حزن محمد الماغوط
يوسف أبو لــوز
* دار الخليــج
لم يخاطب شاعر عربي نهراً أو قمراً أو امرأة مثلما فعل الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط عندما جلس إلى جانب نهر بردى ومدّ يديه ورجليه في النهر، وأخذ يبثه دواخل قلبه بلغة صافية، كتلك الحصى النائمة في احشاء النهر، ولم يجرفها الماء إلى الضفاف، كأن حتى الحصاة لها وطن هو النهر، فإذا غادرت الماء ارتفعت حرارتها وعرتها الحمى، بل، لانت وذهبت عنها صفة الحجر .
من أحزان محمد الماغوط، وهو يتجول وحيداً وحزيناً في مهب غيوم الياسمين في دمشق، تلك التي كانت تحت ضوء القمر، وأكثر من هذا، قال مرة إن دموعه أصبحت زرقاء لكثرة ما نظر إلى السماء .
دمشق كانت بيته الوحيد في هذه الأرض الكبيرة والمترامية الأطراف، كما يقولون، من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، ولكن الماغوط الذي جاء إلى الشعر من البرية ومن الجوع والوحدة وقسوة نقاد الأدب جعل من هذه المدينة أيقونة سرية في أشعاره التي تهافت عليها، كما تهافُت الفلاسفة، أساتذة أفذاذ مثل أدونيس ويوسف الخال في بيروت، فأخذاه إلى مدينة الحب والشمس والتغذية الثقافية الصحية، وهكذا، وفرت له بيروت سريراً لكي ينام، ومنضدة لكي يكتب .
حمل محمد الماغوط من بين متاعه دمشق وهو يتوجه إلى بيروت ويلتحق بجماعة مجلة شعر في الستينات من القرن الماضي .
ويبدو أن الشاعر الذي يعد اليوم واحداً من أعمدة قصيدة النثر العربية عثر على نفسه أو اكتشفها في مدينة ساحلية كانت ومازالت مطبخاً مفتوحاً وإنسانياً لمن يبغي العثور على ذاته أو تحقيق ذاته في الثقافة والسياسة والإعلام . . هي بيروت .
الماغوط الذي لم يتعب من حمل دمشق على كتفيه كان أيضاً مختلفاً عمن جاؤوا إلى بيروت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي من الكتّاب والمثقفين العرب الذين هاجروا إلى مدينة الحرية والجمال، فهو لم يحمل شعاراً أيديولوجياً بأي لون خصوصاً اللون الأحمر الذي كان يرفعه آنذاك الكثير من المثقفين العرب اللائذين ببيروت، وإنما اكتفى الرجل بأن يجري في زرد ظهره نهر بردى .
دمشق وبردى، مدينة ونهراً، كانا قوام محمد الماغوط الذي من الممكن العودة إلى شعره الآن بقراءة جديدة تحت عنوان “حزن في ضوء القمر” .






رد مع اقتباس