استندت أعماله إلى الطقوسية والذاكرة التراثية
سالم الحتاوي .. حياة قصيرة ومشروع مسرحي راسخ



يبدو للباحث في أعمال المؤلف المسرحي الراحل سالم الحتاوي أن وضع مقاربة مبسطة لأعمال هذا الرجل هي من قبيل المحال، فالحتاوي وضع منذ أوائل تسعينات القرن الماضي وحتى رحيله في 20 إبريل/ نيسان 2009 أكثر من خمسة وعشرين عملاً مسرحياً، بالإضافة إلى بعض الأعمال الأخرى للأطفال، وهو خلال 15 عاماً كان واحداً من القلائل الذين شغلهم همّ التأليف المسرحي، واستطاع بفضل تلك المواظبة التي عرف بها أن يكرس نفسه كاتباً محترفاً، ولكن، ليست المواظبة وحدها من أعطت الحتاوي مكانته الكبيرة في المشهد المسرحي الإماراتي، وإنما في واقع الأمر ما تميزت به أعماله من نضج فكري وفني، واستناده إلى البحث كإحدى الآليات الضرورية للكتابة، وهو ما أعطى أعماله صفة المشروع المسرحي، مشروع لا يمكن التعاطي معه - كما ذكرنا - عبر المقاربة البسيطة، أو القراءة العابرة، وإنما يحتاج في حقيقة الأمر إلى دراسة معمقة، وفي هذه المقاربة لبعض مفردات مسرح الحتاوي لا ندّعي القدرة على الوقوف على ميزات أعماله كافة، ولا حتى مقاربة سيمياء ودلالات مشروعه، بل محاولة لتلمس العناوين العريضة والأساسية التي انشغل بها كمؤلف، وتمكن من خلالها أن يجد له مكانة دائمة ومستمرة في ذاكرة المسرح الإماراتي .

من البارز في أعمال سالم الحتاوي هو اهتمامه بتفاصيل المكان، والمكان لديه بمثابة مفتاح أساسي، ليس فقد كتمهيد للدخول في أجواء العمل، وإنما هو عنوان عريض للثيمات التي يعتمد عليها العمل نفسه، وهو أيضاً مدخل لطبيعة القراءة المفترضة من قبل المتلقي للعمل، وقبل كل ذلك هو دليل للمخرج الذي يمكن أن يتصدى لإخراج العمل، فنجد الحتاوي على سبيل المثال لا الحصر يفتتح مسرحيته “مواويل” بعرض شبه تفصيلي للمكان: “حجرة صغيرة متشققة الجدران، محتوياتها سرير غير مرتب تدلى من عليه فرشه . . صندوق صغير بالقرب منه أشياء مبعثرة في كل مكان في المسرح، شباك صغير إلى اليسار في مواجهة الجمهور، وباب إلى اليمين . . جرة ماء صغيرة في أحد الأركان، وبالقرب منها مدفأة جمر “كوار” ، والمسرح في حالة إظلام تام ما عدا زجاج الشباك، نشاهد من خلفه ظلاً لشخوص يتحركون خفية، وكأنهم يستطلعون شيئاً يدور خلف الزجاج أو جدران هذه الغرفة” .

في “مواويل” وغيرها من الأعمال، مثل “صمت القبور” و”جوهرة” و”عرج السواحل” و”الياثوم” والقائمة الطويلة لأعمال الحتاوي نجد أن المكان المسرحي هو مكان بيئي، ويحتوي على مفردات من طبيعة متجانسة، لكنها قابلة أيضاً لبساطتها لأن تتحول لحظة الإخراج إلى أماكن متعددة، ولهذا يمكن القول إن الحتاوي يأخذ بعين الاعتبار الضرورات الإخراجية، وهو أمر ينم عن فهم عميق بطبيعة العمل المسرحي، ولذلك فإن نصوص الحتاوي، ومن خلال عناصر وإمكانات كثيرة، ومنها المكان كأحد أركانها، تنحاز إلى النص في بعده الإخراجي على حساب البعد الأدبي له .

من جهة أخرى، عرفت أعمال الحتاوي استنادها إلى طقوس السحر، وهي ما يندرج تحت مفهوم العجيب والغريب في المسرح، حيث تشكل طقوس السحر مناخاً متكاملاً، مناخ تقوم في إطاره العملية المسرحية، وتمكن المؤلف من التعاطي مع مقولات كثيرة من الماضي والحاضر، وتسمح له بنقد الكثير من المقولات والقيم والأفكار التي لا تمثل فقط جزءاً من الموروث الثقافي بوصفه فولكلوراً، وإنما أيضاً، جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الثقافية المستمرة وإن بأشكال مختلفة .

