أي صيف؟
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج


في صيف المواعيد يكبر الحنين إلى الشتاءات السحيقة، وإلى فصول مرت تباعاً على أيام العمر، وطافت بأطيافها في ممرات المرح، وسافرت، كل صيف خصوصاً، إلى مدن البهجة والشوارع المكتظة بالناس من الجنسين . رجال ونساء وأطفال . عقلاء ومجانين . فوضى تهندس الأماكن وترغمها على ممارسة هوايتها القديمة: كتابة رسائل الغرام للمارة من العشاق .



فأي صيف ذلك البعيد القريب، المشرف، أبداً، من عل، على شرفات لا تخطر على البال، إلا هطل معها المطر؟



أي صيف؟



أي طقس من المطر المشتهى؟ . . أي فصل كأن ملامحه مشمش وربيع؟ . . كأن بدايته سدرة المنتهى؟



أي سيف؟



أي صيف؟



ينابيعه حلوة كيديك؟



حدائقه حلوة كخيالك، أو كالزكام المشاغب في وجنتيك؟



أي صيف ضفائره الشقر تخجل من طولها وتخاف عليك؟



أي صيف أصابعه حلوة، وخصوصاً إذا ما أشارت إليك؟



كل الفصول تحضر على حياء إلا الصيف . ليس أوقح الفصول، لكنه أقدرها على المغامرة بل المقامرة، ويكتبه مطره بفن وذوق، فيما مطر الشتاء للروايات الطويلة المملة:



مطر طازج في السقوف الخفيضة . ثلج ومستقبل غامض، والنوافذ تأتي إلينا وتكتبنا بحفيف الشجر .



مطر طازج في المطر



والنوافذ تأتي وتمضي . تقول لنا بعض أحرفها . بعض أشيائها، وتغني لنا أغنيات هي القلب أو أنها العمر والوقت مستيقظ . .



مطر في المطر



والشتاء انتهى ذات صيف



والهواء يشكلنا بين طيف وطيف


والمطر .



أبدت الأرض زينتها فانتمينا إليها وكنا لها لهفة أو دعاء



وانتظرنا . . انتظرنا طويلاً، فلم يحضر الأصدقاء



مطر طازج في المطر



والفصول انتهت غير أنا انتهينا إلى سفر شاهق ليس فيه سفر .



وبين المراكب كنا نحاول أن نلمس الموج بين المراكب .



ثم عدنا نحاول أن نتلمس أوطاننا في الحقائب .