علّمتنا الثورة
مارلين سلوم
* دار الخليــج
ترجل، فالعهد لم يعد عهدك .
ترجل، فالفرس الراكض في الميدان أسرع من نبض قلبك ومن إيقاع روحك وأدائك .
الزمن لم يعد زمنك يا أيها الإعلام المكبل بقيود الأمس وأفق الفكر المحدود والروتين الممل .
الزمن لم يعد زمن الشاشة المرهونة ببيان رسمي ولا باسم رسمي ولا بشكل رسمي .
فالثورة المصرية علّمتنا الكثير وعلّمت فينا .
علّمتنا أن الشباب يمكنه أن يقود العالم . وعلّمتنا أن الناس بمقدورهم أن يقودوا الإعلام إلى حيث يشاؤون ولا يخضعون لإرادة تجاره طوال الوقت . وعلّمتنا أن زمن التلفزيون الرسمي المكبّل بقيود كثيرة وغير المتوائم مع متطلبات جمهوره ومع تطور الإعلام الخاص ومع الواقع انتهى، ولا مكان له في عصر الانترنت .
التلفزيون المصري الرسمي سقط في اختبار الثورة، حيث أصر على أن يتعامل مع المشاهدين باعتبارهم جهلاء أو أغبياء، أو كأنه الشاشة الوحيدة التي تنقل صورة الأحداث في مصر، وبالتالي لا مجال للمشاهدين لرؤية الصورة بشكل مختلف والمقارنة بين هذه وتلك . حسب التلفزيون أنه ما زال يعيش في زمن الأبيض والأسود، حيث كان التلفزيون الوحيد الذي يمكنه أن يسجل حفلة لأم كلثوم ليبثها إلى ملايين المشاهدين العرب، كأنه لا يرى إلا نفسه، ويعيش في شرنقة مهترئة .
ألم ير المسؤولون عنه أن هناك قنوات عربية أخرى تنقل الأحداث من قلب القاهرة والاسكندرية وكل منطقة ملتهبة في مصر؟ ألم يعرف هؤلاء أن التلفزيون أصبح يعتمد على كاميرا الموبايل لنقل الوقائع بشكل مباشر ولسرعة التواصل مع الشارع، بينما كاميراتهم تختبئ خلف النوافذ وجدران الاستوديو؟
تجربة قناة “الجزيرة” وبغض النظر عما قيل عنها وعن توجهاتها، إلا أن ما حصل لها يكشف إلى أي مدى تخطى الزمن الفكر المحدود لبعض المسؤولين عن الإعلام ووزرائه، وأن الإنترنت و”الموبايل” يمكن أن يحلا مكان الكاميرا الضخمة والميكروفون وعدة التلفزيون الثقيلة . منذ الأيام الأولى للأحداث حجبوا قناة “الجزيرة” ثم أغلقوا مكاتبها ومنعوا مراسليها من العمل، فوجدت أكثر من وسيلة لتبث إرسالها، إما عبر الاستعانة بقنوات عربية أخرى أفسحت لها مجال البث عبر تردداتها، أو من خلال تغيير التردد، كما استعانت بالمتظاهرين الذين تهافتوا من أجل نقل الصورة والصوت إلى القناة .
ربما لولا القمع والإقفال، لما وجدت “الجزيرة” كل هذه الشعبية وسط المتظاهرين، ولما سارع الكل ليكون “مراسلاً” لها من كل مكان في مصر، وهو ما جعلنا نتعرف إلى وجوه كثيرة وأسماء لا علاقة لها بالإعلام، لكنهم جميعهم أدوا المهمة على أكمل وجه، وقد نجدهم يوماً تحولوا إلى العمل في التلفزيون إما كمراسلين متنقلين أو مذيعين داخل الاستوديو .
وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء كي نرى المشهد بشكل أوضح، نلاحظ أن الشاشة طوال أيام الثورة، كانت “ملعباً” مفتوحاً مملوءاً باللاعبين والضيوف . وجوه وأسماء من كل مكان ومن مختلف الاتجاهات والاختصاصات، تحدثوا واستفاضوا في التحليل والتعليق والمناشدة أو اكتفوا فقط بإعطاء معلومة ولفت نظر . ولم تنقسم الشاشة والآراء إلى فريقين مع وضد، بل كان هناك فريق من الوسطاء الذين سعوا إلى تقريب وجهات النظر .
