مبدعون: اختفاء القصة الجيدة يعود إلى غياب القارئ
تواجه العديد من التحديات
ثمة ظاهرة مهمة، باتت تطرح نفسها، بإلحاح، بعد أن أصبحت ثورة المعلوماتية والاتصالات أمراً واقعاً، لا مفرّ منه، وبتنا سواء أرغبنا أم لم نرغب،تحت سطوتها، سواء أكان ذلك على صعيد القراءة أو الإبداع، وتتمثل في أننا لم نعد نقرأ أعمالاً قصصية استثنائية، تعلق في مخيلاتنا، كما كانت تفعله قصص كثيرة، لأسماء عالمية، أو عربية، قبل عقود، وكان يخيل إلينا، وإلى وقت طويل، أن أبطال قصصهم أناس حقيقيون من لحم ودم، وأننا قد التقيناهم، من قبل، ونعرفهم، ولنا فيهم أحكامنا المختلفة .
حول هذه الظاهرة - تحديداً - التقت “الخليج” عدداً من القصاصين الإماراتيين الذين أبدوا آراءهم في واقع فن القص .
قال إبراهيم مبارك: في تصوري، أن القصة المتميزة، لا تزال موجودة، وإن العلة تكمن في القارئ نفسه، حيث لم يعد لدينا المجال للقراءة، لكثرة مجالات القراءة، ولكثرة اهتماماتنا، في ما قبل عندما كنا نسمع أن مجموعة قصصية صدرت في دمشق أو القاهرة أو غيرهما، كنا نصر على الحصول على هذه المجموعة، الآن خف مثل هذا الحماس، وفي رأيي أن الأعمال الإبداعية المتميزة موجودة، إلا أن الإعلان عنها، لا يرتقي إلى مستواها، إذاً، التقصير يكمن في المتتبع نفسه، لا في القاص، والإبداع موجود، تماماً، كما هو حال دانات البحر التي تحتاج إلى مزيد من الغوص في الأعماق للظفر بها . وللحقيقة، فإن هناك أجيالاً تتوالى، ولدى كل جيل جديد ما يستأهل من الإبداع الذي يجدر بالاحتفاء به .
وعزت د . أسماء الكتبي سبب اختفاء تلك القصص الملفتة، والمثيرة، إلى أن الكاتب العربي، لم يزل يكتب بأسلوب القصّ، بينما العالم الغربي، بات يسبقنا بعقود زمنية، على المستوى الإبداعي، إن القصة القصيرة العالمية، على أيدي بعض فرسانها - كما هو حال باولو كويلو باتت تعتمد مبدأ البحث، أي الإحاطة بفكرة ما، ومعالجتها، كأن يكون الفن الإسلامي - كما فعل أورهان باموك في عمل روائي له، وهذا يصح على القصة، بينما نحن العرب، فلم نزل نكتب عن قضايا المرأة والرجل، التي لم يعد فيها جدة، ولاسيما أن المرأة أصبحت قوية، متمكنة، وهؤلاء الكتاب إن طوروا أنفسهم، فهم سيتناولون موضوع المخدرات مثلاً، المهم أن القصة العربية، أصبحت أمام تحديات جديدة، ولابد من أن تغير مساراتها، لتكون بمستوى سؤال المرحلة .
ورأت عائشة الكعبي أنه صار نادراً جداً أن نقرأ قصة تشدّنا إليها، ولعل ذلك - برأيها - عائد إلى كثرة الكتاب غير الموهوبين، واختلاط حابل الكتابة بنابلها، في ما قبل، كان الكاتب المتمكن يشق طريقه، بمشقة، إلى أن يظهر، الآن الأمر اختلف، فقد بات في مقدور أي كان، أن يظهر، وبسهولة، وحتى من دون موهبة، ولقد تم من جراء ذلك اختفاء النخبة، لتغدو الكتابة ملاذاً للعاطلين من الكتابة، والعمل، وهذا ما يجعل من مهمة اكتشاف الأعمال الإبداعية أمراً في غاية الصعوبة .
