[frame="8 95"] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فالزواج مِنّة عظيمةٌ وراحةٌ وسكِينة , قرار واستقرار , وأمن وأمان , فيه المحبَّةُ والمودةُ , و تعمُّه الرحمةُ والشفقةُ " وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " .
الزواج لا يقرِّ ولا يستقر ولا تمشي السفينة براحةٍ وسكينةٍ إلا أن يعرف َكلٌ من الزوجين الحقَّ الذي عليه , ويؤديانه بكلِّ صدقٍ و وفاء وبذلٍ وعطاء , تقرباً إلى الله جلَّ في علاه
فإذا تقرَّر هذا وعُلِم واتَّضح وفُهِم ..
فأُحِبَّ أنْ أُبين فقه آيتين عظيمتين , جمعت أصول الحقوق الزوجية بلفظ موجز وكلام معجز ..
كتبته تفقيهًا لنفسي ولغيري على سبيل الاختصار والإيجاز ..
فأقول بالله التوفيق :
يقول تعالى : "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ "
وقال تعالى : " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ "
فمن فقه هاتين الآيتين ما يلي :
أولا : أنَّ للزوجة حقوق على زوجها مثل ما على الزوجة حقوق لزوجها , فيؤدي كلُّ واحدٍ منهما ما عليه بإحسان ومعروف سواء كانت تلك الحقوق واجبة أو مستحبة .
فمن الحقوق التي على الزوجة إجمالا :
أ ـ طاعة الزوج بالمعروف , ب ـ خدمتها له , ج ـ أن تحافظ على نفسها وعلى ماله وأولاده , د ـ ألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه .
ومن حقوق التي على الزوج إجمالا :
أ ـ النفقة والسكن , ب ـ حق المبيت والمعاشرة ,ج ـ تعليمها أمور دينها , د ـ الغيرة عليها .
وحقوق مشتركة بينهما :
أ ـ عدم إفشاء أسرار الحياة الزوجية , ب ـ صدق المودة بين الزوجين , ج ـ التشاور بينهم ،
د ـ التزين كل واحد منهما للآخر , يقول ابن عباس رضي الله عنه الصحابيُّ الجليل : " إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أتزيَّن لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِيَ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ "
ثانيا : أنَّ مرجع الحقوق الزوجية إلى العُرف وهي : العادة السائدة المنتشرة في البلد فالنفقة والكسوة والعشرة ترجع إلى عادات البلد والمعروف بينهم . ( 1 )
ثالثا : المراد بالمماثلة في الآية " مثل الذي " في الوجوب لا في جنس الفعل , فلا يجب على الزوج أن يغسل ملابس الزوجة إذا غسلت هي ملابسه , وإنما يجب عليه بما يناسبه ويليق بالرجال .( 2 )
رابعًا : من المعاشرة بالمعروف :
أ ـ في النداء , إذا نادى الزوج زوجته , وإذا نادت الزوجة زوجها .
ب ـ في الطلب عند الحاجة , تطلب منه أو يطلب منها .
ج ـ عند المحاورة والكلام والمباسطة .
د ـ عند الخلاف والنقاش
يكون ذلك كُلُّه بلُطفٍ وأدبٍ واحترامٍ وتقديرٍ وتوقيرٍ
خامسا : لتعلم الزوجة أنَّ حق الزوج عظيم , فهو طريق إلى الجنَّة و رضا الرَّب تبارك وتعالى عنها
ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
«لَو كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وصححه الألباني
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ " أخرجه أحمد وصححه الألباني
وليعلم الزوج أنَّ حسن معاملة الزوجة من وصايا رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث قال :
" فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " أخرجه مسلم
سادسا : إذا قصَّر أحد الزوجين في الحقوق التي عليه , فلا ينبغي للطرف الآخر أن يعامل بالمثل , بل يدفع السيئة بالحسنة , وليصبر الزوج أو لتصبر الزوجة ؛ فإنَّ الصبر جميل وله أجر جزيل والله عز وجل يقول : " إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ "
ولعلَّ حُسن المعاملة تُؤثر بالطرَف الآخر , فترجع المياه إلى مجاريها
سابعا : أختم بهذا الكلام الجميل للمفسِّر المحقق ابن كثير حيث قال رحمه الله :
" . وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أحملَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حملتُ اللحمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بتلْك" وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْه الرِّداء وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤانسهم بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} " ( 3 )
وهذا والله أعلم , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أعدَّه و خطَّه :
صاحب القلم
...............................................
( 1 ) انظر تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن ص : 101
( 2 ) تفسير الآلوسي [ 1 / 529 ]
( 3 ) من تفسيره [ 2 / 242 ]
[/frame]