في “مواويل” تقول الشخصية الرئيسية أم عاشور وهي غاضبة: “بلدة قذرة، لا تأوي إلا حمقى مغرورين، وكأنهم يسكنون السماء وغيرهم يقبع على الأرض، أتمنى وأدهم في حفرة تسكنها الأفاعي والعقارب” وتتابع أم عاشور: “ليتني أملك تغيير الأقدار لأقاضيها، فهي من كسا شعري بياضاً، ورسم تجاعيد الهمّ على وجنات طالعي” .

من المعروف أن الأفاعي والعقارب والطالع كلها مفردات ذات صلة بعالم السحر، كما أن رغبة أم عاشور بامتلاك القدرة على تغيير الأقدار هو أيضاً تمنى بامتلاك قدرات الساحر الذي يقوم “بتغيير الأقدار” كما أنها بالحديث عن ثنائية السماء والأرض بمدلولات تحليلية توضح وعي أم عاشور بالمسافة الموجودة بين الواقع والسحر، فهي تصف أهل القرية بأنهم مغرورون، وبأنهم يعتقدون بأنهم يسكنون السماء بمعنى تمييز أنفسهم عن باقي الناس الآخرين .

وإلى ذلك فإن عالم السحر الفاتن لدى الحتاوي هو نوع من الاستثمار لمقدرات هذا العالم، وما يتيحه من فضاءات قيمية وجمالية في الوقت ذاته، وهي فضاءات تمكن الحتاوي من بناء حكاياته، فلا يمكن أن تستقيم الحكاية في العمل المسرحي من دون وجود مناخ يتيح لها أن تنمو وأن تتصاعد درامياً، من دون أن تفقد قدرتها على إثارة خيال المتلقي، و”ربما” وجد الحتاوي لأعماله المناخ الأكثر مواءمة للثقافة الراسخة في الذاكرة المحلية أو العربية عموماً، وهي ذاكرة لا تقتصر فقط على الواقع المعين والمحدد زمانياً ومكانياً، وإنما هي ذاكرة ممتدة منذ “ألف ليلة وليلة” وحتى يومنا هذا .

من جهة أخرى فإن لغة الحتاوي في أعماله تنوعت بين الفصحى والعامية، بالتالي لم تكن اللغة عائقاً أمام إيصال مقولات أعماله، والتعبير عنها في المناخ الطقوسي الذي اختاره لها، وهو أمر يعود بتقديرنا إلى أمرين اثنين، يتعلق الأول منهما بضرورات يفرضها النص ذاته، والأخرى ضرورات تتعلق بالاقتراب من المتلقي المحلي للعرض، فمن المعروف أن نصوص الحتاوي كان لها وجود دائم في المهرجانات المسرحية، وحازت جوائز عدة، وهو ما يؤكد أن الحتاوي معني بشكل مباشر بربط العرض بمتلقٍ محدد في المقام الأول، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انغلاق النص على محددات معينة ترتبط بالمتلقي المحلي .

والملاحظ في لغة الحتاوي أنها متشبعة بالدراما، فهي لا تقوم على السرد، وإنما على طرح مواقف، وتحديد المعالم الخاصة بالشخصيات، وتحدد الفعل، وردة الفعل، ولهذا فإنها لغة مكثفة لا تعمد إلى الاسترسال، كما أنها لا تقوم على التداعي، وهما مطبان - أي الاسترسال والتداعي - غالباً ما تقع فيهما الكثير من النصوص غير الناضجة، غير أن الحتّاوي ونتيجة لوعيه بماهية الدراما فإنه يوظف اللغة في سياق الحكاية، وفي سياق الشخوص التي تقوم عليهم، وهو ما يبرز من الحوارات التي تأتي فيها الجمل قصيرة، كما أنها تمزج بين الواقع والتعبير الرمزي، وهو ما يجعل من اللغة على بساطتها أحياناً مشبعة بالدلالات، وفيها إحالات تتجاوز الموقف الدرامي إلى سياقات تاريخية وتراثية وبيئية .

