|
|
ثنائية الرّغيف والوَرْدة
خيـري منصـور
* دار الخليـج
لا تروق عبارة ثورة الجياع للبعض من الذين يريديون فك الارتباط بين الجوع بمعناه المباشر والناتج عن الفقر المدقع وحق الإنسان في الحرية . هذا على الرغم من أن ثورات العالم على امتداد تاريخه كانت ثورات جياع لا للرغيف فقط، بل للحرية والنزاهة ولحياة الكريمة، لهذا يجب أن لا يكون للجوع معنى واحد فقط هو المتصل بالضرورة والحاجة فالناس يجوعون أيضاً إلى الجمال إذا شحّ في واقعهم وإلى الحرية إذا اختنقوا أو علت الأسوار من حولهم . وهي في النهاية ثنائية لا تقبل الطلاق . فالرغيف والوردة ليسا عدوين أو خيارين متباعدين يجب إقصاء أحدهما من أجل الآخر، إنهما توأمان إذا كانت هناك حياة سوية وغير محاصرة بشروط جائرة، هذا مع إدراكنا بأن الناس لا يطبخون الورد بدلاً من أي غذاء آخر فهو رمز للرّفاه لأنه يشترى ثم يترك ليذبل وينتهي من دون أن تمتد إليه اليد، ولعل الناس يذكرون مشهداً طريفاً في قطاع غزة عندما حال الحصار دون تصدير أكوام من باقات الورد في عيد الحب فالنتاين، فالتقطت الصور للبهائم والمواشي وهي تعبث بتلك الباقات لكنها نادراً ما تذوقتها لمرارتها .
الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، هذه حكمة يسوعية طالما استشهد بها البشر عندما يجدون الطعام ولا يجدون الحرية، وقد تكررت على نحو لافت في الدول الاشتراكية، لكن مقابل ذلك فإن الإنسان لا يعيش بالحرية وحدها أو بالورد وحده، لأنه عندئذ سيكون أشبه بميداس في الأسطورة اليونانية الذي تحققت أمنيته بحيث يتحول كل ما يلامسه إلى ذهب . ووجد نفسه متورطاً بجوع مزمن لم يخطر بباله . . لأن الماء أصبح ذهباً سائلاً يسممه ولا يطفئ ظمأه، والرغيف أيضاً تحول إلى سبيكة صفراء من الذهب البارد .
إن كلمة الجوع يجب أن تتسع في دلالاتها كي تتجاوز الرغيف إلى الفنون والحريات وتحقيق الذات والحق في الحلم، إضافة إلى الورود، ومثلها تماماً كلمة الظمأ، فالإنسان يحتاج إلى ما يرويه غير الماء، لأن له عقلاً يظمأ، وروحاً تعطش وتشتهي المعرفة، ولعل هذا هو الامتياز الآدمي بين الكائنات فلا عيب إذن إذا سميت الثورات كلها ثورات جياع، شرط أن تحرر كلمة الجوع من معناها الأضيق من مساحة رغيف وتتسع لأحلام وأشواق ومعارف إنسانية، وكان الشاعر الباقي محمود درويش قد أدرك هذه المسألة في سن مبكرة وحين كان تحت الإقامة الجبرية في حيفا، فقال: “إنّا نحب الورد لكنا نحب القمح أكثر”، وكان هذا التعبير رداً على خطاب رومانسي ساد في تلك الأيام، ولم يقم هذا الخطاب وزناً للحاجات الإنسانية بل حول الفقر والبؤس إلى مطلب قومي .
وحقيقة الأمر أن الورد سيظل أقل من الحنطة، لأن الضرورة أضعاف الحرية، اللهم إلا في لحظات التوازن العظمى عندما يكون الإنسان مشبعاً من كل شيء وحراً عندئذ يمسك الرغيف بيده اليمنى والوردة بيده اليسرى لأنها الأقرب إلى القلب ولواعجه .
وهناك على ما يبدو لحظات حرجة في التاريخ تصبح فيها كلمة جوع غير قابلة للتجزؤ، أو التفكيك، لأنها تشمل الرغيف والوردة والكتاب والكرامة .