|
|
ترويض الحنين
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليج
الروائية اللبنانية نجوى بركات تقول إذا أردتُ ترويض الحنين أبكي، أما الشاعر سليم بركات فيقول بمعنى آخر، إذا شعرت بالحنين إلى مكان ما فلا تعد إليه أبداً، على العكس تماماً من شعراء الحنين في الجاهلية العربية، حيث الطلل وبقايا البيوت وأثر المرأة الحبيبة سبب وجداني كبير لسكب الكثير من الدموع على تلك الأمكنة التي كان يقف عليها الشاعر، ويأخذ بارتجال قصيدته من دون أن تسقط من عينه دمعة واحدة، وهو سلوك ثقافي في الجوهر أو أنه سلوك نابع من تربية سائدة آنذاك، فالبكاء ممنوع على الرجل لأن دمعته، كما يقال في الثقافة الشعبية غالية، ولذلك يقول شاعر عربي، وقد أراد الوقوف على قبر امرأة كان أحبّها ذات يوم:
لولا الحياءُ لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيبُ يُزارُ
وهو تعبير شعري خفيف إذا ما قورن بذلك الكبرياء الذي ينبثق من قلب شاعر يرفض البكاء من أساسه عندما قال:
يُبْكى علينا ولا نبكي على أحدٍ
فنحن أغلظُ أكباداً من الإبِلِ
الرجل في مثل هذه النصوص، وفي مثل هذه المواقف دمعته عزيزة ولا يجب أن تسقط على صفحة وجهه، خصوصاً أمام أطفاله، ولكن القاعدة ليست نظاماً أو قانوناً عندما يسنّها شعراء قلوبهم مغرورة وكبيرة، والمتنبي لم يُعرف عنه أنه بكى في قصيدته أو بكى أمام كافور الأخشيدي أو أمام أبي فراس الحمداني، وظل يلملم ضعفه في قوّة شعره بذلك الإضمار الذاتي المغطّى كما يقولون بوابل من الحزن .
بعيداً عن دموع الرجال ودموع النساء والحنين الذي “يطبخ” هذه الدموع كان آخر ملوك الأندلس يخرج من مملكته وهو يبكي، وعندما رأت أمه دموعه وهي تتساقط على بلاط قصره، قالت له بيتها الشعري المعروف:
ابكِ مثل النساءِ مُلْكاً مضاعاً
لم تُحافظ عليه مثل الرجالِ
اليوم تجري دموع عربية كثيرة، إما بدافع الحنين، وإما بدافع الكبرياء، وإما بدافع الضعف، وإما بدافع الحزن، وإما بدافع الحب، وهي في النهاية دموع بشر سواء أكانوا رجالاً أم نساء، ولكن الغريب حقاً أين هي دموع أولئك الذين يخافون على أوطانهم من الضياع . . كما ضاعت الأندلس؟
الأندلسيون الجدد في الأوطان المحتلة، وفي الأراضي المحتلة، وفي الثقافة المحتلة، لا يعرفون البكاء، ولا يعرفون الحنين، ذلك بأن أكبادهم غليظة .
الحنين إبرة صغيرة توقظ القلب والعين إذا استمرا طويلاً في النوم .