خبطة من إحدى قدميك، ينفر الغبار، ممتشط حولك، يغطي مساحة الرؤية بينك وبين الأشياء التي تود أن تراها، ولا تراها إلا بعد أن تدعك جفنيك، ثم تمسح بطرف المعصم، تحت الجفن وفوقه، ثم تمضي، ممعناً النظر، والأشياء رمادية، قاسية، لا تلهمك إلا بأسلاف المتناسلين، غصباً، وأحفاد المتشردين.. ولجت النفق المرعب، سرت تتمشى، كالتائه وأنت بالفعل تضيع في الأماكن التي لم تطأها قدماك منذ زمن.. آه.. الزمن، كل شيء ثابت هنا إلا الزمن الذي طوى سجادته بخفة الطير عندما يطوي جناحيه على رمق.. صرت في جوف المعمعة، معتصباً بعروة الثقة من أنك ستغطي على وجوه، ربما تكون شبيهة بالوجوه الآدمية، لكنها ليست هي بالضبط.. بدأت تهش عنك الذباب.. وتحمي جسدك من قرص البعوض، وتسد أنفك من تغلغل الروائح النتنة، وتتحاشى الاقتراب من الحشود البشرية التي رافقتك كظلك، تعتقد أنك فاعل خير جاء لأجل إطعام الأفواه، الفاغرة، وملء البطون المقرقعة، والتي قد تكون أمضت أياماً ولم تذق طعم اللقمة الشهية، الكلاب هنا حاضرة أيضاً، والقطط كذلك تتبع الجياع، تموء تحت أقدامهم، التي كانت ترفس التراب، متراصة في فوضى عارمة، وقلوب متلهفة لإقتناص الهدية الأولى، لكنك جئت خاوي الوفاض، ليس بيديك، إلا العرق الذي ند بغزارة، وجيبك فارغ إلا من علبة السجائر، وهم لا يدخنون السجائر، هؤلاء يفقدون الأرجيلة، ولكنهم قد لا يكونون يجدون ما يورون به حطب النار.. وجوههم الساخنة أشبه بالفحم المبرد، يشوبه بعض الرماد الساخن، أجسادهم الناحفة الناشفة من سمنة الغذاء، عيونهم مغشية بسحابات بيضاء، محمرة تحت الجفنين..
أسود تنتفض نحوك، أسود جائعة، متهالكة، متحسرة، مبتسرة، مغتالة منذ زمن.. ملابس الصغار، أشبه برقع من القماش المهترئ، يرثي زمان الوصل، وينعى حال أناس باتوا أشبه بشتات بشر، يلهجون إلى النعيم المفقود، ويغطون تحت هذه المضارب، الكوخية من سعف وجذوع نخل، مدثر بطرابيل، تشققت أحشاؤها.. الرجال المكسورون، وما أشنع كسر الرجال، يتوكأون على عصي بؤسهم، ويروغون الصغار، لينأوا عنك بعيداً، يريدون أن يستفسروا عن سبب مجيئك، لكن صخب الملتفين حولك يحول دون إيصال أصواتهم لسماع صوتك، حشرجة في المكان، يندى لها الجبين، أنين أرواح داخلي مبطن بابتسامات متقاعسة، وثغور، تفرج عن أسنان أشبه بمسامير صدئة، أسنان رجال لم تفكر في المنتج الصناعي العجيب الذي يسمى معجوناً، وجوه أطفال في عمر الورود شاخت واتسخت بأحلام الليل المفزعة، أيديهم تعجرفت، مختلطة مع التراب، وبقايا طعام بات معها تحت الفراش الرث، وأحذية بلاستيكية مسحوقة بالحصاد والتراب، وتراكم التواريخ على نسيجها.. تحاول أن تلتقط أنفاسك، تجاهد، لكي تفرج لنفسك فسحة، تلتقط نفساً خارج الدائرة المغلقة التي أحكمت إغلاقها أجساد البشر، المتهافتين، المتراكمين حولك، ومعهم كلابهم، وقططهم، عدا الأغنام الشحيحة، التي ماءت عن قرب، مربوطة بحبال قدرها المحتوم، في انتظار حفنة من طعام قد تأتي أو لا تأتي. من خلال ثقب ضيق تطور إلى فسحة بفعل تحرك الأجساد، نظرت في المتناهي القريب، امرأة تقرفص حول قطعة قماش، ربما تحيك ثوباً أو ترقع سروالاً، ترفع بصرها ثم تخفضه، نظرت بإمعان، إلى المرأة، إلى عينيها اللامعتين، بحزن الأسلاف وانقباض الصدر، ربما تكون أجمل من نيران، ولكن ماذا يمكن أن يخلف كل هذا الانحسار الجبلي للنعمة، ماذا يمكن أن يفعل الفقر المدقع، والشظف المتسلق، كالأعشاب الشوكية المطوقة للمكان، كأنها مشدات حراسة.. تقول: انتابك شعور بالذعر وأنت محاط بهذه الهالة القاتمة من الأجساد المحنطة.. تقول: أجل هي أشبه بالجثث المحنطة، لأنها أجساد بلا أرواح ما يحركها ليس الأرواح، وإنما الجوع..
