قراءه في مشهد عربائيل

بقلم: أ/ سالم موسى الطنيجي
من خلال الهجمة الشرسة التي يشنها العدو الإسرائيلي على غزه؛ تتجلى بوضوح نتائج التطبيع السياسي والتعاون الإقتصادي بل و حتى الأمني مع دولة الكيان الصهيوني الغاصب للأراضي المحتلة...!!
فما صمت بعض الدول العربية أو الهمس " الخجل " لبعضها الآخر إزاء ما يحدث في غزه إلا دليلٌ دامغٌ على مدى تغلغل العلاقات العربية الإسرائيلية ومتانتها؛ الأمر الذي أدى إلى تضارب المواقف العربية الرسمية حول ما يحدث لأبناء غزه وشعبها الأعزل.

ولا يخفى على الجميع حدود الأطماع اليهودية الصهيونية في المنطقة، فمنذ نعومة أظفارنا ونحن ندرك أن اليهود يخططون لإنشاء دولة إسرائيل العظمى " حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل "...!! ولا يخفى على الجميع السعي الحثيث للولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على المنطقة بكامل خيراتها ومقدراتها.

لذا عمدت الولايات المتحدة الأمريكية على إضعاف المنطقة وكسر شوكتها وتجريدها من كل أشكال القوة و وسائلها، فاخترعت لعبة الغزو وأشعلت فتيل الحروب في المنطقة، ابتداءاً من اشعال الحرب العراقية الإيرانية والتي كانت تهدف إلى اضعاف الدولة الايرانية وكسر شوكتها بعد أن استطاعت أن تقنع دول الجوار بخطر المد المذهبي الشيعي ، والأطماع الإستعمارية الإيرانية في المنطقة.. فزجت بالعراق كي يتصدى للإيرانيين ويخوض معهم حرباً طويلة الأجل بأسلحةٍ أمريكية وبدعمٍ عربي.

وبعد أن أتم العراق مهمته مع الإيرانيين وخرج من حربه معهم شبه منتصر، فكرت القوى الأمريكية في كيفية نزع السلاح من يد العراق حتى لا يتحول إلى قوة إقليميةٍ عظمى خصوصاً و أنه بدأ يهدد أمن إسرائيل بتوجيه صواريخه إلى تل أبيب؛ فما كان أمامهم إلا التغرير به والزج به في مستنقع الكويت لإيجاد مسوغٍ لتوجيه ضربة عسكرية قاضية له؛ بعد أن اختلقوا لعبة الأزمة النفطية بينه وبينهم.. وبالفعل كان لهم ما أرادوا عن طريق حرب الخليج الثانية في بداية تسعينيات القرن المنصرم .

ويستمر مسلسل إضعاف القوى وشل الحركة العراقية عن طريق فرض حصارٍ اقتصادي جائرٍ عليه لسنواتٍ طويلةٍ، إلا أن العقلية العراقية الحاكمة آنذاك لم ترضخ للحصار؛ فناورت و راوغت من أجل تطوير قوتها العسكرية ، فاتجهت إلى التسلح النووي واستيراد مواده الخام من بعض الدول المتعاونة؛ الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للأمريكان لغزو العراق , مضللة الرأي العام العالمي بإكذوبة أسلحة الدمار الشامل ..!! وخادعة بعض الخونة وبعض الحالمين السذج من العراقيين بالديمقراطية، والحياة الهانئة المستقرة تحت ظل القوات الأمريكية...!!!

فكان احتلال العراق في الحادي والعشرين من مارس لعام ألفين وثلاثه ( 21 / 3 / 2003 ). ضاعت على اثره العراق, وسقطت بغداد في ظل تكالبٍ صهيوني أمريكي ، وفي ظل إقرارٍ عربيٍ ضمني بمشروع الهيمنة الصهيو أمريكية على المنطقة..!!
ولعله مما يدعم حديثي هنا عن مشروع الهيمنة أن أورد إجابة أحد المحللين السياسيين الأمريكيين على تساؤل أحد الصحفيين حول موقف أمريكا والغرب الأوروبي من " العراق وكوريا الشمالية " والموقف الأمريكي المتشدد تجاه العراق والمتهاون تجاه كوريا الشمالية ، والتصميم على غزو العراق بالرغم من عدم اثبات أن لديها أسلحة دمارٍ شاملٍ، وترك كوريا الشمالية برغم اعترافها العلني بوجود أسلحةٍ نوويةٍ اضافةً إلى انسحابها من اتفاقية تخفيض التسلح النووي.
فأجاب إن هناك ثلاثة أسباب رئيسة:

أولاً : ان العراق دولةٍ اسلاميةٍ و وسط عالمٍ اسلاميٍ، وكل ما يهم أمريكا و الغرب هو ضرب الإسلام و العالم الإسلامي ..!! بينما كوريا الشمالية ليست دولةٍ اسلامية..!

