|
|
دمشق الشام ذاكرة المكان
يتطرق منير كيال مؤلف كتاب« دمشق الشام ذاكرة المكان» إلى مجموعة كبيرة من أشكال المهاداة والتراحم والتواد والتواصل والألفة بين الناس في المجتمع الدمشقي، والاجتماع في العديد من المناسبات، والأبرز ما يجري في الاحتفاء بعيد المولد النبوي الشريف في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، والناس يعرفون ما حدث في تلك الليلة ويحترمونها ويجلونها، إلى أن أصبح ذلك الاحتفال بليلة المولد رسمياً زمن الدولة الفاطمية، ثم تطوّر الأمر في هذه الأيام وصرنا نسمع أناشيد هي في الأصل الأغاني الدارجة، بعد أن قاموا بتعديل بعض كلماتها، ومن ذلك على سبيل المثال «يا طيرة طيري يا حمامة» و«على بلد المحبوب ودّيني».
وتكون بعد صلاة العصر، ويبدأ الاحتفال بتلاوة عشر من القرآن الكريم، يعقبه عدد من الخطب والمدائح النبوية من فرق المنشدين التي تتخللها قراءة قصة المولد.ولكل مناسبة أهزوجة تلقى في العراضة، ويرددها الناس وراء الرجل الذي يلقيها وهو محمول على الأكتاف ويلوّح بخيزرانته بيد والخنجر أو الشبرية، في اليد الأخرى.كما كان الحكواتي يتخذ مكانه في صدر المقهى على سدّة عالية مجللة بالسجاد ومزينة بأصص نبات ورق الصالون، وهو يقصّ على روّاده سيرة عنترة أو سيرة الظاهر بيبرس أو الملك سيف بن ذي يزن أو سيرة الزير سالم.وأيضا صندوق الدنيا يعتمد على مجموعة من الصور الملونة، لموقع أو موضوع من المواضيع أو سيرة، فيؤلف بينها بحيث تشكل حدثاً أو قصة، ومن تلك القصص «الست بدور وقمر الزمان وقوت القلوب»، والراوي في هذا المسرح هو الممثل الوحيد، يقوم بالأداء صوتاً وتعبيراً وحركة.
أمّا مسرح الظل «كراكوز وعيواظ» فقد كان أقرب إلى التكامل: شخوص هذا المسرح بشر تمثل صوتاً وخيالات تظهر صورة، وله مكان للعرض، كما أن له إضاءة مسرحية تراعي حركة الشخص، وقصة لها بداية ونهاية وجمهور يشاهد لقاء أجر. الكراكوزاتي ويراد به المخايل الذي يقوم بتحريك الشخوص وراء الشاشة «الخيمة»، كان يحكي على لسانها ما يتطلبه الحوار، وكثيراً ما يخرج المخايل عن الموضوع الذي يعالجه، وتساعده جوقة موسيقية.
وهناك الخان المبني من الحجر، وهو على هيئة ساحة مربعة على جوانبها غرف من طابقين، وفي أحد جوانبها إسطبلات، وعلى طول حيطانها من الخارج معالف تربط عليها الدواب، ويبيت المسافرون في الدور العلوي، وتترك الحيوانات في الدور الأرضي، ومن الخانات ما حمل اسم بانيها كخان أسعد باشا، ومنها ما نسب إلى مواد النازلين في الخان، كخان سليمان باشا المعروف بخان الحماصنة، وخان الدالاتية من الجند، وما نسب إلى السلعة أو الحرفة التي تتواجد فيه، كخان الزيت. وبلغ عددها جميعا في دمشق نحو 630 خاناً..
وقد عُرفت سوريا بحمّاماتها العامة، التي اشتهرت في العصر الروماني، وكانت مبانيها من روائع فن العمارة، وكان الحمام يتألف من عدّة أقسام، منها: (البراني والوسطاني والجواني)، فضلاً عن غرف الملابس والأجنحة المخصصة للرياضة.
وتجدر الإشارة إلى الاهتمام بتزيين الجدران بلوحات الفسيفساء وكسوة الأرض بالرخام، وإلى الحدائق التي تحيط بمبنى الحمام. وفي العهود الإسلامية كثر بناء الحمّامات، وكان لكثير منها أوقاف تعيش منها، كونها المنشآت ذات النفع العام.
وقد تفنن الدمشقيون في صنعها حتى جعلوا منها آية فنية، ورصعوا جدرانها بالكاشاني، ورصفوا أرضها بالرخام الملون، وعقدوا على أطرافها قبابها وقرنها عقود الجصّ النافرة برسومها وتزييناتها، كما أقاموا في القسم البارد منها (البراني)، البحرات التي تتشامخ فيها نوافير المياه على أشكال بديعة.
ويرتاد الرجال الحمام في فترة الفجر والمساء، حيث يقضون الساعات الطوال التي تمتد إلى ما بعد منتصف الليل، ويتناولون الأحاديث والقصص والنوادر والسوالف والألغاز والغناء أيضاً. وينتهي الكتاب بذكر أضرحة الملوك والسلاطين والأمراء والولاة ومشايخها، وأضرحة الصحابة والتابعين، ومقاماتها ومقامات أهل البيت، رضي الله عنهم أجمعين.
طقوس
يحكي هذا الكتاب دقائق وتفاصيل حياة أهل دمشق وسبل معاشهم ومقولاتهم، عن طريق الإحاطة بتراثهم الشعبي قولاً ولحناً وأداءً وممارسة وسلوكاً، ويتطرق إلى مواضيع لا تزال ماثلة في الذاكرة الشعبية، كما يتوقف مع ممارسات أبناء دمشق في التعامل مع أعمال البر والتعاطف والتراحم، وإقامتهم المشيّدات ذات النفع العام، وحبس الأوقاف اللازمة للإنفاق عليها بما يعود على الناس بالخير، على مبدأ «ازرع الخير لجارك تلاقيه بدارك». وكذلك مهاداة الناس بعضهم لبعض في مناسبات الأفراح، كالأعراس والحج والختان،(كانت العروس لا تزف إلى عريسها ما لم يرافقها سبت الملبس، الذي يوزع على المدعوين).
المؤلف في سطور
ولد منير كيال في دمشق عام 1931، ودرس في مدارسها، وتخرج في قسم الجغرافيا من كلية الآداب بدمشق. ومن مؤلفاته: فنون وصناعات دمشقية، رمضان وتقاليده الدمشقية، حكايات دمشقية، معجم درر الكلام، معجم بابات مسرح الظل، دمشق ياسمينة التاريخ، محمل الحج الشامي.
الكتاب: دمشق الشام ذاكرة المكان
تأليف: منير كيال
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2010
الصفحات: 272 صفحة
القطع: الكبير
فيصل خرتش