ما ينقصك أن كل شيء هنا مكسور أو منحنٍ.. الرجال، النساء، الأطفال، الأشجار البيوت الخرافية، أعمدة الكهرباء العارية من أي حياة، الكلاب، القطط، لا شيء ينبض.. لا شيء يبتسم ابتسامة طبيعية، كما هم البشر العاديون.. إذاً هؤلاء ليسوا بشراً كسائر الناس، هؤلاء ربما جاؤوا، من خارج التاريخ ومن وراء الجغرافيا.. الجغرافيا التي تلفظ البشر، فهي ليست موطنهم، والجغرافيا التي لا تحترم دموع الناس الذين يلوبون على تضاريسها، فهي ليست ملاذهم.. كيف جاء هؤلاء البشر إلى هنا؟ وكيف تناسلوا؟ تقول: المشكلة أنهم يتناسلون، وينجبون، ويتكاثرون، والأرض مازالت حامية تحت أقدامهم، تحرقهم بلظى الحرمان، وهم ينتصبون قامات في الليل، وينحتون أعجاز نخل في النهار.. بالقرب من هذه الأكواخ يقطن وادٍ، تنزلق منه أحجار وأشجار، وفي باطنه تنام الوحشة، وفي الشتاء عندما يمتلئ بطنه بغدير الماء، ربما يطفح، ربما يزأر، ويجرف أكتاف الرجال، ويبقر بطون النساء الحوامل، واللائي يصررن على مقارعة القوة بالقوة، لكنها قوة تنتهي إلى جحافل من الأفواه، التي لا تكاد تطفأ، مهما امتدت الأيدي، وتسابقت السيقان من أجل الالتفاف حول لقمة خاطفة جاءت من بعيد..
تقول: المرأة الجالسة، هناك تروغ الذباب من حولها، وتهش البعوض، ثم تستأنف غرس الإبرة في أحشاء قطعة القماش.. وتنظر.. تنظر إلى لا شيء بطبيعة الحال، لأن اللاشيء هو الموجود الخالد، الديمومي، والشيء هو العدم، اللانهائي..
تقول: ألم يبتكر أحد فكرة جهنمية تنقذ هذه الأجساد من الفقدان، هذا الفقدان، المتطور نسلاً من عقد الإقصاء، وإلغاء الحق، طالما ليس له مطالب.. ثم تستدرك: الفقدان، يعني، المرض، والجهل والفقر والنسيان في قعر المجهول الذي ليس له بداية ولا نهاية.. تحاول أن تحرك قدميك، فقد تنملتا من شدة الوقوف، تأملت ملياً، وقلبك المنبجس يتقطر، ولكن يبدو الحل هنا أصعب من العثور على أم الدويس.. لأن البئر عميقة، والدلو غير موجود..
تقول بحسرة: هذه قيامة البشر المسحوقين، هنا يحشرون، وهنا تسلط على رؤوسهم سياط ملائكة العذاب.. منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كنت أجيء مع والدتي لزيارة أقاربي، كانت هذه الأكواخ تنتصب بين التلال الصخرية، ولكن لم تكن نافرة إلى حد البؤس، كما هي الآن.. اليوم، تبدو الجدران المحيطة بالبيوت، تكتسي بالأسمنت وزخرفة ألوان الأصباغ الزاهية، والأشكال الهندسية الحديثة، تفكر في بيوت الطين التي استبدلت وتغيرت، وتوهجت نوافذها بأضواء النيون، وزحفت حولها أشجار الزينة، ورصفت السيارات الفارهة، بعيونها الضوئية المدهشة.. كانت أمك تقول لك: هؤلاء جاؤوا من أقاصي الأرض، واستوطنوا في أماكن متفرقة في الحديبة، والغب، وشمل، لكن بعضهم اندمج وذاب في النسيج، ولم يبن له أثر. أما البعض وهم الذين يتكدسون هنا، فلم يزل الوقت يؤجل منحهم الحظ.. تقول الحظ وأنت مقتنع بأن الحظ وحده السبيل لارتفاع هامة أو خفضها.. فلا أحد يعرف بالضبط عن فصيلة دمه، وليست الجينات البشرية كتب عليها أسماء من يحظون بالحظوة، ومن لا يحظون.. تقول: لا توجد علامات فارقة تبين، النوع، في هذا الجانب، كنت تأتي مع أمك. تمران حول هذه المضارب المأهولة بالسكان، وكان أصحاب المزارع يستعينون بالرجال، كمزارعين، يفلحون ويحرثون، ويرعون، ويأخذون أجورهم، من التمر والملابس المستعملة، وبعض المؤونة اليومية.. وكانوا يعيشون، في ثبات ونبات، ويدجنون الأولاد والبنات، تحت هذه الخيام الوادعة، وعيونهم معلقة في سقف السماء ينتظرون المدد، وربما يكون ذلك من أكثر من مئة عام، لكن الأعوام أكلت لحومهم، وشربت من دمائهم ولم ترتوِ، بل جاشت في كل عام، في إقصائهم بشكل أزيد، لأنهم باتوا جزءاً من هذا التشرد المريع، وقد ذكر لك أحد الأشخاص.. هكذا تقول، أنه شاهد أحد الصبية من أبناء هذه الأكواخ، يتجول بين طوابير السيارات، في أحد الشوارع المزدحمة، ويعرض جسده.. بعضهم ينظر إليه شذراً، وبعضهم يساومه، لا تدري على ماذا يساومه، فقد بدا وجه الصبي أشبه بورقة اللوز المتعجرفة.. ولكن ربما لاكتشاف المجهول..