ثانياً : يهم أمريكا والغرب السيطرة على البترول العربي والعالمي.. والعراق تملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية؛ بينما لا يوجد بترول في كوريا الشمالية.

ثالثاً " وهو الأهم " : لابد من ضرب أي دولةٍ في الشرق الأوسط تملك أي نوعٍ من السلاح واخضاعها للسيطرة الأمريكية، وذلك لضمان حماية الدولة العبرية الصهيونية المسماة " بإسرائيل "..

ليست العراق وحدها التي تشكل خطراً أو تهديداً للمشروع الصهيو أمريكي؛ فهناك خطرٌ آخر يتمثل في الحركات الإسلامية أو ما يطلق عليه الأمريكان " المد الإسلامي "
حيث أن أغلب هذه الحركات تؤمن بالكفاح المسلح " الجهاد " ضد المستعمر الأجني ، ولا تنظر لإسرائيل إلا كعدوٍ محتلٍ للأراضي الفلسطينية؛ فكان لابد من توريطها و الزج بورقتها في ساحة اللعبة السياسية من حيث :

1/ استعداء الحكومات العربية عليها وإلباسها اللباس السياسي عن طريق تصويرها على أنها حركات سياسية انقلابية في ثيابٍ دينية تسعى للوصول إلى السلطة.!! وهذا ما يفسر كثرة الضغوط الأمنية من قبل بعض الدول العربية بما فيها دول الخليج على العمل الإسلامي و على النشطاء الإسلاميين

2/ التشويه العالمي للمد الإسلامي " الحركات الإسلامية " و نعتها بالأصولية و وصمها بالإرهاب .. وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال مسرحية " ناين إلفن " التي أبرزت بطولات تنظيم القاعدة في تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك؛ وما تبع ذلك التفجير من تجنيد العالم بأسره لمحاربة وهم الإرهاب؛؛ و للأسف أُجبرت جميع الأنظمة العربية للمشاركة في هذه الحرب بطريقةٍ أو بأخرى من منطلق" قاعدة بوش " المشرع السياسي الأعظم ؛ والتي تنص على " أن الذي ليس معنا فهو ضدنا "..!!
في إشارةٍ واضحةٍ منه إلى استهداف أي نظامٍ عربيٍٍ لا يشاركه في حربه على الإرهاب " الإسلام "...!!

اليهود ومن قبلهم الأمريكان أدركوا بأن هذه الحرب لن تمكنهم من فرض كامل سيطرتهم على المنطقة؛ ولكنها أداة فعالة لإضعاف ارتباط المسلمين بقيمهم الدينية وخلق جيل جديد من المسلمين اكثر انفتاحاً و أكثر تقبلاً للغرب، وفق معايير حديثة بناءً على مواصفات الإسلام الأمريكاني ..!!
لذا عملت على تكريس العديد من الممارسات القمعية ضد المظاهر الدينية في الدول العربية تحت مظلة تقارب الأديان ، وحوار الثقافات وغيرها من السخافات التي خدع بها أغلب الساسة العرب الذين عملوا بدورهم على تقزيم أدوار المساجد، وتفريغ محتوى خطب الجمعة لضمان عدم التأثير على الشعوب، إضافة إلى نبذ اللحى والنقاب وغيرها من مظاهر التدين والالتزام...!!

