القاهرة.. السّاهرة .. الآسرة!
خيـــري منصـــور
*القــدس العـربــي
قبل سبعة أعوام لعلها الأعجف في ألفيّتها السابعة، عدت اليها بعد حرمان قسرّي دام ربع قرن، واقتادني صبيّ الاسرار الذي كنته في ستينياتها البهيّة الى شوارع وأزقّة ومقاهي وأرصفة حفظتها عن ظهر قلب وقدم.
وما ان اصغيت الى حفيف عذاراها الخالدات حتى أصبت بحمّى لم أصْحَ من غيبوبتها الا بعد كتابة آلاف الكلمات بعنوان 'ندّاهة اليتيم'، نشرتها في مجلة 'وجهات نظر' مقترنة بلوحة شجية للصديق الفنان حلمي التوني، ولم يخطر ببالي ان تلك النوستالجيا سوف تمزج دموعي بدموع أصدقاء وأصحاب جدد، بدءا من الاستاذ الذي ما إن لقيته حتى احسست بأن الربع قرن بمقياس آخر هو ربع ساعة فقط، حتى الطبيب الذي أصيب في السبعينيات برصاصة في ساقه اثناء احدى المظاهرات، ولا أنسى ان الشاعر احمد فؤاد نجم عانقني دامع العينين وهو يقول: تلك هي قاهرتي.. ولم أكن اعرف ان غالب هلسا كان صديقه الا عندما قال لي بأنه بكى مرتين.. كانت الثانية على غالب الذي عشق مصر حتى النفي ومات وفي نفسه شيء من رحيقها...
كم كانت هادئة السطح قبل أسابيع وكأنها ترتدي طاقية الاخفاء الزرقاء.. لهذا لم أصدّق ما سمعته من فنان الكاريكاتور الذي هزل جسده لفرط ما فاضت روحه بالعنفوان حسنين الذي لم يفقد الأمل في ذروة القنوط، وكم كانت محمومة توشك على الهذيان عندما سمعت د. هاني يقول لي ان أمي بعافية، وهو تعبير مصري عن حالة المرض أما الأم فهي مصر .. وهذا ايضا ما رددته فنانة أصيلة صمتت بنبل الناي عندما قرعت الطبول وهي تهتف لحظة سقوط بغداد... يا قاهرة بيت اختك بيحترق .. يا ناس بيت خالتي بيحترق... قبل هذه السبعة الأعجف في الألفية السابعة من عمرها المديد، اسلم اليتيم نفسه للنداهة وراح يبحث عن سنوات صباه في شوارع الدقّي وأزقة العباسية وساحات التحرير، فهي عديدة رغم ان الميدان يختصرها الآن بمن طفوا على دمهم الذي نزفوه كي يكونوا مع تلك الشمس الأقسى وجها لوجه. كان الصبّي يعي منذ بواكيره الخيط السرّي بين الزمالك وبولاق رغم الفارق الذي يوشك ان يكون كارثيا بين فائضين، فائض الرفاه وفائض الشقاء، لهذا كان يشرب الكاركاديه في مقهى بولاق والقهوة في البن البرازيلي في الزمالك، ويسهر النصف الأول من الليل مع شوقي الجبوشي في ام المصريين او زقاق عليش في الجيزة، ثم يسهر ما تبقى في مقهى النايت آند دي في سميراميس الأول قبل ان يعاد بناؤه بلا كامل الشناوي وجليل البنداري والمصعد الحديدي الأسود.
* * * * * *
الآن.. يتفصّد الدم في العروق النافرة، وتعلن آسرة المعزّ وقاهرة غزاتها ان القيامة المؤجّلة قامت، وان الحفلة التنكرية انتهت مع صياح طفل، فلا حاجة بعد الآن الى الدّيكة لأنها أولا ً صلعاء.. ولأن المزابل التي تصيح عليها تحوّلت الى حدائق، سواء في خيال شاعر حالم او في دفتر صبيّة موشوم بدم أصابعها. الآن أصدّق تلك العبارة التي طالما بدت لي أحجية وهي ان تخرج من برج ايفل كي تراه وان تكون بعيدا ساعة جوية فقط عن القاهرة لتكون واقفا في صرّتها، قبالة المجمّع، وعلى بعد فنجان قهوة فقط من مقهى ريش.. الذي دلّني عليه لأول مرة طلعت حرب وانا أعبر الشارع ويقتادني من يدي ذلك الصبّي الذي كنته وافترقنا رغما عنّا ربع قرن ...
