الـربيـع الـرومـاني لـلسيــدة ستــــون

د. هيفاء بيطار

* الدستــور الأردنيـة





يدهشني الكتـّاب (الرجال) حين يصفون ، ويحللون مشاعر شديدة الخصوصية للنساء ، مثل رواية "مدام بوفاري" لفلوبير ، و"عشيق الليدي تشاترلي" لدى إتش لورانس ، و"المخدوعة" لتوماس مان ، وغيرها الكثير ، من الروايات. وأعتقد أن رواية تنيسي وليامز "الربيع الروماني للسيدة ستون" من أروع الروايات التي غاصت في مشاعر امرأة ، حتى لو كانت تلك المرأة ذات خصوصية معينة.

بأسلوب أخاذ ، وتحليل نفسي عميق ، يصف لنا تنيسي وليامز مشاعر السيدة ستون ، فهي فنانة مسرحية عالمية الشهرة ، أميركية الأصل ، متزوجة من رجل فاحش الثراء ، متيّم بها ، ويؤمن بموهبتها ، ويدفعها ، دوماً ، في طريق النجاح ، وهي باهرة الجمال. ويعتقد بعض النقاد أن جمالها سبب نجاحها أكثر من موهبتها التي يرونها متواضعة.

تعيش السيدة ستون كنجمة ، تلاحقها الأضواء ، ويتكاثف من حولها المعجبون ، تـُكتب مسرحيات من أجلها ، وتحتل أخبارها صفحات الجرائد والصحف ، وتتربع على ذروة المجد ملكة متوجة بالإعجاب والشهرة.

لكن ، للأسف ، فبعد الذروة يبدأ الانحدار ، وتبدأ هزيمة السيدة ستون حين تفشل في تمثيل دور جولييت ، والسبب أنها لم تعد تملك مؤهلات الشخصية التي مثلتها ، وأهمها الشباب. في الواقع الهزيمة الحقيقية للسيدة ستون هي الزمن الذي أفقدها شبابها ونضارتها وجمالها ، لكنها ترفض رؤية الحقيقة ، بل حين تنظر إلى صورتها ، في المرآة ، لا ترى إلا الشابة الرائعة الجمال.

تترمل السيدة ستون ، وترث الملايين ، عن زوجها ، تقرر اعتزال التمثيل ، وتعترف ـ بينها وبين نفسها ـ أن ثلاثة أسباب أساسية دفعتها إلى هذا القرار ، هي: فشل مسرحيتها الأخيرة ، ووفاة زوجها ، ومن ثم انقطاع دورتها الشهرية.

وتقرر أن تنتقل إلى العيش في روما لأن تلك المدينة تناسب نمط العيش ، الذي ترغبه ، فهي تحتاج علاقات عاطفية جنسية ، مع شبان رائعي الجمال ، فاتنين ، لا يزيد عمر أحدهم عن الخامسة والعشرين. تحاط السيدة ستون ، في روما ، بمجموعة من المتنفعين. امرأة عجوز فقيرة ، انتهازية ، تعرّفها إلى الشبان الذين يعيشون على حساب النساء العجائز الثريات ، تتوله السيدة ستون بأجمل شاب في روما ، واسمه باولو ، الذي أدرك كم تعشقه تلك الفنانة المتصابية ، والتي لم يعد فيها شيء من نضارة الشباب. يُمعن باولو في السخرية منها وتحقيرها ، ويطلب منها المال بشكل مباشر وغير مباشر.

في لقطة مؤثرة ، في الرواية ، ينظر إليها ببرود ، ويقول لها:

ـ أنت مثيرة للسخرية.

فتسأله برقة: لماذا؟

ـ لأنك سألتني إن كنتُ أحبك؟

تتجاهل طعنة الألم وتسأله: وهل هذا يثير السخرية؟

يضحك ، بوقاحة ، قائلاً: أنا لا أحب أحداً.

يدير لها ظهره العاري فتتأمله بافتتان.

