لحظة حرية

مقال حبيب الصايغ

* دار الخليج




قلت للمرة الأولى، صرخت للمرة الألف، ولا أحد يصدق . طلعت على أعلى جبل وأطلقت صرخة مدوية، ولا أحد يسمع . الناس يتحركون في اتجاهات متقابلة ومتعاكسة ومتقاطعة، وكأنهم جميعاً في حفل اليوبيل الماسي للصمت، أو في الذكرى السنوية لميلاد الصمت، أو في المهرجان الدولي العظيم لتخليد الصمت .

وحيداً أقول صوتي على قمة الجبل . أكتب صوتي في الدفاتر والكتب، وعلى صفحات الأنهار، وفي أمواج البحار . أنحت صوتي على الصخور، وأنقشه داخل الكهوف . أرسم صوتي على الغيوم والنجوم والأقمار . أطلق صوتي وحيداً وأسافر وراءه . أعانق صوتي في الحلم واليقظة . أقف إلى جانب صوتي وآخذ لقطة تذكارية: هذا رحيق دمي يعبأ في زجاجات ملونة، ويسكب في عروق الجن، فلتتشردي في داخلي . قطراته اشتعلت، فهمّت بالتسكع في ردود الفعل . كادت تمتطي ذاك الحصان الأبيض الواقي من السياف . يا مسرور لا تغمد حسامك . إن صوتي لم يزل نشوان ترقص حوله سبعون جارية، وتحرسه صلاة البحر . يا مسرور لا تغمض عيونك . هل سمعت حديث زرقاء اليمامة يوم كذبها الرجال، فأمطروها بالظلام ضحى وما عرفوا نهاراً بعدها أبداً؟

هذا رحيق دمي يسافر في عروقي، ثم يرحل في عروقك عبر آلاف العروق اليابسة .

أذهب إلى صوتي بمناسبة قرب انتهاء العام، وقرب ابتداء العام الجديد . أسأله عن علاقته مع الزمن، ومع الممكن والمستحيل . أضع صوتي وسط الشارع العام، وأتسلق صوتي فلا أصل إلى هدف . أحاور صوتي، فيصمت بدوره، ولا يجيب .

اكتشفت متأخراً أنني كنت صامتاً حتى عندما كنت أصرخ، وأن العلاقة بين الضجة والصمت هي بالضبط علاقة الشيء بنفسه:

داخلي خارج، فادخلوه لأدخله بعدكم

داخلي خارج،

وأنا داخل فيه

إني أنا الخارج الداخل

الداخل الخارج

الأول المُنتهَى .