* * * * * * *
قبل سبعة عجاف أغمضت عيني وأنا أتأمل ما تبقى من الميدان، فمقهى استرا تحول الى مطعم للوجبات السريعة، ولم يعد هناك مكان يحمل اسم ايزوفتش او روي او زينة او بامبو، كما ان ساعة الآزهار توقفت عقاربها. أغمضت عيني وأنا أصغي لأصوات شباب وصبايا يطالبون الناس بإطفاء النور، لأن الغارات الاسرائيلية والضفادع البشرية تهدد الاطفال والنخيل وقلعة صلاح الدين ومتحف الانتكخانة. كانت حرب حزيران ( يونيو) قد طويت في صفحات التقاويم لكن الزمن كله تحول الى عشية اليوم السادس منها الى يوم سابع طويل، وبعد اكثر من اربعة عقود لا نزال نعيش في غسق ذلك اليوم ونصغي الى البومة وهي تنعب في أفقه الرمادي.
كانت السيدة رجاء تصعد السلالم في عمارة من احد عشر طابقا باتجاه السطح، لأن شقيقها طلعت يحارب في سيناء وفي عز الظلام كانت عيون ساهرة تسطع وتضيء للصبيّ ليلا حالكا، فيما تملأ فضاءات القاهرة اصداء اغنية لفايدة كامل 'يا مجاهد في سبيل الله' ثم انتهى المشهد بأغنية لفريد الأطرش 'ان للباطل جولة'.
* * * * * * *
هذه لحظة تشتبك فيها الأزمنة، يأس يتراجع امام زحف الرجاء، وليل يدنو شفقه رغم تحالفه مع العمى، انتصارات وانكسارات تعاقبت خلال ستة عقود لكن القشعريرة هي ذاتها منذ سرت بدءا من أخمص القدمين حتى سويداء الرّوح ...
قاهرة غُزاتها وآسرة عاشقيها، انها تجيد لعبة التماوت كالبعير كي تكون قيامتها كونية الصّدى، وحين كنت اضع خدي على خد ليلها الحميم كي نتبادل البوح، كنت اصغي الى أنين شجيّ، وكأن الصبيّة تحول فائض النيل الى ظمأ، وكيف اصبحت اهزّ النخلة من جذعها فيتساقط النوى، ففي الأزمنة التي ينعدم فيها الوزن، يشهر الرغيف سيفه على الوردة، وتصبح الضرورة مدججة وهي تزحف نحو الحرية كي تقول لها: لسنا توأمين، فالسحابة السوداء حجبت الندى، وحلّقت الغربان فوق حقول الحنطة.
هؤلاء من علّموني... وهؤلاء من علّمتهم، فأنا أسدّد للحفيد ما أشعر به من دين ازاء جدّه، لكن النيل مثل دجلة، له شاطئان وليس شاطئا واحدا ...
قبل أكثر من أربعين عاما، اقتسم معي مصري رغيفه وان كان قد أصرّ على اعطائي وردته مقابل آخر حاول انتزاع خاتم أبي من اصبعي بعد ان احتُلت بلادي وصرت اعزل الا من جسدي... مدينة العشرين ألف مقهى وآلاف المآذن والكنائس تعجّ بالمتناقضات، ليل للعابدين والتهجد وليل للماجنين والصعاليك، وفاء نادر وخيبات أقلّ ندرة، ولأنني عرفت شعابها على مدى مراجل العمر منذ لثغت بالشعر حتى لثغت بالصمت لا ازعم بأنني أدرى بهذه الشعاب من أهلها، وهذه مناسبة للاعتراف بلا أية مزاعم ان ما حدث في ميدان التحرير لم يكن مباغتا لي.. فقد وصفه اصدقاء منهم الحكيم والنزق قبل ان يحدث بأعوام، وصفه لي د. يحيى الجمل الفقيه في القانون والعشق، ووصفه د. هاني والفنان حسنين والشاعر محمود والروائي عزّت والبواب شعبان، لأنهم الأدرى بتلك الشعاب.
الآن ادرك كم على العربي أن يدفع ثمن التجربة كي لا يكون تعامله سياحيا في عواصم عريقة كبغداد والقاهرة، فهذه المدن يهجع في باطنها بناة حضارتنا واسلاف ثقافتنا، وحين تقيء احشاءها في شوارع تحولت الى أوتار مشدودة تحت أقدام المحرومين، فذلك لأنها تدافع عن جوهرها الذي لم يبلغه الصدأ!
* * * * * * *
القاهرة... السّاهرة ... الآسِرة، تحالف حبة الليمون الصغيرة مع الجبل، وعصيان التلميذ على الدرس الذي نأى به عن جسده وحلمه، كل شجرة او حجر او خصلة شعر تعبث فيها الريح هناك تخصّني في الصميم، فأنا الآن لست فيها لفرط ما انا هناك ...