وقد أفاد لك آخر أن صبياً، لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، كان يشحذ الدراهم، ليشتري الحشيش.. تقول دهشاً.. جائع ويحشش، هذا من سخرية القدر، الإنسان عندما يفقد الأمل، لا يفكر في بطنه، بقدر ما يفكر في إعدام فكره الإحساس بالعدمية.. وأنت في المحيط المتزاحم، لا تجد مجالاً للتملص والتخلص من الاختناق، أحياناً تراودك فكرة شتم الحشود، ثم قذفهم بالحجارة، ثم الهروب بلا رجعة، لكن ضميرك يهزأ من هذه الفكرة، قلبك يحدثك عن مأساة قوم، وجريمة قتل جماعية، تمارس بصمت وتحت جنح العبث الجاثم على الصدور. تتوقف مستسلماً، ساهماً، جاهماً، لا تتعاطى بلغة معينة مع أحد، وتتصور أن جميعهم لا يريدون التحدث بقدر ما يريدون أن يعرفوا، كم تخبئ في جيبك، ليطمئنوا على قوت هذا اليوم، وجيبك لا يسفر عن مخزون سوى الحسرة البالغة، ولا تستطيع أن تفسر ما يجري.. تقول: ألا يعقل أن تكون أم الدويس تنبلج أسرارها من هذا المكان.. ترتعد فرائصك وأنت تلاحق نظرات تلك المرأة، الحائكة ثوب الحياة، المقرفصة عند وجدان تخضه الاحتمالات المبتورة، والنظرات المكسورة، والشفاه المشطورة، بجفاف ورعاف واستخفاف، مراحل ما بعد الفراغ، وتفاصيل أخرى، قد تبدو غامضة، ومدلهمة، وجاهمة.. تقول إنك تشعر الآن في قبضة المجهول، تحاول أن تستنفر قواك الذهنية بلا جدوى، لأن الفكرة المبهمة تهيمن على الرأس، وتسلبك القدرة على ترتيب مشاعرك.. تفكر أن تخرج بسرعة، وتغادر المكان، بلا خسائر على الرغم من إحساسك بالانقباض، وقد سورك المكان برائحة خانقة، ومشاهد مزرية، مشيت.. خطوات متباطئة بعد أن كلّ الجمع ولم يعثر على مراده.. تقول إنك أنت أيضاً شعرت بالغصة لأنك لم تمنح الأفواه ما يملأها، ولأنك فعلت كما يفعل الآخرون، تفرجت، وأغظت، وذهبت كما تفعل الرياح الخاطفة، هدأت الأصوات، واختفت الوجوه، تلاشت شيئاً فشيئاً، أحسست بشيء من راحة الضمير، لأنك لم تر الوجوه البائسة..
ملأت جعبتك بالحنين إلى زمن أجمل، وقد لا يكون جميلاً، لكنه بالمقارنة ربما يمنحك البريق الخافت.. تجد نفسك تحت الضوء، بين الضجيج، ثم تهدأ وكأنك خلعت ملابس مخشوشنة، وارتديت أخرى ناعمة.. مضيت بعيداً، وخلفك تسير الأصوات والنهيق، وقد تكون اللعنات.. ولم لا؟ رأيت في عيونهم عندما أقبلوا، شيئاً من التوحش، لمحت الحرقات تتجول في محاجرهم، ثم تشع شظايا ولظى، لا تستطيع أن تقول إنك لم تحترق.. بل إنك انكويت، تقول: ليس لتلك المرأة ذراع عملاقة.. ليس لها منخار ضخم.. هي أنثى كسائر الإناث.. كبقية الكائنات التي يحصدها الأسى، فترمق الآخرين بحنق.. تلعثمت.. وأنت تحاول أن تستعين بلغتك مودعاً.. لأن الأيادي التي امتدت نحوك، لتحلب ما في جيبك، ترهلت.. انخفضت، وبعضها دست في جيوب أصحابها الخاوية، دلالة على الاستسلام، والقنوط، واليأس.. أنت لم تكن فألاً حسناً.. أنت شغلت الوقت، وسرقت العيون من أن تنتبه، لزائرين آخرين، قد يكونون أسخى منك عطاء.. هذه الخيام، المنصوبة في عراء الزمن المتوحش، تقف هكذا، متسائلة دوماً عن الآن الجديد. العيون مبحلقة في الفراغ لعل وعسى يأتي النصيب.. هنا الصغار والكبار، الرجال والنساء، يحتفون بالنصيب ضيفاً مكرماً، معززاً، لأنه الغدر الغادر على فتح باب الرزق، ملء البطون، وطرد الجوع الضاري.. عند المنتصف، تحاول أن تصعد تلة خفيضة، هناك تلال كبيرة، وضاحية مزروعة بالنخيل، وفاكهة التين والليمون، إلى جانب السدر واللوز.. دخلت في العراء، ولجت المنخفض، والوادي الذي استقبلك كان يصفر بالوحشة، والحرارة، وتنام على ضفتيه أعشاب شوكية، تناهشت بعضها الحمير والجمال.. تهشمت وأنت تنظر إلى الوراء، وخلفك الأكواخ، تخيم على الرؤوس، ببلاهة، الأرزاق المؤجلة، أغمضت عينيك، وأنت تتعثر بصخرة، أدمت إبهام القدم اليسرى، حاولت أن تنشف الدم بردم الجرح بالتراب.. آلمك الجرح، وأزعجتك الحرقة.. لكنك لم تتوقف.. كنت تسير وكأنك مشدود إلى لقاء مهم وحاسم..
