الأطفال والسياسة

يوسف أبو لـوز

* دار الخليــج





الأطفال، أيضاً، يشتغلون سياسة في الربيع العربي .

يرفع رجل تونسي يبدو في الثلاثين من عمره طفله على كتفيه ويكاد يجهش بالبكاء . . متسائلاً . . هل هذا إرهابي؟ فيما الطفل الذي يبدو خائفاً من المشهد كله يتمالك نفسه، فلا تسقط دموعه، ويظهر وجهه الطفلي أكثر اقناعاً من البكاء .

طفل عربي آخر من ليبيا تميل لهجته إلى لهجة أهل البادية لا تسقط على وجهه الدموع، ويبدو أمام الكاميرا التلفزيونية أكبر من عمره بربيع واحد، هو، مرة ثانية، الربيع العربي .

الطفل اليمني أكثر جرأة، فهو في المظاهرة الألفية أو في المظاهرة المليونية يخرج، أحياناً، عاري الصدر، نحيلاً تماماً، وأقرب في جسده وفي ذراعيه إلى أعواد القصب التي يصنع منها الموسيقيون تلك الآلة اللحنية الحزينة التي تسمى الناي .

في مصر ظهر الأطفال أقل مما يمكن تحديده في ميدان التحرير، ولكن إذا كانت القاهرة الواحدة من أجمل مدن الأرض هي في الجذر التاريخي لبناء الحضارة الإنسانية مدينة الطفولة الشعرية، خصوصاً أن النيل هو نهر الخصب والأساطير وفحولة الماء، فإن القاهرة ذاتها هي مدينة الصبا والشباب والخفة الأخف من الموسيقا .

الطفل كائن إنساني أولي وخفيف، وهو في مبتدأ حياته ليس سوى قطعة موسيقا أو قطعة سكر . . هكذا من المفترض أن يكون الطفل، أي طفل في العالم، خصوصاً الطفل العربي . . .

أن ينام على وسادة مملوءة بالأحلام .

أن يذهب إلى المدرسة وهو دافئ وفي جيوبه مصروفه اليومي .

أن يلعب ويضحك بملء فمه .

أن يأكل إذا جاع .

أن يتعالج إذا مرض .

أن يصرخ إذا غضب .

أن يضرب الأرض بقدميه الصغيرتين .

أن يحلم حتى ولو كان لا يعرف الحلم .

أن يسخر حتى ولو كان لا يعرف السخرية .

أن يطير كالفراشة .

أن يضيء كالشمعة .

أن يرفرف كالعصفور .

أن يؤثث الحياة . . ويمهد للمستقبل .

طفل كهذا، هو طفل الحياة الخالية من الحرب والسياسة ومرض السياسة . . ليس المطلوب منه أن يكبر سريعاً، وليس المطلوب منه أن يصبح رجلاً في ليلة وضحاها لمجرد أن شاربه لم ينم بعد .