دماء العشّاق ...دوما مُباحة!

خيــــري منصــور

* القــدس العـربـي






بعد رحيل ذلك الشاعر الشاب والرومانسي الذي ضاق قلبه بما امتلأ به من روح التمرد بعقود طويلة، تحولت فيها الرومانسية الى فلول وتعاقبت فيها موجات الحداثة وما بعدها وتكسرت تباعا على الشطآن الرملية، ينبعث من الرميم بيت شعر تقليدي يتألف من عشر كلمات فقط ليصبح شعار أعنف حراك شعبي عربي في القرن العشرين والعقد الذي أعقبه من هذا القرن!

والشابّي الشاب الذي كتب قصائد ديوانه الوحيد ' أغاني الحياة' هو من عمر هؤلاء الشباب الذين زحزحوا الباب العملاق، واجترحوا للعرب أفقا كانوا يعانون من انسداده المزمن. ' ارادة الحياة' ...عنوان قصيدة الشابي الأشهر شعبيا، منها اشتقّت الشعارات الأربعة التي يتردد صداها الآن في الفضاءالعربي بدءا من ارادة اسقاط النظام وانتهاء بإرادة التغيير الجذري، وما ردده التونسيون على مقربة من ضريح شاعرهم بلغ صداه الشاطىء الشرقي كله للبحر الذي لم يعد أبيض او متوسطا بعد أن أصبح كل شيء فيه بالغ التطرف بدءا من الافراط في تسلّط الأنظمة الأبوية وانتهاء بما لا يمكن حسمه الان، لأن من عاشوا وعانوا بين سندان الاحتلال المحلي ومطرقة الغزاة الذين لم يتوقف لعابهم عن السيلان باتجاه هذه الجغرافيا الرسولية البليغة والتي طالما صاغت التاريخ ووجهته قد لا يعودون الى فراشهم آمنين من الكوابيس قبل وصول الدراما القومية الى خاتمتها!

والشابّي الذي نافسته قصيدة ' إرادة الحياة' على الشهرة، مثلما نافس ماكبث وهاملت مؤلفهما شكسبير، له من النصوص ما هو مُترع بقوة الحياة وعنفوانها، لكأنه يستشعر الرحيل قبل ان يأزف أوانه، فاستنفذ الطاقة كلها في شحنات تجسّدها قصيدته ' هكذا تكلم بروميثيوس' والتي يقول في أولها:

سأعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمّة الشمّاء

أصغي لموسيقى الحياة ووقعها وأذيب روح الكون في انشائي

لكن الذاكرة الشعبية انتقت من الشابي ما هو وثيق الصلة بالناس لا بالفرد البطل، وكنت أتمنى ان ينشد التونسيون في شَفَقهم الذي بدّد ليلا طويلا ما قاله الشابي عن دماء العشّاق المباحة:

أنا يا تونس الجميلة في لهج الهوى قد سـبـحـت أي سـبـاحـة

شرعتي حبك العميق واني قد تـذوقت مُـرّه وقـراحـه

لا أبالي وان اريقت دمائي فدماء العشّاق دوما مُباحَة

لكأنه يقدم تجليا آخر ودنيويا لا صوفيا هذه المرة، لما قاله الحلاج وهو ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما الا بالدّم ....

ولا أظن ان هذا الشاعر الشاب الذي رحل قبل الأوان بكثير كان يدرك أن قصائده سوف تقترن بالحراك الشعبي على امتداد الوطن العربي، ليس الآن فقط، بل في فترات المد التحرري وأشواق الاستقلال، حيث كانت ولا تزال استجابة القدر وهو الاسم المرادف للتاريخ مشروطة بإرادة الشعب ...