راوغتك الأرض الصخرية، بجدل صحراوي عقيم، هذا طائر الحمام البري، يغرد على غصن غافة شعثاء، تحاول أن ترى موطئ قدمه فلا تراه، فقد اختبأ بين الأوراق المتناثرة على الأغصان المتشابكة، في عناق فوضوي، والغراب الأسود يحوم حول رأسك، ناعقاً بصوت جهوري غاضب، والعصافير تزغرد مستبدة بشبابها اليافع، مفعمة بحيوية ونشاط، تدور بأجنحة أشف من ورق التوت، وتتنادى بترانيم رقيقة يهفو لها الفضاء، تحت اللظى المتفاقم تهيم أنت، تنظر إلى الحمار الشارد في البراري، إنه أسمن من ظهور قبيلة بأكملها من أبناء الجياع الذين مررت على أكواخهم الأشبه بهياكل العظام النخرة.. تلحن أنت كلمات قديمة بصوتك المشروخ، كطبلة عازف قديمة قدم الدهر.. يصدمك النهيق، وخطم الحمار المتدلي، كدلو مبلل بالماء، يركض الحمار، وخلفه تركض ذكريات البؤس، والاستغلال المريع، أصبح الآن متقاعداً، لا راعي له ولا حمال، والمرعى هذا الفراغ الوسيع، يفتح نافذة خضرته البديهية، أعشاب شوكية، وأوراق الخبيز اليابسة، وأعواد ذابلة من أغصان ألقاها الجفاف لتصبح شاهدة على زمن اليباب، والعسف الطبيعي الذي تزدريه، تحاول أن تروض مشاعرك، المفعمة بجور النهايات القصوى لأحياء بشرية، سحبتهم الطرق المتسخة بالأحلام الواهية، عند جرف وادٍ سحيق، تقف، تتفرس في الخلاء الرمادي، تنظر إلى ذاك الحمار الذي غيبته الحفر المتراكمة من أثر السخط.. يعود ثانية ناهقاً، شاهقاً، مرقعاً بالعرق، لكنه بطبيعة الحال حبور بهذا الانعتاق الاختياري، الحمار الذي كان يحمل مآسي البشر هنا، ويتوخى الصبر، من عظامه المثابرة صار الآن يلهو بالفراغ، ويعظم جسده بأعشاب الحرية المتنامية عند السفوح، وعند جروح الصخور.. المتآكلة جراء التعرية الزمنية.. يمر من حولك، عابثاً بذيله الطويل المنعم بالشعر الكثيف، مهفهفاً بأذنيه الضخمتين، كأنها المراوح الهوائية البدائية. عيناه الواسعتان السوداوان، تبحلقان بالطلوع الأزلي للشمس المراهقة المتدفقة، ولعاً في كي الأرض بمسامير أحشائها الحارقة..
تستمرئ الوقوف هنا، تغريك نظرات الحمار، تقول: تحررت الحمير ولم يتحرر البشر.. تبصق في التراب الصخري، تزلق بصقتك في سطح حجر صقيل، تلمع تحت أشعة الشمس، تتقزز من الاستغلال وانتهاك حرمة الضمير الإنساني، تحثو رملاً على بصقتك، تخفيها عن الوجود، تعود ثانية ترمق الحمار، المتمرد المتمرغ على التراب الطيني، مصدراً الغبار، متعفراً، مستعيناً بأذنيه الطويلتين، يروغ بهما البعوض الصحراوي.. ويلحس ساقه مترامية الأطراف، بلذة الكائنات المتعافية.. يتجلى لك شيئه العظيم، تبتسم، ثم تنظر إلى الأعلى، صدى صوت عصفور هائم، تلحن نشيده التاريخي الشجي، مطلقاً الجناحين في مهب الريح.. تقول: الطيور وحدها التي لم تلمسها يد البشر. الطيور تحلق بعيداً، وترشق الرذيلة بفضلاتها من علٍ، ثم تمضي، متملصة من عقاب الأشرار. الحمار ينهض، وينهق، يحوم حول نفسه، متشدقاً بذيله الطويل المعقوف بين ساقيه الخلفيتين، متلذذاً بنشوة الاحتكاك الحليم، تسمع صوتاً يأتيك من بعيد.. ينادي.. يا شيخ.. يا شيخ.. تقول: لقد صرت شيخاً جليلاً، في زمن الأجلاء فيه أقل من العدم.. يقترب منك صبي ربما لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر، يقترب، ملامح وجهه تبدو أنه كهل، التجاعيد كرست الأوساخ بين شروخها، البثور وحب الشباب المصدد بنى أبراجاً بمستوى النذالة التي شيدها الآخرون، يقف إلى جوارك، ذليلاً، مكسوراً، ذابل الجفنين، منهك الوجه، مسغب العينين.. يقول.. يا شيخ، أنا خائف.. والناس الذين رأيتهم خائفون، مرتعدون.. الأكواخ في الليل تصدر أصواتاً مزمجرة كالرعد، لكنه ليس رعداً، ليس صوتاً بشرياً.. إنه عصف كوني، يهتك السكون، ووضاعة المكان..
تبهت.. تتفرس في وجهه.. تقول: وما شأني أنا بهذا الخوف؟
يقول: أنت شيخ جليل، وفي إمكانك أن تهزمه..
أهزم ماذا؟
يقول: الخوف..
تفكر.. ربما يكون هازئاً.. أو محتالاً.. ثم تنظر إلى دمعة احتبست في محجريه.. تتفحص جسده الأقدم من منحدر الصحراء، تنظر إلى وجهه المغضن كجرف الوادي، تجلس على حافة جرفه.. ولماذا أنتم خائفون؟
يقول: من الخوف..
تنظر إليه بانزعاج.. كيف تخافون من الخوف..؟
يقول: لأننا لا نعرف كنه الأصوات التي تنزل ليلاً على خيامنا..
تقول له: استرح.. هنا بالقرب مني، هدئ من روعك، ولا تجزع، ثم تسأله.. كيف عرفت مكاني، فلم أرك بين الجموع الغفيرة، التي شاهدتها..
يقول متلعثماً: كنت أراك، أتابع خطواتك، انتظرت حتى تنأى بعيداً لأخبرك عن أحوال الناس في هذه المخيمات البائسة..
تقول: وماذا أستطيع أن أفعل إزاء هذا الخوف الوهمي، إنه ليس كائناً كي ألاحقه وأقتله، وتنتهي المشكلة..
يقول متمسكاً برأيه: أنت شيخ.. تستطيع أن تفعل أي شيء لتطرد الشياطين..
تبحلق في وجهه. تقول بلهجة متسائلة: وكيف عرفت أنها الشياطين..؟
يقول: بالطبع إنها الشياطين، لأنها لا ترى بالعين المجردة..
تقول: وهل هي أم الدويس؟
يقول: ربما هي..
