السماء الصغيرة في الخاصرة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
ماذا أقول للسماء الصغيرة القابعة في طرف الخاصرة؟ . . قلت كل ما لدي للأشجار والأزهار والعصافير . للصقور والفضاءات والرايات . للنوافذ والأبواب والسقوف والشوارع . قلت كل ما لدي للحروب الماضية والحروب المقبلة . للأصدقاء والأعداء . للدفاتر القديمة والكتب المهملة في المكتبات التي يغمرها الغبار . قلت كل ما لدي للنساء والمدن، ولم يبق لدي ما أقول .
فكيف أخاطب تلك السماء الصغيرة التي تلح الآن على طرف الخاصرة، فتجعلني قاب قوسين من موت أزرق أزرق، يتداعى ويتداعى كما تفعل الأمواج الصغيرة، وهي تحاول، كل ربيع، تأليف البحر؟
ماذا أقول لها؟ . . هل أستطيع محاورتها، وهي تمتلك إبداع الوجود، وأنا لا أمتلك إلا الصمت بعدما انتهى الكلام؟
لقد أسرفت على نفسي، وكان كلامي المسفوح على سفح خيباتي طيلة العقود الماضية نوعاً بغيضاً من الهدر . لا عذر لي أبداً، ولا حيلة لي الآن إلا محاولة الاعتذار . سأحاول بكل طاقتي، لا كلام لدي . نعم، لكن الإشارة مازالت ممكنة . سأحرك يدي يميناً وشمالاً . سأحرك عيني في كل الاتجاهات . سأمشي في الرمال المتحركة كالجنود المبتدئين . سأغني بأعلى صوتي من غير كلمات وألحان . سأقفز في الهواء كالقرود، ثم أنهض فجأة كالبراكين، سأصرخ من غير لسان أو حنجرة، وسأذهب في الضجيج وحدي وسلاحي جسدي . سأحاول استغلال حتى حركة القلب . سأحاول أن يكون مُخّي ناتئاً بعض الشيء حتى يبدو وكأنه ورم على جبيني . سأحاكي حركة الرياح والأشرعة . سأتبدد في الهواء كالهواء، ثم أحتشد كصخرة منسية منذ بدء الخليقة على ضفاف نهر مغمور .
فقط أريد للسماء الصغيرة المنزوية في طرف خاصرتي أن تفهم عليّ، وألا تتألم كثيراً وهي تكبر غيمة غيمة، ونجمة نجمة .






رد مع اقتباس