في مسيرة الحتاوي تحتل الأعمال التجريبية حيزاً مهماً، وهي أعمال يتوق الحتاوي عبرها إلى التعبير عن الجانب الوجودي الخاص، جانب يتعلق بالفرد، من دون أن يعني هذا أنها أعمال ذاتية أو ذهنية، بل هي أعمال تعكس احتياجات الفرد إلى التعبير عن ذاته وسط واقع ممانع لتلك الاحتياجات، أو هو واقع متعالٍ عن الكثير من أفراده نتيجة لموقعهم في السلم الاجتماعي والمهني، ومن بين تلك الأعمال تبرز “أحلام مسعود” التي توضح إلى حد كبير موقف الحتاوي من الفرد ومن الفن، ودور الفنان في المجتمع، وأهمية الأحلام الخاصة للأفراد، وكيف يتعرضون لنوع من التهميش لأسباب عديدة .

أما مسعود الشخصية المحورية في “أحلام مسعود” فهو عامل تنظيفات في أحد المسارح ، وهو يقوم إلى جانب عمله بمساعدة الممثلين في ترتيب أغراضهم من أزياء وإكسسوارات، ولكنه يتوق في داخله إلى التمثيل، غير أنه لا يستطيع أن يعبر عن رغبته الدفينة، ولذلك فإن استخدام كلمة الحلم في عنوان المسرحية يحمل دلالة مباشرة إلى طبيعة المسرحية نفسها القائمة على الحلم، وهو ما نجده عند دخولنا إلى المتن، حيث يستخدم الحتاوي عنوان الحلم في تقسيم مسرحيته، فنجد “بداية حلم 1” وبداية حلم 2” وبداية حلم 3” وغيرها من الفقرات التي تحمل عنواني “بداية حلم” و”نهاية حلم” .

في “حلم 1” في مسرحية “أحلام مسعود” يدور الحوار بين “الصوت” وبين “مسعود” ويأتي الصوت ليكشف حقيقة مسعود، وكأنه صوت أحلامه، حيث يخاطب الصوت مسعود قائلاً له: “عاجز عن تحقيق رغبات . . ما قادر تنجز شيء بحياتك . . بدينا انحس أنا مساجين في ظلمات أعماقك . . ظهرنا واطلق سراحنا وخلنا نروح . . طلعنا من هالظلام المخيف . . انتظرناك وصبرنا عليك وايد” .

في هذه المسرحية يبرز لدى الحتاوي ما يسمى المسرح داخل المسرح، ويستعيد الحتاوي فيها تاريخاً طويلاً من المقولات التي اعتبر أن المسرح هو المعادل الفني للحياة نفسها، ومن هنا فإن الحتاوي يستفيد من استخدام المسرح كمكان لعمله يمثل إمكانية كبيرة لتوظيف تقنية الحلم بكل ما فيها من استرجاع، ومن طاقة لتفجير الصراع بين الذات وبين الآخر، بالإضافة إلى الاستفادة بطبيعة الحال من دلالات المسرح نفسه كمكان قادر على إظهار تنوع الشخوص، والانتقال في الزمن بين الماضي والحاضر بسهولة ويسر .

وفي مسرح الطفل كتب الحتاوي خمسة أعمال هي “أرض الخير” و”الأميرة الساحرة والعجوز” و”جزيرة الطيبين” و”زهور والمنظرة المسحورة” و”ياسمين والمارد الشرير”، وفي هذا المسرح بدا أن الحتاوي يستثمر معرفته الجيدة بعوالم السحر والتراث في إيصال المقولات للطفل المتلقي، وهو ينطلق بذلك - حسب ما نرى - من أمرين رئيسيين هما: استثمار الغريب والعجيب والخيالي في بناء عوالم قادرة على جذب جمهور الأطفال، ومنحهم الدهشة والمتعة المطلوبين في المسرح عموماً، وفي مسرح الأطفال على وجه الخصوص، والأمر الثاني تأكيد تواصل الذاكرة بين الأجيال، فعلى سبيل المثال لا الحصر يستحضر الحتاوي شخصية “بابا درياه” في مسرحية “ياسمين والمارد الشرير” وهي شخصية معروفة في التراث الإماراتي، ويوظفها بشكل إيجابي محبب للأطفال، ويحمّلها قيماً خيرة، وهكذا فإن الحتاوي كمؤلف يدرك جيداً أن مهمته التأليفية لا تنفصل عن دوره كمثقف، أو كصاحب مشروع مسرحي يحتاج نقطة استناد قوية، وقد وجدها في النبش والبحث في التراث، وفي قوة الطقوس، ومجال تأثيرها الواسع في المستوى الروحي والجمالي، وقدرتها على مد الفضاء المسرحي بخيارات متعددة .