شعرية الفضاء الروائي عند جمال الغيطاني
يبحث هذا الكتاب في شعرية الفضاء الروائي في الأعمال الروائية للكاتب الروائي جمال الغيطاني، مستخدما الظل الفضائي باعتباره منظورا جديدا في معرفة أبعاد هذا الفضاء، والذي يحوي بداخله أماكن متعددة، قام بتشييدها الإنسان، فهي أول ما يسعى إليه وآخر ما يتبقى منه، حيث يرحل البشر ويبقى الأثر شاهدا على ما سبق، لذلك فقد مهد الغيطاني لارتياد الفضاء عبر قلمه الحاد الرصين، وأسلوب سرده المفعم بالخيال، المجسد للصورة المكانية في إعطاء الدلالات التأويلية، وفق رؤيته الخاصة مع ذاكرة الضوء الحديدية، والتي لا مناص عنده من أن يمرق من جلدها. إنها ذاكرة الضوء المنبعث من حضارتين عريقتين، حيث اتكأ عليهما في أعماله الروائية ليرى من خلال نوافذه المتعددة، ما لا يراه الآخرون، فنظر من نافذة السماء لكي يرى الكون المطلق، ومن النافذة الداخلية ليرى الغائب البعيد اللامحدود، ومن نافذة المناظيري ليرى الكواكب والمجرات، وأخيرا نافذة العمر التي تتفتح قبل النهاية، وهو في طريقه إلى هذا سيطرت عليه الصوفية بكل أطيافها، فارتوى من معينها الذي لا ينضب، وتنفس عبيرها الذي بلغ الآفاق.
جاء الكتاب في ثلاثة فصول بعد المقدمة والتمهيد؛ حيث اشتمل التمهيد على ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول تناولت فيه الدراسة مفهوم الشعرية، معتمدة على بعض الآراء السابقة، سواء في التراث النقدي القديم أو الحديث، بعد أن ذكر مفهومها المعجمي، بحكم أنها تطورت وفق تطور مراحل الأدب، وبحكم دخولها في ملتقى علوم مختلفة؛ أكان في الدراسات الأسلوبية والعلوم اللسانية، أم في الدراسات التأويلية السردية، وكيف أن التاريخ الكلي للشعرية ما هو إلا إعادة تفسير النص الأرسطي على اعتبار أن الأدب محاكاة، فكانت نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني بمثابة البداية التي تبحث عن قوانين يحكم بها على العمل الأدبي، من خلال التأويل باعتباره قانوناً لشعرية النظم، وتطرقت الدراسة إلى العصر الحديث لمعرفة النظرة الحديثة للشعرية عند كل من الدكتور كمال أبوديب والدكتور جابر عصفور، ورومان جاكوبسون، وأخيراً استخلصت الدراسة تعريفاً للشعرية، يكمن في أن الشعرية قانون يحكم من خلاله، ومن خلال القراءة التأويلية.
وتطرق الكتاب في المبحث الثاني إلى نقطة جوهرية، من خلال تعريفها للفضاء الروائي، بـ«أن الفضاء له ظل ظليل، وأركان مختلفة، وامتدادات متعددة، تظهر في الحركة التأويلية وأن الحيز جزء منه»، وقد توصل المؤلف إلى هذا من خلال تعريجه على لفظة الفضاء بدءاً من المعنى المعجمي وتداول اللفظة في القرآن الكريم والحديث الشريف، ووصولاً إلى الشعر العربي وآراء المحدثين. وطرح سؤالا ذا أهمية: مَنْ يملك الفضاء الروائي؟ هل الأشخاص أم الأزمنة أم الروائي نفسه؟ وما العلاقة بين الفضاء والمكان؟ ليصل في نهاية المطاف إلى أن العلاقة بينهما هي علاقة الكل بالجزء.
أما الفصل الأول فقد عُنونَ بـ«أصداء المكان» بدأه المؤلف بمقدمة ذكر فيها أهم ما يميز كتابات جمال الغيطاني، والمتمثلة في عنصر الإحالة عنده، بالإضافة إلى الجانب الصوفي المتغلغل في شخصيته، فضلاً عن سمات أخرى، وأتبع ذلك بالحديث عن أمكنة الأشياء وأصدائها؛ نحو النوافذ، والجدران والأركان والأسقف والأقواس، والبيت، والمقهى، وأضاف لما سبق المدينة والظل الفضائي وغير ذلك.
وحول «تعالقات الزمان بالمكان في دفاتر التدوين» جاء الفصل الثاني الذي وقف على بعض النقاط الأولية لذلك التعالق، موضحاً تاريخ الزمكانية، وكيف أن ميخائيل باختين أول من أطلق هذا المصطلح عام 1938.
وقد تناول المؤلف الأنثى وتعالقات الزمان بالمكان، فضلاً عن الأصوات مع الوصف والسرد، من خلال التجربة الصوفية الرائدة عند جمال الغيطاني، والتي تجلت في معظم كتاباته.
وتحت عنوان الخطاب الروائي في دفاتر التدوين جاء الفصل الثالث ليتناول تاريخ الخطاب في التقديم النظري، معتمدا على الآراء السابقة في بعض الرؤى، وعرف الخطاب في المفهوم السردي، متناولاً المروي له ووظائفه، والعلاقة بين السرد والحوار... وبعدها حلل عناصر الخطاب في الروايات الثلاث: الزمن والصيغة والصوت السردي.
ويقول المؤلف هنا «لقد عبر جمال الغيطاني من خلال ذلك الخطاب عن حبه الدفين للحضارة الإسلامية، وعراقة الحضارة الفرعونية؛ حيث إنه كلما ابتعد عنها وجدها أمامه؛ سواء أكان في الشرق أم الغرب؛ دامجا فيه الحس الصوفي الراقي».






رد مع اقتباس