تقول: أتعرفها..؟
يقول: سمعت عنها الكثير..
تقول: وماذا سمعت..؟
يرتبك.. يقول بلهجة ملهوجة: هي على هيئة امرأة، لها ذراعان عملاقتان، وعينان واسعتان حمراوان، ومنخار ضخم.. تحمل في إحدى ذراعيها فأساً كبيرة، تحطم بها أجساد البشر الذين تريد أن تفتك بهم..
تقول مندهشاً: وماذا بعد..؟
يقول: هذا كل ما أعرفه..
تصمت.. تأكل قلبك الحيرة، تتحرى وجه الصبي، المكفهر، تقرأ ملامحه البائسة، تشعل سيجارة وتدخن.. تقول بلهجة واثقة.. اذهب الآن وسوف أقوم بالواجب.. لا تجزع، اطمئن.. سوف أقضي على الشياطين..
ينهض الصبي، يغادرك، ونظراته لم تند عن رضا، لكنه ودعك بابتسامة متسائلة، فعندما جاءك كان يركض لاهثاً، وفي المغادرة عاد يمشي بخطوات متباطئة، هذا يعني أنه لم يزل يحتفظ بمشاعره القديمة، وأنه غير مقتنع بما وعدته به..
أطفأت السيجارة، غرزتها في التراب، لبثت هكذا مبحلقاً، ساهماً.. تقول: الحمار ليس خائفاً من شيء، العصافير كذلك، وأشجار الغاف.. تستطرد: الحمير أكثر أمناً من البشر، لا يهمها بوق الشياطين، لا يعرفون الخوف من مجهول، كل ما يتوجسون منه الأشياء المحسوسة، المجسدة.. كيف.. تقول، مذهولاً، بكلام الصبي، أينما أهيم وجهي، أجد أم الدويس، الكائن مهاب الجانب، ولا أحد يثبت رؤيتها، سوى ذلك الرجل، رجل المقبرة، وأظن أنه محتال.. وكذلك الشيخ ضاوي، أفرد التفاصيل مدعياً أنه شاهدها أكثر من مرة، لكنها لم تستطع الإضرار به.. إذا هي لم تلحق الضرر بالشيخ ضاوي، ولا برجل المقبرة، بينما تحوم حول خيام هؤلاء المعدومين، وتروعهم، بفأسها العملاقة.. هذا ماذا يعني؟
تفكر.. هم يقولون إنهم يخافون منها، على الرغم من أنهم لم يروها قط.. مهزلة أن يخاف الإنسان من شيء لم يره أبداً.. لمجرد أنه سمع عنه، لمجرد أنه روي له، أنه كذا وكذا، فيخاف.. تتذكر.. كنت في ليلة من الليالي تسير بجانب سدرة قرواش، السدرة المشهورة بموطن الجن، ومستقر أم الدويس، تعثرت بحجر، فقفزت زائغاً مرتعباً، صرخت، طلبت النجدة، من الفراغ الحالك، ركضت، حاولت أن تنتزع خوفك من صدرك، فأخبرت رجلاً طاعناً بالأمر، قال لك: لا تخف، مجرد وهم.. فزعت، وسخرت من كلامك، فأكد لك أنه يستطيع أن يصحبك إلى المكان نفسه، وسوف تجد أن خوفك لا مبرر له.. سرت معه، ودرت تحت الشجرة الموسومة بالخوف، ولم تجد شيئاً، قال لك لم يلقمك أي شيطان بحجر، بل أنت الذي تعثرت قدماك بحجر، وظننت أنه الشيطان الذي أراد أن يفزعك.. وعلى الرغم من صدقية كلامه، إلا أنك لم تقتنع، ولما ذهبت إلى البيت بقيت مستلباً من ذاتك، تحاول أن تستعيد قلبك المخفوق، فلا جدوى، ما اضطر أمك إلى أن تجلب إناءً في منتصفه ماء، وتغطس خاتمها في جوفه، وتقول لك اشرب.. شربت وبالفعل، رويداً رويداً، خفت الرعشة في جسدك، وعادت مياه السكينة إلى مجاريها في كيانك.. ما سر الذهب؟ ما علاقة الخاتم بطرد الخوف؟ فهل للذهب سحر السيطرة، والسطوة على الشياطين، بحيث يطوقها في حلقته الضيقة، ويخنقها حتى تتوب، وتعلق المطواة بشكل سري من دون أن تعلن ذلك جهاراً.. تقول أبديت استعداداً لطرد الشياطين من محيط المخيمات المتقارعة، ليلاً كأنها رؤوس بقايا جثث قديمة.. لكنك لا تستطيع أن تفي بالوعد، فالخوف الذي ألم برؤوس الناس هناك، يحتاج إلى مئات الخواتم الذهبية، ولربما توافرت بفعل الصدفة، فإنهم سوف يبيعونها، لشراء طعامهم، المفقود على مدار السنة.. تقول.. الذهب، ما هذا المعدن النفيس، المحدق بالكون، المؤلف من مكونات بديعة ومرهفة تشتاق إليه النساء، كما تهفو إليه قلوب الخائفين.. وتستطرد: ربما كانت أمي وسائر الأمهات يفعلن ذلك، لمجرد طرد الوهم، وهن يمارسن هذا الطقس ليس لخديعة، وإنما توارثنه عن الأسلاف من الجدات العجائز المفعمات بتراكم هائل من الأوهام، وما يتبعها من طقوس.. تخلع نعليك بعد أن تصببت قدماك بالعرق المختلط بالطين، تسترخي قليلاً.. تنظر إلى الضخامة العالية لتلك الخيام المتلاصقة، لا ترى التفاصيل، ولكنّ جبلاً رمادياً يبدو لك. أو تلة ترابية، تخطف وميضها أشعة الشمس، وتصير إلى النهائي.. تقول: هل الضعف يصنع الخوف، أم الخوف هو الذي يخلق الضعف؟ وهل الجهل يمارس وعيه الوهمي في كتابة روايات خرافية، تصبح مع الزمن واقعاً، لا فكاك من تأثيره في الناس؟
ثم تضيف: ما يذهلني هذا الترادف في الأقوال، من أن أم الدويس امرأة وليست رجلاً.. فكل الجمائل والوسائل، الباهرة من صنع الرجل، وما عدا ذلك من أشياء تهديدية في الكون فهي من صنع المرأة.. كيف؟
وعندما ينهض الحمار تقول: أنت الوحيد الذي تبدو خالياً من الخوف.. هل لأنك حمار أم لأن الآخرين أكثر منك حمرنة.. تضحك بسخرية، ثم تنظر إلى الخيام تقول: أكل هؤلاء حمير..؟ أمر لا يصدقه العقل، فلا بد في الأمر ما يثير القلق، لا بد أن أبحث جلياً علني أعثر على الحقيقة..
