الراقص في مأتمه
خيري منصور
* دار الخليــج
أسوأ ما تتعرض له المأساة هو تسلل الكوميديا إلى ذروتها، سواء تمثلت في خطاب رئاسي أو موقف إعلامي مدفوع الأجر يعيش لحظة احتضار ويفقد تماسكه والقدرة على السيطرة بحيث تتدفق الكلمات كما وصفها الشاعر ماياكوفسكي وكأنها أناس عرايا يهربون من حمّام محترق .
لقد مرّ العرب بالعديد من المواقف التي أفقدتها الكوميديا السياسية هيبتها أمام العالم . وهناك الآن من يتحدثون باسترخاء وهم أشبه بمن يحلق لحيته وهو ممسك بالمرآة تحت وابل القصف في غارة جوية، ولكيلا نستغرب من تسلل الكوميديا إلى المأساة ويتسرب عصير البرتقال أو العنب إلى الدم، فإن ما قاله هنري برغسون، وهو خير من كتب عن فلسفة الضحك، يتلخص بمواقف من هذا الطراز، فالرقص في المأتم لا يمارسه إلا مجنون أو شامتٌ فقد هو الآخر رشده . وقد أتاح لنا تعدد الفضائيات وتناقض مواقفها نوعاً من السيرك المجاني، فلا بأس أن تقدم فضائية داجنة خيولاً كأنها دمى من مطاط، تموء بدلاً من أن تصهل، أو غرباناً بريش أبيض وتحاول أن تقلد الحمام هديلاً ومشية، ثم تنتهي إلى الشلل وفقدان المشيتين .
دم عربي ينزف من كل الخاصرات، شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، وثمة جهة خامسة لا ندري مصدر القصف الذي تمارسه، لأننا الآن باختصار رغم الحماسة المفرطة نعاني ارتباكاً، فالفرحون يشعرون أن ضحكتهم ذيلها مبلول بالدمع، والغارقون في الحُزن يبتسمون أحياناً لكن بحذر، ربما لأن الحراك لا يزال في ذروته، وأحياناً يراوح بين انتصار ناقص وهزيمة أشد نقصاناً، ومن ينكر هذا القلق هو أحد اثنين، إما أنه ينظر إلى المشهد من خلال سطحه فقط وبالتالي يراه أفقياً فقط، وإما أنه لا يبالي بما قد ينتج من هذه الحرب المشتعلة، بين ثورات وثورات مضادة، وبين خيول تجر العربات إلى الوراء وأخرى تحاول جاهدة أن تمضي بها إلى الأمام .
وليس التزامن الدراماتيكي فقط هو ما يخلق نوعاً من الحيرة بل الاندفاعات المباغتة في واقع كان لأعوام طويلة قد استنقع وأوهم الناس بأنه استقر وترسخ وأصبح عصياً على التغيير والتفكيك .
وهذه ليست المرة الأولى التي يصبح فيها العالم العربي تحت مجهر العالم كله، فقد سبق للمجازر التي اقترفت في فلسطين ولبنان والعراق أن حولت هذا العالم العربي إلى بؤرة البؤر كلها سواء من خلال الميديا أو الاهتمام السياسي الدولي، لكن غالباً ما كانت تلك المشاهد تنتهي إلى صمت ويسدل الستار بانتظار أن يرفع ثانية عن مذبحة هنا أو مجزرة وقبر جماعي هناك .
ما أعنيه بتسلل الكوميديا السياسية إلى هذا المشهد المأساوي هو الغفلة التي يعيشها بعض من عاشوا عقوداً منكفئين داخل قصور كالشرانق، فلا يعرفون ما يجري من حولهم وربما تحت أقدامهم، ليس لأنهم مثل ذلك الحاكم العادل الذي أحاطته حاشية فاسدة كما في حكاية مأمورية الزير، بل لأن كل ما يصلهم يحاول استرضاءهم فقط، بالإضافة إلى مرضٍ خبيث يصيب العقل والقلب معاً هو ما يسمى التفكير الرغائبي، بحيث لا يرى المرء المصاب به غير ما يشتهي رؤيته ولا يسمع غير صدى صوته أو أصوات الببغاوات التي تردد أقواله .
إن للدم حُرمة يجب أن يراعيها ممثلون كوميديون محدودو المواهب، فلا يرقصون في مآتم أوطانهم، ولا يهيئون أنفسهم لكي يشربوا ويستحموا في سراب سوف تتحطم أضلاعهم على قَعْره الكاذب .






رد مع اقتباس