ليل في ليل

مقال حبيب الصايــغ

* دار الخليــج






من يطرق على الباب في هذه الساعة من الليل؟ . . من يخدش الهدوء بمطرقة التعب والنشاز؟ . . من يتسلل، معي، إلى نومي، وإلى أحلامي؟ . . من يتخذ من تعذيب الآخرين هواية وهوى؟ . . من؟

لا أحد معنياً بالجواب، لكن إطلاق كل سؤال عملية مشروعة تماماً، حتى لو كان السؤال بلا جواب، بل من دون موضوع ابتداء . أصلاً، لم يكن هنالك طارق على باب الليل، وكان الليل هادئاً، أهدأ من كل ليل سواه . على الأرجح، كان سواده أكثر من اللازم، وكذلك هدوؤه . كان ليلاً متاخماً للصمت، وكنت وحدي أجتر الحكايات مع نفسي، أقول لها وتقول لي، وننهل معاً، أنا ونفسي، من ينابيع الضجر .

أقول لنفسي وأقول . أسأل وأثقل في السؤال . أحاور نفسي وهي لاهية عني لا تجيب . تنفصل عني كما ينفصل الليل، وأتحول إلى كائن غريب، بلا ليل ولا جذور . أحاول أن أكتم في نفسي، وبطبيعة الحال، لا أستطيع، فكيف يكتم في نفسه من فقد نفسه؟

وأشكو إلى الليل ولا يجيب، إذ كيف يجيب وهو غير موجود؟ . . يذهب الليل ويأتي بعده النهار، ويأتي بعد النهار ليل جديد . أقول أتصالح مع هذا الليل، فأكتشف أنه امتداد، بل صورة طبق الأصل لليل الفائت .

الليل الثالث مثل سابقه . الليل بلا ليل، والأمنيات، خارج النفس، تتكدس في زاوية الغرفة، وتحاول التسلل من خلال النافذة إلى بيت الجيران . ترى هل هي حالة فريدة أعانيها أنا فقط، أم أن انطفاء الليل في الليل حالة عامة . هل هي ظاهرة فيزيائية أم هي مما يختلج في الوجدان، ثم يفيض كسحابة المطر؟ . . هل أحتاج إلى زيارة الطبيب النفسي مثلاً؟

في نهاية المشهد، كان عشرات الأطباء النفسيين يصطفون طوابير، وكان بعض أصحاب المهن الأخرى واقفين معهم في انتظار الدور .

انتظرت طويلاً، انتظرنا كثيراً، ولم نصل .

مر ليل، وتلاه ليل آخر، وثالث ورابع، ولم يأت الدور بعد .

أطلقت صرخة من داخل الصدر، لعلي أستطيع مواصلة النوم، من دون علامات ترقيم، خصوصاً علامات التعجب المزعجة .