لو تحدثت مع امرأة، وبصراحة متناهية، عن سر النكتة الأزلية، ستسخر، وسوف تدافع عن قضيتها بضراوة الماجدات الفذات.. وسأكون أنا الطرف العدواني، الذي يسبغ السيئات بالنساء كوني رجلاً.. ستمور الأرض من تحت قدمي أي امرأة، عندما يلمس الحديث شغاف كيانها.. إذاً يا ترى من صنع الحكاية.. أرجل ناقم، أم امرأة مازوخية كارهة لذاتها..؟ أم أن كل ما يدور هو حقيقة لا بد من إثباتها بعقل محايد.. تنهض من مكانك، تحاول أن تغادر الظل، تشعر برغبة في الحركة، تريد أن تشرد الجمود، تريد أن تطرد الكسل، تريد أن تمحو صورة الأكواخ من ذهنك التي صارت أشبه بالصدأ العالق في معدن الرأس.. تذهب بعيداً، لم تقطع مسافة طويلة، لكنك تحس بأن الطريق الوعر، يمد لساناً من الصعوبة، ما يجعلك تبتئس من رحلة ليست مظفرة، بالحد المعقول، على الرغم من أنك لم تزر الأكواخ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأن الزيارة كانت زاخرة بالمشاعر والمشاهد المؤسفة، وقد أججت في روحك نيراناً وأحزاناً، وأشجاناً، وأفادك الصبي، بفكرة كنت تبحث عنها، وقال ما قال، من دون أن يدري، وربما أرسل إليك من السماء ليعينك بعض الشيء، على فك الشفرة المعقدة، لكنك مازلت تحوم في الحلقة المفرغة، ولم تصل إلى مربط الحمار الذي تسأل عن نشأته، وتكوينه، والألوان التي يتزخرف بها.. مازلت تفكر في هذا الكائن العظيم، شاغل الناس، عن أم الدويس، ولعلك تحصد ثمار النجاح..
الجبل يبدو قريباً، يطل عليك بهامة بارعة، كالحارس الذي لا ينام.. في هذا الجبل يسكن بشر، مازالوا يحتفلون بأعيادهم، ويقيمون أفراحهم، بالقندورة البيضاء، والمعصم الأحمر الملفوف حول الرأس، حماية له من سيوف الشمس الحادة، ووقاية له من رطوبة الليل المالحة.. وعندما تشهد قامة الجبل، تتجسد أمامك الهيبة، والعظمة، وأشياء أخرى مبهمة، تزلزل كيانك..
وأنت تلملم شال النهار، إذ ينتفض، تقول: هل يستفيق الجبل، بعد نوم أسطوري، وهل تنشأ من العدم أيقونة الحياة، منذ طفولتي، وأنا أحلم بأن أكون مختلفاً، وأن أصبح مثل هذا الجبل، شاهقاً، سامقاً.. ومنذ الطفولة، أعرف أن بين شقوق الجبال تستوطن القطط الجبلية، وكذلك الذئاب والثعالب والنسور.. ماذا تبقى من هذه الكائنات العريقة، عند السفح تبدو الصخور المتراكمة كجماجم فقراء أتعستهم العازة، وكذلك الأنفاق الدهرية، تنفتح كفوهات جهنم، وتبتلع سوارها في الأجواف الغائرة، أود لو أنني أتسلق السلالم الوعرة، وأصل إلى القمة، هناك يهفهف الهواء، وتتنسم الورود الصحراوية، ترسم لوحة زاهية الألوان.. في قديم الزمان، كانت النساء ينطلقن كالغزلان، عند المنعرجات والسكك الحادة، يصلن إلى الأعالي بحثاً عن العسل، وعن عشب الحياة، وعن ماعز تغيبت عن الحضور في حفل الأغنام العائدة، عند الغسق.. كنت ترى النساء بأثوابهن الفضفاضة الشفيفة، والسراويل الطويلة المضغوطة بأزرار معدنية، فوق الكعب بنصف سنتيمتر، يحلبن أثداء المكان، بسيقان مسحولة بالرياضة اليومية، وأرداف منحوتة، تحت الثوب الخفيف، تتدحرج ككرات الثلج المتفاني، وصدور أينعت، فانتصبت، ببراعة، كن ينطلقن من شعاب الوعورة، يذهبن عميقاً في الغضون الجبلية، ويخضن معارك المصير بين التجاعيد، الصلدة، وتبدو أصواتهن من بعيد أناشيد إلهية مفعمة بالرهافة.. ولما تهبط الواحدة منهن من علٍ، تتزحلق بخفة البدن، تنزلق بحمية حب الحياة، تشق الصعوبات بشهيق مغرٍ، ولافت، وعند حضيض الأرض تمضي الأناقة البدوية، محتشدة بالأمل، مملوءة بالفرح، حيث تجيء الحيوانات النبيلة، قافزة نحو صاحباتها، متسلقة عروق البهجة، بنقاء طوية، تقف الأنثى الفارعة مترعة بالابتسامة الأسطورية تمد يداً مناغية أغنامها، باللحن الشجي، وتتقاطر الغنمات، كأطفال فرحين بلعبة الحياة، ثم تمضي الأنثى البدوية، تتبعها كائناتها في خطوات أشبه بالنقش على الحجر، وطرقات أقرب إلى النقر على لوحة رخامية، وترى أخريات، حاطبات، هاويات في الفراغ الوسيع، منتميات إلى الشجر المودع بأعواده اليابسة، ترى الواحدة منهن وقد تعلقت بغصن، ممتشقة عنق الحليب، رافعة قامة بديهية، منسجمة مع زمن الابتهال، عند شجر بلا ورق.. تسمع الخشخشة، تسمع الأنفاس المترددة، كأنها النسيم المتسرب من بين وريقات حالمة بالوجود، والراية التاريخية تجاور الأنثى المتشكلة من قطع أعواد الحياة، لتحملها على ظهرها، عائدة إلى المأوى بزاد ومراد..
