مواجهـــــة

حببيب الصايغ / دار الخليج




الظن مستقبل الدليل .

وليس إلا الظن، فماذا يتوقع من يقين أسلمته الطرقات إلى غياب سحيق، وضيعته أفئدة النشيج؟ . لا كلمات مناسبة في القاموس، ولا بساتين في المنازل والقلوب . لقد ذهبت الأشرعة بعيداً في خراب الدم، واندثرت الأحلام البكر، ولم يبق إلا الخوف الرمادي محيطاً بالبحر المحيط، من بدايات النهارات القلقة حتى نهايات أقواس قزح .

وماذا أيضاً في بيانات النعي؟ . . ماذا في بيانات الولادة؟ . . المترادف يتحقق حتى في المتناقض .

ماذا أيضاً غير المواجهة؟ . . المواجهة ليست منطقة حائرة بين الظن واليقين، بل هي المزيج المبدع الخلاق، حين يتشبث الإنسان الحي بالتعب والحب والموت، في سبيل خطوة جديدة مهما كانت صغيرة .

المهم المواجهة صعوداً، مواجهة النفس أولاً بسلاح الحب والحكمة . المهم أن تتشابك أيدينا وكأننا البنيان المرصوص . هكذا خطوة خطوة، موجة موجة، لبنة لبنة، يتحقق حلم الإنسان الأزلي المطلق، في الاقتراب من إنسانيته، وتحقيق ذاته، بشرط، الجنون حتى في العقل، ومحاولة تلمس الجمال حتى في القبح .

أسميك أيتها المواجهة الوضوح وأهبك الغموض . أسدل عليك شموس النسيان واحدة واحدة، وأذهب في الاعتداد كل مذهب . الشكل غير الشكل، والأغصان أبعد في الاخضرار والحياة، وأقرب إلى اليد والقلب .

تلك أيام تلمس بكل الحواس، وتتحرك في المجال المطمئن بين الغفلة والغفلة، وبين التابوت والتابوت .

وكان للنبض وقع الحوافر المنتصرة، وتاريخ سيرة من التقدم والنهوض والحرية والكبرياء .

كانت للنبض موسيقا المقبل المفارق، وكان للرهان حتى على القضايا الخاسرة نشوة الفرح والعيد .

ليست دعوة إلى التشاؤم البغيض كما قد يتبادر إلى أذهان البعض بقدر ما هي دعوة إلى التأمل أن نتأمل أنفسنا في المرايا العادلة، بيننا وبين أنفسنا، قريباً من رقابة الضمير، ومن تلقائية طفولة طاغية مصطفاة .

الحب عبر العذاب . الفرح من خلال الحزن . الراحة بعد التعب بل معه جنباً إلى جنب . السعادة في المعاناة . الحياة بعد الموت وفيه، ومراجعة اليوم والأمس قبل إطلالة شمس الغد، ثم استقبال شموس الغد والذي يليه، بكل رحابة الماضي ودفء القلب .

لست، لسنا في حفل لتأبين الزمان، ولسنا بصدد جيش من قصائد الرثاء، لكن الدمع، أحياناً، يغلب النظر .