كان يظن نفسه دائماً وحيداً في عالم خلعه البشر، رغم كثرتهم لكن لم يجد يوماً من يشببه، سمع ذات
مساء من بعض المارة أنّ هناك حكيماً يحكم بلاداً ما، قررّ أن يكون بين يديّ هذا الحكيم، يفتح له من
نوافذ الحكمة والعلم، اتجه إليه طيراً حاملاً بين أجنحته آمال اتساعها كما بين المشرق والمغرب، قال له:
أتيتك من بلاد بعيدة، ولا أريد سوى الحكمة!
ابتسم الحكيم وقال له: أنت في دارك إذن.!
نزلت هذه الكلمات برداً وسلاماً عليه، وأعادت الروح لجسد قد فارقته منذ سنوات طوال، رأى خيوط
العنكبوت السوداء التي غزت العالم في الذوبان لشدة حرارة عقل هذا الحكيم، جلس وكل شيء فيه
يراقبه، نظراته، طريقة كلامه، لحظات صمته، ليبتل ساحل فكره بهذا الكم من العقل.!
كان للحكيم عادة يومية وهو التجوال في نواحي المدينة، وكأنه في كل مرة يبحث عن شيء قد فقده، عن
غائب ينتظره، عن شيء حقيقي، وفي كل مرة يأمر أحد الحراس: بأن يلقي القبض على أحدهم.! وحين
كان يسأله، يرد عليه: إنه مجنون، لا مكان للمجانين في ساحة الحرية.!!
تمر الأيام، والشمس تقبض نورها ثم تسدله على الكون، وهو لا يزال يلاحق الحكيم من بقعة إلى
أخرى، شيء لاحظه على الدوام، عدم وجود مستشارين لهذا الحكيم، عدم وجود دور علم وثقافة لتنير
الأحشاء المظلمة هنا وهناك، إلا دار واحدة فقط، وكتب على وجه الباب بالخط العريض: للمجانين
فقط..!!
وفي كل يوم كان يضاف مجنون جديد للدار، فكّر قليلاً وأدرك سر الحكيم، بأنه قد جعل من علماء
المدينة أطباءً يعملون في الدار، طلب من الحكيم دخول الدار، رفض طلبه وحذّره من الدخول.
لم يأبه لكلام الحكيم، فرماه على وجه الزمن، جهزّ نفسه، ورتّب أموره، ودخل خلسةً ليجد نفسه في عالم
يعجه كبار العلماء والمثقفين والعقلاء.!!