هذا المقطع ينسحب على الرواية كلها ليرينا مدى الذل الذي توقع السيدة ستون نفسها فيه.

ومن حين إلى آخر ، نجد شاباً ماجناً وفقيراً يلاحق السيدة الثرية ، في الشارع ، ولا يتورع عن الإفصاح عن قوته بوصفه رجلاً.

لم تفهم الفنانة المشهورة ، التي كانت رائعة الجمال ، ذات يوم ، كيف وصلت إلى هذا الدرك المهين ، في حياتها. فقد عاشت عمرها بهاجس تحقيق مستقبل رائع ، تكون فيه ملكة بالشهرة ، دوماً. لم تستطع أن تتكيف مع الزمن: رفضت تقبل الكهولة ، وتعاني آلاماً نفسية هائلة ، في علاقتها مع باولو. تقول له:

ـ لقد كنتُ ممثلة مشهورة ، جداً ، وجميلة جمالاً لا يوصف ، فلـًمَ تتعالى عليّ؟

يسخر منها قائلاً: كنتً ، أما الآن فانظري إلى نفسك في المرآة.

تفتقر السيدة ستون مؤونة فكرية ومنطقية تعينها في تقبل التغيرات التي طرأت على حياتها ، لقد أطاش الزمن صوابها: لا تصدق أنها لم تعد مرغوبة فيها وفاتنة ، وتعتقد أنها ـ حين تقيم علاقة مع شبان ـ تبقى مرغوبة فيها ، لكنها تشعر أنها تنحدر وتنجرف إلى الهاوية ، ولا تستطيع مقاومة هذا الانجراف.

وفي الصفحات الأخيرة ، من الرواية ، تقرر السيدة ستون قطع علاقتها مع باولو لأنها لم تعد تتحمل تحقيره المتواصل لها ، وجشعه اللامحدود ، ونراها تلحق المشرد الفقير الشاب إلى الشارع لتومئ إليه أن يأتي إليها.

تطرح هذه الرواية المأزق المؤلم في علاقة المرأة مع الزمن ، بالتحديد ، حين لا تعود المرأة مرغوبة ومشتهاة ، وحين تتلفت من حولها فلا تجد معجباً واحداً ، فبعض النساء الجميلات والمرغوبات يصبن بانهيار نفسي ، وقد ينتحرن ، أو يصير سلوكهن شائناً ـ كالسيدة ستون ـ أو يتصابين بطريقة مضحكة ومخجلة. وللأسف النساء يصبن بأزمة زوال الشباب أكثر من الرجال ، لأن المجتمع يقيّم المرأة ، ويهتم بها ، حين تكون شابة ومرغوبة ، وهذه النظرة الاجتماعية مجحفة ولاإنسانية بحق المرأة. فرجل في الخمسين ، أو الستين من عمره ، لا يجد حرجاً أن يحب ، أو يرتبط بإمرأة في نصف عمره ، ويجد قبولاً اجتماعياً ، والمجتمع يبارك خطوته هذه. أما امرأة في الخمسين ، أو الستين إذا أحبت ، أو ارتبطت بشاب يصغرها توصم بكل الصفات الشاذة واللاأخلاقية.

لقد بين العلم والتحليل النفسي ، خاصة الذي قدمه يونغ ، أن النفس البشرية واحدة ، لدى الجنسين ، وأن الغريزة متساوية لديهما ، فلًمَ الإجحاف بحق النساء ومعاملتهن ، بقسوة وسخرية ، إذا بقيت لديهن شعلة الرغبة ، وسعين إلى الحب والجنس؟.

لستُ بصدد الدفاع عن هؤلاء النساء ، لكن رواية وليامز تجرنا إلى مواجهة أنفسنا ، بصدق ونزاهة ، ومن خلال سطورها تطرح علينا تساؤلاً محرجاً: كيف نرضى أن يكون لدينا مبادئ أخلاقية وإنسانية شديدة التباين بين النساء والرجال؟.



الكاتب: تنيسي وليامز

الناشر: دار المدى

ترجمة: أسامة منزلجي