الكرمل الملتهب
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليج
للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش قصيدة “تعادلية” إن وافق نقاد الأدب على هذا التوصيف الاجتهادي، فهو يشير في أحد نصوص مجموعته “محاولة رقم 7” أن كل نساء العالم لا يعادلن قطرة ماء في منقار قبرة تحط على حجارة حيفا، وأن كان البحار لا يمكن أن تعادل أيضاً الماء في جبل الكرمل . والغريب أن درويش يستخدم عبارة “الكرمل الملتهب” في قصيدته تلك، التي كتبها قبل أكثر من ربع قرن عندما كان يأكله الحنين وهو في باريس مدينة الحرية والنور والارستقراطية حتى في الثقافة، ولكن عاصمة أوروبا الاستثنائية هذه لم تستطع اختطاف جبل الكرمل من قلب درويش الذي أخذ يتناثر منه الكوليسترول أكثر من الشعر في حياته التي ظلت أكثر من 60 عاماً مشدودة إلى كيانه المادي والمعنوي بذلك الخيط الذي صنعه من الشعر وقام بتمديده مثل أسلاك الكهرباء بينه وبين جبل الكرمل .
وعندما شعر درويش أنه يقع في منطقة معقولة من الاستقرار النفسي وربما الوجودي، وهو القلق كأن الريح تحته مثل المتنبي، قام بتأسيس مجلة ثقافية أعطاها اسم “الكرمل” كان يشرف على تحريرها وإعداد موادها ومراجعة خطوات العمل فيها من الألف إلى الياء، كأنه بذلك يريد استعادة جبل الكرمل ولو رمزياً عبر هذه المجلة التي رحلت هي الأخرى قبيل رحيل درويش أو بعده بقليل من الوقت .
كان جبل الكرمل بالنسبة إلى محمود درويش هو المنصة الجغرافية الطبيعية التي بإمكانه أن يقف عليها ومن رأسها، أي من رأس هذه المنصة أو من رأس هذا الجبل يمكنه رؤية العالم كله مع أن الكرمل ليس أعلى جبل في أرض الله الواسعة، غير أن الشاعر في ذاته العالية بالشعر، كان يتماهى مع الجبل في وطن فلسطين أخضر العينين، ولعل فلسطين في تاريخها الطبيعي كله رمزياً وواقعياً تستمد معنى اللون الأخضر من صميم هذا الجبل الذي يقف في الحيز المكاني الفلسطيني طويلاً وشامخاً بكل مهابته الجغرافية، وهي هنا تبدو مهابة حقيقية، لأن الذين يعرفون جبل الكرمل جيداً يعتقدون - ولو شعرياً - أنه يحرس البحر ويحرس المدن الفلسطينية الشاطئية المتتابعة في نموها على البحر الأبيض المتوسط: يافا، حيفا، عكا، هبوطاً جنوباً إلى غزة .
قبل أيام أكلت النار الأشجار الخضراء والأشجار اليابسة في جبل الكرمل، واستعان الكيان الصهيوني بطائرات ومعدات عاجلة لإطفاء حرائق هذا الجبل الذي قال عنه درويش قبل أكثر من 25 عاماً إنه “الكرمل الملتهب” .
هل هذه نبوءة شاعر . . أم أن اللهب السياسي المقبل سيحرق هذا الكيان ويحوله إلى خرابة؟