في الجانب الآخر، تلمح عيناك رجلاً بدوياً، يستحلب الأرض، ويهز جذع الفراغ، بحثاً عن قوت الأبناء الضالعين تحت السقف الطيني.. تراه راجلاً، أم ممتطياً ظهر بعيره، سابحاً في الملكوت الكوني، دائراً في الأفلاك البعيدة، طارحاً أسئلته الوجودية بإصرار وحسم.. الأرض الجبلية تزرع التين والرمان والليمون، وتزرع قمح الحياة، فلم تزل آثار «الوعوب» باقية ومتناثرة، في أماكن مختلفة، لم تزل القنوات تحفر حروفها في ذاكرة التراب الطيني، تغيرت أشياء وبقيت أشياء.. في بطون الجبل، تجد المنازل الطينية، ترصد الدورة الدموية للكون، وترقب عن كثب حركة القمر وهو يدور حول الأرض، حتى إن آثار أقدام لم تزل مغروسة في باطن الطين الصلد، والمسقوف بأعواد السعف، وأعمدة الجذوع، ربما تصبح الآن خاوية لأن موسم الهجرة التاريخي استبد وأباد، وأحكم قبضة حديدية على الإرادة التي ترهلت في فورة الانصياع الكلي، لتيار جديد، جرف الطين والعجين وصعد في اتجاه الهاوية.. يرصدك الفراغ، ويطارد خطواتك الدهشة، الاتساع المريع.. فعلاً.. تقول.. أشعر بالرهبة وأنا أقف عارياً من قوتي الذهنية، أشعر بأن العالم استدار مرات عدة، دورات حامية، حتى داخت الأرض، وأسقطت جل القوانين الطبيعية من سجلها، وذهب الإنسان، ذهب يبحث عن شيء ربما يكون وهمياً، ربما يكون سراباً، وقد يكون شيئاً لكنه أضخم من أن تمسكه يد الإنسان، وأعظم من تلمسه حواسه. فتسربت الأشياء خفية، اختفت وبقي الإنسان وحيداً، خاوياً، تزول من تحت قدميه الأعشاب وبعضها يجف ويقسو، ويصبح إبراً مسننة، تجرحه، فيصرخ، لكنه يصرخ في الفراغ، ينسج خيوط عشقه في السر. في الديجور الحالك. قد تقول إنها قوى شريرة، اختطفت العقل، فانهار الحلم، واستيقظ وهم جلي عملاق، أضفى جناحين ظليلين، ما أدى إلى عمى البصر والبصيرة.. تقف عند الحافة، تنظر إلى الأفق البعيد، تشهق، تقول كم من التضاريس انتحرت تحت قدمي، وأنا أفترس الحصى، كأنثى الليل البهيم.. كم من المسافة اختزلت، وكم من الأنفاس رددت، وكم من الأفكار دارت في هذا الرأس، وأنا أخب كجمل مطارد.. تشعر بالتعب، وتشعر بالدوار، تستريح على ظهر صخرة، تتملى التفاصيل المملة، تقول: الذكريات مريرة، عندما تقفز إلى الذهن، وتفتح صفحات مجها الوقت، وصارت جزءاً من التاريخ الذي لا يمكن أن يلتفت إليه التاريخ.. التاريخ وحده الذي يطوي صفحة ويفتح أخرى، بناء على أوامر عليا، ومراسيم بشرية، تجري بين ساعة وحين.. تقول: عروق الجبل كعروق الإنسان، عندما تجف من السائل السحري، يبدو الجبل مكفهراً، ذابلاً، متعجرفاً، تحاول أن تستنطق صخوره اللابثة كالجحيم النائم، ولا جدوى، فتخمد نيرانك، ولا تجد من المنطق أن تستجدي العدم، بل إن من العبث ألا تصمت حين تتجمد ألسنة الوجود.. تشعل السيجارة، تنفث الدخان، تأخذ أنفاساً عميقة، يختلط الدخان بنسيم الجبل، تشعر بنشوة الانتماء إلى الفطرة.. تحتمي بجزء محدد من صخرة عظيمة، تمنع عنك لسعات الشمس المتلاشية.. تحتمي بالنشيد الأزلي وأنت تدعك عينيك المغبشتين ببعض الغبار المتجمع قذى عن حافة الجفون..