بينما رأى حارب الظاهري أن الزمن هو الذي اختلف، فقد كنا نعيش سابقاً في عصر الاستقرار والدهشة، لقد تغير الأمر الآن، بسبب ظهور التلفزيون -مثلاً - فقد باتت الصور تستنفد كل وقتنا، وتستهلك أعصابنا، فضلاً عن أن الدهشة انتقلت إلى عنصر آخر في القص، لنكون أمام دهشة التقنية، فضلاً عن أن العلاقة بين القارئ والمتلقي قد تغيرت، وفقاً للمستجدات الهائلة، وبات على الكاتب الانتباه تماماً إلى هذه المعادلة .
وقال عبدالرضا السجواني: نحن ككتاب نقرأ لكل من يكتب وينشر، ويستوي هنا المبتدىء مع الضليع، وقراءاتنا تتجاوز محليتها إلى الدوائر الأوسع، وتكون قراءة الكاتب مختلفة، فهي للتذوق، ولاكتشاف الجماليات والمضامين، وشاعرية القصّ، أعترف أنه حالياً ثمة ضمور لفن القص، فقد سبق لجيلنا أن اكتشف الكثير في قصص العديد من الرواد، في تصوري أن الولع بالتجريب أضاع عليهم الكثير، وهناك قصص نقرؤها فنرغم أنفسنا لإكمالها حتى نهاياتها، أنا كقارئ من حقي أن أبحث عما يهزني من داخلي، أتذكر في عام 1986 عندما كنت أعمل في اتحاد الكتاب كثيراً ما كان يسألني عبدالحميد أحمد مابك اليوم على هذه الحال مغتماً؟ فكنت أجيبه: لأنني قرأت أمس قصة مؤثرة مازلت أعيشها، ما أحوجنا الآن إلى تلك القصص التي تنبض بالحياة!
وأضاف السجواني: القرآن الكريم يصرح: نحن نقص عليك أحسن القصص، فمن الأولى أن يأتي الكاتب بأحسن ما عنده من مضامين، وفنيات، ولغة، جميلة، ذات معنى، دلالي، وهدف سامٍ .
وقال الناقد عزت عمر: الآن، هناك قصص أفضل بكثير من القصص التي قرأناها من قبل، فهي متأقلمة مع عصرها، أنا شخصياً أجد بين حين وآخر قصصاً متميزة، ربما أن العلة تكمن فينا نحن، إذ لم نعد نقرأ بالروح التي كنا نقرأ بها، والمرء عدو ما يجهله، وأعترف أن هناك أشكالاً قصصية رائعة، تتلاءم مع ثقافة العصر، ولابد من البحث عنها، من قبل من يروم الوقوف على حقيقة ما يكتب في عالم القص .
وقال الناقد د . هيثم يحي الخواجة: أعتقد أن القصة الإبداعية المثيرة تتعلق بأمرين: المبدع نفسه، والموضوع المطروح، ونظراً لأن الذين يكتبون القصة القصيرة راحوا ييممون أوجههم صوب الحداثة، وما بعد الحداثة وأهملوا ما يسمى بالموضوع المتعلق والمثير، كما أهملوا اللغة الدلالية والاشتقاقية التي تخدم الموضوع، كل ذلك أثر في تألق القصة، فلم نعد نجد قصص يوسف إدريس، أو زكريا تامر، ولكن هذا الكلام، لا يمكن تعميمه، فأنا أحترم على سبيل المثال لا الحصر ما يكتبه محمد محيي الدين مينو وسامر الشمالي، إضافة إلى ما يكتبه بعض القصاصين في الجزائر من أمثال: د . عزالدين جلاوجي وما يكتبه في المغرب من أمثال مبارك ربيع . . إلخ .






رد مع اقتباس