* * * * * * * *

ما دلالة هذا كله؟ ولماذا يقفز الناس عقودا الى الوراء عابرين كل انماط الحداثة وما بعدها ليجعلوا زيت قناديلهم في الليل الدامس من ذلك الشعر؟

لقد ردد أبيات الشابي في هذا الشتاء العربي الساخن شعراء كانوا للتو يسخرون من أي شعر مفهوم او قابل للفهم، ونسوا أشعارهم وأشعار زملائهم لأنها كانت خارج هذا المدار. والعودة الموسمية شعبيا الى شعرنا القديم سواء كان من حكم المتنبي او غزل ابن أبي ربيعة او تمرد الشابي لها دلالتان اولاهما ان الحداثة في طبعتها العربية لم تكن مناخا عاما مبثوثا في الوجدان العام . وهذا يعود الى ما يمكن تسميته العصامية الحداثوية لدى أفراد خرجوا من السياق، او أُخرجوا منه. والدلالة الثانية هي ان العربي لا تزال ذاكرته مؤهلة ومدربة على الايقاع فما يحفظ الكلمات لديه ليس المعنى بل هذا الايقاع، وهذا بحدّ ذاته يكشف مجددا عن ازدواجية النموّ لدى العربي المعاصر، فهو حديث بمقياس ورومانسي بمقياس وكلاسيكي حتى النخاع بمقياس ثالث!

والشعر مهما اغترب او تغرّب يبقى افرازا يتجاوز الفرد، لأن اللغة وجمالياتها ليست من اختراع هذا الفرد، ولأنه ايضا لا يعيش طليقا في فضاء محرر من جاذبيات التاريخ والواقع ومجمل الشروط التي تحاصره منذ الولادة ... وتخلق بالتالي قاسما مشتركا بينه وبين من يعانون من الحصار ذاته الذي يعانيه . وحين أتذكر ما قاله ت .س . اليوت وهو احد جذور الحداثة الشعرية في اوروبا وفي نطاق اللغة الانكليزية ، وهو انه ملكي في السياسة، وكاثوليكي في الدين، وكلاسيكي في الادب، أشعر بأن هذه المصطلحات التي تحولت الى أوثان ومسلّمات بحاجة الى اعادة فحص، ومن يقول انه كلاسيكي في الأدب، كانت قصيدته ' أغنية الى العاشق بروفروك' صدمة حداثة في بلاده... التي كان ينظم اكثر من تسعين بالمئة من شعرها على بحر 'الايابيك'!

كيف نفسّر استدعاء الذاكرة الثقافية القومية لما صنّف على انه رومانسي غارب او كلاسيكي أفقده الزمن صلاحيته ...؟

هل لأن الحداثة ومنها الأدب لم تترسخ خلال نصف قرن بالقدر الكافي لتحويلها الى مرجعية معرفية وذائقة جديدة؟ أم لأن هناك لحظة تاريخية متكررة، بحيث يبدو التاريخ كما لو انه ينمو دائريا؟ ورغم التناقض بين المناسبتين العربيتين وهما ارادة الشعوب للاستقلال والتحرر من الاحتلال الاجنبي ـ فرنسا في حالة تونس وبريطانيا في حالة مصر وايطاليا في حالة ليبيا ـ وإرادة هذه الشعوب مرة اخرى للاستقلال عن احتلالات محلية، أصبح الباتريارك فيها ينوب عن المستعمر سواء من خلال احتكار الرأي والثروة واعدام الحريات او من خلال ادامة الحال على ما هو عليه بحيث يصبح المستقبل كله مجرد اعادة انتاج رديئة للماضي!!

* * * * * * *

اذن هي الدماء المباحة، سواء كان العاشق تونسيا ينشد التحرر من الاستعمار الفرنسي او ينشد بعد ذلك بزمن طويل الحرية من حاكم محلي، هو شعر اذن رغم رومانسيته يقال في مناسبتين مُتناقضتين، لكنهما اشبه بمعزوفتين على الوتر الخالد ذاته ...

فهل هي قابلية الفن للتأويل، ام قابلية الشعوب لاستعادة تجارب الأسلاف؟ ومما ضاعف من اثارة الانتباه لتسلل الشعر الى شعارات الحراك العربي، مقطع من قصيدة مبكرة لمحمود درويش، هو ' حذار من جوعي ومن غضبي'، وهو مستلّ من قصيدته ' سجّل انا عربي' التي لم يكن محمود مزهوا بها فنيا على الأقل ...

هكذا ينتزع الناس ما يعبّر عنهم سواء كان من نصّ شعري او من أية مرجعية معرفية، ليبرهنوا مجددا على ان الطلاق البائن بينهم وبين ما يكتب لهم بلغتهم ممنوع من الصّرف!!!