عواطف الأمة
كفى الزعبي
* الدستـور الاردنيـة
بعد أن باتت الأماكن تبدو له أشد شيخوخة وأكثر خراباً وأعمق جهلاً. بعد أن تخلت النبوءات عن «أوريليانو بوينديا» بطل رواية غابريل غارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة». بعد عشرين عاماً من القتال في حرب ظل «أوريليانو» يدور في حلقتها المفرغة، في صراعه – وهو الليبرالي – مع المحافظين جلس ذات يوم ماطر مع لجنة من مفوضية الحرب جاءت لتناقش معه الاتجاهات التي ينبغي اتخاذها في مسار حربهم القادمة.
كانوا يطالبون بإعادة النظر في صكوك الملكية كي يحصلوا على تأييد الملاكين الأحرار (مع الإشارة إلى أن الكثير من هؤلاء الملاّكين استولوا على الأراضي من غير وجه حق)، ويطالبون بالتخلي عن الكفاح ضد سلطة رجال الدين، علهم يحصلون على تأييد الجماهيير الكاثوليكية، ويطالبون بالحفاظ على سلامة الأسرة والتراجع عن المساواة بين الأولاد الطبيعيين والأولاد الشرعيين.. حينذاك تدخل أحد مستشاري اوريليانو السياسيين قائلاً: «هذا تناقض فإذا كانت هذه التغييرات جيدة، فذلك يعني أن النظام المحافظ جيد، وإذا كنا ـ بفضلها ـ سنتوصل إلى توسيع القاعدة الشعبية لحربنا، فكأنكم تقولون إن النظام المحافظ يستند إلى قاعدة شعبية واسعة، وكل هذا ـ بالتالي ـ لا يعني إلا أننا قاتلنا، طوال عشرين عاماً ضد عواطف الأمة!»
في هذا الرد يقدم ماركيز تفسيره الأدبي لما يسمى بالضرورة التاريخية. فأي صراع بين فكرتين في حاجة لقاعدة شعبية واسعة يستند إليها كي يحقق انتصاره. إنه بحاجة لعواطف الأمة ليستمد منها شرعيته.
قد يبدو من اللاعدل أن أقارن عوالم ماركيز السحرية، بخاصة روايته الملحمية، «مئة عام من العزلة»، مع واقعنا الأردني، بل إن الفكرة تبدو على درجة من الطرافة ليس بسبب استهانتي بالواقع الأردني إنما لأن هذه الرواية تكاد تختزل ـ في مضامينها ـ التاريخ البشري برمته. إنها قراءة أخرى لهذا التاريخ بأدوات الأدب وسحره وخياله وسرياليته وواقعيته في الوقت ذاته.
ومع ذلك ورغم أن أوريليانو بوينديا هو بطل ملحمي إلا أنه يهيأ لي أحياناً أنني أراه يجلس أمام باب بيت من بيوت عمان يراقب عواطف الأردنيين البسطاء وسياراتهم الغادية والآتية وأعلامهم المرفوعة كعلامة «قف» في وجه شعارات التغيير والحرية والعدالة. في الرواية يصور ماركيز بطله أوريليانو في سني شيخوخته، وبعد انتهاء الحرب بسنوات، يجلس أمام باب بيته، بعد أن عقد اتفاقاً شريفاً مع الشيخوخة، إذ تصالح مع الوحدة، وراح ينتظر أن يمر من أمامه موكب جنازته. لكن الأمر سرعان ما يختلط عليّ ـ أنا ـ حينما أرى أوريليانو وهو يجلس أمام بيت من بيوت عمان ويتحول إلى مشاهد لمسرحية كتبها شكسبير بعنوان «ضجة كبيرة حول لا شيء»، حيث تذوب العوالم السحرية التي عاش فيها هذا البطل، في طنين وضوضاء وضجة لا تبقي، ولو لحظة صمت واحدة تصلح للتأمل: ضجيج أعلام، وضجيج تهديد وتوعد، وضجيح مناوشات، وضجيج عواطف مستفزة وضجيج حوارات بلا معنى، وضجيج غبار، وضجيج فخر واعتزاز، وضجيج يافطات، وضجيج صور، وضجيج طقوس وثنية عادت إلى الحياة تقدس آلهة جديدة بعد أن اتفقت البشرية منذ زمن غابر على الإيمان بالله وحده.
لكن فوضى أفكاري سرعان ما تعود بي إلى رواية ماركيز وإلى اللحظة التي سمع فيها أوريليانو مستشاره السياسي يعلن بدهشة: «نحن إذن نقاتل ضد عواطف الأمة!» حينذاك كان أوريليانو قد رد عليه بحزم: «إذا كان الأمر كذلك فمنذ هذه اللحظة لن نقاتل إلا من أجل السلطة!» - كأنما أدرك، بإجابته تلك أن عواطف بعض الأمم – بعضها وحسب – عاجزة، ولأسباب خاصة بها، ربما تحتاج للدراسة، عن الانحياز، اللهم إلا إلى السلطة!