الأستاذة مصر

حبيب الصايغ

* دار الخليــج






كتابة مصر، قبل وبعد، مختلفة، جديدة وطازجة، معاصرة كمضارع الفعل، وتشير، بتلقائية نادرة، إلى غدها وغد الناس .

ومصر هي العاطفة . ملء القلب هي في سنوات العمر، وكنا نقول إن مصر هي العقل أيضاً، بل العقل أولاً وأساساً . مصر الأستاذة والكبيرة والقائدة . هذه البلاد الاستثنائية تستطيع أن تختصر زمنها وزمن أهلها العرب في كل مكان في نحو أسبوعين، ليقال بعد ذلك، وتكون للقول الدلالة الكاملة: ما قبل الثورة المصرية وما بعدها .

ثورة الشباب على حكمة الآباء، وثورة الشعب الطيب على السلبية والصبر المفرغ من مضمونه .

ثورة شعب مصر لم تسقط النظام المصري فقط، بل أسقطت معه أطنان التجارب والشعارات، وأطنان أنظمة التربية والتعليم، وأطنان السلوكيات غير الحميدة .

وأسقطت هتافات ميدان التحرير في قلب القاهرة الأبية أطنان هتافات ومناهج وتوجهات المثقفين والكتّاب والشعراء والنقاد والمفكرين .

ليست مرحلة جديدة من عصر نعرفه، بل إنه عصر جديد لا نعرفه، وعلى جيلنا أن يبذل الجهد للتأقلم معه حتى نستطيع أن نتنفس ونعيش، وحتى لا نتقمص، أو نستمر في تقمص دور السلحفاة في سباقها الشهير مع الأرنب .

ثورة الوعي والعدالة والضمير، فلماذا لا تكتسح، في نحو أسبوعين، ظلم العقود الطويلة، واستبداد الليالي الحالكة؟

ثورة مصر، وكما عودتنا الأستاذة مصر دائماً، ثورة تأسيس الحرية لا في مصر العظيمة وحدها، بل في وطننا العربي كله من المحيط إلى الخليج، وبقراءة ثورة مصر، يذهب إلى التجلي، وإلى الفعل والعطاء، مستقبل العرب في كل مكان عربي .

وتبقى ضرورة استخلاص الدروس المستفادة من ثورة شعب مصر: إرادة الشعب فوق كل اعتبار، وإزاء تلك الإرادة، يسقط التنظير والتحليلات والاحتمالات، وتسقط السياسة النمطية، وتسقط الإيديولوجيا، ويتغير الواقع خارج حسابات الحاسبين .

القوى الكبرى بين قوسين لا تحسبها “صح”، وهواة التوازنات يذهبون في الخطأ كل مذهب، ويغيب الحاضرون فجأة، وفجأة يحضر الغائبون .

ومن درس مصر أن الوطن غير النظام، وأن حرية الناس لا ينظمها القرار الرسمي .

ومن درس مصر أن شباب الإنترنت لم يكونوا مشغولين باللعب وتبادل الرسائل الساذجة، وإن كان جيلنا، بسبب من اعتداده المبالغ فيه بنفسه، يظنهم كذلك .

هذه ثورة القرن والألفية، فما نفعل نحن، بنصف قرن “نشيله” على ظهورنا المنحنية منذ القرن العشرين الذي بدأ يتوارى وراء الأفق وهو يتكئ على عكازتين؟

وإذا كانت ثورة شعب مصر ولدت من رحم ال “فيسبوك”، فإنها تنتمي، وبالأسلوب الشرعي والحقيقي، إلى الإعلام: فضائيات الحرية من جهة، وإعلام النظام الفاشل من جهة ثانية .

أما ما لا يُصدق أو يُحتمل، فتحول إعلام النظام بين ليلة وضحاها من بوق إلى صوت .

هل أهمس في آذانكم؟ . . عبقرية الشعب الجميل أيضاً، وعبقرية النكتة، ودعاء الشهداء والأمهات، ورشاقة الطموح .