من الممكن القول هنا بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في توجيه ضربة للعمل الإسلامي في العالم بشكل عام ، وفي العالم العربي بشكل خاص على صعيد حربها على الإرهاب؛ ولكنها تلقت ضربة قاسية جداً على صعيد العمل السياسي لفرض الهيمنة على المنطقة؛ أثرت على أدائها السياسي تجاه القضية الفلسطينية، وبعثرت حساباتها وبددت أحلامها بالتسوية السياسية للقضية الفلسطينية.. تتمثل هذه الضربة بوصول حركة المقاومة الإسلامية " حماس " إلى السلطة عبر صناديق الإقتراع، في واحدةٍ من أنزه العمليات الإنتخابية في المنطقة، بشهادة الرئيس الأمريكي الأسبق " جيمي كارتر" الذي أشرف بنفسه على سير العملية الإنتخابية .

لم يرق للأمريكان هذا الصعود بالرغم من أنه جاء من بوابة الديمقراطية التي تستخدمها أمريكا ذاتها للتغرير بالشعوب العربية.. إلا أن هذه المرة الأمر مختلف ، فالقضية تعلق بمستقبل مشروع الهيمنة على المنطقة بأسرها أو ما يطلق عليه " أمن إسرائيل "
فكان لا بد من اسقاط هذه الحركة بأي شكلٍ من الأشكال ومهما كان الثمن..!!
فصِيغَت الدسائس ، و حِيكَت المؤامرات ، و جُنِدَ الخونة ، وجِيئَ بالمرتزقة النفعيين ليعيثوا فساداً وليعملوا على اسقاط " حماس " واضعاف شعبيتها، ولكن كل ذلك لم يجد؛ فحماس بدأت تجني مكاسب على الأرض وشعبيتها في ازديادٍ مضطرد، الأمر الذي حذى باليهود إلى تشييد الجدار وفرض الحصار..!!

جن جنون المارد الأمريكي؛ وازداد الصداع في رأسه من وجع " حماس ".. فدق الأجراس، وجند الأنجاس، و وجه خطابه للأنظمة العربية أن تذكروا...! بأن قاعدتي الذهبية هي الأساس.. والويل ثم الويل لمن يصطف مع حماس..!!

وهاهي الحرب على غزة تكاد تكمل اسبوعها الثالث، ولا تزال الأنظمة العربية بأكملها تندد تارة ، وتكيل الاتهامات لحماس تارة ، وتلوك ألسنتها بعض النظريات تارة ، وأهل غزة يغرقون بدمائهم غارةً بعد غاره...!!

حماس تدرك كما هو حال أغلب الشعوب العربية بأن الأنظمة العربية لا حول لها ولا قوه..!! فكلها بلا استثناء تخشى الهراوة الأمريكية ، لأن غالبيتها قد وقع في فخ محاربة الإرهاب على الطريقة الأمريكية، والتي تعني بالحرف الواحد " محاربة الإسلام بكل أشكاله وصوره " وأن بعضهالآ ا خر قد كبل نفسه بالعديد من المعاهدات و الاتفاقيات، من أجل التسوية السياسية السلمية للقضية الفلسطينية، والقبول بسياسة الأمر الواقع والاعتراف بإسرائيل كدولة شريكة في المنطقة...!! فأنى لتلك الأنظمة أن تنصر غزة و أهلها ..!! وأنى لهم أن ينصروا حماس العزة و الإباء...!!

لعله من المهم في نهاية هذه القراءة أن ألخص ما يجري الآن على الساحة العربية والإسلامية ، وعلى الساحة الفلسطينية بشكلٍ خاص " أن الولايات المتحدة الأمريكية و شركائها من اليهود والصهاينة ينطلقون من منطلق دينيٍ عقائدي لا يخلو من التخطيط السياسي المتقن للهيمنة على العالم العربي والاسلامي وبسط نفوذها عليه وغرس اسرائيل كقوةٌ عظمى في المنطقة ، وستستعدي وستحارب أي قوةٍ تظهر في المنطقة لا تخدم أمن إسرائيل؛ سواءً كانت هذه القوة متمثلة بدولةٍ بعينها، أو أي حركة ترفع لواء المقاومة ومهما كانت خلفيتها الفكرية أو انتماءاتها السياسية "

إن قدر رجالات حماس أن يرفعوا لواء العزة والكرامة، لواء الجهاد في سبيل الله في مواجهتهم لأمريكا وإسرائيل من جهة، و أنظمة عربائيل من جهةٍ أخرى..
كان الله في عونكم .. ونصركم على من خذلكم ..