سأعود لاحقاً، سأبحث عن السطوة الجهنمية، سأقوم بإجراء مقابلات مع شياطين الإنس.. هذا الجبل، يبدو أنه يتحرك، أو أن قوة ما رهيبة بدأت تأكل أطرافه وجوانبه، حتى صارت بعض جهاته حفراً عميقة، عندما تنظر إلى الحفرة الواحدة، تفكر أن زلزالاً رهيباً ضرب المنطقة، فاهتزت أرض الجبل، فانحفر هذا الجحيم.. لا أدري ماذا تبحث هذه القوى الشريرة في أعماق الصخور الصلدة، ربما تكون تبحث عن أسطورة أو أحفورة اختفت منذ زمن، تريد أن تعثر عليها.. أو ربما أن هناك سراً خفياً لا يعلمه إلا أصحاب القلوب الملتبسة.. تستأنف حديثك عن الأشرار الذين يلحقون بالجبل الضرر الشنيع، وتقول: هذا الجبل الذي ظل على مدى القرون مهيباً، أصبح الآن عرضة للنهش حتى صارت عظامه المنخورة بالآلات الحادة تنضح بالرميم، وتضج بالأنين، وعندما تفتح عينيك تنظر إلى الأعلى ترى دخاناً كثيفاً، وترى صخباً وزمجرة، وهديراً وزعيقاً، وأشخاصاً يتسلقون الفراغ، ويشكلون أوهامهم، لوحات زائفة وفاشلة..
تلتقي رجلاً، أشيب، كث اللحية، مفتول الشوارب، ينظر إليك بعينين متوجستين، كعادة البدو، لا يألفون الغريب، للوهلة الأولى، يقترب منك، ويده على الزناد، تختض أنت على الرغم من معرفتك أنهم لا يعتدون على المسالمين الآمنين، ولكن، ربما مشهد البندقية، هيأ في نفسك حالة وجدانية خاصة.. وقفت.. يقول لك بلهجة حادة، مبحوحة بصوت جهور.. من أنت؟
تقول: أنا عابر سبيل..
وماذا تفعل هنا في هذه الساعة المتأخرة من النهار..
تقول: جئت أسأل أهل الجبل عن أم الدويس..
يرد بلهجة جادة: أم الدويس؟
تقول: أجل..
يقول: وما شأنك أنت بها..
تقول: لمجرد المعرفة..
يرفع حاجبيه، يشيعك بنظرة جازمة.. لمجرد المعرفة، وتجازف بوقتك، وجهدك..
تقول: لقد شغلتني كثيراً، وأردت أن أعرف سر هذه المرأة..
يقول دهشاً: وكيف عرفت أنها امرأة..
تقول: كل الذين وصفوا هيئتها، يصرون على أنها امرأة وليست رجلاً..
يجنبك الخوف من البندقية، يركنها جانباً، ويجلس قبالتك.. يقول: الذين وصفوها ماذا قالوا عن شكلها؟
تقول: قالوا إنها امرأة عملاقة، لها ذراعان عظيمتان وعينان واسعتان حمراوان، وفي يدها تحمل فأساً كبيرة..
ويسألك: وماذا قالوا أيضاً..؟
تقول: قالوا إنها عدوانية، وتكره الرجال والنساء، وتقتل كل من تقابله..
يحدجك.. يفرك لحيته، يتفرس في وجهك.. يقول: إذاً أنت تعرف عنها كل شيء، فماذا تريد أكثر..؟
تقول: أريد أن أعرف كنهها.. أريد أن أتقصى حقيقتها..
يقول: ولو رأيتها هل تستطيع مجابهتها..؟
ترتعد.. تقول: لا أعتقد أنني رجل خارق، حتى أفعل ما عجز عن فعله كل الناس، على مدى تاريخ طويل..
يقول ضاحكاً: وكيف تبحث عن شيء أنت لا تستطيع مواجهته..؟ كيف ستتقصى إذاً حقيقتها وأنت ترتعب من رؤيتها..؟
تقول: أريد أن أدرس تاريخها ولا يهمني أن أرى جسدها..
ينهمك البدوي، في العبث بلحيته، وينظر إلى البعيد، ثم يلتفت ناحيتك: وماذا يهمك تاريخها حتى تبذل كل هذا الجهد..؟
تقول: أريد أن أعرف لماذا يخاف الناس منها.. ولماذا هي امرأة وليست رجلاً..؟
يقول: إن كانت امرأة أم رجل.. ما الفرق؟
تقول: لا.. بل الفرق شاسع..
كيف في حيرة.. كيف؟
تقول: كونها امرأة فلها دلالة مختلفة عن كونها رجلاً..
يتفرس البدوي في وجهك.. ينظر بإمعان.. يقول: نحن منذ أن نشأنا ونعرف أن أم الدويس امرأة، وأنها امرأة باطشة، كارهة للبشر..
تقول: هل رأيتها؟
يقفز.. أعوذ بالله.. لا لم أرها..
تقول: وهل تخاف منها..؟
يقول: ومن لا يخاف من شيطان أو شيطانة؟
تقول: وكيف عرفت أنها شيطانة؟
يقول: وماذا ستكون إذاً.. ناقة مثلاً..؟
تغرد عصافير السخط داخلك، وتقول: مادمت لم تراها، فكيف أيقنت أنها امرأة؟
يقول: قالوا لي كذلك، وهذا أمر لا يشغلني كثيراً..
تقول: لكنك تخاف منها..؟
يقول: بطبيعة الحال.. وهذا أمر لا يحتاج إلى جدال.
تقول: لماذا تخاف حتى من الأشياء التي لا تشغلنا؟
يقول: لأنها مخيفة..
تقول: أنت لم تستطع إقناعي..
يقول: ومن قال إنني جئت لإقناعك.. فهذا شأنك..؟
تقول: ألم تفكر في يوم، لماذا يخاف الناس من أم الدويس، على الرغم من أنهم لم يروها..؟
يقول: بل بعضهم قال إنه رآها..
تقول: وكيف يثبت لنا ذلك..؟
رد مع اقتباس