كل ذلك كان مقبولاً، رغم تعب المشاهدين من كثرة التحليلات و”ادعاء” البعض فهمهم أبعاد الأمور بينما أقوالهم لا ترتقي إلى عظمة الثورة وما يجري في الشارع . لكن ما لم يكن مقبولاً أبداً هو “التطرف” والتهجم والتهكم والإهانات التي كانت تصدر من البعض بحق البعض الآخر، خصوصاً الافتراءات التي نطق بها إعلاميون وفنانون بحق الشباب الثائر والحالم بانتشال مصر من كبوتها . كما لم يكن مقبولاً مشهد “الانقلاب” الذي رأيناه في الأيام الأخيرة قبل تحقيق النصر، حيث لم يخجل إعلاميون دافعوا بشكل مستميت عن النظام منذ البداية وحتى قبل يومين فقط من تنحي الرئيس، لم يخجلوا من نقل السلاح من كتف إلى كتف أخرى على الشاشة، وتغيير لهجة خطابهم، و”تلميع ثوب” الثورة مدعين أنهم معها قلباً وروحاً . ولا داعي لذكر الأسماء، فهم مكشوفون والكل يعرفهم .
هؤلاء تحاملوا على الشباب ووصفوهم بأبشع الألفاظ وقللوا من شأنهم، وتحاوروا مع البعض منهم بكبرياء وتهكم، وفجأة علت الابتسامة وجوههم يوم 11 فبراير/ شباط ليتحدثوا باللسان نفسه عن إنجازات الثورة وانتصار الديمقراطية في مصر .
بعض الإعلاميين بقي صادقاً مع نفسه، ورفض أن يقول كلمة لا تنبع من قلبه وفكره فحمل أغراضه ومشى، مثل محمود سعد الذي رفض من اليوم الأول أن يقول غير قناعته، فمنع من الظهور على التلفزيون المصري، ومن بعده استقالت سها النقاش لأنهم أجبروها على أن تردد على مدار الساعة أن الهدوء يخيّم على القاهرة، بينما المدينة تلتهب والقتلى يتساقطون . صحافيون وفنانون رفضوا الوقوف خلف نقاباتهم، وأعلنوا موقفهم المعارض علانية .
لكل حقه في التعبير عن وجهة نظره، وأن يكون مع هذا الطرف أو ذاك، لذا إذا كانت “الثورة” مؤمنة بما رددته وما طالبت به من حرية، فمن الضروري أن يتعامل أهلها مع من وقفوا ضدهم من هذا المنظور، وألا تتم مقاطعة أي فنان أو إعلامي بسبب موقفه المعارض للثورة، كما حصل مع تامر حسني الذي رفض الشباب وجوده في الميدان بعدما عارض ثورتهم .
في الماضي غنت أم كلثوم للملك فاروق، وبعد سقوطه غنّت للثورة والثوار والتقت الرئيس جمال عبد الناصر، ورغم ذلك أصبحت “كوكب الشرق” . واليوم ليس المطلوب أن يتم فرز الفنانين وفق موقفهم من الثورة، إنما من الضروري تصنيفهم وفق أخلاقهم، حيث سمح بعضهم لأنفسهم إهانة الجمهور بأبشع الألفاظ والاتهامات دفاعاً عن “معتقداتهم” أو بالأحرى مصالحهم . وهو أمر مرفوض وغير معذور تحت أي ظرف، مثل ادعاء طلعت زكريا على إحدى القنوات أن “الشباب ينزلون إلى الميدان للتحرش بالبنات وتعاطي المخدرات فقط” وأن المعلومات مؤكدة! كيف سينظر إلى نفسه غداً طلعت زكريا؟ وكيف سينظر إليه أبناؤه وأحفاده حين يذكر التاريخ الثوار بأنهم أحرار وشرفاء؟ أم أن كل إناء ينضح بما فيه؟
مي كساب وصفت الشباب بأنهم “جهلة لا يعلمون التاريخ”، بينما طلبت سماح أنور على التلفزيون المصري أن “يولعوا بالشباب المتظاهر عشان نخلص” وكان من السهل عليها قول “احرقوهم بكاز”، كأنهم حشرات . وشعبان كعادته “مسكين” كتبوا له كلمات فرددها ضد الثورة والشباب النظيف ليظهر من خلالها المستوى المتدني من الكلمات الذي يوظف له ولغيره لخدمة أهداف خاصة وضيقة .
هؤلاء وآخرون مثلهم لن نندم إن أسقطناهم من قاموس الفن، بل إنهم قدموا للناس خدمة بإسقاط أنفسهم بأنفسهم من برج كان عالياً عليهم .
الثورة طوت صفحة، وفتحت صفحة جديدة في مصر وفي كل بلد عربي، لذا من المفترض أن يفتح معها الإعلام والفن أيضاً صفحات تطل على عالم الغد وتواكبه بحق، وكفى تلميعاً وتضليلاً وتكذيباً، وكفى غناء على نغمة المصالح الشخصية والرقص على حبال السلطة، فالشاشة بكل ما فيها تعلمت درساً يجب ألا تنساه، وهو أن الحقيقة تختبئ قليلاً، لكنها لا بد أن تظهر، وأن كل العالم يرى ويسمع ويتكلم ولن يسكت بعد اليوم .





رد مع اقتباس