ومن أشد الناس صبراً على البلاء الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، عَنْ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : " الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ " [ أخرجه الترمذي وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] ، فكم لاقى الأنبياء من أقوامهم من التكذيب والصد عن الحق ، والرغبة إلى الباطل ، فكذبوا بعضهم ، وقتلوا آخرين ، قال تعالى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ " [ البقرة 87 ] ، وقال تعالى : " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا " [ الأنعام ] ، وقال تعالى لنبيه محمداً صلى الله عليه وسلم تسلية له ، وبياناً لما حصل للأنبياء قبله : " فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ " [ فاطر 184 ] ، وقال تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا " [ الفرقان 31 ] ، ولقد كانت عاقبة أولئك وخيمة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : " وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون " [ الأنعام10 ] ، وقال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " [ آل عمران 21 ] ، وقال تعالى : " إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ " [ ص 14 ] ، وقال تعالى : " يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون " [ يس 30 ] ، ومع ذلكم التكذيب ومعاداة الأنبياء ، إلا أن أنبياء الله ورسله صبروا على تكذيب أقوامهم فنالوا أشرف المنى ، واعتلوا أعلى المكانة ، وكانت العاقبة لهم ، والنصر والتمكين نتيجة صبرهم واحتمال أذى أقوامهم ، أخرج البخاري من حديث عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ : سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] .
فما من قوم إلا وكذبوا نبيهم وربما تطاولوا عليه ، فقال قوم نوح لنبيهم : " قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " [ الأعراف 60 ] ، وقال قوم هود لنبيهم : " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ " [ الأعراف 66 ] ، وقال قوم لوط لنبيهم : " وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " [ الأعراف 82 ] ، وقال قوم شعيب لنبيهم : " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ " [ الأعراف 88 ] ، وقال قوم موسى لنبيهم : " قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ " [ الأعراف 109 ] ، وقال قوم إبراهيم لنبيهم : " قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ " [ الأنبياء 68 ] ، ولقد تعرض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأذى قومه مراراً ، ولكنه صبر رجاء إسلامهم ، ومن صور تحمله للأذى حديث عَبْدِاللَّهِ بن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ ، حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَا مِنْ قُرَيْشٍ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيٍّ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي الْبِئْرِ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، وعَنْهُ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ ، آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ ، قَالَ رَجُلٌ : وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا ، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : " فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " [ متفق عليه ] ، ومع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه إلا أنهم كذبوه واتهموه بالجنون والسحر والشعوذة والشعر ، وحاولوا قتله ، وطردوه من بلده ، وآذوه أيما أذية ، ومع ذلك صبر واحتسب ، قال تعالى : " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " [ الأنفال 30 ] ، وقال سبحانه : " بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ " [ الأنبياء 5 ] ، ومواطن صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه كثيرة ، وليس المجال مجال حصرها وعرضها ، ولكن أكتفي بما ذكرت ففيه النفع والفائدة بإذن الله تعالى لمن أراد أن يقتفي أثر نبيه ، ويتبع سبيله في الصبر والاحتساب .
وهكذا نرى أن أقوام الأنبياء كذبوهم وقتلوهم ولم يستجب لهم إلاالقليل ، فأملى لهم ربهم ليتبعوا أنبياءهم ، وليدركوا الحق فيتبعوه ، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه ، قال تعالى : " وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ(44) [ الحج ] ، ومع دعوة الأنبياء لأقوامهم بالحسنى ، والجدال بالحق ، إلا أنهم طغوا وأسرفوا في الطغيان ، وأصروا واستكبروا استكباراً ، فبعد ذلكم التكذيب والعناد ، والإصرار على معصية رب العباد ، قال الله تعالى مبيناً شديد عقابه ، وأليم عذابه لمن عصاه وخالف أنبياءه : " ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا " [ الكهف 106 ] ، وقال تعالى مبيناً أنواع العذاب والعقاب الذي حل بتلك الأقوام : " فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " [ العنكبوت 40 ] .
اختكم فالله الأميرة الحسناء..





رد مع اقتباس