خيري منصور .. بياض العتمة!

رشاد أبو داود

* الدستــور الاردنيـة




قهوتنا الصباحية كما وصفة محمود درويش، يقرأ عنا جميعاً. كما قال أحد المسؤولين. وكما يكرر آلاف وربما ملايين قرائه، من الماء إلى الماء وهو التعبير الذي أبدعه هو وصار لازمة لدى عشرات الكتاب. مقالاته باقة ورد صباحية، وجبة دسمة مسائية، ومكتبة لها أول وليس لها آخر. قد تبدأ برصيف مدينة عربية ولا تنتهي بأرسطو وأفلاطون المدينة الفاضلة.

لكن المدن الفاضلة امتلأت بالحشرات. وكثر في الأجواء البعوض، يتحين الفرصة من أجل قرصة، ثم يختفي ويموت!!

ثمة من حاول أن يقرص الجسد الشاهق، ويمتص جزءاً من عشر نقطة من الدم الصافي في عروق خيري منصور.. هذا العشر من النقطة يستحق ممن قرأوا خيري وتعلموا منه، واحتفظوا بمقالاته من سنين في ادراجهم وبين دفاترهم وفي عقولهم وذاكرتهم وارواحهم أن يقولوا لا.. للبعوض!

أما الذين يجلسون كالتلاميذ في حضرة ثقافة وكثافة خيري، وما أن يديروا ظهورهم حتى يديروا اسطوانة النميمة ضده، فلهم الآن أن يجدوا فرصة لممارسة نقصانهم ويسبحوا في عشر نقطة دم.. وهي كثيرة على قاماتهم !

منذ عرفته وهو أبيض، حاد البياض، كان ذلك بين دفتي صفحتي المقالات في جريدة «الخليج»، مقاله اليومي على يمين صفحة ومقالي تحت افتتاحية الجريدة يوم كانت افتتاحية جريدة تشعل مظاهرة او تسقط وزيراً..وكانت الكلمة تغتال صاحبها اوتقتل هدفها. ثم التقينا في دفء بيتنا «الدستور» الجريدة الأعرق الأنقى بين الصحف العربية..

وبين نهارات عربية وليال سوداء، كنا نبحث في حلكة العتمة عن نقاط بيضاء علنا نسلط عليها ضوءاً من ذاك الذي يبقى ولا يذوب ولا يصبح رقماً أو صفقة أو صفعة على الخد العربي، و ياما تلقى صفعات في السنوات الأخيرة. لكنه وإن تورم وحفرت فيه دموع الفقر والقهر والذل أخاديد، ظل عربي الدم والعيون.بقينا نتعلق،ليس بقشة ،بل بقلعة قومية،اعتادت الغزوات والهجمات والمؤامرات والهزائم والانتصارات،و..ظلت قلعة.

خيري، الكاتب،المفكر، القارئ، المثقف، السياسي، المناضل، العربي، حالة عصية على التدجين والتهجين، بساطته معقدة. وهدوؤه، حين يكون هادئاً.. مربك ومتفجر! معادلته بسيطة: بدءاً من دير الغصون قريته التي تسكنه وأصبحت، به وبقلمه، تمتد حدودها الى سور الصين العظيم وبلاد الغال و بنغلاديش واوزبكستان.. الى شقيقته العروس التي رفضت ليلة زفافها أن تحني رأسها وهي تخرج على الحصان حتى يمر من باب الدار.. الى شقيقه الشهيد الذي قالت أمه لخيري وهي تزور ضريحه لأول مرة «يُما دير بالك على أخوك».. الشهيد!!

منذ حكاية شقيقته حرص خيري على ألا يحني رأسه، ولا يخفض صوته ، ومن أجل ما استشهد من أجله شقيقه ظل وفياً بشراسة، أما أمه.. فلم يعد يفرق بين الكلمتين سواء أكانت التاء مربوطة أو غير مربوطة! ظلت الامة..امه.

قد يكون خيري صديقك اللدود أو عدوك الحنون. لا تقبله أحيانا وتقبله (بتشديد الباء) أحيانا. تحب أن تسمعه وهو الذي يتحدث بعمق ثقافة أكثر مما يكتب. عيناه تلمعان وطنية أكثر مما تقول الكلمات المطبوعة لا المضبوعة.. ولا تملك إلا أن تشهد بأن قامته أعلى.. أعلى من أن تطالها الأيدي الملوثة.

خيري ياصديقي: واصل الصهيل فثمة من يدرك كيف تكون الخيول.. أصيلة.